المدرحية:نقدٌ على نقد(14)

 

مقدمة في المنهج المدرحي

لفهم المنهج المدرحي الذي ينتهجه سعادة في بلوغ الحقائق التي تقول بها فلسفته، لا بد لنا من إلقاء نظرة ولو وجيزة، على ما هو المنهج، حنى لا تبقى المصطلحات التي نستخدمها على اطلاقها، كل يقول بمفهوم خاص، يقوم على سعة المعلومات التي لديه كما ونوعا، وبما يسمح به البحث للحيلولة دون الخروج عن محوره..

المنهج تعريفا هو الأسلوب أو الوسيلة أو الصيغة التي يعتقد الباحث ـــ أيا كان ـــ أنها تفيد في بلوغه خلاصات موضوعه، أي حقائقه..

والمنهج بحد ذاته، هو فرع من فروع المنطق، الذي يفترضه العقل البشري لعدم تناقضه مع ذاته، والمنطق كما المنهج ، هو الصيغة أو الأسلوب أو الوسيلة الفكرية التي يعتمدها العقل وفق فيزيولوجيته، أي الطريقة التي تتعامل من خلالها مكونات العقل البشري (المخ والمخيخ والبصلة السيسيائية) * كلٌ وفق خصائصها التي تمتاز بها، مع الأخرى، حيث ينعكس الواقع عبر أدوات العقل (الحواس الخمس) انعكاسات مختلفة بعضها يعود للموضوع بذاته وبعضها الآخر يعود لمدى فاعلية أجزاء العقل ومكوناتها مع ما تتلقاه من معلومات على شكل ومضات كهربائية..

سبق لنا وأشرنا، في إحدى حلقات هذا البحث الى أننا عندما نقول، على سبيل المثال “جيولوجيا” فنحن نقصد بذلك ” منطق طبقات الأرض” و”المفردة ـ المصطلح” جيولوجيا، تقسم الى قسمين الأول هو طبقات (جيو) أما الثاني فهو منطق (لوجيك ـ Logic) سيسيولوجيا، تاليا تعني منطق الاجتماع البشري، من حيث عوامله وأسبابه ونتائجه، فمهمة عالم الاجتماع إذن هي: تفسير أو الإجابة على سؤال ” لماذا الاجتماع البشري على هذا النحو دون ذاك؟ متبعا في إجابته طرقا مختلفة أو معتمدا على حقائق أولية أو رؤيته الخاصة، ليبني عليها إجابته..

اختلفت المناطق (جمع منطق) بعضها عن بعض وفق ما تقدم وتاليا المناهج، بحيث اختصَّ كل عالم اجتماع برؤيته للواقع الاجتماعي الذي يعاينه، فنشأ عن ذلك تعددا في المناطق تبعا للموضوع كما أشرنا آنفا أو للأسلوب الذي اتبعه العالم الاجتماعي في رؤيته، فهناك على سبيل المثال، منطق صوري، منطق حيوي، منطق لغوي، منطق ارسططالي، منطق رياضي.. الخ، سعادة ووفق رؤيته المدرحية، رأى أنه لا يمكن تعميم المشكلات التي ينتهجها أو يبتدعها العقل في فهمه لموضوعه، على موضوعه، ذلك أن العالم، المادي والنفسي، لا يمكن تجزئته وفق ذلك، فسعادة يقول بأسبقية الوجود المادي على الوعي، وتاليا لا يمكن تصور الواقع، أيا كان، وفق ما يراه العقل بناءً على فيزيولوجيته، حينها يكون الوجود المادي انعكاسا للوعي وليس العكس، أو بناءً على قواعد أو معلومات غير مثبتة علميا، بالتجربة أو بالاستدلال عليها من خلال الوقائع التي تؤيدها ولا يكون للعقل فيها أي تدخل، فعلى سبيل المثال، في إجابة سعادة على سؤال: لماذا العالم، على ما هو عليه، واقع أمم؟ كانت إجابته: لأن العالم واقع بيئات، ” إنّ تقسّم الأرض إلى بيئات هو السّبب المباشر لتوزّع النّوع البشريّ جماعات. فالبيئة كانت ولا تزال تحدّد الجماعة، لأنّ لكلّ بيئة جغرافيّتها وخصائصها، كما مرّ بك. فلو أنّ الأرض كانت سهلاً منبسطاً في درجة واحدة من الحرارة والرّطوبة، خالياً من الحدود الجغرافيّة من صحاري وجبال وأنهار وبحار، لكان من البديهيّ أنّ يؤدّي انتشار النّوع البشريّ فيها إلى إنشاء جماعة واحدة كبيرة..” يستدل سعادة إذن من الواقع الموضوعي على نتائج هذا الواقع، اجتماعيا، وفي غوصه في مراحل تاريخ التطور البشري، حتى مراحله الأولية، حيث الانسان في حيوانيته، وجد أن الانسان كان مجتمعا، ووجد أنه بالرغم من التطور اللاحق وحتى بأشواط طويلة، أبقي الانسان على حالته الاجتماعية، فقال:” ولقد تكلّمنا عن الاجتماع البشريّ، وأشرنا إلى أنّه عريق في القدم وأنّه صفة بشريّة عامّة، حتّى إنّ ما قلناه بهذا الصّدد ليحمل على الاعتقاد أنّ اجتماعيّة الإنسان شيوعيّة بلا حدود أو قيود، والواقع غير ذلك. فالمجتمع الإنسانيّ ليس الإنسانيّة مجتمعة، ومن يدري هل يقدّر للإنسانيّة أن تصير مجتمعاً واحداً في مستقبل العصور؟ ” سعادة في بحثه عن حقائقه، يستنطق الواقع الموضوعي مستخرجا منه قواعده في بناء فلسفته، ولا يستقرئ الواقع ليبني عليه أحكاما مطلقة خارجة عن حدود الزمان والمكان، بالمعنى الماركسي الذي تنبأ ، بناء على معاينته لواقع المجتمعات الأوروبية في القرن التاسع عشر أحكاما ثبت بما لا يقبل جدلاً، أنها مجرد تهيئات لماركس أو أنغلز، وعلى سبيل المثال، أيضا، فإن منهج سعادة في التحري عن العوامل والأسباب، لأية موضوعة يواجهها، ينهج منهجا تحليلياً، يغوص الى أعمق أعماقها بما لا يترك مجالا للشك لديه، ليعيد ترتيبها من جديد في منهج تركيبي، ينتهي به الى نتائج أقرب ما تكون الى الموضوعية، لكنه مع ذلك لا يطلقها أيما اطلاق، ففي استقصائه عن السلالات البشرية، مثلا، لا يقف موقف كارل ماركس من السلالات حيث اعتمد ماركس مفهوم السلالة العامي وتعامل معه كواقعة ملازمة للبشرية، سعادة يدقق حتى في المفاهيم والمصطلحات التي تواجه أبحاثه، فلا يتركها على الغارب، يعاينها يحللها ويعيد ترتيب جزئياتها ويبني عليها حقائقه، يغوص محللا مصطلح السلالة بدئا من مدلول السلالة العامي، الى معتقدات السلالة في مختلف القارات، الى عقائدها، ونظرياتها ليعود بانيا موقفه منها بدراسته لنشوئها وأعدادها وتأثيرها في عقول معتنقيها، يقول:” إذا تركنا وجهة التّخمين والتّقديرات التّخيّليّة في الفوارق الظاهرة في جماعات النّوع البشريّ وبحثنا عن مدلول كلمة [السّلالة] العلميّ وجدنا أنّ هذه اللّفظة هي من مصطلحات العلم الطّبيعيّ. والغرض منها تقسيم النّوع الواحد إلى فروع (أجناس) تتوارث صفاتها ومزاياها الخاصّة (7)، أمّا النّوع فيقصد منه تحديد الكائنات الحيّة الّتي ينتج تزاوجها نتاجاً ناجحاً يكون له ذات المقدرة بلا حدود (8). فالأجناس تقبل الاختلاط والتّزاوج والإنتاج ويمتنع ذلك في الأنواع إلاّ شذوذاً نادراً” يضيف: “إذا تركنا المعتقدات السّلالية والنّظريّات المبنيّة عليها جانباً وعمدنا إلى الوجهة العلميّة من الموضوع وجدنا السّلائل البشريّة خاضعة لعلمين رئيسيّين يتناولانها بالدرس في دوائر اختصاصيّة، هما الإثنلوجية، أو علم الأقوام أو السّلائل البشريّة (25) والأنثروبولوجية أو علم الإنسان ” . وما ندخل هنا في أيّ بحث يتناول تعليل حدوث هذا التقسيم التّنوّعيّ لسببين:

أولهّما أنّه ليس غرض هذا الكتاب التّحقيق في هذا الموضوع المستقّلّ.

والثاني أنّ آراء العلماء وأدلّتهم ليست متّفقة بهذا الصّدد فيكون الخوض فيه خطراً. ولكنّه لا بدّ لنا في سياق هذا البحث، من أن نعرض لبعض النّظريّات العلميّة في ذلك، من باب التّوسّع الّذي لا يدخلنا في خطر إصدار أحكام عامّة جازمة.” لكنه (سعادة) يبني على ما تقدم نظريته في هذا الموضوع ويقول:” والّذي نرجّحه أنّ السّلالات البشريّة هي عدّة تطوّرات أو سلسلة تطورّات حدثت في ظروف وبيئات تطوريّة، أي قبل استقرار البيئة الطّبيعيّة على حالتها المعروفة الآن، وقبل أن يكون الارتقاء قد مكّن الإنسان من التّحوّط ضدّ اختلاف البيئات. فإذا كان الأمر كذلك، وهو ما نرجّحه، فقد توافقت نظريّة القائلين بخضوع السّلالة للبيئة والقائلين باستقلال السّلالة عن البيئة..” في قول سعادة:” فقد توافقت نظريّة القائلين بخضوع السّلالة للبيئة والقائلين باستقلال السّلالة عن البيئة..” تتضح منهجية سعادة في فلسفته المدرحية، من أنها:” الـ Synthese أو المخرج النظري من تعارض النظريتين، مذهباً واحداً هو القومية. إن في هذا المبدأ إنهاء جدل عقيم يهمل الواقع المحسوس ويتشبث باللاحسي ــ جدل يحل علم الكلام محل علم الاجتماع..”

في شرحه للمبدأ الأساسي الرابع، يعلن سعادة صراحة عن منهجه يقول:” “يتبع هذا المبدأ مبدأ التسلسل التحليلي. فهو تحديد لماهية الأمة المذكورة في المواد السابقة. وهو من حيث مدلوله الاثنلوجي يحتاج إلى تدقيق وإمعان..” يضيف ويعلن:” “.. القصد منه إعطاء الواقع الذي هو النتيجة الأخيرة الحاصلة من تاريخ طويل يشمل جميع الشعوب التي نزلت هذه البلاد وقطنتها واحتكت فيها بعضها ببعض واتصلت وتمازجت، منذ عهد أقوام العصر الحجري المتأخر..” يتبع التحليل منهجاً آخر هو المنهج التركيبي في قوله:” هو النتيجة الأخيرة الحاصلة من تاريخ طويل..”

ليست المدرحية في حقيقة الأمر سوى رفض لتجزئة الوجود وفق توصيفات العقل، فوحدة الوجود كلٌ لا يتجزأ، وإن كان ذلك من ضرورات المعرفة، فتبقى تلك التوصيفات لا تتنافى ووحدة الوجود، فسعادة عندما يحلل الواقعة الطبيعية أو الاجتماعية، يُبقيها في حدود جزئياتها، دون تدخل منه إلا في تموضعات تلك الجزئيات، في تحليلات أخرى لنظريات أخرى، هو يعيد ترتيب أولوياتها ليبني عليها نظريته في منهج تركيبي يتبع به منهجا وصفيا يرصف من خلاله معياريا ما ينتهي اليه توصيفه، في نظرته للإنسان، يرفض سعادة اعتبار الفرد مقياسا للحقيقة” فالأفراد يأتون ويذهبون، يتساقطون تساقط أوراق الخريف، أما المجتمع فباقٍ” المجتمع، ها هنا، تعبير عن وحدة الوجود، عن الاستمرارية أو التكرارية ، والتي يعتبرها سعادة جوهر الواقعة الطبيعية أو الاجتماعية، أو بالأحرى، القانون الموضوعي الذي لا محيد عنه، والذي لا يقبل تحييدا، أو إهمالاً، أو تجنيباً، لذا ، كان المجتمع، كلاً لا يمكن تجزئته، الى أفراد وأجيال ومقاطع تاريخية وأخرى بنى طائفية أو عرقية أو اقتصادية، هي تشويه لوحدته كوجود موضوعي لا يقبل بأية حال التجزئة إلا في حدود بيان سلبيات الواقعة( الطائفية ، الطبقية، العرقية، اللغوية، الدينية..) أو إيجابياتها..

سعادة، يدرس الواقعة الطبيعية أو الاجتماعية، فيصفها بطريقة علمية، أقرب ما تكون الى المنهج المقارن، والذي يعتبر من أفضل الطرق للوصول لتفسيرات منطقية لها دلالاتها وبراهينها ومن ثم يضعها في أطر، محددة لها، لكنها تبقى تنتمي لوحدتها التي لا تقبل التجزئة، وهذا هو بحد ذاته المنهج الوصفي الذي يتبعه في مختلف مقارناته، يقول:” يمكننا الآن أن نتقدّم بارتياح إلى النّظر في خصائص أو مزايا المجتمع البدويّ والمتوحّش.. ونوعا هذه الجماعات الأوّليّ والبربريّ يشتركان في العادات الاجتماعيّة والأذواق بحكم مستوييهم الاقتصاديّين المتقاربين. فترى الضّيافة الّتي تفرضها عليهم أحوال معاشهم صفة عامّة عندهم على السّواء وكذلك تعاملهم فيما بينهم، وخصوصاً معاملتهم المرأة (76). وما يروى، مثلاً، عن كرم العرب وفروسيّتهم والشّعور بالشّرف عندهم وضيافتهم، يروى مثله عن أهل بلاد النّار (تراد لفويقو) وهنود أميركا والفيجيين والطنقوسيين (77) فهذه الصّفات المشتركة تظهر بقوّة في الشّعوب الّتي لمّا تحرّكها الثّقافة الزّراعيّة التجاريّة وساعدتها أحوال معاشها الضّيّقة على حصر قواها النّفسّية في بعض المظاهر المحدودة. ونرى أذواق هذه الجماعات مشتركة حتى في الطّعام. فهم، لجوعهم، يزدردون الطّعام بطريقة لا تسمح بالتّلذّذ به على حدّ الجماعات الرّاقية، حتّى إنّ بعض العلماء يذهب إلى جعل درجة لذّة الطّعم في عداد الفوارق بين الأقوام الأوّليّة والشّعوب الرّاقية، وجميع هذه الجماعات أو المجاميع لا تعرف توزيع العمل.. وبالإيجاز نقول إنّ أغراض الجماعات الأوّليّة المتوحّشة والجماعات البربريّة المنحطّة أو المتأخّرة محدودة جداً بالنّسبة إلى أسباب سدّ الحاجة المعاشيّة مباشرة أو مداورة إلى مدى محدود..” منهج وصفي لا يقتصر على عينة محددة بل يعمل على مقارنتها بما يشابهها في خصائصها وما يخالفها في ذلك..، من الوصفي الى المعياري، ونقصد بالمنهج المعياري، كيفية ترتيب عناصر الواقعة الطبيعية او الاجتماعية، وفق أفضل المعايير التي تجعل من الانسان قيمة بحد ذاته، وأيضا هنا يعمل سعادة على اشتقاق معاييره من الحالة التي يعاينها، وبما يتناسب وامكانتها، وما يحقق لها مرمى وجودها في وحدته..

لكن كيف يجمع سعادة في منهجه المدرحي عددا من المناهج في آن؟

لا يرى سعادة وقائعه الطبيعية والاجتماعية في جزئيتها، بل تبقى كلٌ منها، أياً كانت، في مجمل ارتباطاتها مع وقائعه الأخرى، فالعام عند سعادة لا يمحو الخاص، هذه مسألة جوهرية في فلسفته المدرحية، ففي نظرته للإنسان ـ المجتمع يرى الفرد مجرد إمكانية، لكنه، في التاريخ يبقى القول الفصل، يقول:” والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة..” ومع ذلك يرفضه رفضا قاطعا من أن يكون، في واقعة الديموقراطية شريكا مباشرا في تقرير مصالح الدولة، يقول: “إنّ العقل السّوريّ العمليّ لم يكن يميل إلى تخيّلات فاسدة من الوجهة العمليّة. ولذلك فهو قد اكتفى من التّجربة الإغريقيّة للحكم الشّعبيّ، بواسطة الشّعب أجمع، بالمشاهدة. إنّه لخيال بديع، في نظر غيري، وخيال سخيف في رأيي أن يكون كلّ فرد من أفراد المدينة المعترف بهم [شريكاً] فعليّاً في إدارة الدّولة. إنّ المدينة السّورية ظلّت محافظة على الفرق بين السيّاسة والاجتماع، وهذا الفرق هو ما مكّن الدّولة من اطّراد تقدّمها..”

في منهجية سعادة، تبقى ثلاثياته في حالة تداول الأدوار، في اطار الزمان والمكان ( جسم ، محيط، نفس، ـ قضاء، تشريع، تنفيذ، ـ ماضي، حاضر، مستقبل، ـ الهو، الأنا، الأنا العليا،ـ الغريزة، العاطفة، العقل، ـ البيولوجي” الحيوي”، الفيزيولوجي” الوظيفي”، السيكولوجي” النفسي”.. الخ) لا يلغي أيٌ منها الآخر، تبقى في ترابطها وفي وحدتها، كلٌ لا يتجزأ، يتبوأ كل منها القيادة حتى درجة الاشباع، ليتنحى بعدها فاسحا المجال رحبا للآخر سدة القيادة مشاركا مشاركة فعَّالة في تنفيذ مقرراته، هكذا لا يلغي التحليلي المنهج التركيبي، كما لا يلغي هذا الوصفي، وفي المنهج المقارن، يأخذ كلٌ من هذه المنهاج دوره في القيادة، أما المعياري “القيمي” فيبقى في حالة انتظار ليقدم له الجمع خلاصات أفعالهم وأعمالهم، ليخط عليها القيمة الفضلى لإنسانه.

على قاعدة / شرط الوضوح التعين/ يحدد سعادة مواصفات منهجه في التزامه بقوننة خلاصاته، بالقانون العام لفلسفته، “الناموس” الذي يقول به:” أنّ النّاموس اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة لا أنّ الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها. وفي كلّ النّواميس الّتي نكتشفها يجب أن لا ننسى أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب أن لا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الّذي نعرفه بها. فكوننا اكتشفنا ناموساً أو ناموسين من نواميس الحياة العامّة يجب أن لا يحملنا على نسيان الواقع الطّبيعيّ ونواميسه الأخرى، فالنّواميس لا تمحو خصائص الأنواع. وإذا كنّا قد اكتشفنا سنّة التّطوّر فيجب أن لا نتّخذ من هذه السنّة أقيسة وهميّة تذهب بنا إلى تصّورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة.”

في تعريفه للناموس، أي القانون العام، أو المقولة التي تجمع شتات العلوم في صيغة جد مختصرة تفسر جملة من العلاقات لواقعة أو وقائع طبيعية أو اجتماعية، يضع، سعادة مرتكزات فلسفته المدرحية، فالناموس، القانون العام، المقولة، هو مجرد مصطلح (من اصطلح، اتفق)، اتفاق بشري، على أن هذا الشيء هو كذا وكذا، ومن حيث هو كذلك أي اتفاق، فهو يحتمل الخطأ والصواب، وخير مثال على صحة ما يذهب اليه سعادة، أنه وعلى مدى ثلاثة قرون، سيطرت نظرية نيوتن في الجاذبية على مختلف فروع الميكانيك، حتى أطل انشتاين بنظرية” وهم الجاذبية” فقلب موازين الرياضيات رأسا على عقب.. بما يعني أننا وإن اتفقنا على مسألة ما طبيعية أو اجتماعية، فهذا الاتفاق قابل للتعديل أو التغيير.. ذلك أن المادة السابقة للوعي، تبقى على ما هي عليه وإن انعكست في الوعي على غير ما هي عليه..

يضيف، مدللا على موضوعه” لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة..” بما يعني أيضا أن موضوعه هو الوجود بكليته وليس ما وراء الوجود، ذلك أن هذا ال” ما وراء الوجود” هو مجرد افتراض كما العدم، كما البداية والنهاية، والتي هي بمجملها انعكاس للمادة في الوعي، فالشيء في الوعي يفترض نقيضه، مقتبسا من تجربة الوعي في ثنائية الليل والنهار، الأبيض والأسود، الأعلى والأسفل.. لكنه لا يوجد في الطبيعة ولا يحرك في الحياة شيء، بين الوجود بالفعل والوجود بالقوة، ينحاز سعادة كليا الى الأول ويرفض رفضا قاطعا الثاني..

من وجهة نظر سعادة، ليست الطفرة بقانون وإن حدثت، ذلك أنها لا تملك خاصية وصفة الديمومة، أو الاستمرار، أو المتكرر، خاصية الاستمرار في التأثير، في الفعل، تبقى هي الجوهر الذي يدلل على تأثير هذا على ذاك، وتاليا هو ما يمكن قوننته، لذا كان القصد من الناموس” تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة..” عند سعادة ليس الفرد مقياس الأشياء، لأن الأفراد يأتون ويذهبون.. أما المجتمع فباق، الفرد مجرد “طفرة” الإستمرارية للمجتمع.. من هنا كان الانسان ـ المجتمع هو الناموس في الاجتماع البشري..

يقول:” لا أنّ الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها..” وجهان لهذه الخاصية للناموس، وجه معرفي، أي أن الناموس قابل للتغير أو التبدل أو التطور، والوجه الآخر، أن لا مطلق في الوجود، وكل الأوامر والنواهي التي جاءت بها الفلسفات ليست سوى وهم ابتدعه الوعي ” كل مطلق ليس واضحاً هو نسبي مهما قيل إنه مطلق غير نسبي. كل مطلق مبهم هو لا شيء..” ولا يستثني سعادة فلسفته التي تتمحور، اجتماعيا، حول فكرة الأمة، من ذلك في قوله:” ومن يدري هل يقدّر للإنسانيّة أن تصير مجتمعاً واحداً في مستقبل العصور؟” بمعنى أنه لا يطلق لنظريته الديمومة على مدى العصور القادمة، بل هي خاضعة بدورها لناموسه، الذي يقبل بالتغير أو التبدل أو التطور، فقد تؤول العلاقات بين الأمم الى وحدتها في مجتمع عالمي تمحي به الفوارق بين الأمم نتيجة التحاك اليومي عبر مختلف الوسائل التي يمكن للعقل أن يبتكرها مقاربا بين الجماعات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا..

يضيف قائلاً:” وفي كلّ النّواميس الّتي نكتشفها يجب أن لا ننسى أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب أن لا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الّذي نعرفه بها..” مقياس الخطأ والصواب عند سعادة، هو الحياة، كل ما يعيق حركة الحياة في تطورها ليس بناموس، ليس بقانون، ليس بمقولة، هو مجرد إعاقة لمسيرة الحياة، هو تجزئة لوحدة الحياة المادية ـ النفسية، التي لا تقبل التجزئة، مهما دعي اليها انعكاس الوجود في تشظياته، في الوعي..

في قوننته للحقيقة، لا يغفل سعادة أنها مستخرجة من الوجود الموضوعي، الطبيعي والاجتماعي، لذلك يشترط عدم اطلاقها، بمعنى تعميمها على ما تبقى من نواميس فالعام لا يمحو الخاص، يقول:” فكوننا اكتشفنا ناموساً أو ناموسين من نواميس الحياة العامّة يجب أن لا يحملنا على نسيان الواقع الطّبيعيّ ونواميسه الأخرى، فالنّواميس لا تمحو خصائص الأنواع..” من هنا كان اعترافه بالفرد على أنه مجرد إمكانية لكنه في الوقت عينه، من العوامل الفاصلة في التاريخ كما وأنه” قد يكون حبّ المجد هو الموحى أو الدافع لبعض الأشخاص على العمل للمصلحة العامّة، فتكون المصلحة في هذا المثل مركّبة بالنّسبة إلى الشّخص، ولكنّها بالنّسبة إلى العموم عامّة بسيطة، وهنا نضطرّ إلى التّمييز بين المصلحة العامّة الأوّليّة بالنّسبة إلى الكلّ وبين المصلحة العامّة الثّانويّة بالنّسبة إلى الشّخص الّذي يتّخذ من المصلحة العامّة وسيلة لمصلحة شكليّة شخصيّة (حبّ المجد) هي المصلحة الأوليّة له. فالأساس الاجتماعيّ للمصلحتين واحد هو خير المجتمع وهو وحده يوجد علاقة المصلحة الاجتماعيّة الثّابتة. ومهما يكن من الأمر في هذه المسألة فمصلحة المتّحد تظلّ قائمة لأنّها دائمة..”

يقول:” وإذا كنّا قد اكتشفنا سنّة التّطوّر فيجب أن لا نتّخذ من هذه السنّة أقيسة وهميّة تذهب بنا إلى تصّورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة.” سعادة هنا يؤكد على ضرورة حصر القانون أو المقولة أو الناموس في نطاقها، دون تعميمها على ما يتعداها، في إشارة الى المادية الديالكتيكية في اسقاطاتها قوانين الطبيعة على الاجتماع البشري، مما أدى بها الى تصور حتمي لمجتمع مشاعي هو الأخير في التطور الإنساني حيث تتناهى الدولة لمجرد ” مصلحة بريد” ويضيف أنه لا يمكن ذلك ليس بين الطبيعة والمجتمع فحسب، بل لا يمكننا ذلك حتى في حالات تتقارب فيها بعض الخصائص بين الحيوان والانسان، يقول:” وإذا كان الإنسان يقع، من الوجهة الإحصائيّة، في جدول الحيوانات المتجمهرة، فلا يعني ذلك بوجه من الوجوه أنّ بينه وبين الحيوانات والحشرات المذكورة قرابة اجتماعية تمكّن من استخراج أقيسة عامّة تطبّق على كلا الحيوان والإنسان، كما ظنّ ويظنّ عدد من الكتّاب الاجتماعيّين وغيرهم. وإنّ من أكبر الأخطاء الّتي وقع فيها هؤلاء الكتّاب محاولتهم تطبيق أحوال المجتمع الإنسانيّ على مظاهر تجمهر الحيوانات والحشرات واتّخاذ قواعد اجتماعيّة من هذا التّجمهر ومظاهره. وإذا كان في أنواع حياة الحيوانات والحشرات المتجمهرة شيء ذو فائدة للإنسان فليس ذلك في واقع التّجمهر بل في الحقائق الأخرى الّتي نتوصّل إليها بالدّرس في جميع الحيوانات والحشرات، سواء أكانت من المتجمهرة أم من غيرها ففي الحياة سنن عامّة تجري على الأجسام الحيّة كلّها. على أنّ في المتجمهرة منها فائدة أخصّ..”

يقف سعادة موقفا صارما من اتباع منهج القياس في الموضوعات التي تتطرق لها العلوم الاجتماعية أو الإنسانية بصورة عامة، يقول:” إنّ القياس كان ولا يزال مصيبة كبيرة في الأبحاث العلميّة الاجتماعيّة، خصوصاً في الأبحاث الّتي لا تجرّد علم الاجتماع من النّظريّات الفلسفيّة، من الفلسفة الاجتماعيّة، وهو الالتجاء إلى القياس ما أوجد شيئاً كثيراً من الخلط في المسائل الاجتماعيّة عموماً ومسألة الأمّة والقوميّة خصوصاً..”

بناء على ما تقدم، فإن المنهج المدرحي، يتصف بقابليته للتطور تبعا لمستجدات الواقعة الطبيعية أو الاجتماعية باعتبار أن النواميس ليست سوى انعكاس للموضوعي في الوعي الذي قد يقتصر في خلاصاته على معلومات غير مكتملة من الوجهة الموضوعية أو الذاتية أما الصفة الثانية فهي أنه يقتصر على المتكرر في الواقعة، من حيث أن المتكرر، هو جوهر الواقعة، أما الصفة الثالثة فهي أنه مشتق من الواقعة بذاتها وغير متعارض معها، وأما الصفة الرابعة والمكملة لقابليته للتطور أنه ليس مطلقا بل نسبيا متوافقا ونسبية المعلومة التي يقوم عليها، أما الصفة الخامسة وهي جوهره أنه يعبر عن وحدة الوجود الطبيعي والاجتماعي الذي يعاينه وغير متجاوز لها، لهذا فهو يجمع مختلف مناهج البحث العلمي بادئا بالمنهج التحليلي مصنفا جزئيات الواقعة وفق أولوياتها بالنسبة لوحدتها، ليقيم عليها بناءه عبر منهج تركيبي، لا يهمل في أي جانب من جوانبه الوصفية بغية بلوغ مرتكز يحقق له منهجه المعياري ـ القيمي ، فالمنهج المدرحي اذن هو وحدة المناهج في قراءة ودراسة واستخلاص النتائج التي تكشف عنها الواقعة الطبيعية أو الاجتماعية..

في الختام، لا بد لنا من الإشارة الى ما يشير اليه / عبد الرحمن بدوي/ في توطئته لدراسة / مناهج البحث العلمي/ مستخلصا إياها من جملة ما قيل في توصيف مختلف مناهج البحث، يقول:

والنتيجة لهذا إذن، أن الفصل بين المناهج العلمية غير ممكن في البحث العلمي: ولكننا نقوم بهذا التقسيم من أجل دراستها فحسب، وعلينا إذن أن نراعي تلك الوحدة، وأن لا نعد هذا التقسيم، تقسيما مطلقا، فهي كلها في الواقع خطوات مختلفة في منهج واحد عام قد نسير بها كلها بالنسبة الى مسألة واحدة في علم واحد..”

بعد أكثر من نصف قرن على ما يقدمه سعادة في أبحاثه، يقتفي أثره علماء الاجتماع كافة متجاهلين أنه واضع أسس علم اجتماع جديد، يبقى مهما قيل عنه نظرة جديدة بالفعل الى الحياة والكون والفن .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ