المدرحية :نقدٌعلىنقد(2)

بداية ، لا بد من التنويه، بأن نقدنا لمختلف ما كُتبَ في “المدرحية” يبقى اقتباسا(1) عما ألمح اليه وأورده الأمين “حيدر الحاج اسماعيل” في كتابه المشار اليه، وهو اقتباس ، قد لا يفي بحاجة  إيفاء كتابها حقهم مما كتبوه، لأسباب عدة، أبرزها، أن قراءة الأمين حيدر تعكس رؤيته الذاتية لما كُتبَ من خلال تعريفه الخاص للمدرحية والتي تطغى عليها بالدرجة الأولى دراسته ، التي أسبغت على تعريفه للمدرحية نسقا صارما، رياضي النزعة، أقرب ما يكون “للمنطق الرياضي“..

يحسم المؤلف موقفه من كتاب نشوء الأمم ” مرة واحدة والى الأبد” ..بقوله:”..  أن ذاك الكتاب “كتاب اجتماعي علمي بحت ..”ويضيف ” ولأن العلوم مادية ، موضوعات ومناهج، فإن كتاب نشوء الأمم كتاب مادي،  أي أن الدرس الذي أنشأه سعادة في ذلك الكتاب حول الأمة ، سواء لجهة نشوئها أو لجهة تعريفها ، هو درس مادي والنتائج التي توصل إليها هي نتائج مادية ، تبعا لذلك ، فلا سبيل الى الوهم بان ذاك الكتاب هو في الفلسفة المدرحية أو أن درسه هو درس فلسفي مادي ـ روحي ، إنه كتاب في علم الاجتماع القومي وعلم النفس الاجتماعي ، والعلمان ماديان.. ” يضيف قائلا أنه ”  تجنب التكرار لأن الفكرة المركزية مبثوثة ومكررة في قراءتنا النقدية التي تؤلف القسم الثاني من الكتاب ..” مؤكدا:” أن دراسة الفلسفة القومية الاجتماعية (المدرحية) تتخذ صورة أكثر وضوحا وتكون أغنى فائدة إذا كانت دراسة مقارنة (2) .. ويُقَسِّم المؤلف دراسته للمدرحية على النحو التالي : 1 ـ مكتوبات سعادة .2ـ المبادئ الفلسفية . 3 ـ علاقة الفلسفة بالعلم . 4 ـ الاختلاط الفكري ( حول معنى الأمة ). 5 ـ الوجهان الحقائقي (العلمي) والمناقبي ( الفلسفي) للمبادئ. 6 ـ الرسالة. 7ـ المدرحية . 8 ـ المصطلحات . 9 الوظائف .

ما يهمنا من هذا التقسيم الفقرة السابعة دون سواها فما تقدمها تمهيد لها وما لحقها قائم عليها..

  يقول في تعريفه للمدرحية : ” الفلسفة المادية ـ الروحية، هي، الفلسفة القومية الاجتماعية الموجودة في المبادئ .. إن الفلسفة الماديةـ الروحية هي فلسفة الأمة لجهة نهضتها ماديا ـ روحيَّا.” وفي ماهية العلاقة بين المادة والروح يقول:”.. إن العلاقة العلمية هي علاقة ترافقية أو علاقة ترابط .. نقول ذلك لكي ننفي أن العلاقة سببية.. ذلك أن مبدأ السببية من الفلسفة وليس من العلم ..أما العلاقة الفلسفية فإنها علاقة وجوبية ـ مناقبية ..”

يبدو واضحا أن هذا التعريف لا يأتي بجديد ، سوى أن المدرحية هي المبادئ الأساسية والإصلاحية والغاية، التي شكلت المحور الرئيس أو العمود الفقري للحزب الذي أسسه متوخيا منه تحمله مسؤولية نهضة أمته السورية..

ما نعتقده، أن هذا التعريف يفتقر للكثير من نقاط الارتكاز التي تقوم عليها ـ من وجهة نظرنا ـ الفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية، نقول ذلك عملاً بما يلي:

ـ لم يقدم لنا المؤلف تعريفا محددا للمادة والروح، بل تركهما كمصطلح لمفهوم متداول لدى العامة والباحثين على حدٍ سواء، مما يجعل القارئ ـ عاديا أم باحثا ـ يضفي من فهمه الخاص عليهما ما يناقض فهم سعادة لهما، والذي يمكننا بلوغه من تحليلنا لقول سعادة:” تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع..” بمعنى أن ما تناوله في الفصول (1و2و3و4و5) يشكل ” الأساس المادي” بينما يأتي الفصل السادس وما تلاه ليشكل “الأساس النفسي” فالمادة عند سعادة هي البيئة الطبيعية من حيث هي وجود موضوعي مستقل كل الاستقلال عن الانسان وجودا ومعرفة، فالمادة وفق سعادة هي كل وجود موضوعي، لا يستمد كيانه الذاتي من الانسان وجوداً ومعرفةً  ، فهو موجود رغما عنه شاءه أم أباه، تعرَّف عليه أم لم يعرفه، له خصائصه ومواصفاته التي هو عليها، وهذه هي الحقيقة الجوهرية لمفهوم مصطلح المادة عند سعادة واعتماده مقولة : ” المادة تعين الشكل ” لم يأتي من فراغ، بل من واقع موضوعي يعترف به اعترافا واضحا وجلياً،  يقول: ” فالأرض تكيّف الإنسان وهو بدوره يردّ الفعل ويكيّفها.. يكيّف الإنسان الأرض ولكنّ الأرض نفسها تعيّن مدى هذا التّكييف وأشكاله حسب بيئاتها الإقليميّة..” واضحٌ كل الوضوح أن الأرض، الطبيعة، البيئة، هي التي تحدد للإنسان كيف يجب أن يتعامل معها، كوجود موضوعي وليس العكس، لا بدَّ له ـ للإنسان ـ من التكيف وفق ما تختزنه من مقومات، بل وأكثر من ذلك يكون تأثيرها عليه أكبر بكثير من تأثيره هو عليها، يقول سعادة: ” فالبيئة كانت ولا تزال تحدّد الجماعة.. تحدّد البيئة الجماعة من عدّة وجوه، أوّلها: حدود الإقليم الجغرافيّة. ثانيها: طبيعة الإقليم من حيث نوع تربته ومعدّل درجة حرارته ورطوبته. ثالثها: شكل الإقليم (طبّغرافيته) من حيث سهوله وجباله وأنهاره..  وطبيعة الإقليم تميّز الجماعة بما تكسبها من لون وشكل وبما تمدّها به من الموادّ الخام لسدّ حاجاتها الحيويّة من غذاء وكساء وبناء وأدوات. فمدنيّة الجماعة المستقلّة مستمدّة من بيئتها لأنّ الاستنباط والتّكييف يجب أن يكونا ملازمين لخصائص البيئة الطّبيعيّة، وموافقين لها.. فـاالحياة العقليّة لا يمكن أن تأخذ مجراها إلاّ حيث تستتبّ لها الأسباب والمقومات..” يبدو واضحا وضوح الشمس أن المادة عند سعادة تكتسب خصائصها ومواصفاتها ومختلف ميزاتها بمعزل عن وجود الإنسان من عدمه، فهي بالتالي، كما سبق وأشرنا، وجود موضوعي مستقل عن الإنسان وجودا ومعرفة..

ـ كما المادة، كذلك الروح، فالأخيرة كمصطلح يستخدمه سعادة، مجازيا كمفهومٍ متداولٍ، لكنه يأتي بمعنى النفس، ودليلنا في ذلك إيمانه المطلق بنشوء الانسان بالتطور ونقده للتعليل الديني ونقضه له، يقول:”..  كانت حكاية الخلق الخياليّة أقرب إلى تصديق أهل الدّرجة المشار إليها آنفاً لأنّها اقتصرت على تسمية وجود الشّيء خلقاً مباشراً تخلّصاً من الدّخول في أيّ بحث يتطلّب أدلّة راهنة يصحّ اعتبارها حقائق واقعيّة.. ولكنّ الإدراك البشريّ.. لم يعد يقنع بالتّعليلات الخياليّة البحتة المعزوّة إلى افتراض وجود شخصيّة وراء نظام الكون تُحدث النّظام وتَحدث بلا نظام، إليها ينسب كلّ ما يقف أمامه عقل الطّفل وعقل البالغ المجرّد من العلم حائراً.. وتجاه الحقائق الّتي أبرزها العلم أخذت مسألة الخلق المستقلّ تنحطّ وتتراجع حتى لم يعد يهتمّ بها إلا الطامعون بالخلود الأنانيّ.. وهي أنّ الإنسان جزء من الحياة نشأ بالتّطوّر حتّى بلغ شكله الحاليّ، ولذلك فعهد نشوئه يرجع إلى عهد نشوء الحياة نفسها.. أمّا أنّ الإنسان نشأ بالتّطوّر فما لا جدال فيه وأمّا كيفيّة حدوث التّطوّر.. فممّا لم يتّفق عليه العلماء لحاجتهم إلى استكمال اختباراتهم..”

يتضح مما تقدم أن سعادة، عندما يقول بــ (المادي ـ الروحي) لا يقصد الروح بالمعنى الديني، أي أن الروح كيان قائم بذاته مستقل كل الاستقلال عن الانسان الذي تغادره فور موته، فالتعليل الديني مرفوض وغير مقبول، كما مرَّ معنا أعلاه، ما يعنيه سعادة بالروح هو ما أورده قائلا:”.. أنّ حياة كلّ كائن حيّ تجري ضمن المثّلث: الجسم ــ النّفس ــ المحيط..” ثلاثية لا تبارح مختلف مقولات سعادة المدرحية ، فإليها يعود فهم الماهية الجوهرية لمختلف الأمور والشؤون التي يتناولها سعادة بالدرس والبحث والتحليل فإذا كان الانسان قد نشأ بالتطور، فما هذه النشأة سوى هذه الثلاثية ” محيط ـ جسم ـ نفس” ، من النبات ـ الحيوان ـ الانسان من البيولوجي ( الحيوي) الى الفيزيولوجي (الوظيفي)  فالسيكولوجي (النفسي)، فالنفس ملتصقة التصاقا بالجسد (الجسم) لا تنفك عراه إلا بالموت حيث مصيرها مصير جسدها الذي نشأت منه..

هذا هو مفهوم “الروح” عند سعادة، ما عدا ذلك، يبقى اجتهادا وتأويلا أو تفسيراً يتناقض كلياً ومفهوم سعادة لهذا المصطلح.

ـ يقول المؤلف: “فلا سبيل الى الوهم بان ذاك الكتاب (نشوء الأمم) هو في الفلسفة المدرحية أو أن درسه هو درس فلسفي مادي ـ روحي..” وعليه يقول:” الفلسفة المادية ـ الروحية، هي، الفلسفة القومية الاجتماعية الموجودة في المبادئ.. إن الفلسفة الماديةـ الروحية هي فلسفة الأمة لجهة نهضتها ماديا ـ روحيا.”

ينافي هذا القول ما يؤكده سعادة بقوله:” إنّ (نشوء الأمم) كتاب اجتماعيّ علميّ بحت تجنّبت فيه التّأويلات والاستنتاجات النّظرية وسائر فروع الفلسفة، ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.. ومهما يكن من الأمر فالكتاب الأوّل جامع مستوف الوجهة العامّة من نشوء الأمم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسيّة.. يتناول الكتاب الأوّل تعريف الأمّة وكيفيّة نشوئها ومحلّها في سياق التّطوّر الإنسانيّ وعلاقتها بمظاهر الاجتماع..” فسعادة عالم اجتماع وليس فيلسوفا، والمدرحية ليست بأكثر من فلسفة اجتماعية تبحث في ” تعريف الأمّة وكيفيّة نشوئها ومحلّها في سياق التّطوّر الإنسانيّ وعلاقتها بمظاهر الاجتماع..” وكما “دوركهايم” و”أنجلز” و” ماكس فيبر” هم أصحاب نظريات في علم الاجتماع ، كذلك سعادة له نظريته في علم الاجتماع، التي تقوم على مسلمة أن / المادة تعين الشكل/ والتي عليها يقيم سعادة بناءه المدرحي حيث الأرض، الطبيعة، البيئة الطبيعية، هي المادة التي يعتمدها أساسا لنشوء المجتمع ـ الأمة وحيث الشكل هو “دورة الحياة الاجتماعيةـ الاقتصادية ” والتي هي شرط أساسي من شروط تشكل المجتمعات، يقول سعادة:” شرط المجتمع، ليكون مجتمعاً طبيعيّاً أن يكون خاضعاً للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة تشمل المجموع كلّه ” وتاليا  فالمجتمع ـ الأمة هو المجتمع ـ الدولة يقول:”  ورأينا أيضاً كيف أنّ الثّقافة النّفسيّة جارت الثّقافة الماديّة وقامت عليها..” ويضيف قائلاً:” ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان..” وعندما يقول إن دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية، تشمل المجموع كله، يعني قيام الدولة القومية التي هي “.. الدّولة الدّيمقراطيّة هي دولة قوميّة حتماً، فهي لا تقوم على معتقدات خارجيّة أو إرادة وهميّة، بل على إرادة عامّة ناتجة عن الشّعور بالاشتراك في حياة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة ” ولأنها الدولة التي تشمل المجموع كله يقول سعادة:” وما الدّولة الدّيمقراطيّة سوى دولة الشّعب أو دولة الأمّة. هي الدّولة القوميّة المنبثقة من إرادة المجتمع الشّاعر بوجوده وكيانه..” فالدولة الديموقراطية إذن هي الدولة القومية الشاملة كل المجتمع بمختلف أجياله وطبقاته وعناصره ومعتقداته وثقافته وطموحاته.. الخ هي وفق رؤية سعادة القومية الاجتماعية ـ المدرحية، الانسان ـ المجتمع..

2 ـ على الرغم من إيماننا، بأن سعادة، لم يكن فيلسوفا بل عالم اجتماع فلسف هذا العلم واضعا ركائزه العلمية الاجتماعية ـ الفلسفية بكل موضوعية، فإننا نرى أن الأمين/ حيدر الحاج اسماعيل/ لم يكن منصفا لسعادة عندما يقول في فقرته الثانية من تعريفه بالمدرحية (المبادئ الفلسفية) ” والحق يقال، إن سعادة لم يأتِ بغير المبادئ..” بل يمكن القول إنه أجحف بحق الرجل إجحافا لم يسبقه إليه أحد!! وهو لم يُقْدِمْ على ذلك إلا لأنه اعتمد قاعدة تقوم على العلاقة بين العلم والفلسفة، يقول “.. هناك بصورة عامة، علوم وهناك فلسفات علوم.. العلم مختص بالقوانين الكمية.. أما فلسفة العلم فمختصة بالمبادئ، ونعني بذلك المبادئ المشتركة الجامعة لمختلف قوانين ذلك العلم وظواهره.. إن العلم يقدم للفلسفة مادتها المحددة المصطلحات، لكن الفلسفة لا تكتفي بمادة العلم، بل تستخرج منها المبادئ الجامعة لشتات المعارف العلمية..” وعلى الرغم من صحة هذه القاعدة، فإنه لم يُحسن استخدامها في قراءته لكتاب نشوء الأمم، من حيث أنه وفق رؤيته:” كتاب علمي الذي اختصَّ بدرس نشوء الأمم وتعريف الأمة، قصد منه سعادة أن يكون مساعدا (بتحديداته العلمية) لفلسفته المادية ـ الروحية..” ذلك أن كتاب نشوء الأمم، ليس مجرد كتاب يستعرض فيه سعادة جملة من العلوم الطبيعية والأنثروبولوجي والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية.. الخ بل يجمعها جمعا عزَّ نظيره في أي كتاب آخر ليستخرج من كل ذلك قواعد تقوم على تلك العلوم مجتمعة، فعلى سبيل المثال، في دراسته للسلالات (1)، واستعراضه لجملة ما قاله بعض علماء الأحياء وعلماء الاجتماع وعلماء التاريخ والفلسفة وحتى السياسة، في هذه المسألة، بداية لمدلول السلالة والفرق بينها وبين الجنس والنسب وتاليا لمختلف معتقداتها لدى الشعوب ، العرب ، الفرنسيين والهولنديين والألمان والإنكليز والأمريكانيين الهنود منهم والمستعمرين والروس وغيرهم والنظريات التي قامت على مفهوماتها المتداولة في مختلف مراحل التاريخ وارتباط مدلولات تلك المعتقدات بالسياسة وقدم من الأمثلة ما يدفع للتأكيد بأنه فيلسوفا اجتماعيا كما هو عالم اجتماع، يقول:” ويقال في الحقيقة إن نقولا فريره (Nicholas Freret) سجن في الباستيل سنة 1714 لأنّه خطّأ هذه النّظريّة !.. وفي سنة 1749 حاول أستاذ ألمانيّ في روسيا اسمه مللر أن يثبت أنّ الرّوسيّين هم من سلالة فنّيّة ــ تترّية. فأمرت الإمبراطورة اليصابات بالقبض عليه وسجنه في الحال وأن يجلد ناموس المجمع العلميّ، تردبا كوفسكي، الّذي قال إنّ مللر على صواب. وقد أجبر مللر على تكذيب نفسه (10) !.. وإنّ بين الكتب المدرسيّة الموضوعة بعد الحرب الكبرى كتاباً ألّفه عالمان بنفسيّة الأحداث بلجيّان، أحدهما مركه (Mirquet) وهو رئيس مدرسة والآخر برغميني (Pergameni) وهو أستاذ جامعة.. وقد حاز هذا الكتاب سنة 1920 جائزة من المجمع العلميّ البلجيكيّ الملوكيّ! ومن أدلّة العناية بالاعتقاد بالسّلالة حتى في الدّوائر المسؤولة في الشؤون السّياسيّة الخطيرة ما صرّح به المستشار الألمانيّ الشّهير بتمن هلوق ، بمناسبة إجازة قانون الجيش الألمانيّ في 7 نيسان 1913، قائلاً “إنّ هنالك خطر اصطدام بين الصّقالبة والجرمانيّين ولذلك يضطرّ هؤلاء إلى زيادة سلاحهم.. ولم يذهب هذا القول بدون نتائج خطيرة بين صقالبة النّمسا والمجر..” سعادة إذا، لم يكن مستعرضا بل مستنبطا نظريته الخاصة ( المزيج السلالي).

وعندما نؤكد أن سعادة لم يكن مستعرضا بل مستنبطا، مستنتجا، مستخرجا، من مختلف العلوم رؤيته أو نظريته الخاصة، فما ذلك كان ليأتي من فراغ بل من واقع يقوله سعادة: “والّذي نرجّحه أنّ السّلالات البشريّة هي عدّة تطوّرات أو سلسلة تطورّات حدثت في ظروف وبيئات تطوريّة، أي قبل استقرار البيئة الطّبيعيّة على حالتها المعروفة الآن، وقبل أن يكون الارتقاء قد مكّن الإنسان من التّحوّط ضدّ اختلاف البيئات. فإذا كان الأمر كذلك، وهو ما نرجّحه..” هنا سعادة يبدو وكأنه أكثر من عالم أنثروبولوجي، بدراسته البشر وسلوك الإنسان والمجتمعات ماضيا وحاضرا، واجتماعية الانسان وثقافته والقيم والمعايير الاجتماعية، كما ويدرس كيف تؤثر اللغة على الحياة الاجتماعية. ويدرس التطور البيولوجي للإنسان، فإن سعادة ليعدو أكثر من عالم أنثروبولوجي، بجمعه مختلف فروع هذا العلم، وأكثر من عالم اجتماع عندما يمازج بين العلمين ليستخرج منهما ومن غيرهما نظريته المشار اليها آنفا، هكذا كان كتاب نشوء الأمم غير مكتفٍ بالعلم بل جامعا لشتات العلوم وتناقضاتها واختلافاتها ومستنبطا، مستنتجا، مستخرجا منها مبدأ المزيج السلالي الذي قال به والذي لم يكن متداولاً في زمنه، بل على العكس من ذلك كان هذا المبدأ من أبرز ما علق في أذهان معارضيه وانتقدوه فيه متهمين إياه بالعنصرية.. وهو القائل بانتفاء صفاء ونقاء أية سلالة على الأرض، كما هو مشاع لدى العرب واليهود، يقول:” وأخذ العرب نصيباً كبيراً من تعليق أهميّة عظمى على أوهام السّلالة فافتخروا كثيراً [بطيب عنصرهم] وظنّوا الأجانب أدنى منهم فسمّوهم [علوجاً] وغير ذلك من الأسماء وأثّر الدّين عندهم كثيراً على أوهام السّلالة، كما أثّر على اليهود من قبلهم، ووصلوا أنساب عدنان بإسماعيل بن هاجر بن إبراهيم. أمّا اليهود فقد زعموا أنّهم سلالة إبراهيم اتّخذهم اللّه شعباً له مفضّلاً على باقي الشّعوب والله عندهم هو [إله إسرائيل]..”

لم يكتفي سعادة يما تقدم بل قدم جملة من المقولات التي تمزج بين العلم والفلسفة، فلا هي من هذا ولا من ذاك ، بل هي مدرحية النزوع في الجوهر والمضمون في الشكل والمظهر ذلك في كتابه الرائع نشوء الأمم، منها على سبيل المثال لا الحصر مقولة ” دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” الجامعة للمجتمع القومي بمختلف أجياله وصفاته وخصائصه ومواصفاته، ..الخ مناقضا النظرية الماركسية والقائلة بــ ( التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية ) على وجه التحديد، ومقولة “المرتبة الثقافية” التي يقسمها لثلاث مراتب، حيث الثالثة تبدو واضحة في رصدها لمعادلة الجهد والزمن والانتاج( الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والحقوقي والقانوني و ..الخ )، لينتهي منها للقول ” أن الاقتصاد لا يعني حقيقة سوى سد الحاجة أو تأمين سدها بأقل مجهود وأسرع وأكبر نتيجة ممكنتين ” والتي منها يمكننا استنتاج واستنباط واستخراج المعادلة التالية( جهد + زمن = انتاج) والتي يمكن تعميمها في كل عمل اجتماعي وفق المرتبة الثقافية التي عليها المجتمع، فعلى سبيل المثال، وفي الدولة القومية الديموقراطية التي يقول بها سعادة، يجب أن تكون على النحو التالي: أقل جهد + أقل زمن= أكبر انتاج قومي ـ كما ونوعا ـ لمختلف المنتجين صناعة وغلالاً وفكرا، أو صياغتها حقوقيا، على سبيل المثال على النحو التالي:” مواطنة + واجبات = حقوق، حيث أقل ما يمكن من الواجبات مقابل أكبر قدر من الحقوق ، وقس على ذلك، ومقولته الرائدة ” الدولة القومية ديموقراطية حتما” الحتمية الوحيدة التي استخدمها سعادة في كل ما كتبه وقاله ونقل عنه، وخلاصة كتابه ” لا بشر حيث لا أرض ولا جماعة حيث لا بيئة ولا تاريخ حيث لا جماعة” فهل هذه المقولة من العلم أم من الفلسفة ؟ أليست في جوهرها مزيجا من العلم والفلسفة ..؟!!

ويمكننا القول أيضاً، ان العلم هو مادة شكله الفلسفة، فكلاهما في وحدة لا يمكن فصم عراها، إلا من حيث الدراسة النظرية البحتة، ووفق ما يمكن للعقل البشري استيعابه من مصطلحاته والتي تبقى عرضة للتغيير وفق ما تقدمه العلوم للفلسفة من حيث هي مقولات عامة أو أعم القوانين في الطبيعة والمجتمع

عندما نقول أن حضرة الأمين حيدر الحاج اسماعيل لم ينصف سعادة بقدر ما كان مجحفا، فما ذلك إلا لأنه استخدم قاعدة فلسفية للعلاقة بين العلم والفلسفة، على الرغم من صحتها، فإنه لم يحسن استخدامها في قراءته لكتاب نشوء الأمم، فقوله ” أ ـ كتاب نشوء الأمم.. لا سبيل الى الوهم بأن ذلك الكتاب هو في الفلسفة المدرحية أو أن درسه هو درس فلسفي مادي ـ روحي، إنه كتاب في علم الاجتماع القومي وعلم النفس الاجتماعي، والعلمان ماديان..ب ـ الفلسفة القومية الاجتماعية هي الموجودة في المبادئ.. ج ـ العلاقة بين المادة والروح.. في الفلسفة المادية ـ الروحية لسعادة.. هي علاقة ترافقية أو علاقة ترابط.. (وليست) علاقة سببية.. إن مبدأ السببية من الفلسفة، وليس من العلم.. إن إدخال السببية في كتابات سعادة يفقدها صفتها العلمية.. أما العلاقة الفلسفية فإنها علاقة وجوبية ـ مناقبية..” هذا التوصيف لما هو علمي ولما هو فلسفي، قاد المؤلف لتقريره المشار اليه..

نحن لا نرى العلم سوى بحث في الجزئيات، أما الفلسفة فهي بحثٌ في الكليات، فالفلسفة “تجمع شتات العلوم..” المتفرقة لتصوغ مبادئها العامة والتي هي في المحصلة القانون العام الذي يحكم العلوم على اختلافها على اعتبار أن العلوم ليست، في ما تقدمه من معارف، سوى سرد، حيادي، مجرد، منزه، عن كل رغبة أو شعور بالرضى من عدمه، لما هو موجود في الكون المادي (الموضوعي) والذي لا علاقة له بوجود الانسان من عدمه، وهي أيضا سردٌ لما هو موجود انسانيا ـ اجتماعيا وليس له علاقة بالفرد لجهة وجوده ككيان أو معرفة، فالأرض تدور حول الشمس وليس العكس وهذا ما يعبر عنه سعادة بقوله:” وأنّ الشّمس لا تدور حول الأرض. ولو لم تتّفق هذه الحقيقة مع مجد يشوع بن نون” بمعنى أن دوران الأرض حول الشمس هو شأن موضوعي لا علاقة له بإرادة الإنسان ورغبته أو معرفته من عدمها، فهو كيان قائم بذاته ولذاته..  وقوله:” لا يختار الفرد مجتمعه إلا بقدر ما يختار أمه وأبيه..” وقوله “الأفراد يأتون ويذهبون أما المجتمع فباقٍ “ويؤكده بقوله:” في المبادئ التي تمت الى الانسان الحر بصلة، لا يمكن الاستناد لأي قول استبدادي مطلق لتقرير حقيقة انسانية أو لها علاقة بالإنسان المجتمع..”   فالمجتمع للفرد، كما هي الطبيعة للإنسان، وجود موضوعي..

من جهة أخرى، تبقى العلوم على اختلافها نسبية، بمعنى أنها قابلة للتغيير، ليست مطلقة، سرمدية، وهذا ما حدا بسعادة للقول:” فالمجتمع الإنسانيّ ليس الإنسانيّة مجتمعة، ومن يدري هل يقدّر للإنسانيّة أن تصير مجتمعاً واحداً في مستقبل العصور؟ إذن، العلوم متفرقات موضوعية، آنية “تجمع شتاتها” الفلسفة بالبحث عن المتكرر فيها لتصوغه بقانون عام يصحُّ به كل ما تأتي به على صعيد الطبيعة والانسان..

سبق لنا أن أشرنا لما تعنيه المادة والروح في فلسفة أنطون سعادة القومية الاجتماعية ـ المدرحية، فالمادة هي كل وجود موضوعي لا علاقة به للإنسان وجودا ومعرفة كما مصطلح الروح الذي يستخدمه سعادة بمعنى النفس وليس بالمعنى الديني المتداول لجهة كونه كيانا قائما بنفسه ولنفسه، وعلى ذلك، كان الأحرى بالأمين حيدر، أن يُعرِّف لنا كلاً من المادة والروح في تعريفه للعلم والفلسفة لا أن يتركهما ( المادة والروح) للمتداول من المصطلح لكنه لم يقدم لنا أي تعريف لهما بمجمل ما قاله في المدرحية ولا حتى في نقده لمختلف وجهات النظر التي تناولت هذه الفلسفة بالتعريف، ولو فعل ذلك لكان لنا أن نخلص لما    خلص له ” والحق يقال، إن سعادة لم يأتِ بغير المبادئ..” وأن ” كتاب نشوء الأمم.. لا سبيل الى الوهم بأن ذلك الكتاب هو في الفلسفة المدرحية أو أن درسه هو درس فلسفي مادي ـ روحي، إنه كتاب في علم الاجتماع القومي وعلم النفس الاجتماعي، والعلمان ماديان..”

إذا كانت الفلسفة صياغة للمتكرر العلمي، الموضوعي، طبيعيا واجتماعيا، فسعادة قد صاغ في مؤلفه الرائع عددا من هذا المتكرر الموضوعي، وعلى قاعدة تعريفه لهذا القانون العام المتكرر، والذي يُطلق عليه مصطلح “الناموس” والذي هو أيضا بتعريف سعادة:” أنّ النّاموس اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة لا أنّ الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها. وفي كلّ النّواميس الّتي نكتشفها يجب ألا ننسى أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب ألا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الّذي نعرفه بها. فكوننا اكتشفنا ناموساً أو ناموسين من نواميس الحياة العامّة يجب ألا يحملنا على نسيان الواقع الطّبيعيّ ونواميسه الأخرى، فالنّواميس لا تمحو خصائص الأنواع..” هذا التعريف للناموس يضع معنىً واضحا لمختلف المقولات ـ النواميس التي جاء بها سعادة، والتي هي من حيث التعريف الفلسفي القانون العام الذي يحكم كل موضوع، من حيث التكرارية والتي هي بدورها تمثل جوهر القانون الأعم في الطبيعة والمجتمع أو المقولة الفلسفية ـ الناموس، وفق سعادة، جوهرا وكمية وكيفية واضافة في الزمان والمكان ( أين، متى) فعلا وانفعالا، فمقولته التي أقام عليها فلسفته ( المادة تعين الشكل) يمكن لها أن تفسر لنا مختلف ما نحن بصدد بيان علاقته بالآخر الموضوعي والذاتي، الطبيعة والانسان، المجتمع والفرد، كما مقولته ” دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية ” حيث مصطلح “دورة” يدل دلالة واضحة على “المتكرر” المشار اليه آنفا ، والتي عليها ينشئ سعادة مقولته في “الأمة واقع اجتماعي بحت” ومقولته ” الدولة الديموقراطية هي دولة قومية حتما ” ومقولته “الانسان ـ المجتمع ” والتي هي بطبيعة الحال الدولة القومية التي نادى بها، ومقولته في الاقتصاد ” أقل جهد+ أقل زمن =أكبر انتاج “..الخ

 فهل هذه المقولات علمية أم فلسفية أم كلاهما معا. أم أنها مقولات مادية أم مقولات نفسية “روحية”؟ يحسم سعادة ذلك، بإجابته على ما جاء بكتابه الرائع نشوء الأمم قائلا: “تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع. ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان.” أساسان، مادي ونفسي، يقيم عليهما فلسفته القومية الاجتماعية ـ المدرحية في نشوء الأمم، بما يدحض أن ” سعادة لم يأت بغير المبادئ..” لأن هذه تقوم بكل ما في الكلمة من معنى، على المقولات التي جاء بها سعادة في كتاب نشوء الأمم وبمختلف تصنيفات الأمين حيدر. التي تقوم هي الأخرى على قاعدة رسالة سعادة الى فايز صايغ “” إن الحركة نشأت على عقيدة، أي على فلسفة اجتماعية كاملة موجودة في المبادئ وفي كتابات المعلم وشروحه وكتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه وفي قدوته..” والتي يعتمدها المؤلف قاعدة لخلاصته المشار اليها آنفا ” والحق يقال أن سعادة لم يأت بغير المبادئ” فسعادة حتى في هذه الرسالة لم يُشر الى أن فلسفته أقامها على المبادئ، وحسب، بل على كل ما جاءت به خطبه ومحاضراته وأحاديثه وقدوته وكتبه وشروحاته، ولم يستثني كتابه “نشوء الأمم” من جملة “كتبه” ولم يخص المبادئ دون الخطب والمحاضرات والأحاديث بفلسفته، فلو أن المؤلف قال إن الفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية متضمنة في ” المبادئ وفي كتابات المعلم وشروحه وكتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه وفي قدوته..” لما كان قد انتهى لبخس سعادة حقه بقوله أنه لم يأت بغير المبادئ.. وإن كان سعادة قد أشار في مقدمة كتاب نشوء الأمم الى أنه ” كتاب اجتماعيّ علميّ بحت تجنّبت فيه التّأويلات والاستنتاجات النّظرية وسائر فروع الفلسفة..” والتي يعتمدها الأمين حيدر ، فإن هذه الإشارة ليست على النحو الذي دفع بالمؤلف لاستثنائه الكتاب من فلسفة سعادة القومية الاجتماعية ـ المدرحية، باعتباره كتابا تجنب فيه سعادة التّأويلات والاستنتاجات النّظرية وسائر فروع الفلسفة بل لدلالة على موضوعية الكتاب باعتبار العلم على أي وجه أخذ به، هو موضوعي النزوع بمعنى التجرد والتنزه عن أية أفكار مسبقة أو مشاعر تنحى منحى ذاتيا يفسد على الموضوع نزاهته، على نحو ما جاء به كتاب “الرحمانية” لزكي الأرسوزي، على سبيل المثال أو عمنوئيل كونت في كتابه ” نقد العقل المجرد” أو هيغل في كتابه “فلسفة الحق” وحتى أنغلز في كتابه ” أصل العائلة والملكية والدولة” أو ماكس فيبر في كتابه ” الأخلاق البروتستانتية”.. الخ   فالعلم مادي لأنه موضوعي ولأن الفلسفة ليست ذاتية عندما تجمع شتات المادي الموضوعي ( العلم) بل هي موضوعية مادية أيضا على شاكلة موضوعها، من حيث أنها بحث عن المتكرر المادي ـ الموضوعي في مختلف العلوم المادية منها والإنسانية ، وأن صياغتها لهذا المتكرر بقانون عام كافٍ وافٍ تجد فيه مختلف معارف الانسان مكانا( تفسيرا) لها به تكون قد أنجزت مهمتها كفلسفة ..

في قوله المجحف والمبخس وغير المنصف لسعادة، يقع الأمين حيدر في مطب نقده لمختلف ما قيل في مدرحية سعادة، فهو يقول:” الفلسفة القومية الاجتماعية = تجبُ المبادئ لتنهض الأمة..” لا يُقدم تعريفا لهذه الفلسفة بقدر ما يصفها، على نسق نقده  لما جاء في “مدرحية هشام شرابي” حيث يقول:”..  فالباحث منذ البداية لن يبحث في ماهية الفلسفة القومية الاجتماعية بل في صفاتها.. ولأن استعراض صفات الشيء لا يساوي علما بما هو الشيء.. هكذا طالب المعرفة بهذه الفلسفة سيظل مفتقرا اليها، لأنه سيظل يطارد الباحث بسؤاله الأساسي، نعني: ما هي الفلسفة القومية الاجتماعية التي صفاتها كذا وكذا يجيبنا الباحث هي شيء له صفة اجتماعية.. لكن ما هو هذا الشيء الذي له صفة اجتماعية؟ يجيبنا الباحث إنه الفلسفة القومية الاجتماعية التي تبدأ بالمجتمع وتنتهي فيه.. فالفلسفة معرفة، نمط من المعارف وباعتبارها معرفة لها أجوبتها سواء أكانت منظمة في سيستم او لم تنتظم..”

وبدورنا نسأل حضرة الأمين: ما هي الفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية؟ فيجيبنا قائلا:” الفلسفة القومية الاجتماعية = تجبُ المبادئ لتنهض الأمة ” ولها: وجهان الحقائقي (العلمي) والمناقبي ( الفلسفي) للمبادئ.. من الوجه الأول يمكننا أن نذكر حقائق طبيعية.. وحقائق بشرية.. وحقائق تاريخية ـ حضارية.. وحقائق اقتصادية.. وحقائق سياسية وقانونية.. ومن الوجه الثاني، أن المبادئ دعوة مناقبية للنضال، وهي أيضا” من هذه الناحية مبادئ معيارية..” وهي كذلك “رسالة.. من هذا الوجه ننظر الى المبادئ على أنها رسالة خير لجميع الأمم “على الرغم من أنها تأتي كمصطلحات يكافئ بعضها بعضا يقول:” فلسفة.. مبادئ.. رسالة.. نظرة.. عقيدة.. فلسفة مناقبية.. فلسفة الانسان ـ المجتمع.. فلسفة التفاعل.. فلسفة مادية ـ روحية.. ” أما من حيث الوظائف فهي:” 1 ـ الحقوق والمصالح القومية (وتشتمل) سيادة الأمة.. حياة وخير الأمة وعمرانها.. خصائص الأمة.. الوطن.. 2 ـ التوحيد (بمعنى) رابطة الوحدة الاجتماعية الروحية..3 ـ الحصانة (بمعنى) توفير المناعة الاجتماعية..4 ـ مناقب الخير والعدل (بما يعني) تأسيس عقلية أخلاقية جديدة..5 ـ الكفاءة الانتاجية..6 ـ المرجعية (اي) إن المبادئ مكتنزات الفكر والقوى، وهي قواعد انطلاق الفكر..7 ـ الحداثة أو العصرنة ونعني بذلك أنها الفلسفة التي تضعنا بقوة في صميم العصر.”

كل ما يقدمه لنا الأمين حيدر مجرد توصيف لفلسفة سعادة الذي يعرفها في مقدمة كتابه نشوء الأمم واصفا إياه وأياها ” وإنّ درساً من هذا النّوع يوضّح الواقع الاجتماعيّ الإنسانيّ في أطواره وظروفه وطبيعته.. ففي الدّرس تفهّم صحيح لحقائق الحياة الاجتماعيّة ومجاريها.. وقد أسندت حقائقه إلى مصادرها الموثوقة. واجتهدت الاجتهاد الكليّ في الوقوف على أحدث الحقائق الفنيّة الّتي تنير داخليّة المظاهر الاجتماعيّة وتمنع من إجراء الأحكام الاعتباطيّة عليها.. فالكتاب الأوّل جامع مستوف الوجهة العامّة من نشوء الأمم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسيّة..” فالفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية هي درس يوضح الواقع الاجتماعي الانساني في أطواره الاجتماعية ومجاريها.. بجميع مظاهرها وعواملها الأساسية..” وعلى ما تقدم جاء تعريفنا للفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية بقولنا أنها ” الفلسفة القومية الاجتماعية (المدرحية) فلسفة اجتماعية تدرس نشأة الانسان ومناحي تطوره، أسبابا وعوامل ونتائج، وتقوم على مقولتها الفلسفية / المادة تعين الشكل /(3)  كركنٍ أساسي ورئيس، ومقولتها الاجتماعية / دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية /(4) في مختلف مناحي دراستها” ..

في الختام نثمن عاليا الجهد الذي بذله حضرة الأمين الجزيل الاحترام حيدر الحاج اسماعيل والذي وضع بين أيدينا مجمل ما كُتِبَ في المدرحية متمنين عليه تقبل نقدنا برحابة الصدر التي عرفناه بها صغارا في مدرسة النهضة ـ مرمريتا وكبارا في مدرسة الثانوية الأهلية ـ دمشق، فنقدنا لم يكن سوى شكل من أشكال الصراع الفكري القومي الاجتماعي في النهضة القومية الاجتماعي وعلى غرار، ماركس وفويرباخ جاء نقدنا كما انتقد تلميذا هيغل استاذهما