المدرحية: نقدٌ على نقد (1)

 

 

في قراءتنا لمجمل ما كتبه أنطون سعادة وألقاه من خطب وأحاديــــث وما نقل عنه ، كانت الفكرة الرئيس في كل ما تقدم، تقوم على نظرته للأمة كواقع اجتماعي، التي قدمها في مؤلفه الأول ” نشؤ الأمم” والذي شكل المحور، أو العمود الفقري لمجمل ما تناولته خطبه وكتاباته المتفرقة وأحاديثه وحتى ما نقل عنه ، لذا كان مؤلفه الأول هو نقطة البدء في أية دراسة يمكن لها أن تتناول هذا المفكر والذي لم ينل حظوة لدى مختلف دارسي علم الاجتماع لأسباب عدة ، أبرزها بل وأهمها أن نظريته في علم الاجتماع اقترنت بحزبه الذي أسس في عام 1932 أبان الانتداب الفرنسي لسورية ، والذي نال من النقد ما لم ينله أي حزب سياسي آخر، فطغى الفرع على الأصل ، وغاب سعادة المفكر في ظلال الحزب السياسي وعُومل الرجل على أنه رجل سياسة لا رجل فكر، الأكثر من ذلك أن مجموع ما تناول سعادة السياسي ، لم يكن على اطلاع كافٍ بما كتبه وقاله أو قيل عنه ، وتحديدا من قبل تلامذته ، الذين لم يتبحروا جيدا في مجمل تراث من تعاقدوا معه على تحقيق نهضته، فظل الفكر غائبا عن ما قيل عن سعادة وأضحى الحزب، بمختلف مراحله التاريخية ، عنوانا رئيسا لكل ما كُتبَ عن سعادة، فاختلفت المواقف من الرجل وتباينت الآراء حوله، ومهما يكن من أمر ذلك، فالمسألة التي ترسخت هي أن مختلف المواقف والأحاديث والدراسات التي تناولت سعادة غابت عنها وبشكل شبه مطلق الفكرة الرئيس التي كانت محور ما قاله الرجل وكتبه ..

لا ندعي مما تقدم، أننا أحطنا إحاطة تامة بفكرة الرجل، تلك الاحاطة التي يمكن اعتمادها في دراسة فكره، الذي لم يسعفه الزمن بشرحه ، فحياته القصيرة ومشاغله واهتماماته بمن تعاقدوا معه وبمن خالفوه وتآمروا عليه ، غيبت ما كان الرجل يدركه بثاقب فكره، مما أفسح المجال رحبا لتأويل ما كتبه وقاله والاجتهاد به وتفسيره ما أحدث بلبلة فكرية وتناقضا وتضادا في مختلف الدراسات التي تناولت فكر أنطون سعادة نظرا لقصور تلك الدراسات عن استيعاب ما جاء به الرجل وفي زمن كانت به أمته تعاني من ويلات التآمر عليها وعلى مختلف الصعد والمستويات الداخلية منها والخارجية السياسة منها والاجتماعية والثقافية والاقتصادية..

نحن لا ندعي أن دراستنا لفكر سعادة، يمكن أن تعتبر القول الفصل في فلسفته الاجتماعية، لكنها يمكن أن تُضيئ جانبا كثرَ فيه اللغط وتعددت به الآراء وتناقضت وتباينت الى الحد الذي بات به ذاك الفكر عُرضة للتحريف والتحوير والتزييف لكثرة ما قيل به واجتهد وأؤول وفُسر، لذا كان لزاما علينا أن نبادر للقول أن ما نعرضه من ذاك الفكر لا نجتهد به ولا نؤول به ولا نفسره ، بل نتركه في سياقه كما شاء له صاحبه أن يكون، بحيث تقتصر مهمتنا في هذا المنحى على الربط المنطقي بين محاور الفكر الذي تركه غير مكتمل ، فلربما اكتملت الفكرة واتضحت من خلال ما نسعى اليه ..

بداية لا بدَّ لنا من التنويه، أن مصطلح “مدرحية” لم يكن من المصطلحات التي اعتمدها سعادة في مجمل ما كتبه وقاله، بل وقلما تلفظ بهذا المصطلح، ففي مجمل كتاباته، لا نجد أثرا لهذا المصطلح إلا نادرا، والمرة الأولى التي تناول فيها هذا المصطلح، كانت في كتابه “جنون الخلود” وفي معرض تهكمه على ” رشيد سليم الخوري” الذي ابتكر هذا المصطلح والذي نوه له سعادة من أنه مصطلح مقتبسٌ من مقولته الرئيس ” المادي ـ الروحي” التي نجدها في مختلف كتابات سعادة.. يقول سعادة:” ومن استعارات رشيد الخوري قوله في الرسالة المحمدية “الدين الإسلامي” إنها “مدرحية” أي “مادي روحي معاً”. فقد يظنّ القارئ غير المطلع أن هذا القول هو فكرة جديدة فلسفية الخوري، والحقيقة أنه مأخوذ من كتابي “نشوء الأمم” ومن شرحي لمبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي. فهو فكرة فلسفية اجتماعية أبديتها في مناسبات عديدة. وآخر ما أعلنته من أمر نظرتي الفلسفية كان في خطابي في أول آذار سنة 1940، الذي نشر في “سورية الجديدة” في العدد الصادر في 27 نيسان من السنة المذكورة. قلت:

إن الحركة السورية القومية الاجتماعية لم تأتِ سورية فقط بالمبادئ المحيية، بل أتت العالم بالقاعدة التي يمكن عليها استمرار العمران وارتقاء الثقافة. إن الحركة السورية القومية الاجتماعية ترفض الإقرار باتخاذ قاعدة الصراع بين المبدأ المادي والمبدأ الروحي أساساً للحياة الإنسانية، ولا تقف الحركة السورية القومية الاجتماعية عند هذا الحد، بل هي تعلن للعالم مبدأ الأساس المادي ـ الروحي للحياة الإنسانية ووجوب تحويل الصراع المميت إلى تفاعل متجانس يحيي ويعمر ويرفع الثقافة ويسير الحياة نحو أرفع مستوى“.

كما لا بدَّ لنا من التنويه أيضا ، الى أن تناول سعادة لمصطلح (روح) يبقى تناولاً مجازيا ، إن صح التعبير ـ بمعنى النفس ، فسعادة يؤمن إيمانا راسخا بنظرية نشأة الانسان بالتطور ويرفض رفضا قاطعا لا رجعة فيه نظرية الخلق المستقل والتي تقول باستقلالية الروح عن الجسد..(2)

بناءً عليه، نسارع لتعريف فلسفة أنطون سعادة الاجتماعية (المدرحية) أو القومية الاجتماعية بالقول:

الفلسفة القومية الاجتماعية ( المدرحية) فلسفة اجتماعية تدرس نشأة الانسان ومناحي تطوره ، أسبابا وعوامل ونتائج ، وتقوم على مقولتها الفلسفية / المادة تعين الشكل /(3)  كركنٍ أساسي ورئيس، ومقولتها الاجتماعية / دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية /(4) في مختلف مناحي دراستها” ..

اعتمدنا في تعريفنا للمدرحية ، على ما أورده سعادة في كتابه نشوء الامم :

تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع (5)

والسؤال : ما هو الأساس المادي للاجتماع البشري الذي يعتمده سعادة في التعريف بنظريته القومية الاجتماعية ( المدرحية) ؟

إذا كانت / المادة تعين الشكل / فالمادة هنا هي البيئة الطبيعية ، بينما يأتي الإنسان الشكل الذي يتخذ من مادته مختلف مناحي نشاطه الإبداعي يقول :

 ” فالأرض تكيّف الإنسان وهو بدوره يردّ الفعل ويكيّفها.. يكيّف الإنسان الأرض ولكنّ الأرض نفسها تعيّن مدى هذا التّكييف وأشكاله حسب بيئاتها الإقليميّة..”(8)

على هذه العلاقة بين الانسان والأرض ، يقيم سعادة بناءه المدرحي بقوله :”  شرط المجتمع، ليكون مجتمعاً طبيعيّاً أن يكون خاضعاً للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة تشمل المجموع كلّه وتنبّه فيه الوجدان الاجتماعيّ ..”(9)

بناءً على ما تقدم ، يعرف سعادة الأمة قائلاً :”  كلّ ميزة من ميزات الأمّة أو صفة من صفاتها تابعة لمبدأ الاتّحاد في الحياة الّذي منه تنشأ التّقاليد والعادات واللّغة والأدب والدّين والتّاريخ.. الأمّة متّحد اجتماعيّ أو مجتمع طبيعيّ من النّاس قبل كلّ شيء آخر .. الأمّة جماعة من البشر تحيا حياة موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النّفسيّة ــ الماديّة في قطر معيّن يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التّطوّر، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات.”(10)  .

ما تقدم ، يوضح لنا ما يعنيه سعادة بالبناء المادي ، أما البناء النفسي فيحدده بقوله : “وبهذا  الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع. ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان..”(11)

الدولة عند سعادة هي البناء النفسي للمجتمع حيث هي على شاكلته، ، يقول :” رأينا، في ما تقدّم من فصول هذا الكتاب، الأسس والخطط العامّة لتطوّر البشريّة وارتقائها في ثقافاتها الماديّة الناتجة عن تفاعل الإنسان والطّبيعة.. ورأينا أيضاً كيف أنّ الثّقافة النّفسيّة جارت الثّقافة الماديّة وقامت عليها..”

ويضيف قائلاً :” حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان..”

وحتى لا يكون التكرار مملا ونحن نستعرض مجمل ما كتب في المدرحية ، نقف عند هذا الحد من التعريف بمدرحية سعادة ، على أن نتابع شرحها وابراز مختلف جوانبها لدى تناولنا تلك الكتابات بالنقد والتحليل .   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (2)  راجع مقالتنا المعنونة ( الروح مصطلح عبري / على الرابط :

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/1416133318537972/?type=3&theater

(3) راجع كتاب نشوء الأمم ( تعريف منتشيني للأمة )

(4) راجع كتاب نشوء الأمم، ( البيئة والجماعة )

(5) راجع نشوء الأمم ،/ الفصل السّادس : نشوء الدّولة وتطوّرها ـ

الثّقافتان المادّية والنّفسية /

 (6) خير مثال نقدمه في هذا السياق هو العلاقة بين الإناء والماء ، فشكل الإناء ولونه وحجمه يطبع الماء الذي بداخله شكلا ولونا وحجما وقد يكسبه طعما ورائحة اذا ما توفر كلاهما أو أي منهما فيه،

(7) راجع نشوء الأمم (  الدّولة المدنيّة والإمبراطورية البحريّة)

(8) راجع نشوء الأمم / الطبيعة والانسان /

(9) راجع نشوء الأمم / تحديد الأمة /

(10) راجع نشوؤ الأمم / تحديد الأمة /

(11)راجع نشوء الأمم / الفصل السادس ـ الثقفتان المادية والنفسية /

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ