المدرحية: نقدٌ على نقد (4)

 

مدرحية كامل المقدم

إن كنا لا نتفق مع الأمين الجزيل الاحترام حيدر الحاج اسماعيل في استثنائه لكتاب نشوء الأمم من تعريفه للفلسفة المدرحية، بناء على ما أورده من رسالة سعادة الى فايز صايغ والتي يعتمدها الأمين حيدر في تعريفه للمدرحية، وفي نقده لمختلف المقالات التي تناولت مصطلحي المادة والروح..،(1)وما جاء في مقدمة نشوء الأمم من أنه كتاب علمي تجنب فيه سعادة التأويلات الفلسفية، لكنه في حقيقة الأمر لم يتجاهل الفلسفة والفرق بيِّن بين التأويل والفلسفة، وهذا يبدو واضحا في سياق الكتاب( نشوء الأمم) في تناوله لمختلف النظريات المدرجة تحت عناوين ” علم اجتماع” .. 

 فإننا لا نتفق معه، أيضا، في تصنيفه لمقالات وردت في نشرة” النظام الجديد” على أنها رؤى مدرحية، ذلك كونها: أولا،  ليست دراسات أو أبحاث في الفلسفة بوجه عام وفي المدرحية تحديدا، ثانيا:  لأنها لم تكن سوى تعبيرا عن كيفية فهم رفقاءنا الأوائل لما جاء به سعادة، وهي ثالثا:  مجرد مقالات حاولت أن تضفي ذاتيتها في سياق فلسفي عاجز عن فهم ما يتناوله أسسا ووسائل وغايات، بمعنى أننا عندما نصف فلسفة سعادة بــ” وجودية، انطولوجية” ومن ثم نعود ونصفها بــ ” ما ورائية، غيبية، ميتافيزيقية” فإننا لا نكون قد ارتكبنا خطأً فلسفياً وحسب، بل وخطأ منهجيا، ومع ذلك، فإننا نفهم أن ما دونه الرفقاء الأوائل من رؤى، يبقى محاولة للتعبير عن وحدة المادة والروح حتى في السياق ” وجودي ـ غيبي” أي دمج متناقضين فلسفيين، كما هي الحال في دمج مادي ـ روحي..

فما يقدمه الأمين كامل المقدم تحت عنوان ” بحث تحليلي في ما بين المادة والروح” لا يعدو كونه محاولة غير اختصاصية في موضوع فلسفي يحمل الكثير من الإشكاليات، تحديدا المنطقية التي تمتاز بها كل فلسفة على حدة، فكيف جاء تعريف الأمين المقدم لكل من المادة والروح في محاولة لإبراز تكاملهما معا فيما يتفق والفلسفة المدرحية، نكرر فيما يتفق والفلسفة المدرحية، أي أن الأمين المقدم، يقدم لنا كلا من المصطلحين من وجهة نظر مدرحية يقول ( بالطبع وفق ما أورده الأمين حيدر من مقتطفات من هذا البحث ) : المادة جمال لا حياة فيه والروح حياة لا جمال فيه، والمادة والروح جمال وحياة في مجتمع حيٍّ كائن .. المادة هي الثروة الاقتصادية للمجتمع، ونسبة لحاجاتنا الملحة لهذه الثروة لا نقدر بدونها كأمة حية أن نسمو ونقوى ونسود.. أما الروح فهي الثروة الروحية النفسية المثلى التي تتعزز فيها المناقب وتقدس الفضائل وتسمو الأخلاق ..إن تلك المدرسة تنظر الى الحياة كوحدة مادية ـ روحية وترى أن فلسفة الحياة الحقيقية هي تلك الفلسفة القائمة على تعاون المادة والروح.. لأن الروح هي سرُّ بقاء الأمة والمادة هي الغذاء لهذه الأمة .. إن خسارة الروح انخذال عظيم في الأخلاق والمكارم والفضائل وفي كل ما يمت بصلة مباشرة أو غير مباشرة الى القيم الانسانية النفسية المجتمعية المثلى.. وأن خسارة المادة انهيار تام في معترك الدول الاقتصادية معترك التفوق في النشاط والعمل والانتاج ..”

في رؤيتنا لما قدمه الأمين كامل المقدم، نلمح مفصلين مهمين، الأول هو اقتران المادة بالثروة، بقوله:” المادة هي الثروة الاقتصادية للمجتمع..” وهذا الاقتران لو جاء على النحو التالي: المادة هي البيئة الطبيعية للأمة، لكان قولاً لا غبار عليه، ذلك أنه يتفق اتفاقا مطلقا مع سعادة، الذي يعتبر أن المادة هي التي تعين الشكل، وعليه، المادة ـ البيئة هي التي تعين الشكل، المجتمع ـ الأمة، وعلى قدر ما تكون المادة ـ البيئة مؤهلة لقيام التمدن ، بقدر ما تكون قوة الأمة أو تقدمها، أو رقيَّها أو مرتبتها الثقافية بين الأمم. وهذا ما كان الأمين المقدم يود قوله، وفق رؤيتنا وتحليلنا لقوله:” ونسبة لحاجاتنا الملحة لهذه الثروة لا نقدر بدونها كأمة حية أن نسمو ونقوى ونسود..”

المفصل الثاني الذي نلمحه في مقالة الأمين المقدم هو:” أما الروح فهي الثروة الروحية النفسية المثلى التي تتعزز فيها المناقب وتقدس الفضائل وتسمو الأخلاق..” والذي يقدم لنا اقترانا أوليا بين مصطلح روح ومصطلح نفس، ” الروحية ـ النفسية” الروح هنا وفق تقديرنا هي النفس، وهذا الملمح يتطابق ومفهوم الروح عند سعادة.. خاصة عندما يؤكد الأمين المقدم ذلك بقوله:” إن خسارة الروح انخذال عظيم..  في كل ما يمت.. الى القيم الانسانية النفسية المجتمعية المثلى.. وأن خسارة المادة انهيار تام في معترك الدول الاقتصادية معترك التفوق في النشاط والعمل والانتاج..” لنلاحظ ” القيم النفسية المجتمعية” في اشارته الى الروح، واشارته الى المادة في قوله “معترك الدول الاقتصادية..”

قد تكون قلة المصادر الحزبية التي لم تكن متوفرة و التي كانت رديفا ثقافيا لرفقاء الجيل الثاني، هي التي كانت وراء استخدام الأمين كامل المقدم لمصطلحات المادة والروح والثروة والقيم على النحو الذي جاءت به، لكنها بقيت محافظة على المضمون المشار اليه ..        

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ      

(1)   ـ نعود ونشير الى أن سعادة وفي الرسالة ذاتها لم يستثني ما يستثنيه حضرة الأمين حيث يرد في سياق المقطع الذي يعتمده الأمين حيدر ما يلي: ” في االمبادئ وفي كتابات المعلم وشروحه وكتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه وفي قدوته..” معتبرا أن سعادة قد حدد فلسفته بأنها “موجودة في المبادئ” فقط