المدرحية: نقدٌ على نقد (6)

 

قراءة في محاضرة الرفيق الأستاذ لبيب زويا

/ الفلسفة المدرحية وناحيتها الصراعية/

تأتي هذه المقالة حول محاضرة الرفيق زويا مستكملة ما سبق وسقناه بناء على مقتطفات الأمين حيدر حاج اسماعيل وقد كنا  نوهنا سابقا الى أننا قد لا نفي هذه المقالات أو المحاضرات حقها، وتاليا أن ننصف كتابها، طالما أننا نعتمد على ما أورده الأمين حيدر من مقتطفات منها، وكان قولنا في محله، بعدما اطلعنا على المحاضرة كاملة، لذا كان من المفيد، أن نعيد قراءتنا لها كما هي لا كما دونها منتقدا الأمين حيدر حاج اسماعيل.

أولا، نقرأ على غلاف مجلة “النظام الجديد” التي نشرت هذه المحاضرة، أن الموجه لها كان سعادة، بمعنى أن ما قد يرد فيها من مقالات، خاضع لإشراف سعادة، و موافقته عليها قبل نشرها، وطالما أنها نُشرتْ ، فهذا يعني أن سعادة قد وافق على كل ما جاء بها، لذا جاء التعريف بهذه المحاضرة ـــ والذي نعتقد أن سعادة قد خطَّهُ ـــ على النحو التالي: ” إن هذه المحاضرة هي تحليلية دقيقة للفلسفة المدرحية وقد تناولت الناحية الأنطولوجية كما تناولت موقف هذه الفلسفة من الفلسفات المعاصرة وهي تمثل اجتهادا ممتازا في شرح الفلسفة المدرحية التي تقدم الحل الوحيد روحيا وماديا لقضايا المجتمع الانساني العسيرة وتشق للمجتمع طريق الخروج من التخبط والأضاليل الى حرية أعظم ونظام أجمل ونتيجة فيها الخير كل الخير للمجتمع، فهي وحدة من وحدات هذه المجموعة الأولى الكبيرة القيمة للفلسفة المدرحية التي أعلنها سعادة وتقدمها النهضة القومية الاجتماعية للعالم.”

تأتي المحاضرة تحت عنوان عريض هو: “الفلسفة المدرحية وناحيتها الصراعية” فهي تطرح الفلسفة المدرحية من وجهة نظر محددة ألا وهي:” الصراع ” بمعنى لماذا تأخذ هذه الفلسفة وجهة الصراع منطلقا ووسيلة وغاية؟ فالمحاضرة إذن، تتناول ثلاث محاور أساسية، تناولها التعريف بها، والتي دارت بمجملها حول هذه المحاور، أولها التعريف بالمدرحية، ثانيها موقف هذه الفلسفة من الفلسفات الأخرى، ثالثها كونها المخرج العملي من التخبط والأضاليل الى حرية أعظم.. “

بناء على ما تقدم، فلن نستعرض من المحاضرة سوى محورها الأول وهو التعريف بالمدرحية، أما المحوريين الآخرين، فيمكن لمن يود الاطلاع عليهما متابعتهما بالصور المرفقة..

ينوه الرفيق الأستاذ زويا بداية أنه يرجو: “أن يُفهم من هذه الكلمة(الروح) هنا مدلولها الفلسفي لا الديني..” فهو يستخدم مصطلح الروح بمعناه الفلسفي أي بمعناه النفسي، وهذه بداية جيدة تُحسب للرفيق زويا، ثم يطرح سؤاله الرئيس:  “.. إذا لم نصل الى معرفة الأساس الذي يقف عليه وجودنا نحن، فما قيمة اصلاح لا يتناول الأساس..علينا أن نبين ماهية الأسس التي يرتكز عليها الصراع الانساني بشتى مظاهره.. و لنبدأ بتبيان الأساس الفلسفي الذي ترتكز عليه جميع مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي، الثقافية وغير الثقافية.. ” إنه المبدأ المدرحي أو الفلسفة المدرحية من حيث أنها “ليست تركيبا فلسفيا بل ابداعا فلسفيا، بمعنى أنها نظرة جديدة كل الجدة الى الحياة والعالم والمعرفة، وأن هذه الفلسفة لها من المقام ما لأي فلسفة أخرى، لا بل أكثر أهمية من غيرها لأنها الوحيدة التي استطاعت أن تعطي الأساس الموحد لسير الحياة الانسانية، فقضت بذلك على أوهام كثيرة عُلِّقَتْ في ما مضى على علاقة المادة والروح الأمر الذي أدى في كثير من الأحايين الى العزوف عن فكرة الوحدة الحياتية الجامعة .. ولما لهذه الفكرة من أهمية .. فإنني أقول أنه إن كان هنالك من فلسفة وجودية بالمعنى الصحيح فهي بلا شك فلسفتنا نحن لأنها تعتبر الوجود كأساس لها، فتبني عليه، والوجود بنظرها وجود اجتماعي موحد وليس وجودا إفراديا متقطعا.. فمنذ أن عرف الانسان على هذه الأرض حتى اليوم، والأرض لم تزل كما كانت من قبل.. إنما الذي يتغير، عليها هو تلك الأشياء الخاضعة لنواميس خاصة تتطور حسبها، مع العلم أيضا أن هذه النواميس الطبيعية هي أيضا أمور ثابتة، لأنها تمثل القانون العام الذي تسير الطبيعة بأجمعها حسبه،..  ” ومن أبرز هذه القوانين التي يقدمها لنا الرفيق الاستاذ زويا قانون الصراع الذي يعيده الى “..التفاوت والتباين بين القوى الانسانية في الأشخاص وفي الجماعات.. كان التفاوت، فكان الصراع، فكانت الحضارة، فالصراع أساس الحضارة الانسانية، كما وأن التفاوت والتضارب أساس للصراع الانساني، فلولا التفاوت لما استطاع الانسان التقدم قيد أنملة في ميدان التحقق العام..” ليبقى التساؤل: ما أسباب هذا التفاوت بين البشر وتاليا الجماعات؟ يجيبنا الرفيق الأستاذ زويا قائلاً:” وجد الانسان على هذه الأرض مظهرا لشيئين مختلفين بالاسم ..وقد جرى الناس على تسمية هذين الشيئين باسمين مختلفين، لا رابط بينهما، وهما الروح والمادة،.. واختلف الناس حول أهمية هذين العنصرين.. (لكن) إذا كانت الروح والمادة العنصرين الأساسيين في الحياة، فليس من المعقول أن تكون أهمية الواحد أكثر بكثير من أهمية الآخر بحيث ينعدم الآخر، إن المادة والروح عنصران اساسيان، وهما في حقيقة الأمر عنصرٌ واحدٌ، أو بالحري مظهر ذي وجهتين لوجود واحد، إن مَثّْلا شيئا فإنهما يمثلان الوجود، ولن يتم الوجود بالواحد دون الآخر، إنهما الوجود نفسه كما يُنظر اليه من ناحيتين : موضوعية وذاتية، الأولى تعبر عن الناحية المادية والثانية تعبر عن الناحية الروحية.. إن المدرحية..هي النظرة الصائبة الى الحياة والفن والكون، لأنها النظرة التي تعمل على الأساس الوجودي الصحيح ..وبأن الأساس الذي يرتكز عليه الوجود هو الجوهر الفرد الواحد العام وأن لهذا الجوهر الفرد مظهرين يتخذهما ، هما، المادة والروح، اللذان إذا أُخذا من حيث أنهما عنصران فرديان أمكن التكلم عنهما بالتجريد وفصلهما الواحد عن الآخر، أما حينما يدور الكلام عن الوجود من حيث هو وجود، فهما بالحقيقة شيء واحد، هما الوجود نفسه وهما أساسه وهما مظهراه الأساسيان.. إنهما الوجود في حالتيه الذاتية والوضعية..  إن الفلسفة المدرحية هي فلسفة العصر الحديث،.. لأن فيها عنصر التطور، إنها تتطور من تلقاء نفسها حسب التطور الاجتماعي العام دون أن يكون في ذلك سبب موجب لتغير الأساس الذي يرتكز عليه الوجود الانساني بشتى مظاهره..”  

يشرح لنا الرفيق زويا في المحور الأول من محاضرته ـــ التي لم تلقَ في مؤتمر المدرسين ، لكنها نُشرت في سلسلة النظام الجديد التي كان سعادة هو المشرف الوحيد عليها ـــ الأساس الفلسفي الذي تقوم عليه الفلسفة المدرحية “و الذي ترتكز عليه جميع مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي، الثقافية وغير الثقافية.. ” بما يعني، أن الفلسفة المدرحية تقدم الأساس الذي تقوم عليه المبادئ، فالمبادئ إذن ليست كما يذهب اليه الأمين حيدر من أنها هي الفلسفة المدرحية، هي نتيجة من نتائجها، أو هي التعبير العملي لها بما يخص الأمة التي نادى بها سعادة،..

يطرح الرفيق الاستاذ لبيب زويا، الناحية الصراعية من الفلسفة المدرحية بمعنى لماذا تقول المدرحية بالصراع ” هذا الصراع نفسه ليس بالحقيقة إلا شيئا واحداً هو التطور الانساني نحو التحقيق الأمثل.. وما هذا المخلوق( الانسان) سوى نتيجة لذلك الصراع الطويل منذ بدء الخلق حتى يومنا هذا، صراع الانسان والطبيعة وبين الانسان وأخيه الانسان..” إذن فالمدرحية تُقرُّ بوجهي صراع الوجه الأول هو صراع الإنسان مع الطبيعة والذي يدور ضمن ثلاثية 1 ـ تُكيف الأرض الإنسان . 2 ـ وهو يرد الفعل ويكيفها. 3 ـ لكنها هي التي تحدد مدى هذا التكيف ومنحاه .أما الوجه الآخر لهذا الصراع فهو صراع بين الانسان وأخيه الانسان، صراع يدور مذ” وجد الانسان على هذه الأرض مظهرا لشيئين مختلفين بالاسم ..وقد جرى الناس على تسمية هذين الشيئين باسمين مختلفين، لا رابط بينهما، وهما الروح والمادة،..(مع)  إنهما الوجود نفسه كما يُنظر اليه من ناحيتين : موضوعية وذاتية، الأولى تعبر عن الناحية المادية والثانية تعبر عن الناحية الروحية..” في ضوء ما تقدم كان”  المبدأ المدرحي، أو الفلسفة المدرحية، ليست تركيبا فلسفيا بل ابداعا فلسفيا بمعنى أنها نظرة جديدة كل الجدة الى الحياة والعالم والمعرفة ..لأنها استطاعت أن تعطي الأساس الموحد لسير الانسانية فقضت على أوهام كثيرة عُلِّقَتْ في ما مضى على علاقة الروح بالمادة..” فالصراع إذن بين مفهومين يفضل كل منهما وجها من وجوه الوجود على الآخر، من هنا تأتي المدرحية كمخرج من هذا المأزق المفهومي لتقول:” إنهما الوجود نفسه كما يُنظر اليه من ناحيتين : موضوعية وذاتية، الأولى تعبر عن الناحية المادية والثانية تعبر عن الناحية الروحية..(كما) إنهما الوجود في حالتيه الذاتية والوضعية..”

وإذا كان الرفيق الأستاذ زويا لم يقدم لنا تعريفا محددا لماهية الفلسفة المدرحية، فذلك لأنه اتخذ الناحية الصراعية من تلك الفلسفة، أو أجاب في محاضرته عن سؤال محدد هو:” لماذا تتخذ الفلسفة المدرحية وجهة الصراع في مفهومها لماهية التطور الانساني ..فهي في المواصفات التي يطرحها فلسفة وجودية “أنطولوجية” ومع ذلك فهي “ميتافيزيائية” لها مقولاتها الخاصة، وليست “ميتافيزيقة” أو ما ورائية كما ألمح اليه الأمين حيدر حينما قال:” كانت المدرحية في رأي الكاتب نظرية وجودية تهتم بالوجود الماثل ، الآن صارت نظرية فيما وراء الوجود metaphysical ” ” بالإضافة لكونها نظرية في المعرفة ابستمولوجية..” هي كذلك( أي ميتافيزيائية) لأنها تقول:” بأن أساس الوجود ناتج عن اتحاد عنصريه المادة والروح بطريقة يستحيل معها فصلهما وأن الوجود المُسَبَبْ من هذا الاتحاد هو مُسَبْبْ هذا الاتحاد وهذا الاتحاد هو السبب الذي لا سبب قبله والذي منه تبتدئ سلسلة العلة والمعلول..” وكأني بالرفيق الأستاذ زويا يأخذنا الى النظرية النسبية حيث وهم الزمان و المكان،( الزمكان) من حيث أنهما شأنا واحدا يرتبطان ارتباطا ولاديا وموتا لا رجعة فيه،  أوالى نظرية ستيف هوكينغ أو (إشعاع هوكينغ) ” الانفجار الكبير” والتي تقول بولادة الزمان والمكان و بأن المكان والزمان( الزمكان)  شيء واحد، يبتدآن معا وينتهيان معا..

المحاضرة على وجه العموم شرح لوجهة نظر سعادة الصراعية وموقفه من المثالية والمادية وموقفه من الرأسمالية والشيوعية والفاشية الذي يشكل المحور الثاني أما المحور الثالث فيتناول الجانب الصراعي منها.. المحاضرة جديرة بالقراءة لمحبي الاطلاع. ويمكن لمريدي التعمق والدرس الاطلاع على مقالة ” حق الصراع هو حق التقدم ومقارنة ما جاء فيها مع ما جاء بهذه المحاضرة .

 راجع كتاب جنون الخلود الصفحة 60  

 

 

محاضرة الأمين أنيس فاخوري

الفلسفة القومية الاجتماعية

النظرة المدرحية

يجيء التعريف بهذه المحاضرة ـــ والتي نعتقد أن سعادة قد دبجه:” هذه المحاضرة.. هي محاولة أولى لإيضاح الفلسفة القومية الاجتماعية.. من الناحية “الميتافيزية” وأن التمهيد الموجز في الفلسفة وموضوعها أو مواضيعها الذي صدَّر به المحاضرة، هو ضروري ومفيد.. إن هذه المحاضرة ذات قيمة كبيرة، والمحاولة التي اشتملت عليها هي محاولة هامة وجريئة.. فهي إذا كانت مقدمة، مقدمة تفتح الموضوع من ناحيته الغير مادية و”الأنطولوجية“..

يجدر بنا التنويه بأن هذا التعريف، وفق ما نذهب اليه، يأتي، مستندا لمحاور رئيسية تناولتها المحاضرة: 1 ــ التعريف بالفلسفة على وجه العموم، 2 ــ التعريف بالفلسفة الروحية والفلسفة المادية والمخرج المدرحي من تناقضهما الى وحدتهما. 3 ــ مرتكزات الفلسفة المدرحية.

أيضا، لابدَّ لنا من التنويه لمصطلح رئيس يأتي في التعريف وهو” الميتافيزية” والذي يعني” الما فوق طبيعي”، بمعنى، العبقرية، للدلالة على عبقرية سعادة في استخلاصه فلسفته المدرحية

1 ــ معنى الفلسفة:

“.. إن الفلسفة لا تُعنى بالجزئيات من المعرفة بقدر ما تُعنى بالكليات أو المبادئ أو الأصول الأساسية للأشياء.. بينما العلوم على اختلافها تُعنى بالجزئيات، كل علم بما يخصه ويدخل ضمن نطاق بحثه.. غير أن الفيلسوف يأخذ خلاصات جميع هذه العلوم والأبحاث ويحاول أن يصوغها في قالب واحد ويلقي نظرة واحدة شاملة محيطة ( كليَّة) لينظمها كلها في سلك ( نسق) واحد ويستخلص حقيقة واحدة كبيرة(شاملة) (1) وبالنظر للتفاوت العقلي والتفاوت العلمي أحيانا بين مختلف الفلاسفة، نشأت المدارس الفلسفية القديمة منها والمتوسطة والحديثة.. ولم يكن الفرق بين العلم والفلسفة والعلاقة بينهما، أشدُّ وضوحا منها عند الزعيم الذي قال في مقدمة كتابه الأول من مؤلفه” نشوء الأمم“:

إنه كتاب اجتماعي علمي تجنبت فيه التأويلات والاستنتاجات النظرية وسائر فروع الفلسفة ما وجدت الى ذلك سبيلا..” فالزعيم لا يخلط بين العلم والفلسفة.. لكن كمال العلم في “نشوء الأمم” هو ما جعل الزعيم يتوج، الحقائق العلمية التي أثبتها وحللها أدق تحليل بنظرات فلسفية عميقة تناولت قضايا كونية أساسية..”(2)

فإذا اعتبرنا أن هناك حقيقة واحدة في الكون كله، وأن العلوم، كل علم على حدة، يحاول أن يكشف كل ما يستطيعه من مجرى تلك الحقيقة الواحدة.. كلما أتيح للفيلسوف الفرصة الفضلى في التوصل الى صياغة أكمل لنظرته الاجمالية الشاملة وكل فلسفة لا تكون مرتكزة على خلاصات صحيحة لمختلف أجزاء المعرفة، تكون فلسفة ناقصة..”

2ـ المدرحية والفلسفتين المادية والروحية( المثالية)*

يُعرف الأمين فاخوري الفلسفة الروحية بقوله:” إن الفلسفة الروحية على اختلاف فروعها ما هي إلا مرافعات جزئية جريئة وفذة وجذابة غايتها الدفاع عن العقائد الدينية القديمة، الدينية منها والوثنية والكتابية ..”

أما الفلسفة المادية فهي تلك التي:” لا تعترف بشيء من هذا الأصل الروحي، فهي تأخذ المادة المنظورة أساسا لبحثها، وهي ترى بأن الفكر في الانسان ما هو إلا مظهر من مظاهر المادة المتطورة وأن التفاعل ( والأصح التضاد) بين مختلف العناصر هو الأساس في تنوع الأشياء ووجودها.. معتبرة أن أن هذا المنظور هو بداية ونهاية كل الأشياء..”

أما الفلسفة المدرحية، فكونها” ترتكز الى أساسات منسجمة متلاحمة تستند الى الحقائق العلمية المتينة.. متمايزة بنظرتها العميقة الفذة الى الحياة الاجتماعية والمجتمع، وترى في الفرد امكانية انسانية وفاعلية اجتماعية ترتفع الى الأوج في ادراك صوابية الخير والحق والجمال.. إن الفلسفة القومية الاجتماعية ونظرتها المدرحية، هي اتجاه ثالث من اتجاهات التفكير الفلسفي.. والمخرج النظري في التفكير الانساني..”

يُعرج، الأمين فاخوري على سؤال طالما طرحه البعض من قوميين وغير قوميين: هل الفلسفة المدرحية هي مزيج من هنا وهناك؟ أو هي جمعٌ لمتفرقات فلسفية؟

ليجيب عليه قائلا:” إن الفلسفة المدرحية لا يمكن أن تكون من هذا النوع مطلقا إذ هي ترتكز على مرتكزات منسجمة، متلاحمة، ويبني رفضه على أنه من الممكن للبعض أن يراها متفقة مع” توما الاكويني في التفريق بين المعرفة الطبيعية والمعرفة اللاهوتية، لكنها تعارضه في اخضاع الارادة للمعرفة، أي جعل الارادة تابعة للمعرفة، وقد تتفق مع ديكارت ..لكنها تخالفه بعلاقة الروح بالجسد، وقد ترى في وحدة الوجود عند سبينوزا ما يتفق مع بعض نظرات المدرحية، كذلك ترى أن الفكرة عند لوك التي أساسها الاختيار والفهم تتفق مع النظرة المدرحية المرتكزة على تقدير وادراك الحقيقة، كذلك نظرة باركلي القائلة( بأن كل شيء في السماء وعلى الأرض وكل ما يؤلف هذا الهيكل العالمي الجبار ليس له كيان خارج نطاق العقل أو الفكر، متفقة والنظرة المدرحية القائلة :”الشريعة الأساسية للإنسان هي العقل الذي لا يجوز أن تعطله شريعة أخرى، وفي فلسفة كانت الانتقادية وتقسيمه الأشياء الى نوعين مدرك بالعقل أو مدرك بالاختبار،.. كذلك الأمر مع هيكل وكونت وحتى في فلسفة التطور الانبثاقي .. لكنها( أي المدرحية) من نوع آخر..”            

3 ـ مرتكزات الفلسفة المدرحية:

خمسة هي على التراتب الذي يراه الأمين فاخوري مسهبا في شرح كل منها كخاتمة لمحاضرته:” 1 ـ القيم الانسانية هي قيم اجتماعية، متحدية، لا قيم فردية. 2 ـ العقل كشرع أعلى في الانسان. 3 ـ التفاعل الموحد الجامع القوى الانسانية. 4 ـ المجتمع هو الوجود الانساني الكامل، والحقيقة الانسانية الكلية. 5 ـ اقامة نظام جديد.

لا يولي الأمين حيدر، هذه المحاضرة العناية الكافية التي تليق بها، في نقده لها، ويخلط بين التعريف بها وبين المحاضرة ذاتها، متسائلا عن الفلسفة المدرحية التي جاءت هذه المحاضرة للتعريف بها، منطلقا من أن صفات الشيء ليست الشيء بذاته، فكون الفلسفة هي الناموس أو القانون العام الذي تؤول اليه جميع الموجودات المادية والنفسية( الروحية)شيء والمدرحية شيء آخر،إذ لم يبين لنا الأمين فاخوري ما الناموس العام الذي تقول به الفلسفة المدرحية، كما وأن كون هذه الفلسفة ليست خلطا أو مزجا لفلسفات أخرى، لا يقدم لنا كيف هي كذلك لتكون المخرج النظري من تناقضات وإشكاليات المادية والروحية، فمرتكزات المدرحية غير المدرحية، مع اقرارنا بأن شرح هذه المرتكزات جاء متفقا كل الاتفاق مع خطب ومقالات سعادة، لكنه لا يفي حقنا في البحث عن تعريف المدرحية تعريفا لا يترك مجالا للشك بأنها القانون أو الناموس الذي يشكل فعليا المخرج من تلك الاشكاليات التي أشار اليها.. ما يُحسب للأمين فاخوري هو اعتباره “نشؤ الأمم” الركن الرئيس الذي قامت عليه الفلسفة المدرحية وبأن المبادئ هي التطبيق العملي لهذه الفلسفة، وهذا ما يعترض عليه الأمين حيدر..  

هكذا تبدو قراءتنا السابقة، بناء على تلك المقتطفات التي سقناها من قراءة هذه المحاضرة للأمين حيدر، مختلفة بعض الشيء عما طالعناه منها مباشرة، فهي في مفاصلها الثلاث، تنسجم انسجاما كليا مع طروحات سعادة في كل ما جاءت عليه من مفهومها للفلسفة أولاً من حيث سيعها لأن تكون القانون العام الكافي والوافي لتفسير كل ما يحتويه الوجود من علاقات، موضوعية وذاتية، فهي كيان متطور مع تطور العلوم وتشعباتها..

المحاضرة ، قيِّمة، كما جاء في التقديم لها، وإن تكن قد أسهبت في ما تناولته وقصَّرت في آخر، لكنها على وجه العموم جديرة بالقراءة والتمعن وإمعان النظر في ما جاءت به من شروحات لمرتكزات الفلسفة المدرحية ـــ والتي تأتي على جوانب عدة كان سعادة قد تطرق لها في كتاباته وخطبه ـــ والتي نحن اليوم بأشد الحاجة لتفهمها، وتمثلنا لها في حياتنا اليومية، ويمكن لمحب الاطلاع أن يعيد قراءتها من خلال الصور المرفقة.                   

يتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع تعريفنا للفلسفة

(2)   راجع مقالتنا / على هامش المدرحية/ نقد على نقد/

* ـ الفلسفة المثالية هي الفلسفة التي ترى أن العالم بما فيه ليس أكثر من انعكاس للوعي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحث تحليلي في / ما بين المادة والروح/

الرفيق كامل المقدم :

تحت عنوان عريض،( مدرحية المقدم)  يقدم لنا الأمين “حيدر حاج اسماعيل” نقده لمقالة الرفيق كامل المقدم، والتي هي في واقع الأمر لا علاقة لها بالفلسفة المدرحية، بقدر ما هي محاضرة أو مقالة في التوجيه السياسي ـ العقائدي في أحسن أحوالها، على الرغم من أنها تأتي على مصطلحات ( مادة، روح، مدرحية) لكنها مصطلحات تأتي عرضا في المحاضرة ـ المقالة، للدلالة على أهمية الاقتصاد والأخلاق الاجتماعية( المناقب) في حياة الأمة، فالتوجه الرئيس في “المحاضرة ـ المقالة” يبقى تأثير التخلف الاقتصادي والتردي الأخلاقي على قضايانا القومية وأبرزها قضية فلسطين ..

المحاضرة ـ المقالة” نُشرت بموافقة سعادة، لا ريب في ذلك، ولا شك أنها خضعت للتنقيح من قبله، وهي على نحو ما جاءت به من معالجات لقضايا عدة لا تخرج عن النطاق المومئ اليه أعلاه..

المادة والروح” في رؤية الرفيق المقدم، ووفق ما تنحى اليه “المحاضرة ـ المقالة”، لابدَّ لهما من أن يكونا شيئا واحداً، ذلك أن “المادة المنفصلة عن الروح تقود الأمة الى الانحطاط الخلقي والتسكع المناقبي.. والروح اذا ما انفصلت عن المادة تسير بنا الى ما وراء الطبيعة، الى العالم الميتافيزيقي، عالم الغيبيات، حيث نخسر وجودنا وكياننا الاجتماعي، وبالتالي نخسر أنفسنا.. المادة هي الثروة الاقتصادية .. لا نقدر بدونها، كأمة حية، أن نسمو ونقوى ونسود,, والروح هي الثروة الروحية النفسية التي تتعزز فيها المناقب وتتقدس الفضائل وتسمو فيها الأخلاق ..وهنا في الأوساط السورية خسرنا المادة وفقدنا الروح.. وإذا أردنا شاهدا.. فهذه فلسطين تشهد على صحة ما نذهب اليه.. ففقدان الأخلاق والفضائل ..هي السبب المباشر لخسارة معركة فلسطين وليس الضغط الأجنبي.. والنتيجة المفجعة التي وصلت اليها القضية الفلسطينية هي نتيجة حتمية ..للأوضاع القائمة على الميوعة والرخاوة والركاكة والإفلاس المناقبي.. فعبثا يتبجحون* بمستقبل عظيم الشأن ويوجهون اللوم الى زيد أو عمر قبل أن يوجهوه لأنفسهم .. فكلهم في الجرم شركاء وكلهم تربوا أو ترعرعوا في مدرسة انهزامية واحدة هي مدرسة الشخصية الفردية الخداعة.. إن المدرسة الفردية، هي المدرسة التي تقول بحرية الفرد الكاملة المطلقة دون الالتفات الى المصلحة المجتمعية العليا وهي إما مدرسة روحية فردية فقط أو مدرسة مادية فردية فقط.. وفي كلا الحالتين نجد أن المجتمع هو الفرد وليس الفرد هو المجتمع.. أما المدرسة الصالحة للبقاء ..هي المدرسة المدرحية، أي المدرسة القائلة ” ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها ” هذه هي الفلسفة القومية الاجتماعية التي تنظر الى الحياة كوحدة مادية ـ روحية .. إن فوضى النظم الاقتصادية المرتجلة جعلت بلادنا مزرعة تستغلها الاقطاعية ..والرأسمالية التعسفية المستبدة وتركت الثروة المادية العامة في متناول اصحاب الثروات الفردية والنزعات الشخصية ومما زاد في الطين بلة وجود الطائفة كنظام حكم .. إن فلسفة الحياة اذا والنظرة الصائبة الى الكون والن والجمال هي الفلسفة المدرحية ..”

ما تقدم على اختصاره المحاضرة ـ المقالة، التي تقع بحدود الصفحات العشر من القطع المتوسط ، لا يغني عن قراءتها لمن يود التعمق في صحة ما يسمها به الأمين الجزيل الاحترام حيدر حاج اسماعيل .                

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ـ في إشارة لما يسميه/ رجالات دول العالم العربي