المدرحية: نقدٌ على نقد (7)

 

المرتكزات الفلسفية

للأمين حيدر الحاج اسماعيل

ـ المبادئ الفلسفية: والحق يقال إن سعادة لم يأت بغير المبادئ ص14

ـ علاقة العلم بالفلسفة: ” هناك علوم وهناك فلسفات.. العلم يختص بالقوانين الكمية.. سلوك الظواهر والأشياء.. أما فلسفة العلم فمختصة بالمبادئ، ونقصد بذلك المبادئ المشتركة الجامعة لمختلف قوانين ذلك العلم وظواهره.. إن العلم يقدم للفلسفة مادتها المحددة المصطلحات، لكن الفلسفة لا تكتفي بمادة العلم، بل تستخرج منها المبادئ العامة الجامعة لشتات المعارف العلمية.. (وعليه فإن كتاب نشؤ الأمم) قدم المادة التي هي التحديد العلمي للأمة وواقعا اجتماعيا.. إن الأمة كانت الفكرة المركزية في كل كتابات سعادة: فالأمة من حيث تعريفها ونشوؤها كانت الفكرة المركزية لكتاب نشوء الأمم، والأمة من حيث نهضتها كانت الفكرة لكل ما عدا ذلك، ونعني الكتابات الفلسفية   .. إن المبادئ هي أجوبة على تلك الأسئلة التي طرحها سعادة على نفسه.. من نحن؟ ما لذي جلب على أمتي هذا الويل؟

وجهان للمبادئ، الحقائقي (العلمي) والمناقبي (الفلسفي).. من الوجه الثاني نذكر أن المبادئ عبارة عن دعوة مناقبية للنضال من اجل تحقيقها، فهي من هذه الناحية معيارية.. نحن مع سعادة نقول، إن ذلك الكتاب “كتاب اجتماعي علمي بحت” فهو، لأنه علم، والعلوم مادية، موضوعات ومناهج، لذلك فإن كتاب نشوء الأمم كتاب مادي، أي أن الدرس الذي أنشأه سعادة في ذلك الكتاب حول الأمة، سواء لجهة نشوئها أو لجهة تعريفها، هو درس مادي، والنتائج التي توصل اليها هي نتائج مادية، تبعا لذلك، فلا سبيل الى الوهم أن ذلك الكتاب هو في الفلسفة المدرحية أو أن درسه هو درس فلسفي مادي ـ روحي، إنه كتاب في علم الاجتماع القومي وعلم النفس الاجتماعي، والعلمان ماديان.. الفلسفة المادية ـ الروحية هي الفلسفة الموجودة في المبادئ، ولما كانت الأمة هي محور المبادئ وفكرتها المركزية فإننا نقول، إن الفلسفة المادية ـ الروحية هي فلسفة الأمة.. إن الفلسفة المادية ـ الروحية هي فلسفة الأمة لجهة نهضتها مادياـ روحيا.. (أما لجهة العلاقة بين المادة والروح) .. أن العلاقة العلمية هي علاقة ترافقية أو علاقة ترابطية..(وعليه، فالعلاقة بين المادة والروح ليست علاقة) سببية (لأنها تفترض السؤال عن أيهما الأسبق) مما يجر الى ما يشبه المباحث الميتافيزقية.. وإن إدخال السببية في كتابات سعادة العلمية يفقدها صفتها العلمية، إذ أن مبدأ السببية من الفلسفة وليس من العلم.. هذا لجهة العلاقة العلمية بين المادة والروح.. أما العلاقة الفلسفية فإنها علاقة وجوبية ـ مناقبية، مؤداها يجب الصراع لتحقيق المبادئ.. “

في مجمل نقده للمقالات التي تناولت المدرحية بشكل أو بآخر، ينطلق الأمين حيدر حاج اسماعيل من قاعدة أن العلم غير الفلسفة، مستنتجا من ذلك أن نشوء الأمم هو كتاب علمي لا علاقة له بالفلسفة المدرحية يقول:” فلا سبيل الى الوهم أن ذلك الكتاب هو في الفلسفة المدرحية أو أن درسه هو درس فلسفي مادي ـ روحي، إنه كتاب في علم الاجتماع القومي وعلم النفس الاجتماعي، والعلمان ماديان.. الفلسفة المادية ـ الروحية هي الفلسفة الموجودة في المبادئ، ولما كانت الأمة هي محور المبادئ وفكرتها المركزية فإننا نقول، إن الفلسفة المادية ـ الروحية هي فلسفة الأمة.. هي فلسفة الأمة لجهة نهضتها مادياـ روحيا..”

هذا الاستثناء، شكل المنعطف الرئيس في افتراق ما جاءته كتابات حيدر عن غيرها من كتابات قوميين وغير قوميين في موضوعٍ هو شائك لجهة أن القائل به أودعه مجمل كتاباته وشكل بآن، لغزا لمن حاول شرح بعض جوانبه وطلسما لمن لم يفقه سعادة منهجا ومنطقا، علما وفلسفة!!

نضيف لما تقدم، أن الأمين حيدر، يعتمد على أن تعريف الشيء بصفاته، كما تعريفه بـ ( الليسيات ) ليس تعريفا، نقاط ثلاث شكلت، موقفا للأمين حيدر في تعريفه للفلسفة المدرحية، وتاليا بخس سعادة حقه بالقول:” والحقيقة أن سعادة لم يأت بغير المبادئ..”

لقد سبق لنا وناقشنا مرتكزات الأمين حيدر، لجهة استثنائه لكتاب نشوء الأمم، لكننا نعود اليها من منطلق العلاقة بين العلم والفلسفة، وضرورة حل هذه الاشكالية، التي شغلت حيزا واسعا من دراسات لفلاسفة وعلماء اجتماع ومناطقيين ومناهجيين، بل وشكلت نقطة اختلاف وتناقض بين عددٍ منهم، لم تضع أوزارها حتى تاريخه..

ما نعتقده، وبما يختص بموضوع دراستنا/ المدرحية نقد على نقد/ أنه لا يمكن حل هذه الاشكالية إلا وفق منهج ومنطق مدرحي تحديدا، بمعنى أنه لا يمكن فهم المدرحية، نقدا ونقضا، بغير منهجها ومنطقها، كما أن اسقاط مناطق ومناهج فلسفية أخرى عليها، لفهمها أو نقدها أو نقضها، سيخرجها عن محورها لتدور في فلك تلك المناطق أو المناهج، كما هي الحال في مختلف الدراسات الفلسفية الأخرى التي تناولت فلسفة ما بغير منهجها ومنطقها، فعلى سبيل المثال، لا يمكن نقد أو نقض الماركسية بغير منهجها ومنطقها الديالكتيكي، على غرار ما قام به “ماركس” و “فويرباخ” في نقدهما لمنهج أستاذهما “هيغل” الديالكتيكي ومن ثم نقضهما له، كذلك في نقد “ماركس” لـ “فويرباخ” ومن ثم نقضه لما انتهى اليه الأخير ديالكتيكيا..فعلى سبيل المثال، وباختصار شديد ـ وحتى لا نخرج عن موضوعنا ـ كيف يمكن نقد الماركسية ديالكتيكيا ؟

 وفق الماركسية ديالكتيكيا، فإن  “صراع الأضداد” هو جوهر الوجود، وبتطور هذا الصراع، تخلص الماركسية للقول بقانون “نفي النفي” عبر تراكمات الكم  ” من الكم الى الكيف” وقولها في المحصلة “بالحتمية التاريخية” مما أوقعها في تناقض ذاتي، من حيث أنها خاضعة قبل غيرها لمبدئها الأول “صراع الأضداد” فإن خرجت عليه، لم يعد هذا المبدأ، جوهرا للوجود، لأن هناك ما خرج عليه، ذلك أنها عبر قانون “نفي النفي” ستُخرج من لدنها ما ينفيها، أو يتناقض معها، عبر، من “الكم الى الكيف” فإذا كانت مبادؤها المشار اليها صحيحة، وأنها ليست بخارجة عنها، فلا يمكنها القول “بحتمية تاريخية” تنتهي بها الى “المجتمع المشاعي” حيث الدولة ـ على سبيل المثال ـ “مصلحة بريد” لأنها ستكون قد خضعت لمقولاتها التي لا تسمح لها بالتنبؤ بهذا المجتمع.. لأنها تكون قد خضعت لتغيرات عبر نفي النفي، أي أنه، قد ولدت نظرية تناقضها وتنفيها قبل أن تمضي الى تشكيل مجتمعها المشاعي..   

كذلك الأمر بالنسبة للمدرحية، حيث لا يمكن الفصل بين الوجود ووحدته، بين الوجود ومعرفته، بين المادة والروح(النفس) بين الباطن والظاهر، بين الجوهر والمظهر، بين المضمون والشكل، فكلٌ من هذه المصطلحات، أو المفردات، او الصياغات، ما هي إلا مصطلحات عقلية محضة يلجأ إليها العقل لفهم ما حوله، وجوده، أما واقعها، فما هو سوى وحدة لا يمكن تجزئتها إلا نظرياً لفهمها، من هنا جاء تعريف سعادة للناموس أو المقولة أو القانون على أنه “اصطلاحٌ بشري لمجرى من مجاري الحياة او الطبيعة..” اصطلاح، بمعنى اتفاق، بين البشر على أن ذاك الشيء هو كذا، لكنه ليس هذا “الكذا” في واقع الحال من حيث هو وجود قائم بذاته ولذاته، يضرب سعادة مثال “يشوع بن نون “الذي أوقف الشمس عن دورانها حول الأرض لينتصر على الفلسطينيين..”

 ليست الحقيقة “شيئين” هما وجود ومعرفة، هي شيء واحد، لكنها من حيث أنها “قيمة نفسية انسانية” تضحى نسبية، لكنها ليست كذلك، في ما يتعلق بالوجود الموضوعي، لكنها كذلك عندما يتعلق الأمر بالمعرفة التي تتغير وفق المعطيات التي تقدمها أدوات المعرفة و تساهم في توسيع أو تعميق مجال الرؤية، النظرية أو العقلية للإنسان، هكذا وجد “هابل” عبر التلسكوب، لونين أزرق وبرتقالي فكانت نظريته في تمدد الكون، فتمدد الكون حقيقة، لم تكن معروفة قبل هابل، لكنها لم تكن كاملة، حتى قيام “ستيف هوكينغ” بمناقشة هذا التمدد “عقليا” عبر جملة من المعادلات الرياضية المعقدة، حيث رأى أن هذا التمدد سيؤول الى تقلص ومن ثم الى ولادة جديدة للمكان والزمان اللذين هما وفق “هوكينغ”  شيئا واحدا..         

 وعلى الرغم من أن الأمين حيدر لم يقدم لنا تعريفا لما يعنيه بالمادة والروح في الفلسفة المدرحية على مدى انتقاداته لكل ما كُتبَ بها، فإننا نرى أن المقولة الرئيس في الفلسفة المدرحية” المادة تعين الشكل” كفيلة بأن تحلَّ لنا الاشكالية التي أثارها الأمين حيدر للعلاقة بين العلم والفلسفة بقوله “، إنه كتاب في علم الاجتماع القومي وعلم النفس الاجتماعي، والعلمان ماديان.. الفلسفة المادية ـ الروحية هي الفلسفة الموجودة في المبادئ..” وعلى الرغم من اعتقادنا، أنه ــ الأمين حيدر ــ لم يأتي بجديد في قوله المشار اليه، كما أنه لم يقدم لنا تعريفا لهذه الفلسفة الموجودة في المبادئ، بقوله: “ولما كانت المبادئ هي مختصة بنهضة الأمة فإن الحاصل يكون، أن الفلسفة المادية ـ الروحية، هي فلسفة الأمة لجهة نهضتها ماديا ـ روحيا..” معرفا إياها بوظائفها “سيادة الأمة، التوحيد، الحصانة، مناقب الخير والعدل، الكفاءة الانتاجية، المرجعية، الحداثة،” فإذا لم يكن تعريف الشيء بصفاته هو الشيء بذاته، وفق ما يذهب اليه الأمين حيدر، فهل تعريف الشيء بوظائفه، هو الشيء بذاته؟!!    

 فإذا كانت المادة تعين الشكل، وعلى افتراض أن علم الاجتماع علما ماديا، فهو وفق ما تذهب اليه، مقولتنا، يبقى نشوء الأمم هو المادة التي تعين المبادئ ـ الشكل، فكما أن البيئة ـ المادة، هي التي تعين الشكل، ـ الجماعة، المتحد، المجتمع، الدولة، وإذا كانت المبادئ قواعد انطلاق الفكر، فعمل الفكر من منطلق قواعده، سيكون وفق قاعدة / تكيف الانسان الأرض، وهو يرد الفعل ويكيفها، لكنها هي التي تحدد مدى هذا التكيف منحا واتجاها/ فصيرورة المبادئ في حال تحققها ستتحدد وفق المادة التي قامت عليها أي نشوء الأمم ..

وإذا قلنا أن المادة هي كل ما هو موجود بغض النظر عن وجود الانسان أو معرفته، فإن الروح، ( بمعنى النفس) هي كل ما له علاقة بالإنسان وجودا ومعرفة، وعليه يمكننا القول أن الوجود المادي( المحيط ـ الجسم ) هو الذي يشكل الروح ( النفس ) وفق سعادة، وعليه أيضا، من الوجهة المدرحية، يكون الشكل متوافقا مع المادة، كما الباطن والظاهر، كما الجوهر والمظهر، كما الشكل والمضمون، كلٌ يعبر عن الآخر، فلا انفصام أو انفصال بينهما، مدرحيا، ..

كذلك الأمر، أيضا، في ما يتعلق بالعلاقة بين العلم ( المادي) وفق حيدر، والفلسفة ( المعرفة) مهما تكن المصطلحات والصياغات التي ساقها الأمين حيدر لتوكيد نظريته في الفصل بينهما، فوفق سعادة في مقولته الأساس ” المادة تعين الشكل” يكون العلم هو المادة التي تعين الشكل الفلسفة، طالما أن الفلسفة جامعة لشتات العلوم، فلا يمكنها الخروج على معطيات هذا الشتات، وتاليا يكون نشوء الأمم هو القاعدة التي تقوم عليها المبادئ، فلا يمكن الفصل مدرحيا بين المادة والشكل، بين نشؤ الأمم وبين المبادئ، فكلاهما “شيئا واحدا” مهما تكن نوعية العلاقة العلمية(ترافقية كانت أو توافقية) وفق حيدر أو علاقة (وجوبية أو مناقبية) وفق حيدر أيضا،

من النادر، أن أستشهد بكتّاب أو علماء غربيين، على صعيد البحث الاجتماعي، لكن ما قاله “بيتر اينيتش” في كتابه الصادر عام 1958 ” فكرة علم اجتماعي وعلاقته بالفلسفة” يلقي ضوءا مهما على ما نحن بصدد دراسته، يقول ” وينتش” ما يلي”: أن الفلسفة والسوسيولوجيا متشابهتان إن لم تكونا متطابقتين: فهما معاً تعالجان موضوعاً تنصهر فيه المفاهيم والأشياء بشكل معقد، وتدرسان كيف تتشابك المفاهيم مع الواقع. وهما معاً معنيان بفهم المفاهيم وتحليلها..” ويضيف قائلا:”  أن الفلسفة والعلوم الاجتماعية متناظران منطقياً وإبيستيمولوجياً، وبالتالي فإن “توضيح طبيعة الفلسفة وتوضيح طبيعة الدراسات الاجتماعية يؤديان إلى الشيء نفسه؛ لذلك فإن كلَّ دراسةٍ للمجتمع جديرةٍ بهذا الاسم يجب أن تكون دراسة فلسفية في جوهرها، وإن كلَّ فلسفةٍ جديرةٍ بهذا الاسم يجب أن تهتم بطبيعة المجتمع البشري” نكتفي بهذا القدر من التحليل لمرتكزات الأمين حيدر، لنتابع غدا / مدرحية جورج عبد المسيح / وفق تصنيف الأمين حيدر.

ملاحظة: يرجى العودة لمحاضرة الأمين أنيس فاخوري، فهي معالجة وافية لعلاقة العلم بالفلسفة، وقوله:”.. لم يكن الفرق بين العلم والفلسفة والعلاقة بينهما، أشدُّ وضوحا عند أحدٍ منها عن الزعيم، الذي قال في مقدمة كتابه الأول من مؤلف” نشوء الأمم ” ( إن نشوء الأمم كتاب اجتماعي علمي بحت تجنبت فيه التأويلات والاستنتاجات النظرية وسائر فروع الفلسفة ما وجدت الى ذلك سبيلا..) فالزعيم لا يخلط بين العلم والفلسفة.. خصوصا في علم الاجتماع الدقيق، لكن كمال العلم في نشوء الأمم، هو ما جعل الزعيم يتوج الحقائق العلمية التي أثبتها وحللها أدق تحليل بنظرات فلسفية عميقة تناولت قضايا كونية أساسية..” يجدر لفت الانتباه الى أن هذه المحاضرة أو المقالة نالت موافقة الزعيم وثنائه عليها موجود في صدر تقديمها للنشر .

ويبدو صحيحا كل الصحة القول:” فلسفة علم الاجتماع هي فرع من فروع الفلسفة التي تعنى بدراسة منطق ومنهجية العلوم الاجتماعية مثل علم الاجتماع وعلم الإنسان والعلوم السياسية

يُصر الأمين حيدر على أن كتاب “نشؤ الأمم” كتاب علمي  لا علاقة له بالفلسفة عموما والمدرحية بشكل خاص ” بحيث يأتي هذا الاصرار قاعدة لتناقضه مع مختلف الدراسات التي اعتبرته مستندا من أهم وأبرز مستندات الفلسفة المدرحية، بل والأساس الذي قامت عليه، كما ويأتي تناقضه الآخر على قاعدة اصراره على “أن مواصفات الشيء أو صفاته ليست هي الشيء بذاته،” وعلى الرغم من صحة ما يدعيه الأمين حيدر، نسبيا، فإن الظاهر والباطن، أو الشكل والمضمون، أو الجوهر والمظهر، ..الخ، وعلى قاعدة “أن المادة تحدد الشكل” وفق سعادة، يجب أن يكونا متوافقين ومتطابقين بعضها مع بعض، فلا يمكن فصل المظهر عن الجوهر أو الشكل عن المضمون أو الباطن عن الظاهر، فهذا الثنائي وجهي عملة واحدة، أيٌ منهما يمثل الآخر ويعبر عنه..، كما المادة والروح، مدرحيا، كما الأمة والبيئة، فإذا كانت صفات الشيء أو مواصفاته أو خصائصه، ليست هي الشيء بذاته !! فما هو هذا الشيء الذي هو بذاته ؟ دون خصائصه وصفاته ومواصفاته!! دون علله وأسبابه؟ وعلى ذات القاعدة التي يعتمدها الأمين حيدر بأن تعريف الشيء بــ” الليسيات” ليس تعريفاً..

ليس بين العلم والفلسفة تلك المسافة التي يفترضها الأمين حيدر، اذ يبدأ البحث العلمي، كما الفلسفي، بالسؤال، فإذا اعتبرنا أن أنشتاين عالم فيزيائي فتساؤله حول علاقة سرعة الضوء بسرعة مصدره كانت البداية لنظريته النسبية التي قلبت موازين الفيزياء رأسا على عقب، فأصبحت الجاذبية مجرد وهم والخط المستقيم مجرد افتراض وكذلك الزمان في ولادته وموته، وبات “الزمكان” هو الحقيقة التي أثبتتها التجارب حيث الزمان والمكان حدثٌ واحد، لا ينفصل أيٌ منهما عن الآخر، وباتت العلاقة بينهما علاقة عكسية، كلما اتسع المكان ضاق الزمان والعكس صحيح، وعليه، فأنشتاين ليس عالما فيزيائيا وحسب، بل وفيلسوفاً، وهكذا هي الفلسفة، تساؤلٌ يبدأ في البحث عن ماهية العلاقة بين الموجودات ولماذا هي على هذا النحو دون ذاك، هي تساؤلٌ يحاكم العلاقة بين جزئيات موضوعه، أياً كان، ماديا أم نفسياً، بمعنى آخر، إن الفلسفة، أيا كان موضوعها، وجودا ماديا أو نفسيا، هي محاكمة للعلل والأسباب التي تحكم خصائص ومواصفات وصفات الموضوع : لماذا هي على هذا النحو؟ لتخلص من تساؤلها الى نتيجة، خلاصة، توجزها بقانون، مقولة، ناموس يتتبع التكرارية في الظاهرة التي يدرسها باعتبارها ( التكرارية) هي التي تحكم هذه الظاهرة في تجلياتها، في “اشعاع هوكينغ” أو نظرية الانفجار الكبير، كان تساؤل “ستيفن هوكينغ” اذا كان الكون يتوسع فإلى أي حدٍ يبقى على هذه الحال ؟هذا التساؤل كان البداية لبحث انتهى الى أنه لا بدَّ له من أن يعود ويتقلص، هذه المحاكمة لجملة الحقائق العلمية، ليست علما، إنها فلسفة، تروي لنا ما قد يحدث قبل حدوثه بمليارات السنين الأرضية..

سعادة ليس فيلسوفا فيزيائيا أو رياضيا أو كيمائيا.. سعادة فيلسوفا اجتماعيا، حاكم بعقلانية مجمل ما قيل في علم الاجتماع، وخلُصَ لنتائجه الاجتماعية التي شكلت فلسفته الاجتماعية والتي نعتها بـ “القومية الاجتماعية” أو “المادية ـ الروحية ” أو ” المدرحية

 بناء على ما تقدم نسأل حضرة الأمين: هل مقولة أو قانون أو ناموس ( المادة تعين الشكل) هي مقولة علمية أم فلسفية ؟ وهل ” دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” هي مقولة علمية أم فلسفية أيضا ؟ هل ( الأمة واقع اجتماعي بحت) هي مقولة علمية أم فلسفية ؟ هل (الانسان ـ المجتمع) مقولة علمية أم فلسفية ؟ هل ( الدولة القومية هي دولة ديموقراطية حتما) مقولة علمية أم فلسفية ؟وهل حقا أن سعادة ” لم يأتِ بغير المبادئ” ؟ وتاليا هل الفلسفة المدرحية هي المبادئ؟ أو وفق تعبير الأمين الجزيل الاحترام  :” الفلسفة القومية الاجتماعية = تجبُ المبادئ لتنهض الأمة ولها: وجهان الحقائقي ( العلمي) والمناقبي( الفلسفي) للمبادئ..” وهل تقتصر الفلسفة على ما هو مناقبي دون سواه ؟                

وعلى الرغم من أننا لسنا هنا بمعرض شرح أو تفسير معنى مصطلح فلسفة، فهي في المبدأ، تفسير، شرح، توضيح،  الشيء عقليا بعلله وأسبابه، فالشيء هو علله وأسبابه، وليس أي شيء آخر، والفلسفة من حيث هي البحث عن أعم القوانين في الطبيعة والمجتمع، تستند في بحثها على ما تنتهي اليه المعارف ( العلوم) من حقائق طبيعية أو اجتماعية ــ عللا وأسبابا ــ لتصوغ منها قانونا يمكن من خلاله تفسير مختلف الظواهر الطبيعية والاجتماعية، هذا القانون أو الناموس ــ وفق سعادة وتعريفه ــ ” اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة..” هذا القانون أو الناموس، هو فقط المتكرر في مجرى الحياة أو الطبيعة، وما أوضح هذا المتكرر في مقولة سعادة الرئيس: ” دورة الحياة الاجتماعية ــ الاقتصادية ” فأي معنى يمكن لمفردة ” دورة ” أن تأخذه سوى هذه التكرارية، وهذه التكرارية، التي، أينما وجد بشر أو أرض، ستأخذ ذات الأشكال التي تقررها ” مادتها ــ بيئتها ” التي، أيضا وفق سعادة ” المادة تعين الشكل” هي التي تحدد هذا الشكل وتميزه عن ذاك، على اعتبار ” أن النواميس لا تلغي خصائص الأنواع ” وفق سعادة أيضا، إذ تبقى خصائص ومواصفات وصفات تلك الدورة خاضعة لخصائص ومواصفات وصفات البيئة التي تجري فيها تلك الدورة الاجتماعية ــ الاقتصادية..

من الضروري جدا أن ننوه لضرورة العودة لمحاضرة الأمين أنيس فاخوري، السابق نشرها كاملة، والتي نالت موافقة سعادة باعتباره الموجه للنشرة التي جاءت بها، والتي تتناول معنى الفلسفة وموقع نشؤ الأمم من الفلسفة المدرحية وقوله :” إن كمال العلم في نشؤ الأمم هو ما جعل الزعيم يتوج، الحقائق العلمية التي أثبتها وحللها أدق  تحليل، بنظرات فلسفية عميقة تناولت قضايا كونية أساسية..”