المدرحية: نقدٌ على نقد (8)

 

مدرحية جورج عبد المسيح:

في نقده لما كتبه جورج عبد المسيح عن المدرحية، يصيب الأمين حيدر كبد الحقيقة بقوله:”.. إن جورج عبد المسيح كان ظالما لسعادة من ناحيتين:

الأولى:أنه لم يدرسه كفاية، بدليل عدم اطلاعه على بعض المكتوبات.

الثانية: لأنه حرَّفَ معنى فلسفته، وألح على تحريفه.

مستندا في حكمه على أن عبد المسيح أشار في نهاية كتابه/ رسالة من رسالة/ وتحت عنوان ” المدرحية لفظة وليست نظرة” الى قوله:” المدرحية لفظة مركبة من كلمتين، مادة وروح، وقد وقع بعض أتباع سعادة في خطأ تسمية فلسفة معلمهم” مدرحية “بسبب عدم استيعاب المحتوى الخاص الذي أعطاه الزعيم لكلمة ” مدرحية “وقد ذكرها مرة واحدة فقط وفي رسالة واحدة من رسالاته التوضيحية..” وهذا ما تدحضه الوثائق التي يشير اليها الأمين حيدر(*) ونضيف الى ما أورده الأمين حيدر، ورود مصطلح مدرحية  للمرة الأولى في معرض بين قوسين وناحيتها الصراعية) المنشورة في سلسلة النظام الجديد..

فماذا يقول سعادة في الوثائق المشار اليها أعلاه:

بتاريخ 1/9/1942 يأتي سعادة على ذكر المدرحية للمرة الأولى في مقالته” بين الجمود والارتقاء” ما يلي:” ومن استعارات رشيد الخوري قوله في الرسالة المحمدية إنها مدرحية، أي مادي روحي معا، فقد يظن القارئ غير المطلع أن هذا القول هو فكرة جديدة فلسفية للخوري، والحقيقة أنه مأخوذ من كتابي ” نشوء الأمم”  ومن شرحي لمبادئ الحزب، فهو فكرة اجتماعية أبديتها في مناسبات عديدة، وآخر ما أعلنته من أمر نظرتي الفلسفية كان في الأول من آذار 1940 قلت: إن الحركة السورية القومية الاجتماعية لم تأتي سورية فقط بالمبادئ المحيية بل أتت العالم بالقاعدة التي يمكن عليها استمرار العمران وارتقاء الثقافة، إن الحركة السورية القومية الاجتماعية ترفض الإقرار باتخاذ قاعدة الصراع بين المبدأ المادي والمبدأ الروحي أساسا للحياة الانسانية، ولا تقف حركتنا عند هذا الحد بل هي تعلن للعالم مبدأ الأساس المادي ـ الروحي للحياة الانسانية ووجوب تحويل الصراع المميت الى تفاعل متجانس يحي ويعمر ويرفع الثقافة ويسيّر الحياة نحو أرفع مستوى” يفيد الكلام الوارد أعلاه أن المدرحية هي نظرة فلسفية عامة تشمل العالم بأجمعه، مما يدحض ما جاء به عبد المسيح من أن المدرحية لفظة وليست نظرة، ويؤكد أنها موجودة في مؤلفه ” نشوء الأمم” وهذا ما يدحض أيضا قول الأمين حيدر:”.. فلا سبيل الى الوهم أن ذلك الكتاب هو في الفلسفة المدرحية أو أن درسه هو درس فلسفي مادي ـ روحي،” اذ يقدم سعادة “نشوء الأمم” على شرح المبادئ، كما ويؤكد على أن المدرحية من حيث هي نظرة فلسفية، هي فلسفة اجتماعية بالدرجة الأولى..

في رسالته المؤرخة في 10/1/1947 يقول:” داعية الأمم إلى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده وعقيدة تفسيره، من الجهة الأخرى، بالمبدأ ‏‏المادي وحده، والاقلاع عن اعتبار العالم ضرورة، عالم حرب مُهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، وإلى التسليم معنا بأن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس روحي – مادي (مدرحي) وأنّ الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه. ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها..” في هذا النص، يبدو واضحا ما يعنيه سعادة بفلسفته المدرحية، أي ( تفسير التطور الانساني..) فالمدرحية إذن هي فلسفة اجتماعية تدرس التطور الانساني نشؤا وارتقاءً(وإلى التسليم معنا بأن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس روحي – مادي (مدرحي)..) بما يدحض قول عبد المسيح من أنها لفظة وليست نظرة من جهة،  وقول الأمين حيدر من جهة ثانية، من أن :”  الفلسفة المادية ـ الروحية هي الفلسفة الموجودة في المبادئ.. إن الفلسفة المادية ـ الروحية هي فلسفة الأمة.. إن الفلسفة المادية ـ الروحية هي فلسفة الأمة لجهة نهضتها مادياـ روحيا..” فالمدرحية من حيث هي فلسفة اجتماعية تدرس التطور الانساني نشؤاً وارتقاءً وتخلص الى القول بأن أساس الارتقاء مادي ـ روحي،  مدرحي، فلا سبيل لأية أمة كائنة ما كانت، سورية أم هندية أم صينية ..الخ في مسعى نهوضها ماديا وروحيا إلا الأخذ بهذه الفلسفة.. وحيث أن المبادئ هي قواعد ارتكاز وانطلاق الفكر، يبقى الفكر في صيرورته منشدا الى أساس التطور الانساني، وليس الى قواعد انطلاقه فحسب، فهذه الأخيرة تبقى تعبيرا عن الأساس الذي قامت عليه، ولا يمكن لها أن تحلَّ محله، فهي قد تتغير كلما تحقق منها فصلٌ من فصولها، وتحديدا في مفصلها الاصلاحي ( المبادئ الإصلاحية) ، لكنها تبقى هي هي في مفصلها الأساسي (المبادئ الأساسية) القائم على أي وجه أخذ به على أن أساس التطور الانساني نشؤا وارتقاء هو أساس مدرحي، ذلك أن المبادئ نتيجة لا سبب، نتيجة أن التطور الانساني هو تطور مدرحي، يأخذ الوجود في وحدته لا في تشظياته الاصطلاحية التي تنفصم بها وحدته، وتصبح إما مادية أو روحية، فهاتين المفردتين كما أشرنا سابقا يبقيان مجرد اصطلاح بشري “..لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة لا أنّ الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها. وفي كلّ النّواميس الّتي نكتشفها يجب أن لا ننسى أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب أن لا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الّذي نعرفه بها. فكوننا اكتشفنا ناموساً أو ناموسين من نواميس الحياة العامّة يجب أن لا يحملنا على نسيان الواقع الطّبيعيّ ونواميسه الأخرى، فالنّواميس لا تمحو خصائص الأنواع. وإذا كنّا قد اكتشفنا سنّة التّطوّر فيجب أن لا نتّخذ من هذه السنّة أقيسة وهميّة تذهب بنا إلى تصّورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة..” هكذا يبقى الواقع الطبيعي والاجتماعي أساسا يُصَوبُ متجهات النهوض المادي ـ الروحي ..

في مقالته ” لائحة العقاقير لا تصنع طبيبا” يعيد سعادة ذكر المدرحية يقول:” إن الحركة القومية الاجتماعية تأسست على مبادئ الوجدان القومي والعدل الاجتماعي في النظرة المدرحية الى الحياة والكون والفن..” هنا لا يتحدث سعادة عن فلسفته المدرحية بقدر ما يشير الى ما تأسست عليه مبادئه في الوجدان القومي( المبادئ الأساسية ) والعدل الاجتماعي( المبادئ الاصلاحية) مؤكدا أن مبادئه قامت وتأسست على النظرة المدرحية، مما ينفي أن هذه المبادئ هي الفلسفة المدرحية، وبأنها نتيجة لا سبب، وبأن سعادة لم يأت على ذكر المدرحية “..مرة فقط وفي رسالة واحدة من رسالاته التوضحية” كما يقول عبد المسيح..  

في كلمته التوجيهية، في مؤتمر المدرسين يأتي سعادة على ذكر المدرحية قائلا:”  ولذلك كان الغرض الأساسي من الحركة السورية القومية الاجتماعية جعلها عامة ومنتصرة في الأمة السورية وحيثما أمكن تحقيق رسالتها الاجتماعية وفلسفتها المدرحية..” ويضيف في ذات الكلمة قائلا:” إنّ صلب المعركة هو في تثقيف نفسية الأحداث ومعارفهم في البيت وفي المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية. وتستمر المعركة العقائدية ما وراء ذلك. لم يهمل صاحب الرسالة القومية الاجتماعية المدرحية هذه القضية الثقافية الخطيرة، بل، بالعكس، أولاها عناية خاصة..” في هذا النص يبدو واضحا أيضا، أن سعادة يقول بالمدرحية فلسفة لا تقتصر على أمته السورية، بل “.. وحيثما أمكن تحقيق رسالتها الاجتماعية وفلسفتها المدرحية..” وتشمل العالم أجمع، والنص واضح من حيث أن سعادة ينعت قوميته الاجتماعية بالمدرحية، على عكس ما يشير اليه عبد المسيح الذي يقول:” التأويلات الخاطئة لفلسفة الانسان الجديدة.. لأن النظرة الى الوجود التي تنبثق عنها وتثبتها التعاليم السورية القومية الاجتماعية وفلسفة الانسان الجديدة ليست الفلسفة المدرحية..  المدرحية لفظة مركبة من كلمتين مادة وروح وقد وقع بعض أتباع سعادة في خطأ تسمية فلسفة معلمهم ” مدرحية” بسبب عدم استيعاب للمحتوى الخاص الذي أعطاه الزعيم لكلمة مدرحية.. ” هكذا يقع عبد المسيح في ما نعت به ( أتباع سعادة) في اشارة منه لمن لا يتبعون تنظيم الانتفاضة، فهم ليسوا برفقاء له ، بقدر ما هم ( اتباع لسعادة) ..

في تصدير سعادة لمقالة الرفيق لبيب زويا نقرأ:” إن هذه المحاضرة هي تحليلية دقيقة للفلسفة المدرحية، وقد تناولت الناحية الأنطلوجية كما تناولت موقف هذه الفلسفة من الفلسفات المعاصرة وهي تمثل اجتهادا ممتازا في شرح الفلسفة المدرحية التي تقدم الحل الوحيد روحيا وعمليا لقضايا المجتمع الانساني العسيرة وتشق للمجتمع طريق الخروج من التخبط والأضاليل الى حرية أعظم ونظام أجمل ونتيجة فيها كل الخير للمجتمع، فهي وحدة من وحدات هذه المجموعة الأولى من الدراسات الكبيرة القيمة للفلسفة المدرحية التي أعلنها سعادة وتقدمها النهضة القومية الاجتماعية للعالم..” هنا أيضا نجد أن سعادة يعيد ويكرر أن فلسفته القومية الاجتماعية هي فلسفته المدرحية وانها فلسفة الى العالم أجمع، على العكس تماما مما يدلي به عبد المسيح”.. الفلسفة التي تقدمها النهضة ليست ” الفلسفة المدرحية ” إنها فلسفة الانسان الجديدة المنبثقة عن نظرة للوجود الانساني في حقيقته الاساسية، المجتمع ـ الانسان الكامل التي توضح أن هذا الوجود لا يجوزأن يفسر ماديا ولا تفسيرا روحيا وفق الظاهرات لهذا الوجود الكلي الشامل .. ليست فلسفة الحزب ” الفلسفة المدرحية”، بل فلسفة الوجود بكمال وشمول ماهيته ..”

يبدو واضحا مما سبق مدى الخطل الذي وقع به عبد المسيح وتناقضه التام والكامل مع سعادة وأنه أراد أن يستغل نقص المعرفة والفهم  لبعض الذين تبعوه في انتفاضته التي شكلت شرخا خطيرا في الحزب أوصل الحزب لما هو عليه الآن من تشتت وضياع وهذا ما تنبأ به سعادة بنظرته الثاقبة للزمن حيث يقول:”  واحذروا من اختلاط السياسة والدبلوماسية وأغراضهما بعقيدتكم وإيمانكم وعناصر حيوتكم الأساسية،، لئلا تكون العاقبة وخيمة..”     

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ رسالة سعادة المؤرخة في 10/1/ 1947

2 ـ مقالة سعادة / لائحة العقاقير لا تصنع طبيبا