المدرحية: نقدٌ على نقد(10)

..”                                  

   مدرحية

 الأمين انعام رعد     

يُفرد الأمين حيدر لبحثه المعنون/ مدرحية رعد/ ما لا يُفرده لأي باحث آخر، فالأمين رعد، هو من أغزر مَنْ كتب في القومية الاجتماعية وعلى أصعدة عدة، وفق ما ذهب اليه الأمين حيدر، محاولا أمام هذا الكم الغزير من الكتابات تصنيف أو تخصيص ما جاء به رعد على أربعة عناوين:

1 ـ المنطلقات الفكرية والاستراتيجية الثورية

2 ـ كتابات فكر

3 ـ الاتجاه الجديد في النظر

4 ـ محاولة خائبة

على ما يبدو، فإن انتقاد الأمين رعد للأمين حيدر في فصل الأخير لكتاب “نشؤ الأمم” عن مجمل كتابات سعادة باعتباره “كتابا علميا لا علاقة له بالفلسفة المدرحية”،وفق ما يذهب اليه الأمين حيدر، يبقى المحور الذي دارت حوله مختلف الانتقادات التي وجهها الأمين حيدر للأمين رعد..

في مناقشتنا لكلتا الأطروحتين، نؤكد أن السياق الذي جاءت به كلتاهما مهم للغاية، ذلك أن متجه الدراسة يحدد معايير ما جاءت به من مصطلحات ومفاهيم ووقائع ونتائج، كما هي الحال في ما سماه الأمين حيدر/ مدرحية المقدم/ والتي هي في مجملها لا علاقة لها بالفلسفة المدرحية، وتبقى توجيها سياسيا قوميا اجتماعيا لا أكثر ولا أقل، والتي نشرت بإشراف سعادة وتوجيهه، فلو أنها اختصت بالفلسفة المدرحية، لكان لسعادة موقفه من مجمل ما جاءت به وعليه..

بناءً على ما تقدم، سيكون بحثنا وفق التصنيفات الأربعة التي جاء نقد الأمين حيدر وفقها ونبدأ في :

 المنطلقات الفكرية والاستراتيجية الثورية

على مدى 122 صفحة، يتناول بها الأمين انعام رعد موضوعات عدة /المنطلقات الفكرية للحزب واستراتيجيته الثورية ـ مفهوم اليسار القومي الاجتماعي ـ القومية الاجتماعية الرائدة التي يتجه اليها العصر الحديث بتجارب أممه ـ المنطلقات العقدية للأهداف والمواقف في الحزب السوري القومي الاجتماعي / هذه الموضوعات تناولها الأمين رعد إما في محاضرات، غالبا ما كان يرتجلها ، او دراسات ، لكنها بمجملها كانت موضوعات مطروحة وبقوة فترة السبعينات من القرن الماضي، وبالطبع من منطلق قومي اجتماعي، غالبا ما يصفه الأمين رعد بالثوري، كمصلح يومي متداول في تلك الفترة، وكنقيض للواقع الذي أفرزته حرب 1967..

وبطبيعة الحال، يتناول الأمين رعد، هذه الموضوعات مُسْقِطاً عليها مفاهيم قومية اجتماعية، بمصطلحات تتكرر باستمرار في مختلف كتاباته،..

     يكتفي الأمين حيدر بـالسؤال حول ما تعنيه هذه أو تلك من المصطلحات والمفاهيم ويُحمِّلُها معانيه أو مفهوماته الخاصة حول الفلسفة المدرحية، وتحت عنوان لا يتناسب وهذه الموضوعات/ مدرحية رعد / ذلك أنها محاضرات ودراسات أقرب ما تكون للتوجيه السياسي الذي فرضته أحداث تلك المرحلة العاصفة من تاريخ الأمة، بحيث تبقى تلك المحاضرات والدراسات منشدة الى زمانها ومكانها، لكنها، قطعا، لبست بحثا فلسفيا، يتجاوز حدود المكان والزمان، وتحديدا في الفلسفة المدرحية، وإن كان (رعد) يستند لبعض من مقولاتها وبشكل متكرر، كمقولة “الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية”، والتي تدور مختلف إطروحاته حولها أو تنطلق منها أو تستند عليها أو لبعض ما تعنيه وقائعا ونتائج، لكنها ( المحاضرات والدراسات) بالمطلق، ليست بحثا فلسفيا في المدرحية..

تدور تساؤلات الأمين حيدر حول فكرة هنا أو مصطلح هناك او مفهوم يتجاوز القصد المفهوم من السياق العام للدراسة أو المحاضرة فعلى سبيل المثال، يتساءل الأمين حيدر بعد أن يستعرض ” تعابير مثل ( التكامل المادي ـ الروحي) و ( الثورة المادية ـ النفسية) أو( قومية الأرض) و ( المنهج المدرحي) ، “ويقول في معرض تساؤلاته:” مصطلح التكامل المادي ـ الروحي( والذي لا نجده في كتابات سعادة) يستخدمه رعد ليفيد ما يسميه الوحدة الروحية والوحدة الاجتماعية ـ الاقتصادية        ويؤكد رعد أن لوحدة المجتمع، مفهومين متكاملين يشكلان مفهوم الثورة عند سعادة ألا وهما المفهوم الروحي( القومية) والمفهوم المادي ( الاجتماع بالمعنى الاقتصادي) ليتساءل:” هل حقا عنى سعادة بالمادة ، في فلسفته المادية ـ الروحية، الاجتماع ـ الاقتصادي ؟

من منطلق أن البحث ليس في الفلسفة المدرحية، فلا يمكن طرح السؤال عن:” ما إذ كان سعادة قد عنى “بالمادة” الاجتماع ـ الاقتصادي!!!”، فالبحث يدور حول ماهية الوحدة القومية ومقوماتها. الروحية منها والمادية، والأثر الاقتصادي في مجال تطبيقهما عمليا على الأرض.

 يستشهد “رعد” بقول لسعادة فيقول:” نعود لسعادة فعنده القول الفصل في كل هذه المواضيع، يقول سعادة( إن الحزب السوري القومي الاجتماعي  يريد وحدة قومية متينة تُثبت حق الأمة السورية في معترك الحياة والتفوق، وهذه الوحدة القومية القوية لا يمكن أن تحصل ضمن نظام اقتصادي سيء كما لا يمكن أن تحصل ضمن نظام اجتماعي سيء، فإقامة العدل الاجتماعي ـ الحقوقي والعدل الاقتصادي ـ الحقوقي أمر ضروري لفلاح النهضة السورية القومية الاجتماعية..)

في هذا القول لسعادة يؤكد “رعد” على أن سعادة قد ربط الشأن الاجتماعي بالشأن الاقتصادي، فلا انتصار بجانب واحد من جوانب الثورة القومية الاجتماعية بما تعنيه من مقومات مادية روحية،  كونها (الثورة القومية الاجتماعية) “مدرحية”  الأبعاد المادية الروحية ،وتاليا فالشأن الروحي يأتي مكملا للشأن الاجتماعي ـ الاقتصادي، رعد يشرح ما قاله سعادة، ويقدم عينات، تؤكد صوابية متجه سعادة، في كون الثورة لا يمكن لها أن تقوم على جانب واحد من مقومات الحياة ويقصد الجانب الروحي يقول:” يقول سعادة : ( نسير الى الحرب ـ [حرب التحرير] ليس فقط جماعة واحدة من الوجهة الروحية بل من الوجهة الاجتماعية أيضا، ليس لننصر اقطاعيا على اقطاعي أو رأسمالي بل لنكسب أرضا لا يمكن أن نقيم فيها مستعبدين من أنفسنا على امتنا، نسير محققين انتصارا لشعب حر يتجمع تحت علم أمته ودولته بنظام واحد ومجد واحد للجميع..) ففي حرب التحريرـ يتابع رعد شارحا ـ في المواجهة مع العدو الخارجي، قصد سعادة ألاّ نسير موحدين من الناحية الروحية ، وحدة الروح التي تحدثنا عنها، لا تفرقنا الطوائف المذهبية وموحدين من الوجهة الاجتماعية، وحدة لا تقوم على السكوت على النظام الاجتماعي، على تعايش الاقطاع والرأسمالية مع الشعب المسحوق، الشعب الكادح المنتج بفلاحيه وعماله ومثقفيه، بل وحدة تقوم لا على نصرة اقطاعي أو رأسمالي بل لنكسب أرضا لا يمكن أن نقيم فيها مستعبدين من أنفسنا على أمتنا، فالثورة الاجتماعية في سبيل النظام الجديد واسقاط الاقطاع والرأسمالية جزء لا يتجزأ من حرب التحرير القومية عند سعادة.

النظام الجديد ووحدتنا الروحية ـ الاجتماعية توأمان لا ينفصلان.. والوحدة الروحية ليست بديلا عن الوحدة الاجتماعية ـ الاقتصادية بل مكملا لها..” يقدم رعد أمثلة مستشهدا بسعادة مما جرى في بريطانية وفي أمريكا تأكيدا على ما يذهب اليه في شرحه لسعادة فيقول” يقول سعادة في هذا الموضوع، حالة المحافظين والاقطاعيين في بريطانيا الذين كانوا يرفضون وضوح المفاهيم الاشتراكية :ان الشعوب كانت متخمة من الديموقراطية الرأسمالية التي أصبحت كابوس العامل والفلاح، وأن حالة الحرب هي التي تضغط على بريطانية والولايات المتحدة للاهتمام بالناحية الاجتماعية..” فالثورة القومية تستدعي بالضرورة الثورة الاجتماعية بما تعنيه الأخيرة من اسقاط للنظام الاقطاعي والرأسمالي المتحكم في البلاد والعباد، مع تأكيد رعد تحت عنوان / سعادة والثورة الاجتماعية / على أن الثورة الاجتماعية عند سعادة هي أشمل من الثورة الاقتصادية كما طرحتها الماركسية، إنها أشمل لعدة اسباب ، أنها لا تقوم على مجرد الشأن المادي الاقتصادي .. المشكلة ليست مشكلة انسان وطبقات، في امتنا جيوب طائفية عنصرية، في امتنا مشكلة كردية في العراق، في امتنا مفهوم الأكثرية الطائفية، وقس على ذلك العديد من المشكلات، هذه المشكلة لا يمكن أن تحل بتبدل علاقة الانسان بوسائل الانتاج ..

يتضح أن رعد لم يعنِ بالمادة ، في فلسفة سعادة المادية ـ الروحية، الاجتماع ـ الاقتصادي، ذلك أن البحث يبقى  في ممكنات الثورة للتحقق، وإن تطرق للشأن الاقتصادي في مفهوم الثورة، فإنه لا يتعدى ذلك ليصبح في الفلسفة المدرحية أن المادة هي الاقتصاد .              

يتابع الأمين حيدر تساؤله حول ما يقوله الأمين رعد من أن “المشكلة الاجتماعية غير منفصلة عن المشكلة القومية، وكل فصل بين هذين التوأمين إجهاض للشأن القومي وقتلٌ للشأن الاجتماعي” متسائلاً: كيف وبأي معنى نفهم علاقة عدم الانفصال، بين المشكلة الاجتماعية والمشكلة القومية؟ هل هي علاقة سبب ونتيجة؟ أم علاقة ترابطية؟ أم علاقة تكافؤ؟ أم خلاف ذلك؟

على الرغم من أن تساؤل الأمين حيدر، يتجاوز حدود المطروح من هذه المسألة، فسؤاله يثير مشكلة من لا مشكلة، في محاولة منه للتشكيك في ما يزعمه رعد من أن المشكلة الاجتماعية غير منفصلة عن المشكلة القومية، في تساؤله عن العلاقة بين الشأن الاجتماعي والشأن القومي، ذلك أنه لا فرق بين الشأنين، هما كلٌ متكاملٌ من حيث أن القومية الاجتماعية هي المدرحية وهي المادي ـ الروحي، فالعلاقة بين الشأنين هي علاقة الجوهر بالمظهر أو الباطن بالظاهر أو المادة في الشكل، هما شأنٌ واحد، وإن كنا نمايز بينهما في ما اصطلح عليه من مفهوم أي منهما، فالقوم هم الجماعة، مدرحيا كلاهما رديف للآخر، مترادفات لغوية، لكنها شأن واحد، يتخذ كلٌ منهما شكل الآخر، وفق الحالة التي تفترضها الوقائع والظروف والأحوال، في اللغة العربية، هناك تسع وتسعون اسما للأسد، فأي منها نختار لوصف حالة ما يمرُّ بها الأسد يقول المتنبي:

 وردٌ اذا ورد البحيرة شارباً… ورد الفرات زئيره والنيلا

يصف المتنبي الأسد بالورد تبعا للونه الضارب للحمرة، لكن ورد هو الأسد بعينه..

بديع الزمان الهمزاني يصف الأسد بالهزبر يقول:

 إِذاً لَرَأَيْتِ لَيْثاً زَارَ لَيْثاً … هِزَبْرَاً أَغْلَباُ لاقى هِزَبْرَا

الأسد هنا هو الهزبر لوصف حالته بالغالب، أو الشديد الوطئة  أو الكاسر(*)

عدم الانفصال اذن هو كون القومية والاجتماعية في وحدة لا تنفصم عراها فكل منهما صنوٌ للآخر، وعلى أي وجه جاءت به هذه العلاقة توافقية وتكافؤية، أو نتيجة لسبب..        

المسألة الثالثة التي يتسأل الأمين حيدر حولها هي قول الأمين رعد:” إن القومية الاجتماعية هي قومية الأرض وهي قومية الانسان في الأرض ، الانسان الحر السيد الشريف” متسائلا: هل نفهم من هذا الكلام أن الباحث يريد أن يقول إن القومية الاجتماعية هي قومية جغرافية؟ أو القومية الوطنية ؟باعتبار الأرض تنتمي لدائرة علم الجغرافيا؟.. وهل يقصد بعبارة “قومية الانسان في  الأرض” التفاعل بين الانسان والأرض؟

هذه التساؤلات في ظاهرها شيء وفي باطنها شيء آخر، في ظاهرها تساؤلات منطقية، وإن كانت لا تنطلق من ماهية البحث، لكنها في باطنها محاولة للتشكيك في صحة ما يدعيه رعد!!

قومية الأرض، وكما هي في السياق، تعني الوحد القومية، وحدة البيئة التي بها تكتمل” دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” أما قومية الانسان في الأرض، فتأتي بمعنى التفاعل من جهة والانسان المكتنه وحدة أرضه وشعبه، مجتمعه، قومه، أو كما عبر سعادة في مقدمة نشؤ الأمم:” إنّ هذه الشّخصيّة مركّب اجتماعي ــ اقتصاديّ ــ نفسانيّ يتطلّب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعوره بشخصيّة جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسّية متّحده الاجتماعيّ وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتمّ به ويودّ خيره، كما يودّ الخير لنفسه.”

 أخيرا يتساءل الأمين حيدر عن المقصود في “المنهج المدرحي” والذي لا نجده عند سعادة!! في قول الأمين رعد:” وتنطلق القومية الاجتماعية من الشمول في المنهج المدرحي لتحليل التطور الاجتماعي.. فالعقيدة القومية الاجتماعية الشاملة تعنى بالقضية القومية( المبادئ الأساسية) وبالنظام الاجتماعي ـ الاقتصادي ( المبادئ الإصلاحية)

كما سبقت الاشارة الى ان البحث ليس بحثا في الفلسفة ، فالسؤال لا يجد اجابته فيه، وأن الإشارة الى شمولية المنهج، تبقى للدلالة على أن المدرحية، في شموليتها مختلف جوانب الوجود المادي والروحي، الموضوعي والذاتي، تستمد من النسق التطوري منهجها لفهم هذه الظاهرة  أو تلك، لذلك هي معنية بتحديد ماهية الشأن القومي كما هي معنية في الوقت عينه بالنظام الاجتماعي ـ الاقتصادي .      

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بين المصطلح والمفهوم:

الفرق بين المفهوم والمصطلح هو: في أن الأول يأتي معناه والمقصود منه في سياق البحث، المفردة تأخذ في السياق معنى واحد لا أكثر، المصطلح، يبقى اتفاقيا على أن هذا الشيء هو كذا، مصطلح مدرحية، يبقى معناه في النص أينما وجد هو “الكل المادي الروحي”، أو “القومية الاجتماعية” بكل مضامينها، فعندما نقول مدرحية نعني بها أن كل شأن أو شيء هو مادي ـ روحي، أو هو قومي اجتماعي، الثالوث مدرحية ـ مادية روحية ـ قومية اجتماعية، هي مسمى واحد، لجوهر واحد، لمضمون واحد، أو هي مترادفات تأخذ المعنى المقصود منها في السياق التي تأتي به،..

المفهوم له في السياق واحدٌ من معانيه، وواحدٌ من مرادفاته،      

المفردة، في أية لغة كانت، تأخذ القصد من استخدامها، من السياق الذي جاءت به، ولا يمكن تجريدها منه، لأنه في حالة من هذا النوع، تفقد المفردة المعنى الذي أُريد لها أن تكون به، خاصة في اللغة العربية التي تكثر فيها المعاني و مترادفات المفردة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لنأخذ مفردة ( خطل) والتي يمكن لها أن تأخذ المعاني التالية: خَطِلَ في كَلاَمِهِ : أَتَى بِكَلاَمٍ فَاسِدٍ لاَ مَعْنَى لَهُ ، أفْحَشَ، خَطِلَ فِي الرَّأْيِ : أَخْطَأَ، خَطِلَ الرَّجُلُ : عَجِلَ ، حَمُقَ، خَطِلَ فِي مَشْيِهِ : تَبَخْتَرَ وَتَلَوَّى، خَطِلَ الْوَلَدُ : اِضْطَرَبَ ، اِسْتَرْخَى، خَطِلَ خَطِلَ خَطَلاً : استرخى واضطرب،  خَطِلَ : أَسْرَعَ وحاد عن الصَّواب،  أما مترادفاتها فهي ” إفْك , باطِل , تَخَرُّص , حَشْو , حَماقَة , حُمْق , خَلَل , خَلْط , رَعَالَة , رَكَاكَة ( في الكلام ) , رُعونة , رُعُونَة , سَخافَة , ضُعْف , غَبَاوَة , لَغْب , لَغْو , نَوْك , هَذَر , هَذَيان , هَذَيَان , هَوَج , هُذَاء , هُرَاء..” فأيٌ من هذه المعاني والمترادفات يمكن لها أن تأخذ في قول الشاعر “الطغرائي ” :

أصالة الرأي صانَتْنِي عن الخَطَلِ

وحليةُ الفضلِ زانتني لدى العَطَلِ

تأخذ هذه المفردة معناها كأضداد لمفردة أصالة والتي تعني

أَصالَةٌ في الرَّأْيِ:   جَوْدَتُهُ ، إِحْكامُهُ وهذا المعنى يأتي مترادفا مع

أصالة، أمانَةٌ,  أَمَانَةٌ , بلاغَةٌ , بَلاَغَةٌ , تَعَقُّلٌ , حصافَةٌ , حقيقَةٌ , حِكْمَةٌ , حِلْمٌ , رَزَانَةٌ , رَوِيَّةٌ , سكوتٌ , صَمْتٌ , صِدْقٌ , فَصَاحَةٌ , قُوَّةٌ , قُوَّةٌ ( في الكلام ) , نَزاهَةٌ , نَزَاهَةٌ , وفاءٌ , وَقارٌ , وَقَارٌ , وُجُومٌ” ..

في دراسته التي تمتد على نحو ( 95 ) خمس وتسعون صفحة يشرح فيها “رعد” موقف سعادة من الانعزالية، بمعناها الكياني ـ حتى لا ينحصر معناها بالكيان اللبناني تحديدا ، فالشامي المتمسك بهويته الشامية هو انعزالي أيضا كما العراقي والأردني والفلسطيني والقبرصي ـ

في نقده لما جاء في تلك الدراسة ـ الشرح، يُصر حيدر على “الكتابات المتصلة بالمجرى الأساسي لقراءتنا، نعني، “فلسفة سعادة المادية ـ الروحية”.. مسجلا اثني عشرة ملاحظة على ما جاء به رعد شارحا موقف سعادة من الانعزالية..

      “الدراسة ـ الشرح”، ونعيد هنا ونكرر، أنها ليست بحثا فلسفيا، وهذا جانب مهم في أية دراسة نقدية، مهما كان موضوعها، ذلك، أن اسقاط مقولات فلسفية على موضوع معين، ليس بحثا فلسفيا، إنما هو دلالة على أن تلك المقولات تسبر أغوار الموضوع سلبا كان أم إيجابا، وتكشف علته كمعلول، كمظهر لجوهر، كشكل لمادة، فمصطلح “انعزال” يعني جزء ًمن كل، فإذا كان الجزء يدعي قيامه بذاته، فما هو ذاك الكل الذي يُسقط أو يدحض ذلك الادعاء، مع الأخذ بعين الاعتبار ” أن النواميس لا تمحو خصائص الأنواع” كما يقول سعادة، وأن العام لا يلغي الخاص، كما المجتمع لا يلغي الفرد، فإذا كان للجزء مواصفاته وخصائصه وصفاته، التي تميزه عن بقية الأجزاء، كما تميز خصائص ومواصفات وصفات تلك الأجزاء عنه، فما هو ذاك الكل الذي يجمع هذه الأجزاء بعضها الى بعض؟ ليضفي عليها كلاً متجانسا، متكافلاً، متضامناً؟ يجيب رعد، مشيرا لواقع التجزئة الذي مورس على السوريين كافة بموجب اتفاقية ( سايكس ـ بيكو) قائلاً:”.. إن عارضة الناقورة أقامت حدا سياسيا بين منطقة الاحتلال سياسي ومنطقة الاحتلال البريطاني، (لكنها) لم تَحُلْ دون انطلاق حيوية اللبنانيين نحو مقاومة مشروع ” الوطن القومي اليهودي”! وأن عارضة وادي الحرير لم تمنع مئات السيارات من الذهاب والإياب يوميا بين مراكز الفاعلية الحيوية اللبنانية ومراكز الفاعلية الحيوية الشامية ، حاملة اللبنانيين والشاميين الى جميع الانحاء توزعا من المركزين المذكورين، وأن عارضة عند النهر الكبير (الشمالي) لم تمنع تفاعل الحياة الاجتماعية بين لبنان وغرب الشام” موضحا أن سعادة قد أشار الى هذه المسألة في مقالته ” الانعزالية أفلست” عندما قال:” إن الترابط بين القرى والمدن والأوردة الزراعية في سورية الطبيعية كلها لا تسمح بالتفكير بتجزئة الأمة السورية الى أمم والشعب السوري الى شعوب ” لكن السؤال يبقى قائما: ما علة هذا ” الترابط ” ؟ أو ذاك الكل الجامع والموحد و الصاهر لكل تباين، يجيب رعد :” إنها دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” والتي إذا ما أُسْقِطَتْ على مفهوم مصطلح الانعزال، بانت على النحو التالي: يقول رعد:” إن مفهوم الدورة الاجتماعيةـ الاقتصادية عدا أنه يقدم الأساس الموضوعي المادي للوجود الاجتماعي، بحيث تحاكم الأفكار والاتجاهات على قاعدته وتُحَكُّ على محكه، فيسقط منها ما يفتقر الى عوامله الموضوعية، فإنه يشتمل على نقطتين بالغتي الأهمية في نقض مرتكزات الاتجاه الانعزالي، النقطة الأولى أن هذا المفهوم حركي، الحركة الاجتماعية، تختلف أصلا عن المفهوم الاستاتيكي الذي (تستند) ننظر اليه الأفكار المزيفة قوميا الى الحدود الجغرافية .. أما النقطة الثانية في مفهوم سعادة للدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية، الناقضة للمفهوم الانعزالي، في مفهوم هذه العملية الحركية، هذه الدورة الحياتية هي التي تصهر الجماعات البشربة في عملية التفاعل فتزيل فروقاتها السلالية وأصولها القبلية لتدمجها في وحدة الحياة الاجتماعية ومصهرها المذيب فروقات الأصول والمبقي على أصل وحيد هو وحدة الحياة القومية في البيئة الطبيعية الواحدة.”

كيف يعلق حيدر منتقدا رعد؟

أولا: النتيجة الأولى: هي قول الباحث “أن (المتحد الأتم) عند سعادة أساسه الاتحاد في الحياة”.. (هذا القول) ليس لسعادة، سعادة المعروف بأمانته العلمية ينسبه الى عالم الاجتماع الأمريكي ماكيفر صاحب كتاب ” المتحد”.. يقول سعادة :” أريد أن أجاري هنا مكيور(ماكيفر) في إيضاحه المتّحد أنّه كلّ مساحة تشتمل على حياة مشتركة وتكون متميّزة عن المساحات الأخرى تميّزاً لا تصحّ بدونه تسمية المتّحد.. ويكون معنى هذا المتّحد منتهى التّوسّع في استعمال هذه اللّفظة الّتي تفيد التّجانس والتّلاحم والّتي أريد بعد الآن أنّ أقتصر فيها على الواقع الاجتماعيّ، على الجماعة المشتركة في حياة واحدة تكسبها صفات مشتركة بارزة وتسبغ عليها ما يمكننا أن نسمّيه شخصيّة ووحدة خاصّة” حيث الحياة الواحدة التي تكسب هذا المتحد الأتم صفات وخصائص تميزه عن سواه من المتحدات يقول سعادة :”القرية متحد والمدينة متّحد والمنطقة متّحد والقطر متّحد ولكلّ متّحد خصائص تميّزه عمّا سواه ممّا هو أصغر منه أو أوسع منه، أقلّ منه أو أكثر منه..” وهكذا، فالمتحد عند سعادة هو” الجماعة المشتركة في حياة واحدة” فعندما يقول رعد شارحا لسعادة من أن المتحد أساسه الاشتراك في الحياة لا يخطئ بقدر ما يعتمد توصيف المتحد عند سعادة..

ثانيا: قول الكاتب إن الأمة هي ” المتحد الأتم” عند سعادة قولٌ غير صحيح، هذا التحديد هو أيضا للعالم الأمريكي “ماكيفر” .

أكان هذا التحديد لماكيفر أم لسعادة فإن اعتماد الأخير عليه يجعله جزءاً من مقهوم سعادة للمتحد، لكن سعادة لا يبقي تعريف ماكيفر للمتحد على حاله بل يتوسع به ليأخذ معنى آخر غير المعنى الذي أراده له ماكيفر، حيث يقصره سعادة على الواقع الاجتماعي، الذي يتجاوز ماكيفر في تحديده للمتحد في قوله:” . فإنّ شرط المتّحد ليس أن يكون مجموعاً عدديّاً من ناس مشتركين في صفات النّوع الإنسانيّ العامّة فحسب، بل مجموعاً متّحداً في الحياة..” مشددا على أن الاتحاد في الحياة يكسب الجماعة ميزات وصفات وخصائص، هي أعمق من “صفات النوع الإنساني” مؤكداً على أن البيئة الطبيعية هي المعنى المقصود مستندا على قول بواس:” ولكنّنا نقصد ما عناه بواس في الإجابة العضويّة على محرّضات البيئة الّتي تحدّد المتّحد..  ومن إيضاح بواس نعلم أنّ التّشابه العقليّ والفيزيائيّ نتيجة، لا سبب. فهو ناتج عن الاشتراك في الحياة الواحدة. ” بمعنى أن الاشتراك في حياة واحدة تمتد لأجيال وأجيال تفضي بطبيعة الحال الى” التّشابه العقليّ والفيزيائيّ” بتأثير البيئة من جهة وبرد فعل المجتمع ككل بمختلف أجياله على ذات التأثير الذي تمارسه البيئة الطبيعية على موضوعات اشتراكهم في حياة واحدة، وعليه فإن قول رعد صحيح كل الصحة في أن المتحد أساسه الاشتراك في حياة واحدة حيث يفضي هذا الاشتراك في الحياة بطبيعة الحال الى الشعور بالشخصية المتمايزة عن سواها حيث تكون الأمة أمر واقع اجتماعي والذي اقتصر عليه تعريف المتحد عن سعادة ..

ثالثا: القول بأن الاتحاد بالحياة هو حصيلة التفاعل بين الجماعة وبيئتها الطبيعية يناقضه ما ذكره سعادة في كتابه “نشؤ الأمم” حيث يقول: “فالمتحد الأتم هو دائما أمر واقع اجتماعي” و” الأمة واقع اجتماعي بحت“..

كيف يفهم الأمين حيدر هذا التوصيف لسعادة من أن الأمة هي أمر واقع اجتماعي بحت ليأتي قول الأمين رعد مناقضا لسعادة!!؟

يفهم الأمين حيدر الواقع الاجتماعي على أنه أمر أفراد يشتركون بعضهم مع بعض بميزات تميزهم عن غيرهم بغض النظر عن كيفية اكتسابهم لهذه الصفات التي تميزهم عن سواهم وبماذا يشتركون وكيف يشتركون ولماذا هم مشتركون وما هي ميادين اشتراكهم ومادة هذا الاشتراك؟ لتكون لهم هذه الميزات كنتيجة لا كسبب؟ مستشهدا بقول سعادة “أن الصفات تتبع المتحد لا المتحد يتبع الصفات “ويتخذ من مثال سعادة حول مغتربينا في أمريكا الشمالية والجنوبية قاعدة لتأكيد أن الواقع الاجتماعي البحت يتعلق فقط بالأفراد ـ من حيث علاقاتهم بعضهم ببعض مستثنيا البيئة الطبيعية التي يقيمون اشتراكهم بعضهم مع بعض ردا   لمحرضاتهاـ، فالسوريون المنتقلون الى الأمريكيتين يكتسبون صفات وخصائص جديدة تجعلهم كأبناء تلك المجتمعات ويختلفون عما كانوا عليه في مجتمعهم السوري الذي غادروه،  حيث يقول سعادة “السّوريّ الّذي يهاجر إلى أميركا لا يلبث، إذا أقام، أن تتبدّل صفاته الخاصّة ويكتسب صفات المتّحد الأميركانيّ الخاصّة. فكيف زالت صفاته الأولى الثّابتة الّتي كانت تميّزه عن الأميركان، ومن أين جاءته الصّفات الأميركانيّة الّتي أصبحت تميّزه عن السّوريّين ؟ يتجاهل الأمين حيدر هذا النص لسعادة ويكتفي بقول سعادة:” أليس في هذا الواقع برهان مفحم على أنّ الصّفات ليست أساس المتّحد وأنّ أساس المتّحد والصّفات هو الاشتراك في الحياة الواحدة؟ بلى. فحيثما اجتمع جمهور كبير من السّوريّين في أميركا وقلّ اختلاطهم مع الأميركان وظلّوا محافظين على اشتراكهم في حياتهم، في متّحدهم، فهم يكتسبون كثيراً من طابع البيئة ولكنّهم يظلّون متّحداً متميّزاً عن الأميركان بنسبة إقلالهم من الاشتراك في الحياة الأميركانيّة وعكفهم على حياتهم السّوريّة. وكلّما قلّ تعاشرهم فيما بينهم وازداد اشتراكهم في الحياة الأميركانيّة ازداد تخلّقهم بأخلاق الأميركان واكتسابهم صفاتهم..”

معلقا بقوله( الأمين حيدر):” واضح من النصوص المتقدمة أن سعادة كان دائما مؤكدا فكرة أن المتحد (الأمة) واقع اجتماعي بحت لذلك نجده مشددا ( والقول للأمين حيدر) على أن تفاعل السوريين المغتربين بعضهم مع بعض ( اشتراكهم أو اتحادهم في الحياة السورية ) هو جوهر كونهم متحدا سوريا في المغترب وليس التفاعل مع البيئة الطبيعية، متجاهلا ما أورده هو من قول سعادة في أنهم ” فهم يكتسبون كثيراً من طابع البيئة “متابعا:” والحق يقال ( وهنا بيت القصيد) أنه لو كان الأمر أمر تفاعل السوريين مع البيئة الطبيعية الأمريكانية هو الأصل في معنى المتحد لما ظلوا سوريين ” ما تجاهله الأمين حيدر في النص المشار اليه هو أن رعد يؤكد قول سعادة ولا ينفيه أو يتناقض معه، فقول سعادة واضح في سؤاله:” فكيف زالت صفاته الأولى الثّابتة الّتي كانت تميّزه عن الأميركان، ومن أين جاءته الصّفات الأميركانيّة الّتي أصبحت تميّزه عن السّوريّين ؟ أليس في هذا الواقع برهان مفحم على أنّ الصّفات ليست أساس المتّحد وأنّ أساس المتّحد والصّفات هو الاشتراك في الحياة الواحدة؟ ” معنى الاشتراك في الحياة لا يقتصر على علاقات تقوم بين الأفراد وإلا لما كان سعادة قد تساءل عن ” كيف زالت صفاته الأولى الثّابتة الّتي كانت تميّزه عن الأميركان، ومن أين جاءته الصّفات الأميركانيّة الّتي أصبحت تميّزه عن السّوريّين؟ فهم يكتسبون كثيراً من طابع البيئة ولكنّهم يظلّون متّحداً متميّزاً عن الأميركان بنسبة إقلالهم من الاشتراك في الحياة الأميركانيّة وعكفهم على حياتهم السّوريّة. وكلّما قلّ تعاشرهم فيما بينهم وازداد اشتراكهم في الحياة الأميركانيّة ازداد تخلّقهم بأخلاق الأميركان واكتسابهم صفاتهم..” ولكن كيف هم يشتركون في الحياة الأميركانية؟ والتي بطبيعة الحال هو ( الاشتراك) استجابة لمحرضات البيئة التي ” يكيّف الإنسان الأرض ولكنّ الأرض نفسها تعيّن مدى هذا التّكييف وأشكاله حسب بيئاتها الإقليميّة..” هكذا يتجاهل الأمين حيدر موضوع الاشتراك في الحياة ومادته وكيفيته ووسائله، مقتصرا على أنه مجرد علاقات تقوم بين الأفراد فكأنه يقول أن اشتراك السوريين في حياة واحدة سورية السمة، يجعل منهم متحدا سوريا في قلب المتحد الأمريكي، والذي يحول دون اندماجهم في الحياة الأمريكية، بمعنى آخر يجعل منهم “غيتو” على النسق اليهودي في مختلف المجتمعات التي عرفت اليهود، وهذا ما يتناقض كليا مع سعادة كليا، والذي يؤكد ما يذهب اليه رعد من أن ” التفاعل هو لب الحركة التاريخية التي ينشأ عنها ” المتحد الأتم ” وهو جوهر فلسفة سعادة الاجتماعية، وحصلة التفاعل في مجرى التطور هي الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تعطي الأمة مفهوما حركيا، مفهوم الدورة الحياتية فالاتحاد في الحياة قاعدته دورة العمران الاجتماعية الاقتصادية..”

المسألة الرابعة التي ينتقد فيها حيدر، (دراسة ـ شرح) رعد، قوله:” إن الأمة عند سعادة هي حصيلة تفاعل الجماعة البشرية مع بيئتها الطبيعية، هذا القول مردود.. لا تكون الأمة باعتبارها متحدا، (أي باعتبارها جوهريا، اتحادا في الحياة) حصيلة حركة العمل الاقتصادية، أي التفاعل مع البيئة، العكس هو الصحيح..” بمعنى أن التفاعل مع البيئة هو نتيجة لكون الأمة متحدا!! لكن كيف تكون الأمة متحدا يُنتج تفاعلا مع البيئة؟ يجيبنا الأمين حيدر فيقول:” يقترف ( رعد) أغلوطة الاختزال عندما يلغي التفاعل بين السلائل البشرية الذي يؤدي الى اختفاء (تلك) السلائل وظهور الآمة مجتمعا جديدا( مختلفا كل الاختلاف عن عناصره السلالية) ويقصر معنى التفاعل على التفاعل مع البيئة الطبيعية الذي يؤدي الى ظهور خصائص ومزايا الأمة وليس كيانها بالذات، وشتان بين الشيء وصفاته.. الأمة (بعد نشوئها مجتمعا مزيجا مشتركا) تفعل في بيئتها الطبيعية أو تتفاعل معها. الأمة هي (بدولتها) صانعة ظاهرة التفاعل مع البيئة، لا التفاعل صانعا الأمة.”

يقلب الأمين حيدر المفاهيم القومية الاجتماعية رأسا على عقب، في قوله المشار اليه أعلاه، ذلك أن سعادة يقول: رأينا، فيما تقدّم من فصول هذا الكتاب، الأسس والخطط العامّة لتطوّر البشريّة وارتقائها في ثقافاتها الماديّة الناتجة عن تفاعل الإنسان والطّبيعة بقصد تأمين سدّ الحاجة وبقاء الذّريّة..” ويؤكد على أن المتحد ليس مجرد مزيج سلالي، عندما يقول “ولا نقصد بهذا التّشابه شيئاً سلاليّاً بحتاً ولكنّنا نقصد ما عناه بواس في الإجابة العضويّة على محرّضات البيئة الّتي تحدّد المتّحد.. ومن إيضاح بواس نعلم أنّ التّشابه العقليّ والفيزيائيّ نتيجة، لا سبب. فهو ناتج عن الاشتراك في الحياة الواحدة..” فسعادة يقدم الرد على محرضات البيئة على التشابه العقلي والفيزيائي (أي السلالي) والذي يعتبره نتيجة لا سبب، مؤكداً أن محرضات البيئة هي التي تحدد المتحد وعليه يكون  السبب الرئيس في كون المتحد متحدا أتمَّاً ـ أمةً هو الرد على محرضات البيئة، من حيث هي (أي محرضات البيئة) موضوع العمل اليومي للقائمين في هذه البيئة، والذي يؤدي بالتالي الى التجانس والتلاحم بينهم في هذه البيئة من الوجهة السلالية( نسبيا) ومن الوجهة النفسية بالمطلق، وإلا ما معنى قول سعادة :” إنّ تقسّم الأرض إلى بيئات هو السّبب المباشر لتوزّع النّوع البشريّ جماعات. فالبيئة كانت ولا تزال تحدّد الجماعة.. تحدّد البيئة الجماعة من عدّة وجوه، أوّلها: حدود الإقليم الجغرافيّة. ثانيها: طبيعة الإقليم من حيث نوع تربته ومعدّل درجة حرارته ورطوبته. ثالثها: شكل الإقليم (طبّغرافيته) من حيث سهوله وجباله وأنهاره. فالحدود الجغرافيّة تضمن وحدة الجماعة..” أكثر من ذلك تأكيده على أن التفاعل هو بين الانسان وبيئته الطبيعية عندما يقول:” وإنّ من أهمّ مؤثّرات البيئة أو الأرض في تمييز الجماعات أنّها أهمّ عامل في تكوين [شخصيّة الجماعة]. ويضيف:” فالأرض تكيّف الإنسان وهو بدوره يردّ الفعل ويكيّفها.. يكيّف الإنسان الأرض ولكنّ الأرض نفسها تعيّن مدى هذا التّكييف وأشكاله حسب بيئاتها الإقليميّة..” هكذا ينهي سعادة الخلاف بين وجهتي النظر (حيدرـ انعام) بالتأكيد على ما أورده الأمين الراحل انعام رعد من أن التفاعل مع البيئة الطبيعية هو السبب في ظهور الجماعات ـ المجتمعات البشرية وتمايزها بعضها عن بعض، وليس تمايزها كمزيج سلالي ينتهي بنا للقول بنشؤ جماعات سلالية وفق البيئات التي تقيم فيها تلك الجماعات ( المتمازجة سلاليا)، كما ونضيف على ما جئنا به أعلاه أن الأمين رعد لا يقصر التفاعل على التفاعل مع البيئة الطبيعية بل يشمل التفاعل وفق ما يذهب اليه رعد على التفاعل بين المجتمع والبيئة بين الانسان وبيئته وبين الانسان والانسان في البيئة الواحدة ، فالإنسان هنا هو الجماعة ـ المتحد ـ الأمة ـ الواقع الاجتماعي البحت، التفاعل ليس بين فردٍ وأرضه، إنه تفاعل الجماعة بمجموع أفرادها وبمجموع أجيالها وإلا فأي معنى يمكن أن يكون عليه تعريف سعادة للأمة السورية بأنها  “وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.. “

ونضيف أن القول ” الأمة هي (بدولتها) صانعة ظاهرة التفاعل مع البيئة، لا التفاعل صانعا الأمة.” ليس قولا مغلوطا وحسب، بل هو متناقض بالمطلق مع قول سعادة الذي يقول:” ورأينا أيضاً كيف أنّ الثّقافة النّفسيّة جارت الثّقافة الماديّة وقامت عليها، إذ الحياة العقليّة لا يمكن أن تأخذ مجراها إلاّ حيث تستتبّ لها الأسباب والمقومات. ولذلك نجد التّطوّر الثقافيّ بجميع مظاهره يرتقي ويسبق غيره حيث أسباب الحياة أوفر وأرقى ممّا في سواه..” مضيفاً :” تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع. ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان..” مما يعني أن الدولة، كشأن ثقافي تأتي نتيجة لا سببا في التفاعل بين الانسان وبيئته الطبيعية..

يتابع حيدر، خروجه العقدي بنقده للأمين رعد في قوله:” قول الكاتب، إن التفاعل هو لبُّ الحركة التاريخية.. نراه حكما قاطعا غبر مدعوم ببرهان..”

هذا القول لا يحتاج الى برهان فعندما يقول سعادة في مبدئه الرابع:” وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.. ” يعني هذه الحركة التاريخية في التفاعل بين الانسان والانسان وهذا مع بيئته في تعاقب أجياله، مما يؤدي بطبيعة الحال الى نشؤ تلاحم وتجانس عبر التاريخ بين أفراد جيل والجيل التالي كما الجيل السابق تجانس (عقـلي وفيزيائي) وتجانسا في الرد على (محرضات البيئة)..

المسألة السادسة التي يثيرها الأمين حيدر في نقده للأمين رعد قوله: “قول الكاتب، التفاعل يُنتج الأمة، هو قول تدحضه الاعتبارات التي ذكرناها..” نرد هذا القول ايضا الى ” الاعتبارات التي ذكرناها آنفاً

يقول الأمين حيدر في “سابعا”: قوله (رعد) إن التفاعل جوهر فلسفة سعادة.. والحق يُقال إن تعبير (الفلسفة الاجتماعية) عند سعادة يقتضي القول بالتفاعل الاجتماعي ( بين الانسان والانسان) وليس بالتفاعل الاجتماعي ـ  الطبيعي، ثم أيعقل أن تكون فلسفة سعادة الاجتماعية جوهرها الاقتصاد..” مسألتان يثيرهما هذا النقد، الأولى هي أن سعادة قال بالفلسفة القومية الاجتماعية وليس بفلسفة اجتماعية، وتقديم مصطلح القومية على مصطلح الاجتماعية أن الأولى تفترض الثانية وتقوم عليها من حيث الخصائص والصفات تبعا للظروف والأوضاع والأحوال التي يمر بها المجتمع، ثانيا لم يقل سعادة وتاليا رعد أن فلسفة الأول جوهرها الاقتصاد، إلا إذا كان فهم الأمين حيدر للعلاقة مع الطبيعة ـ البيئة، على أنها علاقة اقتصادية، وهذا ما ينفيه كلاهما، فسعادة يقول:” يجب أن لا نتصوّر الرّابطة الاقتصاديّة عبارة عن عمليّة اقتصاديّة أو غرض من أغراض الرّبح الاقتصاديّ، بل مصلحة تأمين حياة الجماعة وارتقائها.. (وعليه) إذا كانت الرّابطة الاقتصاديّة أساس الرّابطة الاجتماعيّة البشريّة، فالعمل ونظامه التعاونيّ مصدر نظام الاجتماع وأساس بناء المجتمع… وهكذا الجماعات شخصيّاتها مرتبطة بالأرض الّتي تملكها ارتباطاً وثيقاً، بل قوام شخصيّاتها البيئة. الوطن.. ويضيف قائلاً:” لا بدّ لنا.. من تقرير حقيقة ضروريّة لفهم تركيب المجتمع..، هي حقيقة الضّرورة الاقتصاديّة للاجتماع البشريّ. فالرّابطة الاقتصاديّة هي الرّابطة الاجتماعيّة الأولى في حياة الإنسان أو الأساس الماديّ الّذي يقيم الإنسان عليه عمرانه.. والتّطوّر الاجتماعيّ هو دائماً على نسبة التّطوّر الاقتصاديّ..” يضيف سعادة على قوله المتقدم:” إنّ التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة، الّتي تتأثّر كثيراً بعامل البيئة..”  أما رعد فيقول:” لا يمكن حصر الصراع الاجتماعي في ظاهرة الصراع الطبقي، إن الثورة القومية الاجتماعية عند سعادة.. أشمل من الثورة الاقتصادية المشكلة ليست مجرد مشكلة انسان وطبقات، في أمتنا جيوب طائفية عنصرية.. في أمتنا مفهوم الأكثرية الطائفية.. هذه المشكلة لا يمكن أن تحل بتبديل علاقات الانسان بوسائل الانتاج.. و تبقي مفاهيم المجتمع كما هي..”

في ثامناً، يقول الأمين حيدر:” القول بأن التفاعل ينتج الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية، عند سعادة، صحيح، ما دام الكاتب يفهم من تعبير “التفاعل” تفاعلاً للجماعة مع بيئتها..” ليس هذا وحسب، بل إن التفاعل مع البيئة لا يتم بين أفراد وبيئتهم كل منهم على حدة، بل بين بعضهم البعض أيضا..

أما في تاسعاً، فالمسألة تبدو مستغربة، بل ومتناقضة تناقضا مطلقا مع مفهوم سعادة للأمة حيث يقول الأمين حيدر:” القول بأن دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية هي جوهر الوجود القومي أي (الأمة)، فهو مرفوض من سعادة إذ الأمة وجود مادي ـ روحي، فمن حيث مادتها، الأمة هي المزيج البشري المشترك، ومن حيث روحها، الأمة في الشعور المشترك لدى أبنائها بحقيقتهم الواحدة..”

سعادة وفي مختلف كتاباته وخطبه لم يقل في يوم أن “الأمة من حث مادتها هي المزيج البشري المشترك” سعادة وفي معرض حديثه عن السلائل البشرية، يقول أن الارتحالات الكبرى التي كانت تدفع بالجماعات لترك موطنها الذي نشأت به، سعيا وراء الرزق، دفع بها للتمازج والسلالات المضيفة، وتاليا عدم وجود سلالة صافية نقية، وهذا ما تؤكده الأدلة الرأسية التي يمكن أن تكون عامة في البشرية نتيجة هذا التمازج، وعلى الرغم من أن الأدلة الرأسية تكون عامة في السلائل المنحطة كذلك في الجماعات المتفوقة، فإن نسبة هذه الى تلك هي التي تحدد مدى استجابة الجماعة المتكونة من هذا المزيج لمحرضات البيئة..

يتضح مما تقدم كيف يفهم الأمين حيدر المقولة الأبرز في فلسفة سعادة المدرحية أي (دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية) ويقف معترضا عليها، في مختلف انتقاداته لما سماه ( مدرحيات التلامذة) فالمدرحية بالنسبة له هي في كون مادة الأمة مزيجها البشري ومن حيث روحها، الأمة في الشعور المشترك لدى أبنائها بحقيقتهم الواحدة، بناء على موقفه من كتاب نشؤ الأمم واستثنائه له من كونه ممثلا للفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية..

نعيد ونكرر أن الفلسفة المدرحية تقوم على مقولتين رئيسيتن: الأولى هي “أن المادة تعين الشكل”، أي البيئة الطبيعية هي التي تقرر ماهية المجتمع المتفاعل بها ومعها، الثانية هي “دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” التي تقرر المرتبة الثقافية التي يكون عليها المجتمع، فمادة الأمة هي بيئتها أما روحها (شكلها) فهو دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية.

تعت عنوان /نسبة الأمة للبيئة/ يقدم لنا الأمين حيدر اجتهاده في أن الأمة هي غير البيئة يقول:” إذن البيئة عامل من عوامل نشؤ الأمة، الأمة، واقع اجتماعي في حين البيئة واقع طبيعي، لكنما العلاقة بينهما علاقة حيوية إذ تقدم البيئة للأمة إمكانيات الحياة..” يضيف:” نعتقد أن الاتحاد في الحياة (أو الاشتراك في الحياة) يكون بتفاعل القوى الإنسانية المؤلفة للجماعة البشرية المستقرة في القطر بعضها مع بعضها الآخر داخل القطر، ونعني بذلك تفاعل جميع العناصر والجماعات الإثنية وغيرها من الجماعات التي استقرت في القطر فيما بينها تفاعلا تذوب لشدته جميع الحدود السلالية، الحواجز الاجتماعية ويظهر الى الوجود جسم اجتماعي جديد هو الأمة من حيث مادتها..”

المدرحية، عند سعادة، في قوميته الاجتماعية، هي، أن ترى الشمس، شمسا واحدة، لا شمسين، لأنه في الحالة الثانية، أنت مصابٌ بالحول لا محالة، هي، (الزمكان) وليس الزمان والمكان، وفق ما يذهب اليه “أنشتاين” في نظريته النسبية، الزمان والمكان، مصطلحان، يَفهم من خلالهما العقل البشري، وفق فيزيولوجيته، ما يحيط به، لكن ما يحيط به هو شيء واحد، العلاقة الفيزيائية (من حيث أن الكون مجرد علاقات فيزيائية وفق أنشتاين)،  بين الأرض والقمر هي ذات العلاقة بينهما وبين الشمس أو المريخ أو زحل وإن اختلفت الكتلة والمسافات بينها..    

المتاهة التي يضعنا فيها الأمين حيدر هي أنه يتركنا نفسر مصطلحاته التي يستخدمها بتفاسير قد لا تتوافق والمفاهيم التي يستخدمها هو بها، فهو لا يبين لنا الفرق بين التفاعل والترابط على سبيل المثال، أو بين الواقع الاجتماعي والواقع الطبيعي، حتى في موضوعة ” جسم اجتماعي جديد” أهو مزيج سلالي أم أنه سلالة جديدة، أو هل هو مجرد تلاقح بين السلالات المستقرة في البيئة، أم هو نواميس جديدة من عادات تحولت الى تقاليد أم هو كل ما تقدم..، ويحيلنا الى سعادة الذي يستخدم كلا المصطلحين ( ترابط وتفاعل) في مختلف الموضوعات التي يثيرها علم الاجتماع..، وللخروج من هذه المتاهة،  علينا بداية، أن نحدد المقصود، المفهوم، من كلٍ من الترابط والتفاعل، لنمايز بين مصطلحات حيدر ورعد، فالترابط لغويا، يفيد بالتلاحم والتماسك والوحدة، اجتماعيا، يفيد تحديد طبيعة علاقة الفرد بالجماعة في كل مجتمع، والشعور بالترابط من أهم الدعائم التي تحافظ علي استقرار ونمو المجتمع، وهو يشير إلى مدى شعور أفراد المجتمع بالترابط مع مجتمعهم، والمشاركة الإيجابية في أنشطة المجتمع، والدفاع عن مصالح المجتمع، والشعور بالفخر والاعتزاز بالترابط المجتمعي..

أما التفاعل (الذي يستخدمه حيدر في بيان ما هو عليه الترابط) التفاعل الاجتماعي هذا، هو بشكل عام نوعاً من المؤثرات والاستجابات، وفي العلوم الاجتماعية يشير إلى سلسلة من المؤثرات والاستجابات التي ينتج عنها تغييرا في الأطراف الداخلة فيه عما كانت عليه عند البداية، أو هو التأثير المتبادل بين طرفي أو الأطراف الداخلة في التفاعل، بحيث ينتج عنهما شيئا واحدا أو أشياء أخرى..

يُفهم مما تقدم، أن الترابط إرادي، أما التفاعل لا إرادي، التفاعل موضوعي، بينما الترابط ذاتي..

التفاعل والترابط، مختلفان من حيث الموضوع، الترابط ذات اتجاه مجتمعي، أما التفاعل فذات اتجاه اجتماعي ـ بيئي، اجتماعي ـ طبيعي، اجتماعي ـ موضوعي.

بين الواقع الاجتماعي والواقع الطبيعي

الواقع، أكان اجتماعيا أم طبيعيا، فهو للدلالة على ما هو قائم أو الذي لا انفكاك منه، فالواقع، موضوعيا كان أم ذاتيا، هو مُعطى يصف الحالة الراهنة، كما هي لا كما يمكن أن تكون عليه، بما لا يعني أنه، علميا، لا يمكن أن يكون استشرافيا، أي أبعد من أن يكون راهنيا، بمعنى آخر، أنه يمكننا اعتبار نظرية “هوكينغ” في “إشعاع هوكينغ” أو “الانفجار الكبير”، واقعا لا انفكاك منه، بمعنى آخر أن هذا الكون وليد كون سابق له ومقدمة لكون جديد يولد به الزمان والمكان من جديد.. وهو(الواقع) في مختلف الأحوال، يشكل مادة المعرفة..     

فأي من المفاهيم المتقدمة يمكننا فهم سعادة عندما يقول:”أنّ البيئة تؤثّر، في الغالب، على أشخاص مختلفين تأثيراً يؤدّي إلى اتجاه واحد بناء على أنّ لكلّ عضو [حدود سلامة] يتكيّف ضمنها تبعاً لمقتضيات البيئة، فيتّخذ الهيئة الّتي تتطلّبها عوامل البيئة دون أن يفقد خصائص وظيفته.. أماعلاقة الطّبيعة بالإنسان فهي مزدوجة. ففي الدّرجة الأولى نجد أنّ بيئة الإنسان الطّبيعيّة هي الّتي تمدّه بالموادّ الخام اللاّزمة له لإرضاء شعوره بالحاجة. وهي في الدّرجة الثّانية مشهد أعماله وسعيه لبلوغ أربه مداورة (غير مباشرة).. أنّ امتياز الإنسان على الحيوان في سدّ حاجته مداورة ــ بإعداد الأدوات للصّيد والقتال والبناء وغير ذلك ــ جعل علاقته بالأرض أمتن من علاقة سائر الكائنات الحيّة بها إذ هو يقدر على معالجتها مباشرة فحيث لا نبات صالح لغذائه يحفر في الأرض وينقب ويزرع. وحيث بعض الحبوب والنّباتات واللّحوم لا تصلح لتناولها مباشرة يعمد الإنسان إلى معالجتها بالطّبخ والشّيّ. فالأرض تكيّف الإنسان وهو بدوره يردّ الفعل ويكيّفها. وإلى هذه العلاقة المتينة يعود تفوّق الإنسان على بقيّة الحيوانات في تنازع البقاء. يكيّف الإنسان الأرض ولكنّ الأرض نفسها تعيّن مدى هذا التّكييف وأشكاله حسب بيئاتها الإقليميّة..” ويضيف ” وهذه الخصائص هي الّتي تعيّن وجهة تقدّم الإنسان في سدّ حاجاته مداورة ــ أي مدنيّته. بل إنّ البيئة هامّة لتقدّم الإنسان بقدر ما هي الأرض عموماً هامّة لحياته. ولمّا كانت البيئة جزءاً من الأرض فهي هامّة لحياة الإنسان أيضاً. فمن جميع الموادّ الّتي يتطلّبها الإنسان لحياته في كلّ مكان بشكل يسدّ حاجة الحياة مباشرة أو مداورة.”

يستخدم سعادة في شرحه لعلاقة الانسان بالطبيعة أو البيئة مصطلحات مثل ” تأثير” مزدوجة” “علاقة” “مباشرة” “مداورة” “يرد الفعل

العلاقة هي إذن موضوعية وليست ذاتية، هي كذلك، لأنه ” لا يختار الإنسان المجتمع الّذي يعيش فيه أكثر ممّا يختار والديه، ولكنّه قد يخير أمّه على أبيه أو العكس”.. تفاعلية وليست ترابطية كما يرى الأمين حيدر، والواقع الذي يفهمه سعادة إذن هو واقع “اجتماعي ـ طبيعي” وليس واقع اجتماعي وحيد الجانب، يقول سعادة:” شرط المجتمع، ليكون مجتمعاً طبيعيّاً أن يكون خاضعاً للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة تشمل المجموع..” هنا نجد تعريف سعادة للاتحاد في الحياة” أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة..” وليس كما يذهب الأمين حيدر بقوله:” نعتقد أن الاتحاد في الحياة (أو الاشتراك في الحياة) يكون بتفاعل القوى الإنسانية المؤلفة للجماعة البشرية المستقرة في القطر بعضها مع بعضها الآخر داخل القطر

الأمة ليست البيئة” كما يقول الأمين حيدر، الأمة كيان بشري، قوامه المادي، بيئته الطبيعية، وشكله المتحد، الجماعة، المجتمع، عملا بمقولة سعادة الرئيس” المادة تحدد الشكل” أما المزيج السلالي فهو في حركة مستمرة من التطور لا يعرف ثباتا أو سكونا، فبدئا من منتصف الألف الرابع قبل الميلاد وبدء الهجرات العربية من الجنوب الى سورية الطبيعية وتمازجها مع سكان سورية الأصليين مرورا بالهجرات الآتية من الشمال “الملوك الرعاة( الهكسوس) أو الحثيين الى القبائل المهاجرة من الغرب ـ بحر إيجة وقبائل الفلاستي، وقيام الإمبراطوريات السورية والتي وصل بعضها حتى موسكو في الشمال، الى الغزو الفارسي على يد قورش الى الاحتلال اليوناني على يد الاسكندر الكبير وقيام الدولة السلوقية الى الاحتلال الروماني و تبوء أباطرة سوريون للعرش الإمبراطوري الروماني الى الفتح العربي وقيام الإمبراطورية الأموية ومن ثم العباسية الى الغزوات الصليبية فالاحتلال العثماني فالفرنسي ـ البريطاني ، كل هذا التاريخ الحافل بالتمازج بين مختلف الشعوب ، شكل وبنسب متفاوتة المزيج الحالي السوري الذي ما يزال يمضي قدما بتطوره بقدوم الهجرات الأرمنية والتركمانية والشركسية..    ينتج “مادة” الأمة، والتي هي ” وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي” ولنفرض جدلا، أن سعادة عنى “بوحدة الشعب السوري” مزيجه السلالي” فهل يقصد بذلك نشؤ مزيج خاص بالأمة السورية دون سواها، بمعنى: هل السلالات التي ضربت في الأرض، عبر ارتحالاتها الكبرى، اقتصرت على سورية دون سواها، أم أنها تشاركت( سورية) مع غيرها من البيئات، استقبال واحتواء هذه السلالات، فتشكل بنتيجة الحال، مزيجا سلاليا، له خصائصه البيولوجية والفيزيولوجية والسيكولوجية الناتجة عن نوعية تفاعله بعضه مع بعض من جهة وبيئته الطبيعية من جهة أخرى؟ فتمايزت الأمم وفق نتائج هذا التفاعل المزدوج بين الانسان وبيئته وفق شروط الأخيرة وسوية تلك السلالات بين منحط وراقٍ؟ هذا التمايز بين الأمم لا يجد تعبيرا له إلا في دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تقوم عليها، كما يقول سعادة:” كلّ ميزة من ميزات الأمّة أو صفة من صفاتها تابعة لمبدأ الاتّحاد في الحياة (أي دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية ) الّذي منه تنشأ التّقاليد والعادات واللّغة والأدب والدّين والتّاريخ..”

يدفعنا الأمين حيدر، دفعاً، لنقاطٍ خلافية، هي في مختلف الإشكاليات التي يثيرها، ليست خلافية أصلاً، فهو يُصر، ويجتهد ويُجهد نفسه، في البحث عما يؤكد وجهة نظره التي تنتهي للقول: ” تحصيل ذلك، أن الأمة واقع اجتماعي لمزيج بشري اشتركت في حصوله الجماعات الإثنية والعناصر التي استقرت في البيئة الطبيعة، إن تفاعل هذه الجماعات فيما بينها ضمن القطر هو قانون نشؤ الأمة، وليس تفاعل هذه الجماعات مع البيئة الطبيعية الذي هو قانون ظهور خصائص، ومزايا الأمة، وشخصيتها، وثقافاتها، التاريخية المادية والنفسية

بين “قانون نشؤ الأمة” و” قانون ظهور خصائصها” بين “الواقع الاجتماعي” و”الواقع الطبيعي” بين الشيء ودرس نشؤه” و” الشيء وشرطه” وبين” الشيء وصفاته” بين ” العلم ومقولاته والفلسفة ومقولاتها” بين “مفهوم التفاعل قبل نشؤ الأمة ومفهومه بعد نشؤ الأمة” بين “زمان الأمة وزمان السلائل” بين “ما هو طبيعي وما هو صنعي” وفي كل ما تقدم لا يبين لنا كيف علينا أن نفهم هذه ال (شتان بين هذا وذاك)..

سبق لنا وأشرنا، مراراً وتكراراً، على أن المدرحية كفلسفة اجتماعية، لا تسمح عمليا بما يمليه الـ (نظريا) على الواقع، الوجود، المعرفة، المادي، الروحي.. بين الشيء وشرطه وصفاته ودرسه و..  الخ

في المدرحية هناك حقيقة، هي ليست وجودا كما وليست معرفة، هي ركناها، هي باطنها وظاهره، هي جوهرها ومظهره، هي مضمونها وشكله، هي مادتها وشكلها، فعندما يثير الأمين حيدر إشكالات كالواردة أعلاه فهو يُخرجنا على مفهوم المدرحية بكليته، نظريا، لا ينفي أحد أن الأمة مزيج سلالي وأن البيئة الطبيعية بوتقة انصهار هذا المزيج، مدرحيا، هما “دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” وهذا ما عبر عنه سعادة بوضوح لا غموض في أي من جزئياته عندما عرَّفَ “وحدة الحياة” أو “الاشتراك بالحياة” بالدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية يقول:” :” شرط المجتمع، ليكون مجتمعاً طبيعيّاً أن يكون خاضعاً للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة تشمل المجموع..”

فعندما يقول:” أن المزيج السلالي هو مادة الأمة” كون الأمة “واقع اجتماعي” بناءً على ” إن تفاعل هذه الجماعات فيما بينها ضمن القطر هو قانون نشؤ الأمة” لا يفيدنا كيف يتم هذا التفاعل بمعزل عن البيئة” كواقع طبيعي” لأنه من حيث المبدأ، كـ  “تفاعل” لا بدَّ له من موضوع يكون المحور الذي تدور في فلكه مستويات ذاك التفاعل في ما بين تلك الجماعات والذي يُصر على أنه “يتم ضمن القطر” إذن فالتفاعل ليس عشوائيا أو مطلقا أو كيفما اتفق، إنه تفاعل مشروط بالبيئة لأنه “يتم ضمن القطر” هذا التفاعل بين الجماعات والذي موضوعه و محوره البيئة الطبيعية والذي تتمايز بنتائجه جماعة عن الأخرى، هو ما يسمه سعادة بـ” دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” الّذي منه تنشأ التّقاليد والعادات واللّغة والأدب والدّين والتّاريخ..” والتي على أساسها تتمايز أمة عن أخرى، وفق سعادة، أيضا، فدورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية هي البوتقة التي ينصهر فيها قطبي الأمة، البيئة والجماعة دونما فضل من واحد على الآخر، فالبيئة الجيدة تحتاج لمزيج سلالي راق، وفي الحال المعاكسة تكون كما يقول سعادة:” فحيث كانت الأرض خصبة والجماعة البشريّة عديمة الخبرة في الأرض لم ينشأ عمران، كما هو الواقع في أودية أميركا الخصبة الّتي ظلّت عديمة العمران إلى أن جاءت أميركا أقوام جديدة راقية في خبرتها بطبيعة الأرض واستعدادها للاستفادة منها..” والعكس صحيح أيضا.

تحت عنوان “الأمة غير الاقتصاد” يثير الأمين حيدر إشكالية أيهما الأسبق ” الشأن القومي والشأن الاقتصادي” في قول الأمين رعد ” وهكذا فالقومية الاجتماعية اعتبرت منذ البدء أن الشأن القومي هو بالضرورة منطلق فهم الشأن الاقتصادي، لأن الأمة هي ذات دورة اجتماعية ـ اقتصادية واحدة، ولأن الرابطة الاقتصادية هي الرابطة الاجتماعية الأولى” ليعلق الأمين حيدر قائلاً:” كأني بالكاتب يريد أن يقول هناك شأن قومي وهناك شأن اقتصادي والشأن الثاني يفتقر الى الشأن الأول على مستوى فهمنا له، أو نقول أن هناك  شأنين وليس شأنا واحدا هما الشأن القومي والشأن الاقتصادي وعلاقة الثاني بالأول علاقة التابع بالمتبوع، مثل هذه الفكرة ينتج عنها فكرة أن الشأن القومي غير مطابق للشأن الاقتصادي أو أن الأمة غير الاقتصاد.. وفي قوله اللاحق بأن الأمة ذات دورة اجتماعية ـ اقتصادية وليست الأمة دورة اجتماعية ـ اقتصادية

في القول أن الشأن القومي منطلقا للشأن الاقتصادي، لا احتمال لمجمل التأويلات التي جاء بها حيدر، فالمقصود من قول الأمين رعد واضح لا لبس فيه، فالشأن القومي هو منطلق للشأن الاقتصادي يعني أنه لا يمكن قيام اقتصاد قومي إلا في نطاق قوميته الشاملة لمختلف كيانات الأمة من حيث أن الأمة هي ذات دورة اجتماعية ـ اقتصادية واحدة، يقول سعادة:” الدولة هنا هي الدولة القومية فقط. الدولة التي يصح القول فيها أنها قومية تشمل المجتمع القومي كله، ذا الدورة الاقتصادية الكاملة التامة.. نحن نعتقد أن درساً اقتصادياً صحيحاً من الوجهة القومية على أساس نظام سياسي لا قومي صحيح، هو درس عقيم لا يمكن أن يعطي نتائج صحيحة.. إذاً العملية الاقتصادية، الاقتصاد كموضوع لأمة ولشعب لا يمكن أن ينظر إليه إلا بالمنظار القومي بمنظار المجتمع الموحد، الأمة التي هي وحدة جماعة ووحدة أرض، وحدة اقتصاد..” ما تبقى من هذه المقالة يبقى مجرد اجتهاد لا أساس قومي اجتماعي له..

تحت عنوان آخر “علاقات الانتاج طبقية

يعلق أيضا الأمين حيدر على قول الأمين انعام رعد القائل:” وإذا كانت كل المذاهب الاقتصادية المعاصرة، قد انصبت على موضوعة علاقات الإنتاج، فإن القومية الاجتماعية التي شاركت المذاهب المعاصرة اهتمامها بهذه الموضوعة وحددت موقفها منها إلا أنها اهتمت بنشؤ الإنتاج الذي بدونه لا تقوم علاقات انتاج..” بقوله (الأمين حيدر):”إن فكرة علاقات الإنتاج تفيد علاقات الاستغلال الطبقية..”

بالعودة لكتاب ” بؤس الفلسفة” “لكارل ماركس” وهو الكتاب الذي تضمن مصطلح “علاقات الإنتاج” على الرغم من أن ماركس قد سبق وعرف المصطلح في كتابه ” الأيديولوجيا الألمانية” للمرة الأولى، فإن المصطلح أخذ معنى” محصلة مجمل العلاقات الاجتماعية التي يجب على الناس أن تدخلها من أجل البقاء، إنتاج وإعادة إنتاج وسائل العيش..” وليس كما جاء به الأمين حيدر من أنها تفيد “علاقات الاستغلال الطبقية” بمعنى آخر، إن اضطرار الانسان لسد حاجته مداورة فهو يدخل تلقائيا في علاقة مع الآخرين، فعلاقة الإنتاج هذه قد تتخذ أشكالا عدة وفق شروط ضرورياتها، وإن كان ماركس قد اتخذ من هذا المصطلح ــ بناءً على شروط ضرورياتها ــ عدة مفهومات وفق المرحلة التاريخية التي يعالجها في مختلف كتاباته، وبناءً على المقولة الماركسية الأساس ” التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية” والتي هي بالتعريف الماركسي:” المجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطوره” على سبيل المثال، علاقات الإنتاج الرأسمالية من حيث سعر السلعة وعلاقتها بأجر العامل المُنتج لتلك السلعة    علاقة القن بسيده؛ علاقة مالك العبد  بعبده إلخ. تقابلها وتؤثر عليها ما أطلق عليها ماركس اسم قوى الإنتاج. هذا ماركسيا، قوميا اجتماعيا، فإن علاقات الإنتاج الناشئة عن شروط ضروراتها، تقوم على مقولة سعادة في “أن الاقتصاد لا يعني حقيقة سوى سدّ الحاجة أو تأمين سدّها بأقل مجهود وأسرع وأكبر نتيجة ممكنين..” والتي تختلف من حيث المرتبة الثقافية التي يتم فيها الإنتاج فعلى سبيل المثال عندما يكون الإنتاج يستغرق زمنا أكبر وجهدا أكبر بكثير من كمه ونوعيته، فإن المرتبة الثقافية لهذا الإنتاج متدنية أو متخلفة أو بدائية، في المرتبة الثقافية الثانية ـ والتي عليها حال الأمة السورية ـ يكون الإنتاج معادلا أو مساوياً للزمن والجهد، وتاليا فالإنتاج يبقى راكدا غير قادر على التطور وهو الحال الذي تعم فيه العلاقات الإنتاجية الاقطاعية، يقول سعادة بهذا الصدد:” والمرتبة الثّانية هي التي بلغتها الشّعوب الساميّة منذ أقدم عصورها المعروفة وهي المرتبة التي تحاول سورية الآن الخروج منها إلى المرتبة الثّالثة، وهي أساس هذه المرتبة الأخيرة..” أخيرا، فالمبدأ الإصلاحي القائل” تنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج وانصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة..” يقف الى جانب الأمين رعد في قوله: ” .. إلا أنها اهتمت بنشؤ الإنتاج الذي بدونه لا تقوم علاقات انتاج..” فسعادة يعتبر أن الإنتاج هو الهدف الأسمى من العملية الاقتصادية أيا كانت علاقاتها وقواها عموما..

ما تبقى من المقالة، يبقى موقفا يدان به الأمين حيدر حاج إسماعيل، لأنه اعتمد التهكم والسخرية وهذه مسألة شخصية لا علاقة لها ببحث يتناول قضايا كبرى