المدرحية: نقدٌ على نقد(11)

..

مدرحية وليد زيدان

في مختلف المقالات أو المحاضرات أو الدراسات التي تناولناها حتى الآن، والتي يسمها الأمين حيدر حاج إسماعيل، بالمدرحية، لم تكن أيٍ منها سوى اسقاطات لمفاهيم مدرحية على موضوعات ذات اتجاه سياسي أكثر منها موضوعات فكرية، تتناول المدرحية تحديدا كفلسفة، حيث يختلف البحث النقدي الفلسفي عن البحث النقدي الاجتماعي والسياسي على وجه التحديد..

مدرحية” وليد زيدان، تقدم عرضا فكريا ـ سياسيا لماهية الطبقة ـ الطائفة يقول زيدان:”.. إن مقولة الطائفة ـ الطبقة هي مقولة مدانة، لأنها الغطاء النظري للممارسات المنحرفة عند بعض أطراف “الحركة الوطنية” خاصة وأنه ارتكبت باسمها الموبقات والجرائم والممارسات الطائفية التي عُبِرَ عنها بالقتل على الهوية والتهجير الطائفي والقصف العشوائي دون تمييز..” منتقدا موقف الحزب الشيوعي في مقولته” الطائفة ـ الطبقة” “والتي كانت بدورها “تصحيحا خاطئا لمفاهيم سابقة خاطئة..” يفسر زيدان ما تقدم بقوله: “إن الطائفية مرتبطة بالواقع الاقتصادي وبالنظام القائم، لكن ليس لها علاقة محددة بطبقة معينة كما يحاول ربطها البعض، إنها نتيجة تطور تاريخي في المنطقة ولها أسباب موضوعية في واقع الأقليات وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..” والدراسة على وجه العموم ليست بحثا في المدرحية كفلسفة، بقدر ما هي مقارنة بين ما تدعيه الماركسية وما تقوله القومية الاجتماعية ـ المدرحية، في موضوع محدد كل التحديد / الطائفة ـ الطبقة/ وفي هذا السياق وبما يخدم الفكرة الرئيس..

 يبدأ زيدان طرحه فيما قاد اليه المنهج الديالكتيكي بما يتعلق بالوضع اللبناني عام 1979 (تاريخ نشر المقالة) في أن المنهج الماركسي عبر مقولته “أسبقية المادة على الروح”، اعتبر أن الطائفية تزييفا للصراع الطبقي، لكن، وعلى الرغم من أن المدرحية تقول أيضا بأسبقية المادة على الروح ( النفس) اعتبرت أن ” دراسة الظواهر الاجتماعية لا تتم في المطلق وفي التعميمات السطحية التي تأخذ بعض الحقائق الموضوعية المتوافقة مع نظرتها، وتتجاهل الحقائق الموضوعية الأخرى المناقضة لها، (ذلك) إن المنهج العلمي الصحيح هو المنهج القادر على تفسير جميع الحقائق والمعطيات والظواهر، وليس بعضها، وإلا وقع في التفسيرات الجزئية التي تنفي عنه الصفة العلمية الموضوعية ..إن أخطاء معظم المناهج وقصورها هو في كونها لم تستطع أن تحلَّ ما يبدو من تناقض بين حتمية قوانين التطور الاجتماعي وحرية الإرادة الإنسانية ..تخضع دراسة الواقع الاجتماعي وظواهره، الى تحليل بنية المتحد الاجتماعي ومعرفة حركية الجماعة، لأن هذه الشخصية “مركب اجتماعي ـ اقتصادي نفساني، يتطلب من المرء أن يضيف الى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته، أمته.. الخ،” ويضيف قائلا:” يمكننا معرفة مختلف الظواهر الاجتماعية على أساس فهم الانسان ـ المجتمع ونسبة اليه نستطيع أن ندرك حركية الانسان العشائري والطائفي والطبقي والفردي..” يقول مضيفا:” الانسان ـ المجتمع ليس مطلقا بل هو دينامية متطورة لأنه حركة مستمرة يجب درسها وفهمها في كل لحظة من لحظات وجودها، هذه الحركة ليست حتمية ولا فوضوية عشوائية، بل اتجاه عام يحدد طرفي حركتها (المجتمع والانسان) تاركا المجال لحيز من الحرية التي هي اختيار الممكن والضروري.. إن منهجية سعادة لا تنظر الى الظواهر نظرة تراتبية لتحدد الأسبقية لمن، بل تنظر الى الظواهر على أساس مدى فعلها في حركية الانسان، الذي هو المقياس ونسبة إليه تُدرس الظواهر وتُقَيَّمْ، وتقسيم الواقع الى مادي روحي هو تقسيم اعتباطي وافتراضي ذهني، غير موجود في الواقع الموضوعي المتداخل.”

في نقده لما تقدم، يطرح الأمين حيدر تساؤلاته ليجيب هو عليها، ملخصا إجابته بالنقاط التالية:

1 ـ ابتدأ بالقول بأسبقية المادة (الأرض على الحياة من حيث المنشأ.

2 ـ ذكر أن الوجود البشري بنية متفاعلة لها أساس مادي (لم يحدده)

3 ـ “المنهج المدرحي” صار بعد ذلك منهج انطلاق من مبدأ الانسان ـ المجتمع (لكننا لا ندري كيف تم هذا التحول).

4 ـ منهجية ” الانسان المجتمع” أسقطت الفكر التراتبي بخاصة فكرة الكلام عن الأسبقية للمادة او الروح.

5 ـ الانسان ـ المجتمع هو مقياس الظواهر والقيم.

6 ـ الواقع الموضوعي يدحض تقسيمه الى مادي وروحي.

وهكذا تكون النتيجة الباهرة التالية: هناك واقع مادي ـ روحي وليس هناك واقع مادي ـ روحي (انظر 2و6) وتكون النتيجة الباهرة الثانية: حتى الآن لم نفهم ماذا يريد صاحب الدراسة أن نفهم من ” المنهج المدرحي” وتكون النتيجة الباهرة الثالثة، سعادة يقول بالمدرحية والدارس لا يقول بها لأن تقسيم الواقع الى مادي وروحي هو تقسيم اعتباطي وافتراض ذهني غير موجود في الواقع الموضوعي المتداخل.

يلفتنا، يقول الأمين حيدر:” تعبير المتداخل وصفا “للواقع الموضوعي”، هل يريدنا الدارس أن نفهم من هذا التعبير أن “الواقع الموضوعي” تتداخل فيه الشؤون المادية والشؤون الروحية، فتصبح المادة والروح موجودتين فيه، وهما غير موجودتين؟ 

من وجهة نظرنا، أنه في هكذا أبحاث، لا يحق لنا اتباع أسلوب السخرية أو التهكم، في نقدنا لأي موضوع كان، فعلى النقد أن يكون موضوعيا بعيدا كل البعد عن المواقف الشخصية والذاتية وإلا فقد قيمته النقدية وأصبح موقفا شخصيا، لا يدان به الموضوع ولا صاحبه، بقدر ما يدين هذا الأسلوب صاحبه بالدرجة الأولى ” فما أعطي لإنسان إلا أن يهين نفسه” كم يقول سعادة.

المقالة كما سبق وأشرنا، ليست بحثا في المدرحية، كفلسفة، بقدر ما هي إسقاطات لبعض مفهوماتها على موضوع معين تأخذ مدلولاتها الفلسفية والاجتماعية من السياق الذي وردت به، في محاولة لبيان اشكالاتها بهدف حل هذه الإشكاليات، أو إيضاح حقيقة مفاصلها الرئيسية والخلوص لحلول موضوعية مدعّمة علميا وتجريبيا في المجتمع، وهذا ما حاوله الرفيق زيدان.

 وعليه فالنقاط التي استنتجها الأمين حيدر، بصيغة السؤال، والاستفهام، لم ترد في النص أساسا، فعلى سبيل المثال، قوله (الأمين حيدر): هناك واقع مادي ـ روحي وليس هناك واقع مادي ـ روحي مستندا لاستنتاجاته فيما يقوله الرفيق زيدان،:” إن تقسيم الواقع الى مادي روحي هو تقسيم اعتباطي وافتراض ذهني، غير موجود في الواقع !!

سبق لنا وأشرنا لكون المدرحية كفلسفة ترى الوجود في وحدته، وليس في تشظياته التي تفترضها فيزيولوجية العقل البشري والتي بدورها، من حيث مادة المعرفة، هي نتيجة لافتراضات مقتبسة من ثنائية الليل والنهار، الأبيض والأسود الأعلى والأسفل، الأمام والوراء، اليمين واليسار.. الخ، فالوجود مثلا يفترض العدم، لكن العدم ليس سوى افتراض، والمادة تفترض الروح، لكن الروح ليست أكثر من افتراض من حيث هي شأن مستقل عن الانسان، أو من حيث هي كيان من خارجه وضعت به بقدرة الله والذي بدوره مجرد افتراض لحل التناقض بين العدم والوجود، اذ كيف يأتي الوجود من العدم؟ أو كيف كانت بداية هذا العالم وكيف يمكن أن تكون نهايته، فالبداية والنهاية مقولتان لا تتطابقان مع الوجود المادي تحديدا، لأن بداية الانسان باتت أكثر من مثبتة علميا من أنه قد نشأ بالتطور، نقول ذلك على الرغم من أن” ستيفن هوكينغ” قد بيَّن في كتابه” إشعاع هوكينغ” كيف هي بداية هذا الكون ـ العالم، وتاليا أيضا وأيضا، أنه لا وجود لمثل هكذا ثنائية في عالم هو مجرد علاقات فيزيائية، وفق “أنشتاين” فليس هناك زمان ولا مكان، كلاهما شأن واحد في الجوهر والمظهر أي ” الزمكان” فالثنائية التي ألمحنا لها آنفا، ليست سوى رد فعل فيزيولوجي لآلية عمل العقل( المخ والمخيخ و البصلة السيسيائية) البداية والنهاية اذن مصطلحان افترضتهما فيزيولوجية العقل وألية معرفته، وليس لأن لهذا الوجود بداية ونهاية، بالمعنى الديني وليس بالمعنى الذي أثبته “هوكينغ” وأجاب به عن سؤال كان قد طرحه الانسان على نفسه منذ أقدم أطوار نشؤ معرفته لما يحيط به، يقول سعادة:” لم يعد يقنع (الادراك البشري) بالتّعليلات الخياليّة البحتة المعزوّة إلى افتراض وجود شخصيّة وراء نظام الكون تُحْدِثُ النّظام وتَحْدُثُ بلا نظام، إليها ينسب كلّ ما يقف أمامه عقل الطّفل وعقل البالغ المجرّد من العلم حائراً..” وعليه، فالواقع الموضوعي الذي يشير اليه الرفيق زيدان، ” بالاعتباطي وافتراض ذهني” إنما يعني حقيقة ما تقدم، بمعنى أن المدرحية تنظر الى الواقع الموضوعي في وحدته وليس في تشظياته، وهذا المعنى واضح في قول زيدان:” إن منهجية سعادة لا تنظر الى الظواهر نظرة تراتبية لتحدد الأسبقية لمن..” طالما ان الوجود قد افترض العدم، وليس العدم هو الذي افترض الوجود، وتاليا، وبناء على أن الانسان هو الذي افترض العدم، فعليه تقع مسؤولية تأكيده أو نفيه باعتبار الانسان هو، وكما يقول الرفيق زيدان” المقياس” واليه تنسب معرفة الظواهر وتُقَيَّمْ (وليس القيم كما أشار الأمين حيدر).

يقول الأمين حيدر: “حتى الآن لم نفهم ماذا يريد صاحب الدراسة لنا أن نفهم من ” المنهج المدرحي

يحمل هذا السؤال في طياته الكثير من الاتهامات للرفيق زيدان، لكننا في تجاوزنا لهذا، نقول، لو أجاب الرفيق زيدان على تساؤلات الأمين حيدر، في دراسته، لخرج عن محورها الرئيس بما يمكن تسميته بالاستطراد ، فالدراسة بحد ذاتها لا تسمح بمثل إجابات لهكذا تساؤلات، فمجرد طرحها، يبقى طرحا غير مقبول، لكن وبناءً على قراءتنا للدراسة، نسمح لأنفسنا بإجابة الأمين حيدر على مختلف تساؤلاته، يقول الرفيق زيدان تحت عنوان “المنهج الفكري الخاطئ”: ” إن أخطاء معظم المناهج وقصورها هو في كونها لم تستطع أن تحل ما يبدو من تناقض بين حتمية التطور الاجتماعي وحرية الإرادة الإنسانية..” في قول الرفيق زيدان (ما يبدو من تناقض) نلمج (مدرحيا) أنه ليس هناك تناقضا في الجوهر وإن كان المظهر يوحي بذلك، أي إن حتمية التطور الاجتماعي لا تتعارض وحرية الإرادة الإنسانية إلا حيث شاء أو رغب بعض القاصرين علميا بحل إشكالات على حساب أخرى علما “بأن المنهج العلمي هو المنهج القادر على تفسير جميع الحقائق والمعطيات والظواهر، وليس بعضها، وإلا وقع في التفسيرات الجزئية التي تنفي عنه صفة العلمية..” كم يقول زيدان.. ونضيف على قول الرفيق زيدان أن سعادة قد أشار لما يشير اليه الرفيق زيدان قائلا:” إنّ التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة..” سعادة يؤكد في هذا القول أن الحتمية في التطور الاجتماعي، حيث البيئة(الأرض) أحد الافتراضات التي لا بدمنها لنشوء التاريخ، لا تلغي الحرية الإنسانية حيث ” العوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة..”

لكن تبقى تساؤلات الأمين حيدر (كاتجاه من اتجاهات المناهج الفلسفية) بحاجة للإجابة عليها طالما أن عنوان مقالتنا هذه هو ( المدرحية..)

يقول الرفيق زيدان أن المنهج المدرحي، هو منهج علمي موضوعي يأخذ الكل دون استثناء:” إن المنهج العلمي هو المنهج القادر على تفسير جميع الحقائق والمعطيات والظواهر وليس بعضها.. (ويضيف) المطلوب هو منهج علمي لمعرفة الوجود الانساني، أما مقولات ما قبل الوجود فهي ليست موضوع علم الاجتماع، تنطلق القومية الاجتماعية من الوجود البشري كبنية متفاعلة لها أساس مادي وبناء روحي ـ بمعنى الفكر، الثقافة.. ـ   دون أن تخلق ميتافيزيقا لما قبل الوجود، وتعتبر موضوع بحثها هو الانسان ـ المجتمع وليس الانسان ـ الفرد وهي لا تطرح المشكلة من الزاوية التي تطرحها المادية أو المثالية بل تنطلق من الوجود الإنساني وتقول بأسبقية الانسان ـ المجتمع” على الفرد..

إذن، يحدد الرفيق زيدان المنهج المدرحي بالمنهج العلمي الموضوعي وموضوعه الانسان ـ المجتمع، وهذا ما تسمح به الدراسة من حيث هي دراسة في الطائفة ـ الطبقة.

لكن ما هو المنهج بشكل عام وما موضوعه وما هي أدواته و. الخ؟

 المنهج بشكل عام مجموعة من الإجراءات والخطوات والاختبارات والقواعد التي يتبعها الانسان لبلوغ حقائق وجوده، ولنقل أنه، أسلوب، صيغة، كيفية، وسيلة، لبلوغ الحقيقة، تختلف المناهج وفق موضوعاتها فهناك من يعتمد الحدس والتمثيل، وهناك من يعتمد منهج الشك أو المنهج الظواهري والتحليلي والبنيوي والمنهج الفيلولوجي. منهج تجريبي ومنهج علمي ومنهج سلوكي.. الخ وما نعتقده أن سعادة قد حدد بعضا من ملامح أو مواصفات وخصائص منهجه المدرحي عندما قال: ” أنّ النّاموس اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة (منهج تحليلي لتلقط المتكرر أو المستمر في تأثيره على حركة الوجود المادي أو الاجتماعي) لا أنّ الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها. (غير حتمي أو مطلق قابل للتغير أو التطور أو التبدل..) وفي كلّ النّواميس الّتي نكتشفها يجب ألا ننسى أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب ألا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الّذي نعرفه بها. (عدم التناقض الذاتي أي ألا نعتمد في بلوغ الحقيقة على جملة من المعلومات أو المعارف المتناقضة بعضها مع بعض) فكوننا اكتشفنا ناموساً أو ناموسين من نواميس الحياة العامّة يجب ألا يحملنا على نسيان الواقع الطّبيعيّ ونواميسه الأخرى، (عدم التناقض الموضوعي أي تناقضه مع حقائق مثبتة علميا..) فالنّواميس لا تمحو خصائص الأنواع. (أي أن العام لا يمحو الخاص فكلاهما في وحدة وإلا نكون قد دخلنا في تناقض ذاتي، تناقض الشيء مع ذاته) وإذا كنّا قد اكتشفنا سنّة التّطوّر فيجب ألا نتّخذ من هذه السنّة أقيسة وهميّة تذهب بنا إلى تصّورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة..” (عدم التعميم).

فالمنهج المدرحي الذي يرسم مناحيه سعادة هو منهج تحليلي في الدرجة الأولى ليس حتميا ـ مطلقا بالدرجة الثانية ليس متناقضا ذاتيا وموضوعيا، والعام فيه لا يمحو الخاص، وبناء على هذه المواصفات أو الخصائص، يمكننا القول أن المنهج المدرحي هو منهج تحليلي وتركيبي في آن كما هو وصفي ومعياري في آن أيضا، هو منهج يحلل الظواهر حتى منتهى جزئياتها، يقول سعادة في جزئية متناهية في الصغر”.. فهذه الصّفات المشتركة تظهر بقوّة في الشّعوب الّتي لمّا تحرّكها الثّقافة الزّراعيّة التجاريّة وساعدتها أحوال معاشها الضّيّقة على حصر قواها النّفسّية في بعض المظاهر المحدودة. ونرى أذواق هذه الجماعات مشتركة حتى في الطّعام. فهم، لجوعهم، يزدردون الطّعام بطريقة لا تسمح بالتّلذّذ به على حدّ الجماعات الرّاقية، حتّى إنّ بعض العلماء يذهب إلى جعل درجة لذّة الطّعم في عداد الفوارق بين الأقوام الأوّليّة والشّعوب الرّاقية..” ليبني بعد ذلك بناء حقيقته ـ نظريته، هو منهج يرى الواقع كما هو دون تزييف، يفرز المتكرر والمستمر عن الطفرة أو الآني، اللحظي، ليصل في نهاية المطاف الى العام الذي يتكامل مع الخاص، فعلى سبيل المثال، عندما ينطلق المنهج من حقيقة أن الاجتماع خاصة ملازمة للبشرية وأن البيئة الطبيعية لها القول الفصل في تمايز الجماعات، وتاليا أن المجتمع ـ الانسان هو ما تسعى اليه، لا تستثني في هذا كون العوامل الفاصلة في التاريخ هي العوامل النفسية والفردية على الرغم من قولها إن الفرد مجرد إمكانية اجتماعية..

لكن كيف توصل الأمين حيدر الى” النتيجة الباهرة الثالثة، سعادة يقول بالمدرحية والدارس لا يقول بها لأن ” تقسيم الواقع الى مادي وروحي هو تقسيم اعتباطي وافتراض ذهني غير موجود في الواقع الموضوعي المتداخل” لافتا الى وصف ـ المتداخل ـ للواقع الموضوعي وخالصا لنتيجة رابعة (باهرة ـ وفق حيدر) الى أن التداخل في الشؤون المادية والشؤون الروحية فتصبح المادة والروح موجودتين فيه وهما غير موجودتين؟” لكن كيف هما موجودتين في الواقع الموضوعي وليستا موجودتين فيه، فهذا ما لا يخبرنا به الأمين حيدر، وما علينا في حالة من هذا النوع سوى الاجتهاد في أن سعادة يُقسم الواقع الموضوعي الى مادي ـ روحي، بينما الرفيق زيدان يعتبر تقسيم سعادة مجرد (تقسيم اعتباطي وافتراض ذهني غير موجود في الواقع الموضوعي المتداخل) فإذا كان اجتهادنا صحيحا، فالأمين حيدر يُحمِّل أو يُقوِّل الدراسة ما لم تقله ، فإشارة الرفيق زيدان الى “أن تقسيم الواقع الى مادي وروحي هو تقسيم اعتباطي وافتراض ذهني غير موجود في الواقع الموضوعي المتداخل..” يعني أن المدرحية لا تقول بهذا التقسيم كونها من جهة أولى ترى الوجود المادي والروحي في وحدته، وأن كل ما يُجزئ هذه الوحدة هو مجرد فكر تأملي لا علاقة له بحقيقة هذا الواقع غير العابئ بمثل هكذا تأملات ومن جهة ثانية فقول الرفيق زيدان:” إن معرفة حركة الوجود كما هو لا تستلزم معرفة سر الوجود وكيفية الخلق وسائر المقولات الميتافيزيقية..” بما يعني أن المدرحية ” لا تطرح المشكلة من الزاوية التي تطرحها المادية والمثالية لتقول بأسبقية المادة أو الروح، بل تنطلق من الوجود الإنساني وتقول بأسبقية الإنسان ـ المجتمع” وبما يعني أيضا، عدم التناقض الموضوعي من حيث أن الوجود المادي والاجتماعي أيضا والى حدٍ بعيد، لا يستلزم بحثا فيما يناقضه من افتراضات هي محض تأملية وتبقى افتراضية مهما قيل أنها غير افتراضية، ذلك وكما يقول الرفيق زيدان “إن دراسة الظواهر الاجتماعية لا تتم في المطلق وفي التعميمات السطحية والتي تأخذ بعض الحقائق الموضوعية المتوافقة مع نظرتها وتتجاهل الحقائق الأخرى الموضوعية الأخرى المناقضة لها.. لأننا عندما نُلمُّ بمختلف الظروف المجتمعية نتفادى الوقوع في الاجتزاء.. الانسان ـ المجتمع ليس المطلق الثابت، بل هو دينامية متطورة، لأنه حركة مستمرة يجب دراستها في كل لحظة من لحظات وجودها ” هذه الإشارات، بمختلف توجهاتها لا تعني بأية حال ما ذهب اليه الأمين حيدر من أن” التداخل في الشؤون المادية والشؤون الروحية فتصبح المادة والروح موجودتين فيه (أي في الواقع الموضوعي) وهما غير موجودتين؟  ما يعنيه الرفيق زيدان بــ(التداخل) هو أن الواقع الاجتماعي في حالة من الحركة التفاعلية، تتمظهر من خلال حركته التفاعلية هذه في أحيان كثيرة، الشؤون المادية بمظاهر روحية(نفسية) والعكس صحيح أيضا، ويضرب أمثلته على حالات من هذا التداخل، فعنوان المقالة يحمل أول نوع من أنواع هذا التداخل، حين تتمظهر الطائفة بالطبقة، أو الطبقة في الطائفة يضيف قائلا:” لا يتحرك الانسان بصورة دائمة، بدافع المنفعة الاقتصادية (المادية)، كما وان وعيه (الروحي ـ النفسي) ليس دوما وفق موقعه من وسائل الإنتاج..” ولأنه في أحيان كثيرة أيضا لا تكون “منفعة العامل الاقتصادية متوافقة مع مصلحة الثورة..” على الدوام، على الرغم من أن الثورة تستهدف نقله من مرحلة العوز الى مرحلة الاكتفاء استقرارا وطمأنينة، يتضح ذلك من قوله:” إن كل منهج ثوري يستهدف قبل كل شيء تغير الواقع الاجتماعي، وهذا الواقع يختلف عن الواقع الطبيعي لوجود الانسان الذي يتمتع بمصالح مادية ـ روحية وعنده القدرات والقوى القادرة على الاختيار والعمل والوعي والتذكر..” بمعنى القدرة على تغير الممكن والذي يمكن لهذه القدرات أن تتجاوزه الى غير الممكن في محاولة لبلوغ درجة أعلى من سلم التطور، التغير، التبدل، الانتقال، التكيف مع المستجد من هذه الحركة، وهذه الحركة التفاعلية، بمختلف مترادفاتها ومسمياتها وخصائصها، ومواصفاتها، تبقى تعبيرا عن حالة من حالات التطور والرقي والتقدم.. ويضيف الكثير من الأمثلة الأخرى التي تتعدى الطائفة والطبقة، ويقارن بين ابن الجنوب اللبناني وعلاقته ب((اسرائيل)) وعلاقة الفلسطيني بهذا الكيان السرطاني وبما لا يدع للشك مكانا فيما يذهب اليه الرفيق زيدان ويدحض ما يؤوله الأمين حيدر حاج إسماعيل..  

يميز سعادة بين المصلحة والمنفعة، فالمصلحة هي “كل ما تنطوي عليه النفس الإنسانية في علاقاتها.. المصلحة هي طلب ارتياح النفس وتحقيق ارتياح النفس هو غرض الإرادة.. المصلحة هي كل ما يولد عملا اجتماعيا.” أما المنفعة فهي على عكس المصلحة، المنفعة شأن فردي، مصلحة فردية، فائدة فردية، خصوصية لا تتعدى نطاق الفردية..

من هذا المنطلق يطرق الرفيق زيدان باب الاقتصاد ليتساءل: “ما هو دور الاقتصاد في الانسان؟ وهل الاقتصاد هو المحرك الوحيد للإنسان؟ يجيب على سؤاله قائلاً:” لا يتحرك الانسان بصورة دائما، بدافع المنفعة الاقتصادية، كما أن وعيه ليس دوما وفق موقعه من وسائل الإنتاج (كما تقول الماركسية) لذلك ليست المنفعة الاقتصادية الأساس في التحريض الثوري والتوعية دائما، لأن منفعة العامل الذاتية لا تكون دوما متوافقة مع مصلحة الثورة..” يضيف:” ومن هذه الزاوية، يعتبر المنهج المدرحي أن المصلحة القومية الاجتماعية هي المقولة الثورية في التحريض والدافع النضالي للتوعية وعلى أساسها تقاس المنفعة الاقتصادية وكل منفعة أخرى.. المنفعة التي يمكن أن يحققها المواطن عبر طائفته أو عشيرته أو علاقاته الخاصة والتي تصل أحيانا الى حد العمالة والخيانة، هي منافع جزئية تتحقق على حساب باقي المواطنين، وتقضي على وحدة المجتمع.. الاقتصاد من ضمن هذه الرؤية، هو أحيانا يتضمن مصلحة اقتصادية تشكل عاملاً ثوريا يجب تعميمه وتعميقه، وأحيانا يشكل منفعة فردية سلبية يجب تجاوزها بالوعي الثوري النضالي.. ترى القومية الاجتماعية أن الثورة الفعلية هي التي تشمل البنى وعلاقات البنية التحتية والفوقية معا.. “

في نقده لما ورد أعلاه، يقول الأمين حيدر:” مما تقدم من نصوص، يتبين لنا أن رفيقنا صاحب الدراسة، يتجه اتجاها مختلفا عن الاتجاهات التي ابتدأها في فهمه للمنهج المدرحي فهو الآن منهج “بنية تحتية” و”بنية فوقية” وعلاقة التفاعل بينهما والتي يراها محددة بليستين هما: اللا تراتبية واللاسببية ويكون الحاصل الفكري الأخير للدراسة هو التالي:

المادة هي الأرض من حيث المنشأ

والروح هو الفكر والثقافة و..

والمدرحية هي الانسان المجتمع.

والمادة والروح تقييم اعتباطي وافتراض ذهني لا وجود له في الواقع، والمادة هي البنية التحتية أو الاقتصاد والروح هو االبنية الفوقية أو البناء النفسي.”

سبق لنا وأشرنا، الى أن الدراسة لا علاقة لها بالمدرحية كفلسفة، فهي لا تبحث بها من حيث هي كذلك، لكنها (الدراسة) تُسقط بعض المفهومات المدرحية على واقع علاقة الطائفة بالطبقة وبالعكس، على سبيل المثال ما أوردته الدراسة من مفهوم الطبقة والطائفة والمصلحة والمنفعة والمنهج المدرحي والانسان ـ المجتمع والاقتصاد والبنى التحتية والفوقية.. الخ، هذا الاسقاط لا يتيح للأمين حيدر الخلوص الى ما خَلُصَ اليه في موضوع المادة والروح وتاليا المدرحية وهي النقاط ألتي أوردها في نهاية تساؤلاته حول الدراسة والتي لم يجب على أي منها بما ينفيها أو يؤكدها، فإذا كان التساؤل هو أحد المناهج الفلسفية ، فطرحه يوجب الإجابة عليه نفيا أو اثباتا، وهذا ما لم يقدمه لنا الناقد، فطرح السؤال على نحوٍ كهذا يثير الشك في الدراسة من حيث صوابية الطرح أو غلطه، وهذا ما لا نقع عليه في دراسة الرفيق وليد زيدان ونرى أنها جاءت متماسكة غير متناقضة في طروحاتها كافة فقد عالج الرفيق زيدان موضوعه بكل الوعي والمعرفة بتشابكاته وعلاقاته ونتائجه..

ينهي الأمين حيدر حاج إسماعيل نقده لدراسة الرفيق ووليد زيدان بملاحظتين:

الأولى:” لم نجد في هذه الدراسة أية إشارة للمبادئ القومية الاجتماعية التي جملتها تشكل الفلسفة المدرحية.”

الثانية:” الفلسفة المدرحية (كما ذكرنا تكرارا) هي فلسفة نهضة الأمة من حيث مادتها (المزيج السلالي ومن حيث روحها (الشعور القومي المشترك أو إجماع الفكر على المصلحة العامة) الذي ينشأ نشؤا طبيعيا مرافقا للتفاعل البشري المشترك بين جماعات الأمة أو بواسطة التربية داخل الحزب السوري القومي الاجتماعي