المدرحية: نقدٌ على نقد(12)

 

نحن هنا حيال تعريف للأمة يناقض كليا وبالمطلق، مختلف ما طُرح حول هذه الفلسفة، أصاب ذاك الطرح أم أخطأ، لكنه (الطرح بمجمله) لم يجافي حقيقة أن “نشؤ الأمم” كان المرتكز الذي قامت عليه الفلسفة المدرحية من حيث هي فلسفة اجتماعية تدرس الانسان، نشؤا وارتقاء، عوامل وأسباب ونتائج..

 هذا التناقض، يرتكز الى جملة دعائم يقول بها الأمين حيدر حاج إسماعيل:

1 ـ استثناءه لكتاب “نشؤ الأمم” على قاعدة أنه مبحث علمي في الاجتماع وليس مبحثا فلسقيا وعلى قاعدة أن العلم غير الفلسفة.

2 ـ فهمه الخاص، والخاص جدا، لمقولة” الأمة واقع اجتماعي بحت“.

3 ـ قوله ” والحقيقة أن سعادة لم يأت بغير المبادئ

4 ـ إخضاع مختلف الصياغات الفكرية ـ والتي جاء نقده مبنيَّاً عليها ـ لقاعدة، منطقية أو منهجية لديه تقول: ” أن الشيء ليس صفاته، أو خصائصه، أو مواصفاته، أو درس نشؤ الشيء ليس الشيء بذاته، أو أن الشيء ليس شرطه، أو أن تعريف الشيء بـ ” الليسيات” ليس هو الشيء.. الخ..

سبق لنا وناقشنا هذه الدعائم أو المرتكزات التي يستند اليها الأمين حيدر في تعريفه للأمة، وقد لا نضيف جديدا إذا ما أسهبنا في تفنيد ما جاء به تعريف الأمين حيدر، ففي المبدأ، لم يقدم الأمين حيدر تعريفا للفلسفة المدرحية بل اكتفى بتعريفها على النحو التالي: ” الفلسفة القومية الاجتماعية = تجب المبادئ لتنهض الأمة” ومن ثم جاء تعريفه لها في نهاية نقده للرفيق وليد زيدان، بالتعريف الوارد أعلاه، لذا يتوجب علينا تناول تعريفه الأخير بشيء من التفصيل..

سبق وأشرنا، أيضا، الى أن الأمين حيدر لم يحدد، يعين، لنا مفهوما محددا، معينا، لمصطلحي مادة وروح، بل تركهما على إطلاقهما، فليفهم كل منا المفهوم، المعنى، المقصود، الذي يريد من هذين المصطلحين، مما يؤدي بطبيعة الحال الى عدد لا يحصى من المعاني والمفاهيم لهذين المصطلحين، فتصبح حقيقتهما، بعدد الأفراد الذين يتداولون بهما، ولما كان “شرط الوضوح التعين” كان من حق البحث تحديد، تعين، المفهوم، المقصود، من هذين المصطلحين، وأي من هذه المفاهيم هو المفهوم الذي تأخذ به المدرحية في تفسير العالم الذي يحيط بنا، ومن جملته، “نحن”، فنحن جزء من هذا العالم الذي هو(نحن) بحاجة ماسة للتعريف به، كمصطلح فلسفي، يشكل، جزءا جوهريا من معنى أو مفهوم، أو المقصود من هذا “العالم“.

 المفهوم المدرحي للمادة:

تنطلق المدرحية في تحديدها لمفهوم المادة من أسبقيتها على المعرفة، الوعي، الانسان، كقاعدة لا يمكن تجاوزها، تحت أية ذريعة، علمية كانت، أم غير علمية(تأملية)، المادة في أسبقيتها على الوعي، تأخذ المفهوم التالي: كل ما لا يرتبط وجوده، بوعي، بمعرفة، الانسان له، فهي وجود، مستقل كل الاستقلال عن الوعي الإنساني له، هي كيان موضوعي لا غنى للإنسان عنه، فهي محتوى وعيه، معرفته، ادراكه، إذ لا معنى للوعي دونها، والذي لم يكن ( الوعي) بدونها أيضاً، ذلك أن العضوية، (كيميائيا وفيزيائيا) تتكيف، وفق ما هي به وعليه، من عوامل وشروط موضوعية، هذا التكيف، ـ والذي اختصت به العضوية عن سواها من الموجودات المادية( باعتبارها مادة في الأصل) ـ هو الذي يقود العضوية الى ما هي عليه، فلولا الضوء، لما تكيفت هذه العضوية مع الضوء وتطورت الى حالة الرؤية، وبدون الهواء، والروائح، لما كانت حاسة الشم، ولو لم يكن للوجود ملمس، لما كانت حاسة الحس أو اللمس، لولا الصوت لما كانت حاسة السمع، وكذلك حاسة الذوق، ودليلنا العلمي على ما تقدم، هو أن حاسة السمع مثلا، هي حاسة مرتبطة كليا بما نحن عليه من درجات السمع، فنحن لا نسمع ما هو أعلى كما ما هو أدنى، فنحن لا نسمع سوى الموجات التي لا تتعدى ال(20 ـ 20,000) هرتز، بينما تصل الموجات المافوق صوتية الى أكثر من (20,000) هرتز، كما لا نسمع كل ما هو دون ال(20) هرتز، كذلك في الضوء، وتحديدا ألوان الطيف الضوئي، فنحن لا نرى سوى سبعة ألوان، علما أن مزيجا منها قد يصل الى ( 15,000,000) لون، هذا الكم الهائل من الألوان نحن لا نرى منه سوى سبعة فقط..

ما تقدم، يعني، أن المادة سابقة للوعي، لأنها هي التي شكلت له أدواته الحسية، والتي لولاها، لما استطاع التعرف على ما يحيط به!!

المادة إذن، كل ما هو موضوعي، ولا يدين بوجوده ـــ بأية حال ـــ لوجود الانسان، كيانا وادراكا ومعرفة وعلما، المادة وجود موضوعي، موجود رغما عن الانسان، كيانا ومعرفة وعلما، المادة، وجود موضوعي، سابق لوجود الانسان، المادة، محتوى الوعي، الفكر، المعرفة، العقل..

الروح في المفهوم المدرحي:

الروح” مصطلح عبري، مقتبس، أو بالأحرى منهوب، ومحور عن الريح، في قصة الخلق الأشورية، حيث الإله مردوك يقتل تيامات (تيهوم ـــ بالعبرية) بواسطة الرياح الأربع، في التوراة السامرية، نتبين مدى التشابه بين التوراة وقصة الخلق البابلية والآشورية:

1″- في بداية خليقة السماوات والارض (سفر تكوين) = في بداية الخلق (ملحمة بابل)

2- كانت الارض خربة وخالية وعلى وجه تيامات ظلمة (سفر تكوين) = (مقتل تيامات وخلو الارض للإله مردوخ )(ملحمة بابل)

3- (ورياح الإله ترف على وجه الارض) (سفر تكوين ) = أرسل الرياح الأربع لتُحيط بها (تيامات) من كل جانب ثم أرسل سبع رياح في بطنها وهكذا تمكن من سحقها (ملحمة بابل)

4- فَعَمِلَ اللهُ الْجَلَدَ وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ…. وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سماء.. وقال:” لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ الَى مَكَانٍ وَاحِدٍ وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ (المياه: تيامات) (سفر تكوين ) = (ثم قسم تيامات إلى سماء وأرض) (ملحمة بابل)..”

ما يهمنا أن الريح في قصة الخلق البابلية أصبحت روحا في التوراة، وليس هذا فقط فقد حورت التوراة اسم “إيل” الإله الى “الله”، لاحظ ” اسماع إيل، جبرا إيل، عذرا إيل، إسرا إيل، صومو إيل.. وهكذا، ما تبقى من أساطير توراتية.. اعتمدت المسيحية والمحمدية هذا التحوير وأطلقته إيماناً لأتباعها..  “الإيمان بوجودها يجسد مفهوم المادة الأثيرية الأصلية الخاصة بالكائنات الحية. استنادا إلى بعض الديانات والفلسفات، فإن الروح مخلوقةً من جنسٍ لا نظير له في الوجود مع الإعتقاد بكونها الأساس للإدراك والوعي والشعور عند الإنسان. ويختلف مصطلح الروح عن النفس حسب الاعتقادات الدينية (يُقصد الإسلام) فالبعض يرى النفس هي الروح والجسد مجتمعين ويرى البعض الآخر إن النفس قد تكون أو لا تكون خالدة ولكن الروح خالدة حتى بعد موت الجسد.”

الروح، فلسفيا، هي الوعي، كل ما ليس محسوسا وملموسا ومسموعا وهو نتاج العقل (المخ والمخيخ والبصلة السيسيائية)، مدرحيا، هي النفس، وفق ثلاثية سعادة (المحيط ــ الجسم ــ النفس)، مدرحيا، الروح تعبير مجازي للنفس، مدرحيا، الروح مصطلح عبري تحويري للريح، مدرحيا، الروح مُفْتَرَضْ نقيض للمادة، كما يفترض الوجود العدم، لا تقول المدرحية بالروح ككيان مستقل، مبثوث في الجسم، النفس نتاج الجسم..

من سعادة نستقي ما يروي عطشنا، يقول:” التعيين هو شرط الوضوح، والوضوح هو الحالة الطبيعية للذات المدركة الواعية الفاهمة. كل مطلق ليس واضحاً هو نسبي مهما قيل إنه مطلق غير نسبي. كل مطلق مبهم هو لا شيء. المطلق الذي هو شيء هو المطلق الواضح. فإذا وجدنا أمامنا مطلقاً غير واضح، إذا افترضنا أي مطلق افتراضاً وابتدأنا نحوم حول فهم هذا المطلق ومعرفته، فإننا قد عيَّنا مبهماً للخروج من جدل لم نصل فيه إلى الحقيقة. فكل لا وضوح لا يمكن أن يكون أساساً لإيمان صحيح، وكل لا وضوح لا يمكن أن يكون قاعدة لأي حقيقة من جمال أو حق أو خير. فالوضوح ــ معرفة الأمور والأشياء معرفة صحيحة ــ هو قاعدة لا بد من اتباعها في أية قضية للفكر الإنساني وللحياة الإنسانية.. ففي العقائد التي تمت إلى الإنسان الحر بصلة لا يمكن الاستناد إلى أي قول استبدادي مطلق لتقرير حقيقة إنسانية لها علاقة بالإنسان المجتمع. فلا بد لقيام الحقيقة من شرطين أساسيين: الأول الوجود بذاته أي أن يكون الشيء موجوداً. والثاني أن تقوم المعرفة لهذا الوجود. والمعرفة هي التي تعطي الوجود قيمة لا يمكن أن تكون له بدونها.. لا يمكننا أن نتصور وجوداً بلا معرفة. فلا يمكننا أن نقول إن لأي وجود مفترض، غير مدرك بالمعرفة، قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة قيمة إنسانية نفسية والإنسان هو وحده الذي يميز بين الحقيقة والباطل بالمعرفة..”

الأمة في المفهوم المدرحي:

يشوب مفهوم الواقع الاجتماعي لدى الأمين حيدر حاج إسماعيل، الكثير من الشوائب، فهو يراه كيانا بشريا قائما بذاته، كمزيج سلالي مستقل استقلالاً تاما عما يحيط به من أوضاع وأحوال وظروف، فعندما يعتمد مقولة “الأمة واقع اجتماعي بحت” لا يتراء له سوى كيانها البشري من حيث مزيجه السلالي، مما يدفعه للقول بأن مادة الأمة مزيجها السلالي.. متجاهلاً أو متناسيا قول سعادة الحاسم في هذا الموضوع بالذات “لا يمكن القول أن هنالك أمماً وشعوباً قدرت بفطرتها الممتازة وفاعليتها الذاتية أن تجد إلى الارتقاء سبيلاً.. القطر الصّالح والقوم المؤهّلون، هذان هما العنصران الأساسيّان لنشوء الأمّة.” ومتغافلا عن أن الواقع في علم الفلسفة يعني حالة الأشياء كما هي موجودة، وكما وجدت حولنا، وما وجد فعلا في مقابل الخيال، الواقع ما يكون راهنا أو معطى ويفيد الاشياء كما هي لا كما يمكنها ان تكون..، ابستمولوجيا يفيد الواقعي معنى يتعلق بفكرة الشيء بوصفه غرضا فكريا فهو الراهن والمعطى ويشمل مادة المعرفة كلها.. ان ما يمثله المفهوم العلمي للواقع بوصفه يتضمن فكرة لا تشمل فقط الراهن ولكن أيضا لحالة لا راهنية لها تشارك مع ذلك في تصوير الواقع بحيث أن تصورا علميا لا يصور فقط ما هو كائن وانما يتخيل ما يمكن أن يكون..

وعليه فعندما يُعرِّف سعادة الأمة بأنها واقع اجتماعي، يعني بذلك أنها كيان موضوعي لا علاقة له بفرد ما أو جيل ما، هي استمرار، هي أفرادها بما هم عليه بخصائصهم ومواصفاتهم وأشكالهم و.. الخ هي مجموع أجيالها عبر الزمن، يقول:” الأفراد يأتون ويذهبون أما المجتمع فباقٍ.” يضيف قائلاً: “لا يختار الفرد مجتمعه إلا بقدر ما يختار أمه وأبيه” للدلالة على موضوعية الواقع الاجتماعي بالنسبة للفرد وأجياله، مدرحيا، الأمة كواقع اجتماعي هي شكل المادة التي هي البيئة، متمثلة ماديا “بدورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية”، الأمة هي هذه الدورة الحياتية الاجتماعية ـ الاقتصادية معا دون أي انفصام بينهما،  لذلك يشدد سعادة على مصطلح “الاشتراك في الحياة” أو “وحدة حياة” للدلالة على البعد الزمني الذي يبقى العامل الرئيس في تشكل الأمم وتطوراتها، سلبا وإيجابا، الأمة وفق سعادة ” جماعة من البشر تحيا حياة موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النّفسيّة ــ الماديّة في قطر معيّن يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التّطوّر، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات. ” ما يُميز أمة عن أخرى هو إذن تفاعلها مع بيئتها وليس أي شيء آخر، لذلك نراه (سعادة) يشدد على أن “كلّ أمّة تنشأ بعامل ارتباط جماعة من النّاس، مهما كانت تقاليدها وعاداتها ومهما كان مصدرها، ببقعة من الأرض لا بدّ من أن تكون في مجرى حياتها تقاليد جديدة وعادات جديدة.. ” هكذا تتشكل مواصفات أمة عن أخرى، لذا كان “الأصل الإنسانيّ الوحيد للأمّة هو وحدة الحياة على تعاقب الأجيال وهي الوحدة الّتي تتمّ دورتها ضمن القطر..” “المزيج المتجانس أصل كاف للأمّة وهذا المزيج هو ما يعبّر عنه أحياناً بلفظة السّلالة. إنّ الأمّة من الوجهة السّلاليّة أو من وجهة الأصل، هي مركّب أو مزيج معيّن كالمركّبات الكيماويّة الّتي يتميّز كلّ مركّب منها بعناصره وبنسبة بعضها إلى البعض الآخر..، يضيف قائلا:” فإذا تتبعنا تاريخ تكوّن الأمّة الإيطاليّة كان الأصل الوحيد الثّابت الّذي نتمكّن دائماً من تقريره هو الأرض، أمّا الأصل الشّعبيّ فهو مشترك في عدّة أصول. الحقيقة أنّه ليس لأمّة من الأمم الحديثة أصل سلاليّ واحد، حتّى ولا أصل شعبيّ (مزيج سلالي) واحد.. فالأمّة تكون قويّة أو ضعيفة، متقدّمة أو متأخّرة، على نسبة ممكنات بيئتها الاقتصاديّة ومقدرتها على الانتفاع بهذه الممكنات..” الحكم النهائي الذي يصدره سعادة في هذا الشأن والذي لا رجعة فيه هو:” القطر الصّالح والقوم المؤهّلون، هذان هما العنصران الأساسيّان لنشوء الأمّة.. ” مما يضع حداً لمختلف تقولات الأمين حيدر حول موضوع الأمة، أكثر من ذلك يشدد سعادة على أهمية البيئة الطبيعية في نشؤ الأمة، اية أمة، يقول: “الأمّة تجد أساسها، قبل كلّ شيء آخر، في وحدة أرضيّة معيّنة تتفاعل معها جماعة من النّاس وتشتبك وتتّحد ضمنها..” يضيف موضحا بقوله: “لعلّ سورية أفضل مثال للبيئة الّتي تصهر الجماعات المختلفة النّازلة بها وتحوّلها إلى مزاج واحد وشخصيّة واحدة.. فالبيئة المحدّدة هي البوتقة الّتي تصهر حياة هذه الجماعات وتمزجها مزجاً يكسبها شخصيّة خاصّة..” هذا على صعيد ما جاء به سعادة بكتابه العلمي ” نشؤ الأمم” على حد وصف الأمين حيدر لهذا الكتاب، أما على صعيد اعتباره أن المبادئ هي الفلسفة المدرحية، نراه يقول :” والحقيقة أن سعادة لم يأتِ بغير المبادئ” وسنذهب مع الأمين حيدر لما يقوله سعادة في المدرحية التي هي “المبادئ” وفق وصف الأمين حيدر، ففي شرح سعادة للمبدأ الأساسي الرابع الذي ينص على أن ” الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي” يقول ما يدحض تعريف الأمين حيدر للأمة من حيث مادتها :” وهكذا نرى أن مبدأ القومية السورية ليس مؤسساً على مبدأ وحدة سلالية ، بل على مبدأ الوحدة الاجتماعية الطبيعية لمزيج سلالي متجانس..” الوحدة الطبيعية لمزيج سلالي، لكن ماذا يعني سعادة في مصطلح” الوحدة الطبيعية” يقول:” أننا نعتبر الأمة أمراً واحداً: إنه وحدة الحياة التي جمعت فيه مجمل العناصر الأساسية (البيئة والمزيج السلالي) التي تتركب منها ودمجها بعضها ببعض فكونت منها حياة واحدة متفاعلة موثقة أي مجتمعاً واحداً موحد الحياة والمصير.. إذاً لا حاجة إلى أصل واحد معين لنشوء الأمة. لنشوء القومية. فالأمة موجودة بتفاعلها ضمن بيئتها ومع بيئتها..” فقوله الأمة موجودة بتفاعلها بعضها مع بعض “ضمن بيئتها ومع بيئتها” مما لا يدع للشك مكانا في أن الأمة هي نتيجة للتفاعل بعضها مع بعض ومع بيئتها، يضيف موضحاً (سعادة) ” فإذا أخذنا مجموع الشعب السوري أو أي شعب آخر وجدنا أنه شعب يتكون من مستطيلي الرؤوس ومعتدلي الرؤوس ومفلطحي الرؤوس ومع ذلك نجد أن الحياة جبلتهم جبلة واحدة فامتزجوا سلالة ودماً واشتركوا في الحياة الجيدة والصعبة وعملوا وأجابوا على محرضات البيئة أعمالاً وإجابات مستمرة خلال أجيال أو أدهار كونت نفسية خاصة وطابعاً فيزيائياً خاصاً مستقلاً. ” الحياة بمفهوم سعادة المدرحي نمو، تقدم، تطور، رقي، وعلى نسبة ما تقدم تتبوأ الأمة مكانتها بين الأمم، شرط الحياة لتكون وفق مفهوم سعادة لها، استمرارا زمنيا كشرط ضروري وهام وحاسم في تمايز الأمة عن سواها، شرط لازم، لكنه غير كافٍ لأنه لا يقوم إلا بعنصريه، المزيج السلالي والبيئة الطبيعية، محددا المرتبة الثقافية التي عليها الأمة، هذا ما نجده في التاريخ السوري، حيث شهدت هذه البلاد محنا واحتلالات قلبت موازين حياتها وأحالت استقرارها لاضطراب وحروب وويلات، لكنها بقيت على ما هي عليه من ميزات، لذلك نرى سعادة يؤكد ” أن في النفس السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم … إذا لم تقو النفسية السورية وتنزه عن العوامل الخارجية وسيطرة النفسيات الغريبة فإن سورية تبقى فاقدة عنصر الاستقلال الحقيقي، فاقدة المثل العليا لحياتها“.

مدرحيا، يمكننا القول، بناء على ما تقدم:” على قاعدة المقولة الأساس في الفلسفة المدرحية ” المادة تعين الشكل” وعلى قاعدة أن الانسان هو المتكيف مع البيئة وليس العكس، تلعب البيئة دور البوتقة والانسان دور الماء الذي يتخذ من شكل البوتقة شكلاً له، أكثر من ذلك، يتخذ من لون البوتقة لونا له، وزيادة في ذللك، يتخذ طعم بل ورائحة البوتقة، في حال وجد لها هذا الطعم وتلك الرائحة، من هنا نجد كيف أن الانسان الفرد عند انتقاله من بيئته الأصلية يبدأ بالتكيف والبيئة التي انتقل اليها، هذا الانتقال يعبر عنه سعادة في قوله ” وقد يفضل أمه على أبيه أو العكس”         وحيث أن المادة واقع موضوعي، فمادة الأمة هي بيئتها، وهي محتوى وعيها، أي شكلها ـ فلسفيا ـ حيث دورة حياتها الاجتماعية ـ الاقتصادية، هي هذا الشكل الذي نجد عليه أمة من الأمم، أما مرتبة هذا الشكل الثقافية فتعود لنسبة إجابة مزيجها السلالي لعوامل أو لمحرضات البيئة ونسبة تقبله لها أسبابا، تاريخية وظرفية بآن، وعلى ما تقدم تكون النتائج التي تعي الأمة من خلالها عوامل وأسباب وكيفيات ووسائل نهوضها