المدرحية: نقدٌ على نقد(15)

 

 

مدرحية” علي عمران:

في مختلف الدراسات أو المقالات التي تناولناها حتى الآن، كانت المدرحية مجرد اسقاطات على موضوعات مختلفة بحيث لا يمكن وصفها بالسمة التي يسمها بها الأمين حيدر..

قراءة في الفلسفة المدرحية” عنوان مقالة الرفيق علي عمران هي الدراسة الأولى التي تناولت المدرحية كموضوع رئيس لها، والتي يمكن وسمها برؤية الرفيق علي عمران للمدرحية، من وجهة نظر أقرب ما تكون للأكاديمية منها الى البحث في المدرحية كفلسفة، لذلك فإن هذه القراءة، تعتبر فريدة من نوعها نظرا لتماسكها وترابطها واقتصارها على الجوهري من الفلسفة المدرحية، وهي ميزة تحسب للرفيق عمران..

لم يولي الأمين حيدر هذه الدراسة الاهتمام الذي أولاه لغيرها من تلك الاسقاطات، أو الدراسات أو المقالات، لعلة في ذاته أم لأنه لم يجد ما يمكن نقده في هذه القراءة، فهي كما سبق وأشرنا اليه أعلاه، وكان المجال رحبا للأمين حيدر إيلاءها الاهتمام الكافي لبيان رأيه فيما أوردته من إشارات فلسفية تناقض ما يورده هو من مرتكزات يعتبرها تعريفا للمدرحية من وجهة نظره..

يبدأ الرفيق عمران قراءته من السؤال الفلسفي البكر: من يحتل مركز الأولوية في الوجود المادة أو الوعي، فيقول: ” كان العقل يفتش عن الغامض المطلق الذي كان علة الوجود..” فكان سؤاله” الفلسفي التقليدي:” من وجد قبل الآخر المادة أو الروح” لبيان أين هو موقف الانسان باعتباره معلولاً للجواب ” وفي جميع الإجابات الفلسفية كان موقع الإنسان محكوما بالعلة المطلقة التي كانت سببا لوجوده. فـ “الإنسان” في الفلسفات المادية إمكانية تحقق قوانين المادة. وهو في الفلسفات الروحية ” إمكانية إيمانية ” تخضع خضوعاً تاماً لقوانين الروح المطلقة. وبقدر ما كانت المسافة شاسعة بين مثالية المادية ومثالية الروح.. بقدر ما كان على العقل الإنساني أن يبذل من الجهد لملء هذه الفجوة الفاصلة بين القطبين النقيضين (المادة والروح) بالفكر الجديد.” الذي جاء مع الفلسفة الوضعية التجريبية، فتحولت الفلسفة كما يقول عمران من (علم الحكمة ) الى ( العلم الكلي ) وبنتيجة ذلك كان التأسيس لعلم الاجتماع..

من السؤال الفلسفي (مَنْ قبل مَنْ) الى السؤال الذي طرحته المدرحية كبديل للتناقض القائم بين تلك الأسبقية، فكان السؤال:” من أين جاءت الحياة” وكانت الإجابة كما يقول عمران:” “شيوع الحياة في المادة شيوع الإنسانية في الحياة.. (بمعنى أنه) يجب تفسير الوجود بالإنسان على قاعدة ربط موضوعه بحركة الحياة.. (من منطلق أنه) إذا كان شيوع الحياة في المادة شرطاً لوجود الإنسانية واستمرارها، فان شيوع الإنسانية في الحياة هو أيضاً شرط لإعطاء الظواهر المادية بعدها المؤنسن، المعّرف، والمتسق في عملية بنائية (كمية وكيفية) لا حدود لها. وهذه النظرة تستقرئ كيفية تحول الحياة من كمون مجرد إلى حيوية، ومن ثم إلى حركة. وتنطلق إلى تحديد المنطق الناظم لتحول الوجودات من أشياء إلى ماهيات، ومن عبث إلى وظيفة، فالحياة لا معنى لها إن لم تكن صيرورة.. وخلقاً مستمراً..” في تحول الوجود من شيء الى ماهية، يقف الوعي فاعلا لتحويله من إمكانية الى فعل..

فلسفة التفاعل:

هنا تبرز للوجود أهمية الوعي الإنساني في الفعل باعتباره الرد الأمثل للتحدي الوجودي الموضوعي، وفي العلاقة بين الوجود والوعي، تقوم مقولة التفاعل التي تقول بها المدرحية كمخرج عملي ، فعلي، من صراع أضداد مفترضة هي في وحدة مهما قيل غير ذلك، يقول الرفيق علي عمران:” يشكل فكر سعادة نهجا مغايرا لمنحى الفلسفات التي سبقته، وتتجلى نقطة افتراقه عنها في موقفين نظريين متكاملين :

الأول: انه أبطل السؤال الفلسفي التقليدي..

الثاني: بما أن الإنسان هو قضية الفلسفة، لا يجوز تجاهل ما تفرضه الظاهرة الإنسانية من واقع وضعي..” بالطبع، على صعيدي الوجود والوعي، يضيف الرفيق عمران:” يرى سعادة وجوب فهم هذه الظاهرة حسب القوانين الطبيعية التي تحكم وجودها وفق ثلاثة مستويات متلازمة ومترابطة سببياً..” واحدة من أهم ثلاثيات سعادة، الانسان، الأرض، التفاعل، بمعنى دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية.. الانسان كمفهوم، يقول عمران:” هو إشارة إلى حالة اجتماعية ذات خصائص طبيعية ولا يتضمن هذا المفهوم أي إشارة إلى الفرد كحالة بشرية معزولة..” أما الطبيعة ـ البيئة، فهي في خصوصيتها كما يقول عمران:” يربط سعادة بين خصوصية الأرض (المكان)، وخصوصية الظاهرة الإنسانية (الحالة الثقافية والنفسية للمجتمع) بعلاقة طبيعية هي التفاعل بين طرفي معادلة الحياة ( البيئة والمجتمع) حيث تبرز للوجود ظاهرة راهنية ” التفاعل الذي ينشأ بين المجتمع (الحالة الثقافية النفسـية) وبين الأرض (البيـئة الطبيعية) . وفي هذا التفاعل يشكل القطبان الأساسيان (الأرض =الإمكانيات المادية) و (الإنسان = الوعي) عاملي السلب والإيجاب، بحيث يصبح كل قطب في موقع الفعل والانفعال..” وهنا ما يحسب للرفيق عمران في كشفه عن جوهر العلاقة التفاعلية التي تقول بها المدرحية، ذلك أنها ليست مجرد علاقة كيمائية يأخذ كل من قطبيها دوره متماهيا في الآخر، إنها علاقة مدرحية بامتياز عندما يقول عمران” بحيث يصبح كل قطب في موقع الفعل والانفعال..” أي تداولية الأدوار في العلاقة التفاعلية المدرحية، فأي من طرفي مقولة التفاعل، هو في آن منفعلٌ وفاعلٌ، يقول سعادة:” يكيّف الإنسان الأرض ولكنّ الأرض نفسها تعيّن مدى هذا التّكييف وأشكاله حسب بيئاتها الإقليميّة. وفي الوقت الّذي يسعى هو لتكييف الأرض لتوافق حاجاته الحيويّة يجد نفسه مضطرّاً لتكييف حاجاته حسب خصائص الأرض النّازل فيها..” وعليه يبني الرفيق عمران موقفا مدرحيا بامتياز:” · في كل مادي نقع في الوجود الانساني على مدلول روحي أو أكثر. وفي كل روحي هناك مدلول مادي أو أكثر.. ولا وجود عملياً للتناقض في “المادة “، سواء داخلياً (بين مكوناتها) أو خارجياً (بين مادة وأخرى)، فالموجب “يكامل” السالب، وكل سلب شرط لوجود الإيجاب والعكس صحيح. ” مدللاً في هذا الموقف على وحدة الوجود التي لا يمكن تجزئتها وفق تشظيات فهم العقل لها، ومعرفا الانسان كمركب من ” المعرفة (العقل) والوجدان (النفس والإرادة) وتشكل المعارف العقلية في تفاعلها مع الوجدان البنية الروحية للإنسان.. “ بمعنى أكثر وضوحا، أن ما نعرفه يدخل فيه شرطاه، الوجود والمعرفة، فالوجود مضمون المعرفة، كما المعرفة هي التي تُعطي الوجود قيمته..

التناقض اذن في العقل الذي لا يقبل بالتناقض، فيمضي في تجزئة الواقع المادي لفهمه.. ومع ذلك فعلى الرغم من التناقض في الوعي (بمعنى تجزئة الواقع المادي الى ثنائية هي انعكاس لما فطر عليه من ثنائية الليل والنهار البعيد والقريب، الأعلى والأسفل) فإن “التفاعل بين الإنسان والوجود، يتبدى عملياً في مستوى العلاقة بين الوعي وعالم الظاهرات، وهذه العلاقة تنطوي على تفاعل متواصل بين عالم الأشياء في ذاتها (الذي هو الوجود الموضوعي) وبين العقل الاجتماعي، وتحكم خصائص المجتمع (العامل الذاتي) مسار العقل الاجتماعي في التحقق من الظاهرات، وإدخالها مدار التفاعل.. · في الحقل الاجتماعي الواحد (الأرض + الجماعة) تجري عملية التفاعل في مستويين:

أ. المستوى الموضـوعي: وهو الذي تتم فيه العـلاقة الحيـوية بين الإنسـان والبيئة (المحيط المادي) وقياساً عليه، يمكن القول أن الفكرة تنتج من تفاعل مثلث العناصر الأساسية:

المكان (البيئة الطبيعية) – الحالة (بنية المجتمع) – العقل والوجدان (الثقافة والإرادة)..بمعنى آخر أكثر دقة، أن المادة مرتبطة بمدى استجابة الجماعة لها، هذه الاستجابة هي التي تعين مستوى المرتبة الثقافية للمجتمع وفق المرتبة الثقافية لدورة الحياة الاجتماعيةـ الاقتصادية..

فلسفة الحقيقة:

يُعرف عمران الحقيقة من حيث كونها” ظاهرة وجودية متفاعلة ومنفعلة مع الوعي.. “أي أن المادة بالمعرفة تخضع للإنسان، فتصبح مسخرة لخدمة أغراضه التي إن أحسن صياغتها باتت المادة أقدر على تلبية مطالبه منها، في الحال المعاكس تبدو المادة مستعصية على الاستجابة، والاستعصاء دليل على فهم مغلوط في الوعي وليس في المادة، استعصاء الوحدة الاجتماعية دليل فهم مغلوط لهذه الوحدة ( مفهوم العروبة، مفهوم الأممية الدينية والطبقية..) وعليه يقول عمران:” فهي نسبية وشرط تحولها إلى حقيقة مطلقة أن تصل عملية التفاعل (فعل وانفعال) بين شرطيها إلى حدها النهائي.. ولذلك فالحقائق الوجودية المطلقة لا وجود لها عملياً في منطق الحياة، لأن كل مطلق سكوني، بينما الحياة مسكونة بديناميات التغيير التي تصنع حركة التاريخ التي لا تعترف بنهائيات في الفكر وحتى الحقائق الرياضية والفيزيائية التي أسستها للعلوم المعاصرة نقضها منطق العلم الحديث، وانقلبت عليها أدوات المعرفة المعاصرة..” يضيف عمران موضحا أن الافتراض العلمي مقبول مبدئيا، لأنه افتراض مُدعم بمنطق موضوعي، لذلك” في كل فلسفة يمكن أن نقع على منطق افتراضي في المستوى الأول من منهج التفكير..” لكنه (عمران) ينبه الى أن “الظواهر رغم وجودها تكاد تكون عدماً في غياب الوعي، لأن وجود الإنسان كان شرطا قطعيا لإدراك الوجود فالكون لا وجود له معرفيا لولا وجود الإنسان.. أي أنه في غياب الوعي الإنساني يظل (الوجود) في كينونته افتراضا غير محقق..”

فلسفة التاريخ:

في فلسفة التاريخ، يقدم لنا الرفيق عمران كيف أن المدرحية أو القومية الاجتماعية، هي المخرج العملي لتنازع الأمم لمصالحها، فهذا التنازع محكوم بتجزئة بيئات الأمم الى كيانات سياسية فرضتها ظروف تاريخية حكمتها نزوعات للتوسع والسيطرة على الموارد، لذا، كان المخرج الوحيد من حالة الاضطراب هذه التي تعيق الإنسانية من اضطراد التقدم، هو العودة الى ” مبدأ الخصوصية الذي يحكم نشوء الأمم هو القانون الوحيد الذي يمكن على أساسه فهم التباينات الحاصلة في مسارات المجتمعات الإنسانية . إذ لا يمكن أن نتصور تحديدا للمجتمع بما هو ليس فيه أو عليه . فالإنسانية لم تؤلف في الماضي ولم تؤلف حاليا ولن تؤلف مستقبلاً كلاً متجانساً تنتفي فيه التمايزات الحضارية والقومية. ولا أحد يستطيع الإدعاء بأن الجنس الإنساني يشكل في مجموعه جماعة واحدة تتطور دائما وكليا في الاتجاه ذاته وفقا لمسار واحد واتجاه واحد .  فالإنسانية (الملأ الإنساني) لا تزال مجرد فكرة عقلية ترمي إلى وضع مدلول صالح للتعبير عن مجموع الجماعات الإنسانية في تعريف مطلق وشديد العمومية… أن الإنسان والمجتمع هما مظهران لجوهر واحد يتحقق بالتفاعل ويتمايز بالنوازع الثقافية والنفسية (روح المجتمع) التي لا تتوقف عن الإلتحام والتفاعل مع البيئة (ارض – أمة) ، محققة صيرورة مدرحية متفاعلة لا تنتهي إلا بانتهاء أحد شرطيها (الأرض) أو (الأمة). وهذا لا يكون إلا بزوالهما معا