المدرحية: نقدٌ على نقد(16)

 

مدرحية الدكتور عادل ضاهر

على مدى سبع وثلاثون صفحة، يقدم لنا الأمين حيدر حاج إسماعيل، نقده لما يطرحه الدكتور عادل ضاهر في كتابه ” المجتمع والانسان” الصادر في عام 1980، والذي حاول فيه الدكتور ضاهر ” متوجسا” تلمس الطريق الى فهم ما هو أقرب ما يكون لفلسفة أنطون سعادة،” المدرحية

وقبل الخوض فيما قدمه الدكتور عادل ضاهر، وما أنتقده الأمين حيدر، وعلى اعتبار أننا هنا، لسنا بمعرض ما قدمه الرفيق عادل ضاهر، بل بنقد الأمين حيدر له، فإننا نختص هاهنا بما قدمه الأخير حول دراسة الأول، مع الإشارة الى ثناء الأمين حيدر على دراسة الرفيق ضاهر، من منطلق أنه الثناء الوحيد بين كل ما تناوله في كتابه “الفلسفة المادية ـ الروحية عند سعادة” من دراسات أو مقالات أو محاضرات في الفكر السوري القومي الاجتماعي.

والسؤال البدئي في محاولتنا قراءة ما يقدمه كليهما ـ ضاهر وحيدر ـ هو:” لماذا نعتمد علماء الاجتماع الغربيين في تقييم ما يقوله سعادة في رؤيته الى الحياة والكون والفن؟ فكأننا بهذه الحال، نعارض سعادة كلية في ضرورة استقلالية الذات السورية في نظرتها للحياة والكون والفن، والتي ـ الاستقلالية ـ كانت من أهم المحاور التي دار في فلكها فكر سعادة! وقد يقول قائل:” لكن سعادة نفسه قد استعان بعلماء الغرب في مؤلفه ” نشؤ الأمم”!! نقول مع صحة هذا التساؤل، فاستعانة سعادة بعلماء غربيين كانت على قاعدة نقدهم وليس اعتماد ما يقولونه إلا ما توافق مع رؤيته لذات الموضوعات التي تطرق هو وهم لها!! وهذا ما لا نجده في كلتا المحاولتين (حيدر وضاهر) فعلى قياس الغرب يحاولان تفصيل ما قدمه سعادة لجهة الفصل بين العلم والفلسفة أو لجهة المنهج فيما كتبه وقاله سعادة!!

من وجهة نظرنا، فإن علماء الغرب، يُفصلون العالم على مقاسهم، هناك ثلاثة من كبار علماء الاجتماع في الغرب ، هم كذلك، لأن نظرياتهم سادت أوروبا ومن ثم أمريكا، دوركهام في نظريته الوظيفية، وفريدريك أنغلز في ماديته التاريخية، وماكس فيبر في نظرته الفردانية (الفرد هو المقياس)، سقطت الوظيفية في التجربة التي قدمتها أمريكا عبر التطورات التي سادت أوروبا بعد أمريكا، كما سقطت المادية التاريخية بسقوط الاتحاد السوفيتي، واستغراق كل من الصين وكوبا وكوريا وحتى فيتنام في كيانيتهم وعزفهم عن “مركست” العالم، أما فيبر فما تزال نظريته تفعل فعلها في الغرب، متوافقة مع متطلبات الغرب الاستعمارية ..ومع كل هذا الإفلاس لعلماء الغرب، ما زلنا نستشهد بهم على سعادة..

سعادة، لم يدرس مجتمعه السوري فقط كما درس دوركهايم المجتمع الأوروبي من حيث أنه كيان قائم بذاته بمعزل عن مختلف التطورات التاريخية (اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا..) التي انتهت به للحالة التي درسه بها دوركهايم، كما أن سعادة لم يعتمد “مورغان” في دراسته لشعوب أمريكا، كما اعتمده أنغلز في “أصل العائلة والملكية والدولة” ولا في سؤال ماكس فيبر الرئيس”: لماذا ظهرت الحداثة العلمية والتكنولوجية والبيروقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية فقط ؟

”(*)

في كل ما كتبه سعادة وقاله، كان تعبيرا عن رفضه نقدا ونقضا لكل فلاسفة الغرب الاجتماعيين وغيرهم، قدم سعادة فكرة ونظرية جديدة كل الجدة مقارنة مع علماء كُثر غربيين وغير غربيين، يقول:” أما التكلم المبعثر على وولتار وموليار ولنكلن وهيقل ووليم جايمس وكانت وشوبنهور… الخ. وعلى مختلف المدارس الفكرية بدون أن يكون لنا رأي وموقف واضح في تلك الأفكار وأولئك المفكرين، فلا يعني أن لنا نهضة. إن ذلك لا يعني إلا بلبلة وزيادة تخبط. إن الفكر البعيد عن هذه القضايا هو أفضل من الفكر المضطرب المتراوح الذي لا يقدر أن ينحاز أو أن يتجه، لأنه متخبط وليس له نظرة أصلية، ولا يدرك ماذا يريد..”

نعيد طرح فهمنا لفلسفة أنطون سعادة “المدرحية” في اطارها العام، الذي سبق تفصيله من خلال هذه الدراسة / نقد على نقد/:

لا تعني المدرحية أكثر من كون، حقيقة أن “أسبقية المادة على الوعي، بما هي انعكاس للمادة في الوعي، تأتي في سياق إن عكس ما في الوعي على المادة” أياً كانت مفهوماتنا للمادة أو الوعي، موضوعا ومنهجا ونتيجة، يبقى خلافا لما هو مادة وما هو روح، بمعنى آخر، لا يمكن قسمة الوجود بما فيه الانسان، الى مادة وروح (نفس) على الرغم مما تتمتع به النفس أو الوجود من خصائص وميزات وصفات أو ماهية، تبقى بأية حال، مهما بالغت من المنطقية، قسمة هي واحدة من تشظيات الوعي لفهمه ذاته أو ما يحيط به.”         

وقد يكون خير مثال على ما تقدم، هو ما أشار اليه الأمين حيدر في معرض نقده لدراسة الرفيق ضاهر في قوله:”.. الفلسفة المدرحية عند سعادة، و”الفلسفة القومية الاجتماعية” عند سعادة و”النظرة الى الحياة” عند سعادة و”العقيدة” عند سعادة و”المبادئ” عند سعادة، كلام يكافئ بعضه بعضا..” بمعنى أننا إذ نتداول في أي من هذه المصطلحات، فإننا لا نتداول (مدرحيا) سوى بما يكافئ بعضه بعضا، وبما يفيد أيضا، أن وحدة الوجود بما فيه الانسان، في مختلف ما نعنيه في الفلسفة أو الفلسفات، أو المنهج والمناهج، أو المنطق والمناطق، أو العلم والعلوم، فكل من هذه، تبقى ” كلام يكافئ بعضه بعضا” من حيث أن موضوعه هو الوجود والانسان، وهذا ما تقول به المدرحية وما تعنيه، فوعي الوجود والانسان، بما تعنيه المعرفة، من حيث هو ضرورة، تكمن الأخيرة في الاستدلال على ما يمكن تسخيره من الوجود لما فيه تقدم ورقي الانسان، وبقدر ما تكون فيه المعرفة حقيقية، بمعنى قابضة على خصائص وميزات الوجود بما فيه الانسان، بقدر ما تكون قابلة لتحقيق غاية وجودها موضوعا لخير الانسان، وهذا ما عناه سعادة بقوله:” وأنّ الشّمس لا تدور حول الأرض. ولو لم تتّفق هذه الحقيقة مع مجد يشوع بن نون..” بمعنى أن ما تنقله لنا حواسنا مما حولنا، يبقى إذا لم يعمل العقل على مطابقته مع الوجود بما فيه الانسان، مجرد فهم قاصرٍ على تسخيره لما فيه خير الانسان بذاته” فالحقيقة من حيث هي “قيمة نفسية إنسانية..” تبقى “المعرفة هي التي تعطي الوجود قيمة لا يمكن أن تكون له بدونها ” بمعنى آخر، إن المعرفة هي السبيل الوحيد للإنسان لتسخير الوجود لصالحه، شرطها الوحيد أن تكون حقيقية، أي أن تكون متطابقة وخصائص الوجود بذاته لا متوقعة أو متخيلة.

في بداية نقده لطرح الرفيق الدكتور عادل ضاهر، يتناول الأمين حيدر، قول الرفيق ضاهر في تصديره لكتابه:” زد على ذلك أن آثار سعادة، لم تنشر كلها بعد، وأن جزءا لا يستهان به مما لم ينشر في غير متناول الباحث، لهذه الأسباب لا بدَّ للباحث من التخوف والحذر في بعض الاستنتاجات وخاصة ما يتعلق منها بنظرة سعادة للإنسان والقيم والتطور التاريخي، فالفجوات كثيرة هنا، ولذلك يجب تنبيه القارئ الى أن تأويلنا لنظرة سعادة المرتبطة بالشؤون المذكورة كان أحياناً خاضعاً لفهمنا الخاص لما يشكل المنحى العام لفكر سعادة وليس لما توحي به نصوص معينة من كتاباته..” بما يعني كما يقول الأمين حيدر:” ألا نعتبر فهمه الخاص مطابقا مطابقة تامة لفكر سعادة..” أما في مقدمة الكتاب، فاللافت عند الأمين حيدر قول الباحث:” ولكن إذا كان لا بد من معرفة الواقع الاجتماعي، فما هو المنهج الذي يجب استعماله للوصول الى هذه المعرفة؟ من الضروري أن نلفت نظر القارئ في بداية معالجتنا لهذا السؤال الى أن سعادة كدارس اجتماعي، ليس صاحب منهج خاص به ولا هو ذو موقف فلسفي تجاه المسائل المنهجية يميزه عن سواه، لقد شدد سعادة في أمكنة كثيرة من كتاباته على الموضوعية في تقصيه للحقائق الاجتماعية والتاريخية ولكن لم يفرد سعادة بحثا أيا من أبحاثه، لتناول أسئلة منهجية تتعلق بما يعنيه أن ننحو نحوا علميا أو موضوعيا في حقل الدراسات الاجتماعية، فأسئلة منهجية كالتي نشير إليها هنا على درجة عالية من الأهمية، ولكن بما أن العلوم الاجتماعية حديثة العهد، فإننا نجد أنه، حتى في الغرب، الذي ازدهرت فيه هذه العلوم قبل غيره، لم تطرح هكذا أسئلة، جديا وتعالج على نطاق واسع إلا منذ فترة قريبة ..” كل ما تقدم من تبريرات الباحث، يقول الأمين حيدر:” كل ذلك لا يصلح أن ينتج عنه نتيجة جازمة بأن سعادة ليس بصاحب منهج..” يضيف قائلا:” مناهج الفلاسفة وطرائق البحث عند المفكرين والعلماء لا تُعرف فقط من أبحاثهم المباشرة فيها أو كتاباتهم عنها، يمكن التعرُّف عليها أو استنباطها من مكتوباتهم في قضايا أخرى..” في شرحه للمبدأ الرابع من مبادئ النهضة السورية القومية الاجتماعية، يقول الأمين حيدر:” هذا المنهج يسميه سعادة بالحرف الواحد ” مبدأ التسلسل التحليلي” وهو المثال الذي سبق وأشرنا اليه في دراسة الرفيق عمران، لكنه ليس المبدأ الوحيد الذي يتبعه سعادة في مختلف كتاباته، ذلك أن تحليل الوقائع الى أدق جزئياتها، بمعنى بلوغ التحليل العوامل والأسباب التي كانت الوقائع نتيجة لها، يتطلب ترتيبها من جديد وفق منطقيتها المادية ـ الموضوعية، ومن ثمَّ إعادة بنائها وفق تلك المنطقية المادية الموضوعية والخلوص لنتائج تتوافق أيضا مع ماديتها الموضوعية، نتائج تتبين الشوائب التي أدت لنتائج هي ظاهرات اجتماعية ، كظاهرة الطائفية أو الطبقية أو الكيانية أو العنصرية أو…الخ وتاليا كيفية معالجتها بغرض الحد من تأثيراتها على تقدم ورقي الانسان وخيره، أو إزالتها، فعندما يقول سعادة في شرحه للمبدأ الرابع من مبادئ النهضة السورية القومية الاجتماعية:” يتبع هذا المبدأ مبدأ التسلسل التحليلي. فهو تحديد لماهية الأمة..” وأنه ” ليس القصد من هذا المبدأ رد الأمة السورية إلى أصل سلالي واحد معين، سامي أو آري، بل القصد منه إعطاء الواقع الذي هو النتيجة الأخيرة الحاصلة من تاريخ طويل..” أي بيان الواقع الذي يمكن الانطلاق منه لعالم أفضل، والذي هو “نتيجة لا سبب” يكون سعادة قد أعاد بناء ما توصل اليه عبر منهج تركيبي وليس تحليلي، وعليه يكون “مبدأ القومية السورية ليس مؤسساً على مبدأ وحدة سلالية، بل على مبدأ الوحدة الاجتماعية الطبيعية لمزيج سلالي متجانس، الذي هو المبدأ الوحيد الجامع لمصالح الشعب السوري، الموحد لأهدافه ومثله العليا، المنقذ القضية القومية من تنافر العصبيات الدموية البربرية والتفكك القومي.” وبطبيعة الحال، فإن المنهج التحليلي هو بطبيعته منهج وصفي لأنه يتتبع الظاهرات الاجتماعية أو الكونية من حيث عواملها وأسبابها المادية ـ الموضوعية، دون إضفاء أي خصائص أو مواصفات أو مؤثرات ذاتية، هي بحد ذاتها تشويه للمنهجين التحليلي والتركيبي، في آن، موضوعيا اذا ما اعتبرنا المنهج التحليلي بحث في الأسباب، فالمنهج التركيبي بحث في النتائج، فالأسباب دون نتائج لا معنى لها كذلك النتائج غير المستندة لأسبابها تبقى تصورات أو تهيئات ذاتية، مثالية، على نحو ما انتهى اليه “كانت” في كتابه ” نقدر العقل المجرد” والذي استغرق منه خمسة عشرة سنة من التأمل، لينتهي للقول:” أن المعرفة البشرية لا تناسب الأشياء، لكن يمكن تسخير الأشياء لتناسب المعرفة.. ” ومع أن هذا القول يحتمل الوجهين الإيجابي والسلبي، فإننا نتغاضى عن بحثه تخوفا من خروجنا عن النص، كذلك يبقى المنهج التركيبي منهج معياري، لأنه يبحث في النتائج الواجب بلوغها من إجمالية الدرس لأية ظاهرة من الظاهرات، مادية كانت أم روحية..

 (*) راجع دراستنا ” دراسة في فلسفة أنطون سعادة الاجتماعية

ننتهي من كل ما تقدم للقول، أنه وفق رؤيتنا وفهمنا للمدرحية من حيث أنها نظرة ترى العالم في وحدته وليس في تشظيات الوعي، أن كلاً من المنهاج الآنف ذكرها هي في وحدة، تتبادل كل منها مع الأخرى الأدوار، متكاملة بعضها مع بعض، أو كما يرى الأمين حيدر، أنها” كلام يكافئ بعضه بعضا..” فلا التحليلي بمستغن عن التركيبي وليس الوصفي بمستغن عن المعياري، وفي مجملهم لا يستغني أيٌ منهم عن الآخر، فالأسباب في نتائجها، كما العلة في معلولها، كما المادة في شكلها، وكذا الانسان في الوجود..

يعلق الأمين حيدر على قول الرفيق ضاهر:” لم يهتم سعادة بمفهوم المجتمع لأسباب نظرية أو علمية خاصة، فالدافع الرئيسي وراء انخراط سعادة في تحليل مفهوم المجتمع هو رغبته في الوصول الى مبادئ عامة يصح اتخاذها كمنطلقات أساسية لفكر ثوري جديد يستهدف إحداث تغيرات جذرية في البنية الاجتماعية لمجتمعه.. فالسؤال ” ما هو المجتمع” ذو أهمية لسعادة، إذن، ليس على الصعيد الفلسفي أو الصعيد العلمي وحسب بل والأهم من ذلك على الصعيد العملي أيضا، فسعادة لم يطلب المعرفة على أي صعيد كانت، من أجل المعرفة وحسب.. لم يستهو سعادة قط مبدأ “الفكر من أجل الفكر” أو “العلم من أجل العلم”، كل سؤال يطرحه سعادة إما طرحه بقصد معالجة معضلة اجتماعية ما، أو بقصد الوصول الى وضوح أكبر بشأن طبيعتها فتسهل معالجتها أكثر..” يقول الأمين حيدر معلقا على ما تقدم:” يعتقد الباحث أن سعادة وضع نظرية في المجتمع، وأن السؤال “ما هو المجتمع” كان ذا أهمية لسعادة.. وعندما يبدأ الباحث بالكلام التحديدي عن المجتمع يقول، المجتمع في نظر سعادة هو المتحد الأتم..  المفارقة هنا أن ينسب الباحث كل ما ورد في ذلك الفصل لسعادة في حين أن سعادة نفسه ينسبه الى ماكيفر.. وقد استفاد سعادة من فكرة المتحد عند ماكيفر.. وذلك عن طريق رده الأمة (وليس المجتمع) الى جنس المتحد وتعريفه الأمة (وليس المجتمع) بأنها ” أتم متحد.. لكن قول الباحث بأن المجتمع هو” المتحد الأتم” وقول سعادة بأن الأمة ” أتم متحد” يضعان الباحث أمام نتيجة من هذا النوع، المجتمع هو الأمة أو الأمة هي المجتمع، غير أن الباحث لم ينتج هذه النتيجة، بل نجده يذهب الى تنبيهنا الى عدم جواز الاستنتاج أن مفهوم المجتمع لسعادة هو متساو مع مفهوم متحد الأمة، لماذا؟ لأن “المجتمعات وجدت قبل عصر القوميات” أو بروز الأمم على مسرح التاريخ، تحصيل هذا الكلام، هو أن المجتمع ذو أسبقية تاريخية على الأمة (أي وجد قبل وجود الأمة) والحق أن حكمه جاء دون سند في قوله:” كل متحد أتم هو حتما مجتمع كامل بالنسبة لسعادة، ولكن ليس كل متحد أتم أمة أو متحدا قوميا..” ينهي الأمين حيدر، تعليقه، بالقول:” من كل ما تقدم نحصل على ما يلي: ليس لسعادة تحليل مستقل لمفهوم المجتمع والمتحد كما يقول الباحث الدكتور عادل ضاهر، تحليل مفهوم ” المجتمع ” و” المتحد ” هو أصلا لماكيفر..”.

على ثلاث مستويات سنناقش ما تفضل به الأمين حيدر حاج إسماعيل:

المستوى الأول: هو نسبة ما يقوله سعادة في الفصل السابع ل”ماكيفر” (عند سعادة ” ميكور” كما يشرح الأمين حيدر).

سبق لنا وأشرنا الى أن سعادة في محاولته فهم التاريخ الإنساني، قد استعان بعلماء اجتماع دون آخرين، وان استعانته بهؤلاء لم تكن مجرد نقل ، كانت في واقعها تبحرا في ما يقوله هؤلاء في موضوعات تشكل محورا من محاور تفكيره، ومجاراته هنا لميكور ، لم تكن تعني أكثر من ذلك، لأنه وإن اتخذ من مصطلح” ميكور” بداية لبحثه، عدل من مفهوم هذا المصطلح، فأعاده الى نطاقه، يقول سعادة:” أريد أن أجاري هنا مكيور في إيضاحه المتّحد أنّه كلّ مساحة تشتمل على حياة مشتركة وتكون متميّزة عن المساحات الأخرى تميّزاً لا تصحّ بدونه تسمية المتّحد(216).. فإذا سلّمنا بالافتراض أنّ المرّيخ مأهول وأنّ فيه نوعاً من البشر يحيون في جوّه وأرضه حياة توافق ذلك الجوّ وتلك الأرض، صحّ أن يكون النّاس على هذه الدّنيا متّحداً مشتركاً، على كل ما فيه من متناقضات، في خصائص تميّزه عن متّحد سكّان المرّيخ، الّذين، على ما قد يكون لهم من فوارق متناقضة، لا بدّ أن يشتركوا في خصائص حياتهم العامّة المميّزة لهم عن سكان كلّ سيّار آخر، الموجدة لهم إمكانيّات تفاعل داخليّ تحدّد مجموعهم بالنّسبة لمجموع هذه الدّنيا ويكون أساس هذه الإمكانيّات خصائص النّوع، ويكون معنى هذا المتّحد منتهى التّوسّع في استعمال هذه اللّفظة الّتي تفيد التّجانس والتّلاحم والّتي أريد بعد الآن أنّ أقتصر فيها على الواقع الاجتماعيّ، على الجماعة المشتركة في حياة واحدة تكسبها صفات مشتركة بارزة وتسبغ عليها ما يمكننا أن نسمّيه شخصيّة ووحدة خاصّة..” واضح كل الوضوح كيف أن مجاراة سعادة ل”ميكور” كانت من باب تعديل مفهوم ” ميكور” لمصطلح ” متحد” والذي قصره هنا سعادة على “الواقع الاجتماعي” وتاليا فإن ما يأتي عليه الفصل السابع من نشؤ الأمم، هو لسعادة بكليته لأنه اعتمد فيه مصطلح ” ميكور” بمصلح أدق دلالة مما ذهب اليه ميكور، أو في الحد الأقصى، مواز له في الاتجاه دون الحامل، هو “الواقع الاجتماعي” وليس كما تفضل به الأمين حيدر.

المستوى الثاني :

حول أسبقية المجتمع على الأمة كما يتفضل الدكتور ضاهر، فهذه الأسبقية، تبقى في أفضل حالاتها، أسبقية نظرية، دراسية، ليس إلا، فسعادة لا يعترف بمثل هذه الأسبقية، فهو يقول في المبدأ الرابع: “الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.” هذه الوحدة عبر التاريخ، تجلت بشكل أو بآخر في دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية، والتي هي النتيجة الجوهرية في تمايز الأمة السورية عبر التاريخ والتي يعترف بها العالم أجمع، (*) وقد يكون صحيحا كل الصحة أنه لم يكن هناك مفهوم للأمة، لكن ما كان يعبر عن هذه الأمة هو دورة حياتها الاجتماعية ـ الاقتصادية والتي باستمراريتها على مدى أجيال الأمة كانت المعبر الوحيد عنها، والتي بقيت فاعلة رغم مختلف الاحتلالات التي ابتدأها قورش وانتهت بفرنسا وبريطانيا، عبر ما يقارب الألفي عام ونصف كانت الأمة فاقدة لاستقلالها السياسي، لكنها كانت في وحدة حياتها الاجتماعية ـ الاقتصادية متميزة عن باقي الأمم التي ألحقت بإمبراطوريات الاحتلال، منذ أن اتخذ الإسكندر من بابل عاصمة لملكه الى الدولة السلوقية الى تبوء عائلة “سبتيموس سفروس” الحمصية، عرش رومة لمدة تقارب النصف قرن الى اتخاذ معاوية من دمشق ومن ثم بغداد عاصمة للإمبراطورية الإسلامية الى عائلة ” الأحمر ” في الأندلس التي اتخذت من حمص مثالا لها الى الاحتلال العثماني الذي أدرك مؤسس الدولة خطورة تفوق السوريين فأقصاهم عن أي مركز سياسي في دولته..

منطلقين من مقولة سعادة الأساس ” المادة تعين الشكل” يمكننا القول أن دورة الحياة الاجتماعيةـ الاقتصادية هي الشكل الذي أفرزته مادة الأمة ” البيئة الطبيعية” والتي منذ فجر التاريخ كانت المحرك الرئيس لمختلف مجريات التاريخ السوري بحد ذاته، وهي التي ميزت الشعب السوري عن سواه، ومنذ أن أعلن الإمبراطور السوري “كركلا” قانون “معدودية” الإمبراطورية الرومانية، حتى بدأت الشعوب الملحقة بهذه الإمبراطورية الشعور بشخصيتها الذاتية (القومية) فكانت انتفاضاتها على محتليها وحكامها يوما بعد يوم تعبيرا عن هذا الشعور، والذي ابتدأ مع “غاريبالدي” وانتهى بالثورة الفرنسية، ولربما كان المثال الأدق عن هذا الشعور هو الطابع السوري الذي طبع فيه الإمبراطور   ” ايلاغابالوس-إله الجبل” الإمبراطورية الرومانية بكاملها و الذي رفع مدينة حمص إلى مصاف متربول المدن الكبرى .. وكان يجلب العنب والخمور من سوريا، وحاول إنشاء ديانة توفق بين مختلف العقائد حتى تشمل المسيحية. هذا النفوذ هو الذي دعا الشاعر اللاتيني (جوفنال) لأن يتذمر في هجائيته المسماة “بابل” من أن نهر (العاصي) السوري أصبح يصب منذ زمن بعيد في (التيبر) والحياة أصبحت في روما لا تُطاق من كثرة هؤلاء الأغراب الذين توافدوا على العاصمة واستقروا فيها.. (**) وهذا ما دفع بسعادة الى اعتبار أن الحروب التي قامت بين مختلف الدول السورية قديما، كانت نزوعا لاستكمال مداها الحيوي، والذي لم يكن مؤطرا بمفهوم الأمة أو القومية بل كانت دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية تدفع اليه دفعا، وما الوضع السياسي الذي نعيشه اليوم سوى وضع مشابه الى حد بعيد للوضع الذي كانت عليه الإمبراطوريات السورية قديما، فهل تجزئة الأمة الى كيانات اليوم يلغي دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية عن فعلها في شعور كل منها بحاجته الماسة للتكامل مع الكيانات الأخرى على الرغم من الاحتراب الدائرة رحاه بينها وفي كياناتها أيضا؟

المستوى الثالث:

بقول الأمين حيدر:”.. وعندما يبدأ الباحث بالكلام التحديدي، عن المجتمع، ينسب لسعادة الكلام التالي يقول: ” المجتمع في نظر سعادة هو المتحد الأتم” ولكننا نعرف أن سعادة لم يعرف المجتمع على هذا النحو الذي ذكره الباحث، الكلام عن ” المتحد الأتم” في كتاب نشؤ الأمم، كان مدخلا لتحديد الأمة وليس المجتمع، ويتابع قائلا:”.. قد استفاد سعادة من فكرة المتحد عند ماكيفر مثلما استفاد ماكيفر منها، وذلك عن طريق رده الأمة (وليس المجتمع) الى جنس المتحد، وتعريفه الأمة (وليس المجتمع) بأنها “أتم متحد“..”

المتحد” الذي قصره سعادة على “الواقع الاجتماعي” هو الأمة من وجهة نظر الأمين حيدر، وليس المجتمع، يتابع قائلا:” من كل ما تقدم نحصل على ما يلي:

ليس لسعادة تحليل لمفهوم “المجتمع” و “المتحد” كما يقول الباحث الدكتور عادل ضاهر، تحليل “المجتمع” و”المتحد” هو أصلا لماكيفر، سعادة استفاد من الحقائق التي توصل إليها علماء الاجتماع ومنهم ماكيفر في سياق بحثه عن كيفية نشوء الأمة، شاغله كان نشوء الأمة..”  

 وعلى الرغم من أنه لا يقدم لنا تعريفا للمجتمع يميزه عن تعريف سعادة للأمة، يمضي في اعتبار أن الرفيق ضاهر قد أرتكب “اغلوطتين” مما يجعل من الفصل الثاني ساقطا يقول:” استنادا للحقائق التي قدمناها، يحق لنا أن نعتبر الفصل الثاني.. ساقطا لارتكازه على أغلوطتين هما: أغلوطة الخلط بين فكرة “المجتمع” وفكرة “الأمة” خصوصا وأغلوطة الخلط بين فكر ماكيفر وفكر سعادة، على وجه العموم.”

سبق لنا وناقشنا “الأغلوطة” الثانية، من حيث أن سعادة لم يأخذ مصطلح ” المتحد” كما قال به “ماكيفر” بل قصره على “الواقع الاجتماعي” بعد أن فك ارتباطه بمطلقية مفهوم ماكبفر، وقصره على الأمة من حيث هي “واقع اجتماعي بحت“..

الأغلوطة الأولى التي يقول بها الأمين حيدر، ليست هي ب “الأغلوطة”، كما نفهم سعادة من كتاباته وأقواله، إذ لا يمايز سعادة بين الأمة والمجتمع كما يذهب الأمين حيدر، فالمتحد والأمة والمجتمع هي” كلام يكافئ بعضه بعضا” وفق تعبير الأمين حيدر، عند سعادة، وإلا فما معنى قول سعادة في المبدأ السادس، من مبادئ النهضة السورية القومية الاجتماعية:” الأمة السورية مجتمع واحد” والى هذا المبدأ يرد كافة ما تضمنته المبادئ الإصلاحية؟! يقول سعادة:”  إلى هذا المبدأ الأساسي تعود بعض المبادئ الإصلاحية التي سيرد ذكرها وتفصيلها (فصل الدين عن الدولة، إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب). وهذا المبدأ هو من أهم المبادئ التي يجب أن تبقى حاضرة في ذهن كل سوري. فهو أساس الوحدة القومية الحقيقي ودليل الوجدان القومي، والضمان لحياة الشخصية السورية واستمرارها. أمة واحدة – مجتمع واحد. فوحدة المجتمع هي قاعدة وحدة المصالح، ووحدة المصالح هي وحدة الحياة. وعدم الوحدة الاجتماعية ينفي المصلحة العامة، التي لا يمكن التعويض عنها بأية ترضيات وقتية..” فعندما نقول “أمة واحدة” نعني بها “مجتمع واحد“..

المتحد، الأمة، المجتمع، مصطلحات لمسمى واحد هو واقعٌ اجتماعي، وهذا الواقع الاجتماعي هو أيضا مصطلح لدورة الحياة الاجتماعيةـ الاقتصادية، والتي هي المحور الذي تدور حوله مختلف التوصيفات التي يقول بها سعادة صراحة وتضمينا، ففي رؤية سعادة المدرحية لا يمكن أضفاء تشظيات الوعي على الواقع، فعندما يُعرف سعادة الناموس يشدد على عدم اطلاقه أو اعتباره مصطلحا مطلقا، على النحو الذي جرد به مصطلح ماكيفر من مطلقيته ورده لمصطلح محدد هو الواقع الاجتماعي، يقول سعادة:”.. لا أنّ الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها. وفي كلّ النّواميس الّتي نكتشفها يجب أن لا ننسى أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب أن لا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الّذي نعرفه بها..” وبما يعني، أنه حتى النواميس لا تقبل الإطلاق، بل تبقى مقيدة بالمجرى الطبيعي الذي قادنا اليه الاستدلال العقلي والذي قد يضفي على الظاهرات المادية أو النفسية قدرا من الذاتية تشوه تطابقه مع الواقع، فشرط الصحة أو الحقيقة، أن تكون قادرة، بتطابقها مع مجراها الطبيعي، على تغييره أو تسخيره،            

    

        

                          

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) https://www.facebook.com/186235948194388/videos/332885540196094/UzpfSTE4NjIzNTk0ODE5NDM4ODoxNDg2OTc5OTcxNDUzMzA2/

 

(**) https://www.facebook.com/pg/جورج-معماري-186235948194388/posts/?ref=page_internal

(***) https://www.facebook.com/186235948194388/videos/2226081727607350/?t=6

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

https://www.youtube.com/watch?v=TEVGLXVhhns

الملاحظة الثالثة:

يعلق الأمين حيدر في ملاحظته الثالثة على ما يعرضه الرفيق عادل ضاهر في الفصل الثامن قائلا:

في نفس الفصل الثامن، يذكر الباحث أن السؤال عن: ما هو الانسان؟ في التاريخ، كان مدار فكر سعادة، وهذا غير صحيح، فمدار فكر سعادة، كما ذكرنا ونكرر كان الأمة (من نحن؟) وفي هذا الفصل نفسه لا يحدد الباحث ما يقصده بــ (البنية التحتية للمجتمع) عند الماركسيين، تاركا انطباعا بأنها (عوامل الإنتاج، في حين أن البنية التحتية للمجتمع في المفهوم الماركسي هي مجموعة مترابطة من علاقات الإنتاج الاجتماعية وقوى الإنتاج.”

سبق وأشرنا الى أن المفردة تأخذ معناها من السياق الذي ترد به، بل ويتحدد في كثير من الأحيان الموقف من الحدث، موضوع المفردة، بانتقاء مرادفها، فمثلاً عندما نقول “مضرجاً بدمه” يكون موقف القائل عدائيا من القتيل، ويكون القائل متعاطفا مع القتيل في قوله “متسربلا بدمه” ويكون أكثر بل وأشد تعاطفا عندما يقول “مضمخاً بدمه”، وعلى ما يبدو، أن عمل الأمين حيدر، كمترجم، وهو الخبير في الترجمة، لم يسعفه عمله أو شاء تجاهل خبرته فيما تقدم..

 أشرنا الى علاقة المفردة ومرادفها وسياقها، لما أبداه الأمين حيدر من مواقف حيال الكثير من المفردات التي يستخدمها مَنْ تناولهم نقده، وعلى الأخص، عندما لا يجد ما يتعارض والفكرة الرئيس في النص عقديا، فيلجأ الى الحرفية لإبداء ملاحظاته؟!!

فقول الرفيق ضاهر ” السؤال” ما هو الانسان ؟!” في معناه التاريخي وليس في معناه الأنطلوجي هو، إذن، مدار تفكير سعادة، هذه النقطة، كانت بارزة في بحثنا مفهوم سعادة للإنسان، حيث رأينا كيف يتحول البحث عن ماهية الانسان، في فكر سعادة، من بحث عن صفات جوهرية ثابتة الى بحث عن المعطيات الاجتماعية للوجود الإنساني وتجلياته في الواقع التاريخي..” يضيف الرفيق ضاهر قائلاً:”.. واسناد ماهية اجتماعية للإنسان يعني أن الانسان هو، بالضرورة، امتداد لهذا الواقع الاجتماعي ـ التاريخي بقدر ما هو هذا الواقع امتدادا له، فالحقيقية الإنسانية هي بحكم الضرورة وجه للحقيقة الاجتماعية بكل معناها الحركي مثلما هي الحقيقة الاجتماعية وجه للحقيقة الإنسانية..” بما يعني، أن الرفيق ضاهر يأخذ الانسان ببعده الاجتماعي ـ التاريخي وليس ببعده الفردي، هذا من جهة، من جهة أخرى، يأخذه من حيث البعد الاجتماعي ـ التاريخي، وهذا يعني أنه يدرسه من حيث هو جماعة، متحد، مجتمع، تشكل تاريخيا عبر مراحل طويلة من التطور حتى بلغ درجة وعي ذاته في الأمة، بمعنى آخر، أنه إذا كان محور تفكير سعادة هو الانسان، فهذا الانسان هو في البعد الاجتماعي التاريخي، أي “انسان ـ جماعة” و”انسان ـ متحد” و”انسان ـ مجتمع” وأخيرا “انسان ـ أمة”، على اعتبار أن وعي الأمة لذاتها لاحق لتشكل الانسان ـ الجماعة، المتحد، المجتمع، فدراسة التطور الاجتماعي ـ التاريخي( ما قبل وعي الأمة لشخصيتها)، هو المقدمة لبيان كيفية تشكل هذه الجماعة وتمايزها عن سواها من الجماعات، عوامل وأسباب ونتائج كانت الأمة محصلتها الأخيرة التي نحياها اليوم  وعلى اعتبار أن وعي الذات الاجتماعية لم يكن قد نضج بما فيه الكفاية لبروز دور الشعور بالشخصية الاجتماعية التي هي القومية والتي هي بالتالي شخصية الأمة..

الأمة مرحلة من مراحل تطور المجتمع، وسعادة يدرس التطور ال>ي انتهى بالمجتمع لهذه المرحلة التي هي الأمة، وإلا كيف نفهم قوله:” ومن يدري هل يقدّر للإنسانيّة أن تصير مجتمعاً واحداً في مستقبل العصور؟” هذا السؤال المتضمن اجابته يلقي الضوء ساطعا، على أن التطور الاجتماعي ـ التاريخي والذي يقول به الرفيق ضاهر هو المحور الرئيس، أو لنقل السياق الذي يأخذ من خلاله مفهوم الانسان البعد الاجتماعي لا الفردي أو الغيبي الذي يرفضه سعادة رفضا لا رجعة فيه..

صحيح أن الأمة شغلت فكر سعادة وكانت محورا مهما في كل ما كتبه وقاله وتحدث به، لكنها بقيت النتيجة النهائية لما توصل اليه من تحليله للتطور البشري والسياق الذي جاء به، وانطلق منه تركيبيا بإعادة ترتيب جزئيات ما توصل اليه تحليله، وبنى عليه تعريفه للأمة والقول بالقومية التي لم تنفصل عن الاجتماعية والتي كان لإضافتها بعد تشكيل الحزب بسنوات اعتراض من بعض قيادييه، لكن سعادة كان قد توصل الى هذه الإضافة باعتبارها القاعدة التي قامت عليها قوميته السورية، أما سؤاله (من نحن؟) فكان البداية التي دفعت به لدراسة تاريخ التطور الإنساني والذي انتهى منه للقول بالقومية الاجتماعية، فالسؤال من نحن لم يكن سوى مقدمة يقول:” ويتراءى لي أن أمتنا كانت، منذ عصور قديمة جداً، أمام عدة مسائل تتطلب أجوبة صريحة هي:

  • هل نحن أمة حية؟
  • هل نحن مجتمع له هدف في الحياة؟
  • هل نحن قوم لهم مثل عليا؟
  • هل نحن أمة لها إرادة واحدة؟
  • هل نحن جماعة تعرف أهمية الأعمال النظامية؟

وهذه الأسئلة هي أيضاً بسيطة وواضحة جداً ولكنها أسئلة خطيرة وأهميتها واضحة للمدقق البصير المتبصر في القيم الإنسانية وفي طرق التفكير الفلسفي وأهدافه.

هل نحن أمة؟ هذا السؤال الذي يعني أيضاً “ما نحن؟”، يعني ابتداء البحث عن حقيقتنا، ما هي. إنه نقطة الابتداء في أي تفكير إنساني يحاول إدراك حقيقته ومحيطه ومقاصده في الحياة والمحيط. يعني ابتداء التفكير في معنى ماهية الجماعة الإنسانية التي هي نحن وأهدافنا الكبرى التي تعبر عن حقيقتنا ووجودنا نحن وجوهرنا نحن. كل هذا يعني أن قواعد الفكر التي نشأت عليها هذه النهضة القومية وينمو بها الحزب السوري القومي الاجتماعي هي قواعد فلسفة عميقة تتناول المسائل الأساسية غير التي ترتبط بوقت معين تمضي بمضيه أو بشكل من الأشكال الجزئية، بل هي عامة ثابتة، أو بالمعنى الفلسفي المطلق، ليست منسوبة إلى وقت أو حالة معينة وقتية تزول بزوال تلك الحالة“.

بهذه الأسئلة وابتداء الفكر من هذه النقاط وضعت مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي لتعطي الجواب على الأسئلة العلمية الفلسفية العميقة المتقدمة. فلنتقدم الآن إلى هذه المبادئ لندرسها وندرس كيف عينت من نحن كيف عينت أهدافنا ومقاصدنا.”

ما تقدم، واضح كل الوضوح من أن السؤال من نحن كان نقطة ابتداء التفكير للإجابة على “كيف عينت من نحن..” أما عن “كيف عينت أهدافنا ومقاصدنا” فيأتي جوابه بناء على مقولة سعادة (الانسان ـ المجتمع) وهو ما انتهى اليه عبر منهج وصفي ـ معياري في آن وهذا ما ألمح اليه الرفيق ضاهر بقوله:”.. تشديد سعادة على الأهمية التي بعطيها للعلم، للعلم الاجتماعي بصورة خاصة، كعامل في تكوين عقيدة اجتماعية صحيحة، هنا يظهر سعادة بوضوح أنه لا يمكن الوصول الى موقف معياري معقول، موقف تتحدد ضمنه الأهداف والغايات الاجتماعية التي يجب أن نسعى لتحقيقها، بدون فهم علمي واضح لأحوال المجتمع بعامة، وأحوال المجتمع الذي توضع له الأهداف والغايات المذكورة، بخاصة.”

في الملاحظة الثالثة أيضا، يقول الأمين حيدر:” وفي هذا الفصل نفسه لا يحدد الباحث ما يقصده بــ (البنية التحتية للمجتمع) عند الماركسيين، تاركا انطباعا بأنها (عوامل الإنتاج)، في حين أن البنية التحتية للمجتمع في المفهوم الماركسي هي مجموعة مترابطة من علاقات الإنتاج الاجتماعية وقوى الإنتاج.”

القول الفصل في هذه المسألة تبقى لماركس نفسه وليس للماركسيين الذين، في مجملهم، لم يدققوا ويبحثوا ويمعنون النظر والفكر في ما كتبه وقاله أستاذهم، على نسق القوميين الاجتماعيين، أيضا في مجملهم، الذين اكتفوا من سعادة بترديد ما سمعوه أو تصفحوه دون تبصر وإمعان بما قاله وكتبه وتحدث به سعادة.

في مقدمته لكتاب مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي (1859)، يقول ماركس:” في إنتاج الناس الاجتماعي لحياتهم يدخلون في علاقات محددة، ضرورية ومستقلة عن إرادتهم، وهي علاقات إنتاج تطابق درجة معينة من تطور قواهم الإنتاجية المادية. ويشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، أي يشكل الأساس الحقيقي الذي يقوم فوقه صرح علوي قانوني وسياسي وتتمشى معه أشكال اجتماعية. فأسلوب إنتاج الحياة المادية هو شرط العملية الاجتماعية والسياسية والعقلية للحياة بوجه عام. ليس وعي الناس بالذي يحدد وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. فعندما تصل قوى المجتمع الإنتاجية المادية إلى درجة معينة من تطورها تدخل في صراع مع أحوال الإنتاج القائمة أو بالتعبير القانوني مع أحوال الملكية التي كانت تعمل في ظلها حتى ذلك الوقت. وتتغير هذه الأحوال التي هي قيد على الأشكال التطورية من القوى الإنتاجية. وفي هذه اللحظة تحل حقبة من الثورة الاجتماعية. فتعديل القاعدة الاقتصادية يجر في أذياله قلبًا سريعًا بدرجة أكثر أو أقل، لكل الصرح العلوي الهائل. وعند دراسة الانقلابات التي من هذا النوع يجب دائمًا أن نفرق بين القلب المادي الذي يحدث في أحوال الإنتاج الاقتصادية والتي يمكن تقريرها بدقة علمية، وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية أو بكلمة واحدة الأشكال الأيديولوجية التي يدرك الناس في ظلها هذا الصراع ويجاهدون في سبيل فضه. إذا لم يكن في الإمكان الحكم على فرد طبقًا لما يراه هو عن نفسه، فلن يكون في الإمكان الحكم على حقبة مشابهة من الثورة على أساس وعيها بنفسها؛ وإنما بالعكس يجب تفسير هذا الوعي بمتناقضات الحياة المادية في أحشاء المجتمع القديم

البنية التحتية، تعني بما تعنيه، مختلف القوى الاجتماعية التي تعمل لقاء أجر، أو الطبقة البائعة للجهد، الطبفة التي لا تملك سوى هذا الجهد، بما يحقق للبرجوازي أو الرأسمالي فائضا في الإنتاج هو الفارق بين الأجر الذي يعطيه رب العمل للعامل متضمنا أجر وسائل الإنتاج، وسعر المنتج في السوق، هي الطبقة المسحوقة في المجتمع التي لا تملك وسائل الإنتاج ولا تتدخل في أسلوب الانتاج، هذه هي البنية التحتية بمعزل عن فهمها من حيث هي” عوامل الإنتاج أو مجموعة مترابطة من علاقات الإنتاج الاجتماعية وقوى الإنتاج.” فعندما يقول ماركس:” ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم” يعني أن البنية التحتية على خلاف البنية الفوقية لها علاقاتها الإنتاجية ـ الاجتماعية التي تختلف جذريا عن تلك التي تقوم عليها البنية الفوقية، وتاليا في المفهوم الماركسي، البنية الفوقية هي أشبه ما تكون ببنية “فطرية” تمتص جهد العامل بائع الجهد، أما مفهوم علاقات الإنتاج فهي المحصلة للعلاقة القائمة بين قوى الإنتاج وأسلوب الإنتاج ووسائل الإنتاج، إن البنية التحتية هي مجمل علاقات الإنتاج، وغير مقتصرة على عنصر اقتصادي معين، بل تشمل بعدا اجتماعيا ثقافيا سياسيا أيضا.

الملاحظة الرابعة:

في ملاحظته الرابعة، يعيد الأمين تكرار ما سبق وحدد به موقفه من كتاب نشؤ الأمم، من حيث أنه كتاب علمي ولا علاقة له بالفلسفة المدرحية، لكنه يضيف قائلاً: ” أولاً: ليس لسعادة “نظرة في تفسير التطور التاريخي” في كتاب نشؤ الأمم أو أية جهة أخرى من مكتوباته، نعود ونكرر القول إن ما ورد في كتاب نشؤ الأمم ليس لسعادة، هذا ما يقوله سعادة نفسه في المقدمة، بل لعلماء متنوعين اختصاصيين في الجغرافيا والاجتماع والتاريخ الخ، الفكرة الأصلية لذلك الكتاب والتي هي اطروحته وإنتاج سعادة الخاص، هي فكرة نشؤ الأمم وتعريف الأمة تعريفا يبعد عنها الأوهام والخرافات والشعوذات، والعقائد السياسية العنصرية المذهبية وغيرها..”

لن نكرر ما سبق وقلناه حول علاقة العلم بالفلسفة ولا حتى هل كتاب نشؤ الأمم هو كتاب علمي أم فلسفي يختص بالفلسفة الاجتماعية، ولا مقولات الأمين حيدر الأخرى، التي سبق وأبدينا رأينا فيها، بل ما نناقشه هو قوله:” إن ما ورد في كتاب نشؤ الأمم ليس لسعادة (هذا ما يقوله سعادة نفسه في المقدمة) بل لعلماء متنوعين اختصاصيين في الجغرافيا والاجتماع والتاريخ.. الخ” مع أننا كنا قد ألمحنا لذلك مسبقا، لكننا نزيد في ردنا على هذه الأطروحة بالقول: إن استشهاد سعادة بمن ذكرهم في مؤلفه نشؤ الأمم، لم يكن مجرد نقل، ولم يكن مجرد استشهاد على صحة ما يذهب اليه في بحثه، كان إيرادا نقديا لما ذهبوا اليه في دراساتهم حول جملة القضايا التي أثارها موضوع الأمة، وسعادة نفسه عندما يقول:” وندرس كيف عينت من نحن كيف عينت أهدافنا ومقاصدنا..” لا يترك مجالا للشك من أن إيراده لمقتطفات مما قاله علماء الاجتماع والتاريخ والجغرافيا، كان إيرادا نقديا انتهى منه سعادة للكيفية التي عين بها من نحن والمقاصد والأهداف التي قامت على هذه الكيفية يقول:” بهذه الأسئلة وابتداء الفكر من هذه النقاط وضعت مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي لتعطي الجواب على الأسئلة العلمية الفلسفية العميقة المتقدمة..” فالمبادئ اذن كانت نتيجة بحث وتأمل وتفكير ودرس وتحليل وتركيب وصفي لجهة تعين من نحن ومعياري لجهة تعين الأهداف والمقاصد، وليس هذا وحسب بل إنه يصف هذه المبادئ من حيث هي إجابة على أسئلة سبقتها بأنها إجابة علمية فلسفية، وليست مجرد حقائق علمية أتي عليها علماء آخرين أورد أقوالهم بكتابه نشؤ الأمم، على نسق صلاح الدين البيطار وميشيل عفلق في تبني مقولات المدارس الأوروبية في تعريف الأمة من حيث هي جملة من الصفات التي يوردها سعادة ناقدا لها مبينا أنها كصفات تتبع  المتحد وليس المتحد هو هذه الصفات ، إنه واقع اجتماعي ـ تاريخي، حيث ” الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي” هذه الوحدة في التاريخ كانت تتطلب من سعادة الغوص في التاريخ لمعرفة الخصائص والصفات التي دفعت لهذه الوحدة وتلك التي نشأت عنها لذلك نراه( سعادة) يقول:” وقد أجبت نفسي بعد التنقيب الطويل فقلت: نحن سوريون ونحن أمة تامة. وكان وضعي هذا المبدأ.”

وهكذا فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو:” أين نجد تنقيب سعادة “العلمي الفلسفي” الذي انتهى به للقول “بأننا سوريون وأننا أمة تامة”؟ هل نجده في كتاب التعاليم أو في المحاضرات العشر أم في جنون الخلود أم في الصراع الفكري في الأدب السوري أو في مجمل ما كتبه وخطه من رسائل أو خطب أو أحاديث ومقالات؟ والتي كانت بمجملها أيضا شرحا لما كان قد تضمنه نشؤ الأمم فقط لا غير؟!!

نعود لقول الأمين حيدر:” ‘ن ما ورد في كتاب نشؤ الأمم ليس لسعادة (هذا ما يقوله سعادة نفسه في المقدمة) بل لعلماء متنوعين اختصاصيين في الجغرافيا والاجتماع والتاريخ.. الخ” ولنبحث في مؤلف سعادة ” نشؤ الأمم” عن مستندات الأمين حيدر، ونخوض في مثالين لا أكثر فيهما الدحض الكامل لما يقوله: يستعرض سعادة في بداية كتابه مفهوم السلالة، ويستعرض جملة طويلة من نظرياتها ومواقف الكثير من علماء الاجتماع فيها، وينتهي للقول:” والّذي نرجّحه أنّ السّلالات البشريّة هي عدّة تطوّرات أو سلسلة تطورّات حدثت في ظروف وبيئات تطوريّة، أي قبل استقرار البيئة الطّبيعيّة على حالتها المعروفة الآن” فمن من علماء الاجتماع ودعاة السلائل قال بهذه النتيجة؟ بل من منهم انتهى به التوصيف السلالي للتفريق بين المدلول العلمي والمدلول التقليدي للسلالة :” إذا تركنا وجهة التّخمين والتّقديرات التّخيّليّة في الفوارق الظاهرة في جماعات النّوع البشريّ وبحثنا عن مدلول كلمة [السّلالة] العلميّ وجدنا أنّ هذه اللّفظة هي من مصطلحات العلم الطّبيعيّ. والغرض منها تقسيم النّوع الواحد إلى فروع (أجناس) تتوارث صفاتها ومزاياها الخاصّة(7)، أمّا النّوع فيقصد منه تحديد الكائنات الحيّة الّتي ينتج تزاوجها نتاجاً ناجحاً يكون له ذات المقدرة بلا حدود(8). فالأجناس تقبل الاختلاط والتّزاوج والإنتاج ويمتنع ذلك في الأنواع إلاّ شذوذاً نادراً.

ومن من العلماء الذين تباروا في بيان امتيازات السلائل قال بأن الجماعة أيا كانت هي مزيج من عدة سلالات…؟ أليس سعادة فقط هو من توصل الى هذه النتيجة التي قلبت موازين علم الاجتماع رأسا على عقب؟!

وفي دراسته للمتحد، هل كان سعادة ينقل ما تداوله علماء الاجتماع من أن المتحد هو مجموعة من صفات اللغة والدين والتاريخ والعادات والتقاليد والتي بمجملها مجرد إرث ديني في كثير من مواصفاتها، او المصالح المشتركة ووحدة الأصل.. الخ على نسق “الأمة العربية ” أم أنه فرَّق بينها وبين المتحد؟

قد يكفي قول سعادة:” فوضعت في هذا الكتاب مصطلحات جديدة أرجو أن أكون قد توفّقت في اختيارها للدّلالة على الصّفة المعيّنة، كقولي: [الواقع الاجتماعيّ] و [المتّحد الاجتماعيّ] و [المناقب] و [المناقبية] (لمورال).” فهذه لسعادة دون سواه..

نضيف على ما تقدم، أن سعادة باعتباره ” وحدة الحياة” المرتكز الأساس لمفهوم “لواقع الاجتماعي”، دفعه للقول ب “ دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” والتي هي محور البحث في نشؤ الأمم، والذي خط الطريق اليها، فهل كانت هذه المقولة من ابتكار أي من العلماء الذين جاؤا على لائحة مصادر نشؤ الأمم؟ وعندما جارى سعادة “ميكور” في مصطلح “المتحد” هل أبقى هذا المصطلح في مفهوم ميكور له أم أنه عدله وقصره على الواقع الاجتماعي، ومقولته الأساس التي بنى عليها مختلف ما جاءت به فلسفته المدرحية، ” المادة تعين الشكل” هل كانت لغيره من العلماء الذين استشهد بهم، بمعزل عن أي مفهوم فلسفي لمقولة ” المادة” أو ما تعنيه لبعض فلاسفة علم الاجتماع، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما يستشهد سعادة ب” بواس” قائلا:” تأثير البيئة الطّبيعيّة على لون البشرة ونزيد هنا أنّ تأثير البيئة الطّبيعيّة في أشكال الهيئة غير السّلاليّة تأثير قويّ جدّاً فقد ذكر بواس(51) أنّ البيئة تؤثّر، في الغالب، على أشخاص مختلفين تأثيراً يؤدّي إلى اتجاه واحد بناء على أنّ لكلّ عضو [حدود سلامة] يتكيّف ضمنها تبعاً لمقتضيات البيئة، فيتّخذ الهيئة الّتي تتطلّبها عوامل البيئة دون أن يفقد خصائص وظيفته. فإذا جئنا بشخصين متباينين إلى بيئة واحدة فقد يتشابهان في الإجابة العضويّة على المحرّضات البيئيّة حتّى إنّه قد يتراءى لنا حدوث تشابه أشكال تشريحيّة متميّزة ناتج عن البيئة، لا عن التّركّب الدّاخلي.

نرى ممّا تقدّم أنّ البيئة تعدّ الفوارق الشّكليّة أيضاً للجماعات البشريّة وأنّ التّرابط بين الجماعة والبيئة في أنواع الحياة وفوارق الأشكال ومميّزات العمران والاتجاه التّمدنيّ، متين جدّاً.” فقول سعادة ” يتراءى لنا” يعني أن له رؤية خاصة في ما يذهب اليه “بواس” في العلاقة مع البيئة، بل ويبدي رأيه في تأثير البيئة وحدوده، فيقول:” نرى ممّا تقدّم أنّ البيئة تعدّ الفوارق الشّكليّة أيضاً للجماعات البشريّة وأنّ التّرابط بين الجماعة والبيئة في أنواع الحياة وفوارق الأشكال ومميّزات العمران والاتجاه التّمدنيّ، متين جدّاً.” بواس يكتفي بتأثير البيئة بيولوجيا على الانسان بينما سعادة يذهب للقول بأن البيئة لا تؤثر فقط على المستوى البيولوجي، بل تتعداه الى تأثيرها على الفوارق الشكلية ومميزات العمران والاتجاه التمدني، فهل عمم بواس تأثير البيئة كما عممه سعادة لنقول أن سعادة كان مجرد ناقل ..

الملاحظة الخامسة:

سبق لنا وبحثنا ما تتناوله الملاحظة الخامسة للأمين حيدر حول مقاربة الدكتور ضاهر ماركس بسعادة، لذا سنكتفي من هذه الملاحظة بما أورده الأمين حيدر حول “الانسان المنتج” الذي يقول به الدكتور ضاهر في مقاربته لماركس بسعادة:” الباحث الدكتور ضاهر يكرر كلامه السابق، في نفس الفصل، عندما يقول في موضع آخر ما يلي:” فنقطة الانطلاق الأساسية لماركس في محاولة فهم الانسان هي النقطة ذاتها التي شكلت المنطلق الأساسي لسعادة أي ” الانسان ككائن منتج” فالقيام بالعمل المنتج يشكل الأساس لتجربة الانسان وللمعرفة الإنسانية”

يعلق الأمين حيدر على ذلك قائلا:” لكنا نسأل، إذا كان العمل المنتج   ( الانسان المنتج) هو أساس تجربة الانسان والمعرفة الإنسانية، فهل نفهم أن العمل المنتج يحصل بدون معرفة إنسانية؟ وهل الثقافة تشمل التجارب والمعارف الإنسانية أم لا تشملها؟

وكأني بالأمين حيدر يعيدنا بهذه الأسئلة لنقطة الصفر: أيهما أسبق المادة أم الوعي!! فسؤاله: فهل نفهم أن العمل المنتج يحصل دون معرفة إنسانية؟ يعني وكأنه يقول لا بد للعمل المنتج من معرفة تسبقه، لكن ما هذه المعرفة وما مصدرها وكيف تتشكل قبل أن يباشر الانسان عمله المنتج؟ لا يجيبنا الأمين عن سؤاله ولا عن المغزى من هكذا سؤال!! خاصة وأن أسئلة من هذا النوع تترك مجالا واسعا من الشك في الموضوع المطروحة حوله، وتحديدا عندما لا تجد إجابة لها في النص ذاته، والتي كان على حضرة الأمين الإجابة عليها طالما أنه هو طارحها بصيغة نقدية، وحتى لا تبقى تساؤلات الأمين حيدر بلا إجابة، وطالما أننا لم نعثر على إجابة لها من قبل الرفيق ضاهر، فحريٌ بنا  الإجابة عليها، بما لا يتعارض وسياقها الذي جاءت به:

 من كونه لاقط ثمار الى أن استقر الانسان في الأرض، كان قد قطع شوطا طويلا في التاريخ حتى توصل الى قراره بالاستقرار، لقد قادته تجربته في التنقل الى المفاضلة فيها بين التنقل وبين الاستقرار بالأرض، فكان أن اختار الأخيرة من حيث هي الأوفر للطاقة والزمن في تحصيل قوته، التجربة تسبق المعرفة التي تقوم عليها، لكنها ـ المعرفة ـ تبقى تثير من التساؤلات عن الأوفر في الطاقة والزمن عبر التجربة الإنسانية ذاتها، فالتجربة الإنسانية هي الميدان الذي تنمو فيه المعرفة بهدف تحسين شروطه، فعندما يقول سعادة تكيف الأرض الانسان وهو يرد الفعل ويكيفها لكنها هي التي تحدد مدى هذا التكيف وأشكاله، يعني أن الانسان يضطر بداية لأن يتكيف مع البيئة النازل بها، بما يعني أيضا أن معرفته تقوم على تجربته في ضرورة تلبية حاجات البيئة حتى قبل حاجاته المادية الطبيعية  بالتكيف معها لتأمين تلك الاحتياجات، هي التجربة، التي تقود بطبيعة الحال الى المعرفة، فالتحوط من الحيوانات المفترسة لم يأت عبثا كان قد سبقته تجارب كثيرة ذهب ضحيتها الكثير من البشر قبل أن يبتكر الانسان فكرة التحوط من تلك الحيوانات واتخاذه الكهوف والنار ملجأ له، هذا مثال واحد من مليارات الأمثلة التي يمكن لها أن تضرب في مجال أيهما أسبق المعرفة أم التجربة، هل كانت فكرة المحراث قبل أن يعي الانسان أن قلب الأرض ضروري لتأمين الأوفر من الطاقة في الزمن؟ فهو ودون أدنى شك في ذلك كان قد قطع شوطا زمنيا كبيرا في مراقبته للأرض وعطائها، لقد كانت فكرة الحرث هي النتيجة المنطقية للاستقرار في الأرض أولا ومن ثم كانت التجربة في المكان للتدليل على أن الحرث أفضل من عدمه فكانت فكرة المحراث التي كانت بداية على غير النحو الذي نعرفه به لكن التجربة هي التي قادت لتطويره، وهكذا تبقى التجربة سابقة للمعرفة وإلا فما معنى المخابر المنتشرة في مختلف البلدان وعلى مختلف أنواع العلوم، هل سبقت المعرفة اكتشاف البترول أنه يمكن تجزئته لشتى الأنواع المعروفة الآن.

لم تكن ماري كوري، تبحث عن الراديوم كعنصر اشعاعي، لكنها كانت قد لاحظت أن تجاربها يشوبها بعض التشويش فبحثت عن مصدره فكان اكتشافها الذي خلد اسمها..

المعرفة قبل أن تكون “مجرد معلومة” هي دهشة واستغراب لغير المألوف، وهي أيضا تساؤل عن سبب أو علة ما يحدث، هي دهشة ومن ثم تساؤل ومن ثم تفكير ومحاولة إجابة، وهذه خصائص عقلية محضة كان لا بد للإنسان من أن يحوزها ليتمكن من القيام بتجربته المعرفية، وكان لا بد للعقل من أن ينمو بيولوجيا و  فيزيولوجيا لكي يحوز على هذه الخصائص، وكان لا بد له من زمن لبلوغها، وهو في طريقه اليها كان يكتنز معلوماته غرائزيا، لذلك فإن محاولاته لمعرفة محيطه مرت بعدد لا متناه من التجارب، فالتجربة أم المعرفة والتجربة ليست مجرد محاولة، إنها خبرة تكتنه مواصفات وخصائص المادة لتطوعها لقضاء حاجات الانسان البيولوجية والفيزيولوجية والسيكولوجية   هذه المحاولة قد تكون عددا لا متناهيا من التجارب، فعندما سأل مساعد أديسون معلمه: الى متى تستمر في تجاربك لإضاءة هذا المصباح وقد أجريت أكثر من ألف تجربة وكانت فاشلة؟ أجابه أديسون:” لقد تأكدنا من أن أكثر من ألف تجربة لا تفيد في إضاءة هذا المصباح، وأن علينا أن نجري تجربة أخرى لإضاءته!!

يتساءل الأمين حيدر”.. وهل الثقافة تشمل التجارب والمعارف الإنسانية أم لا تشملها؟”

نكتفي بإجابتنا على هذا السؤال بقول سعادة:” بأنّ النّطق وحده كفل تحويل الاكتشافات والاختبارات التّطوريّة الأوّليّة إلى معارف اجتماعيّة وراثيّة (اجتماعيّاً).. ويضيف:” ومن صناعته هذه الأدوات نستطيع أن نتتّبع ثقافة الإنسان منذ ابتدائها..” إذن، بنمو خصائص العقل على التتابع كان النطق وتاليا تحولت الاكتشافات والاختبارات التّطوريّة الأوّليّة إلى معارف اجتماعيّة، فالثقافة تتضمن وتشمل مختلف الاختبارات والتجارب التي مر بها الانسان، وهكذا كان تصنيف سعادة للثقافة العمرانية مقترنا بهذه التجارب والاختبارات لذ، فهو، (سعادة) يصنف مراتبها كما يلي:”

1) ثقافة المعزق (Hoe) = زراعة المعزق.

2)   أـ ثقافة المحراث = زراعة المحراث.

      ب ـ ثقافة البستان = زراعة البستان.

3) ثقافة الإنتاج التّجاريّ = زراعة المحاصيل وإنشاء الصّناعات وإعداد الحاجيّات والكماليّات.

الملاحظة السادسة:

يقول الرفيق ضاهر:” الذي يبدو واضحا أن كلا من ماركس وسعادة ينطلق من المصادرة الكانتية (الذات تلعب دورا فعالا في تكوين الشروط اللازمة لتحويل الأشياء لموضوعات جاهزة للمعرفة..” ويعلق الأمين حيدر:” من جهتنا، نحن لا نرى سبيلا لمقارنة كانت بسعادة وماركس، ذلك لأن الفيلسوف كانت قضيته تختص بدائرة كيفية حصول المعرفة التي تسمى ابستمولوجيا..” (نظرية المعرفة) لا نود هنا التوسع في ما سبق لنا وتطرقنا اليه، لكننا نضيف عليه، أننا سنسلم جدلا بافتراق قضيتي ماركس وسعادة عن كانت، فإن هذا لا يلغي أن يكون هناك تشابها ما بين الفلاسفة يمكن أن يكون أساسا للمقاربة أو مقارنة بين فلسفتين أو ثلاث..

 الإبستمولوجيا هي علم دراسة ما نزعم أنه معرفة، إما عن العالم الخارجي (المادي) أو عن العالم الداخلي (الإنساني)، وهو علم يدرس (بشكل نقدي) المبـادئ والفرضـيات والنتائج العلمـية بهـدف بيان أصلها وحدودها ومدى شموليتها وقيمتها الموضوعية ومناهجها وصحتها.

  

وفق وليم جمس “تتركب التجريبية الأصلية من مصادرة وحقيقة ونتيجة، أما المصادرة فهي أن الأشياء التي تكون موضع نقاش بين الفلاسفة هي الأشياء التي يمكن التعبير عنها بألفاظ تجريبية (قد توجد الأشياء التي لها طبيعة تجريبية إن شئت، لكنها لا تكون جزءا من مادة المناقشة الفلسفية.. هو مذهب فلسفي سياسي يعتبر نجاح العمل المعيار الوحيد للحقيقة”

“المبدأ المدرحي” أو “المثال المدرحي”:

على مدى التاريخ، كان هناك صراع بين النص والاجتهاد فيه، أو بين النص وروح النص، بين الحرف في نصه وبين الحرف في سياقه، ولم تخلُ حركة من الحركات التي ظهرت عبر التاريخ إلا وتعرضت لهذا الصراع، وكان هذا الصراع السبب المباشر في الانشقاقات التي تعرضت لها مختلف هذه الحركات الدينية منها والاجتماعية والسياسية والفكرية وحتى الاقتصادية.. بالطبع كان هذا الصراع مسوغا رئيسيا لاستهدافات فردية وعامة بآن، فكان لابد من دعم تلك الاستهدافات بأطر عقدية، مبررات، لتحريض العامة أو جمهرتها حول هذا الاتجاه أو ذاك.. 

هنا، مجازيا، سيمثل النص بحرفيته، الأمين حيدر حاج إسماعيل، بينما يمثل النص في سياقه الرفيق عادل ضاهر، الذي يقدم لنا في ختام مؤلفه الجريء /الانسان والمجتمع/ ـ دراسة في فلسفة أنطون سعادة الاجتماعيةـ وتحت عنوان / مجتمع النهضة/ بحثا مسهبا في العوامل والأسباب التي دفعت بسعادة للقول بمبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الأساسية منها والاصلاحية مستفيضا في شرحها حيث لم يكن لسعادة من الوقت للتعمق ـ كما الدكتور عادل ضاهر ـ في رسم معالمها العامة والخاصة، أو لنقل شرحها “أكاديميا” كما قدمها لنا رفيقنا الدكتور ضاهر( *)، في ما يسميه رفيقنا “المبدأ المدرحي” والذي يبن لنا فيه العلاقة بين العام والخاص ـ معياريا ـ في فلسفة سعادة المدرحية(**)..

في العام، ما يعنيه المبدأ المدرحي وفق الرفيق ضاهر: مصلحة الانسان في الحياة والارتقاء.

في الخاص: مصلحة انسان معين في مجتمع معين.

في المبادئ المعيارية العامة، يقدم لنا الرفيق ضاهر، خمسة مبادئ:

 1) ـ المبدأ القومي.

 2) ـ مبدأ الاستقلال

3) ـ مبدأ الوحدة الاجتماعية

4) ـ مبدأ التقدم المادي

5) ـ مبدأ التغيير الاجتماعي

بالطبع هذه المبادئ مشتقة من فهم الدكتور ضاهر العميق لفلسفة سعادة، وتحديدا ربطها بواقع الحياة من حيث هي مصلحة الانسان في الحياة والارتقاء، أما المبادئ المعيارية الخاصة فهي:

1) ـ مبدأ الأمة السورية.

2) ـ مبدأ الأمة مجتمع واحد.

يعلق الأمين حيدر على مجمل شروحات الرفيق ضاهر بالقول:” أغرب ما في محاولة الباحث الاشتقاقية.. نسبته لما يقوله هو، هو لسعادة، وأن ما فعله، هو، فعله سعادة، والحق يقال أن ليس لسعادة أية علاقة بما قال وفعل.. نكتفي بالقول إنها، بصورة عمومية، محاولات فاسدة من الوجهة المنطقية.. تبقى نقطة واحدة لم نناقشها حنى الآن، وهي المرتبطة بوصف الباحث المبادئ الخمسة المشتقة بأنها “معيارية” سؤالنا: لماذا هي كذلك؟ نحن نفهم المعيار والمعيارية يتصلان بفكرة الوجوب، فيقال مثلا يجب أن تكون صادقا، هذا معيار أو مبدأ معياري من النوع الأخلاقي، أليس المبدأ القومي الذي اشتقه الباحث من “المصالح الإنسانية الاجتماعية” ومن” واقع الإنسانية المجتمعاتي ”  مرتبطا “بمصالح” و”بواقع” هما حقائق وجودية وليسا قيما وجوبية؟ فكيف أمكنه اشتقاق الوجوب من الوجود؟ بكلام آخر، إذا قلنا أن المصالح الإنسانية اجتماعية موجودة، وبما أن واقع الإنسانية المجتمعاتي موجود، فكيف يمكننا أن نحصل على النتيجة التالية: إذا يجب أن يكون كل مجتمع ملزم بتحقيق مصلحته في الحياة والارتقاء؟ ..”        بمعنى آخر، يريد أن يخبرنا الأمين بأن الرفيق ضاهر قوَلَ سعادة ما لم يقله، وهذا برأينا منتهى التجني على الرفيق ضاهر، ذلك أنه يقوم بشرح مستفيض لسعادة في ضوء مستجدات الواقع الحزبي من جهة والاجتماعي والسياسي والفكري والاقتصادي العام المحلي والدولي من جهة أخرى، وهو(ضاهر) في توسعه في شرح ما لم تسمح به الظروف لسعادة بشرحه، لا يخرج عن تدعيم شرحه عن سعادة، بسعادة نفسه، فهو لا يُقَوله ما لم يقله، ومن الأمثلة على ما نذهب اليه الكثير ، على سبيل المثال قوله:” لقد حان الوقت الآن لندخل في عالم سعادة الثوري محاولين استكشاف معالمه الرئيسية وطبيعته ومغزاه الأخير، السؤال الأساسي الذي نريد تناوله هنا بالتفصيل هو: بما أن سعادة أراد تثوير البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع السوري، ففي أي اتجاه ولأية غاية أراد تثويرها ؟ بمعنى آخر، ما هي المبادئ والأهداف التي يجب أن يرتكز عليها النظام الثوري الذي يُفترض قيامه في المجتمع السوري؟ يوجد سؤال آخر، أولاه سعادة عناية خاصة ولكننا لن نعالجه هنا لابتعاده عن صلب موضوعنا، هذا السؤال يستهدف الكشف عن الاستراتيجية الثورية المناسبة لإقامة النظام الاجتماعي الجديد وهو سؤال هام جدا، لأن سعادة كان يدرك.. أن القفزة الثورية من واقع الهلال الخصيب.. ليست بالقفزة السهلة على الاطلاق، فالهوة التي تفصل بين الواقع والمثال في هذه الحالة هوة عميقة جدا، وعندما ندرك ذلك، ندرك مدى خطورة وصعوبة المهمة الثورية التي القاها سعادة على عاتقه وبالتالي مدى أهمية اختيار الوسائل المناسبة لهذه المهمة، فالمسألة ليست مسألة تغيير نظام سياسي بنظام سياسي آخر، أو مسألة تعجيل ولادة نظام يتمخض عنه المجتمع في وضعه الحالي، أو مسألة إعطاء المجتمع زخما إنسانيا لتعجيل اتجاهه نحو تحقيق غايات ابتدأ يتجه نجو تحقيقها. المسألة، لسعادة، هي مسألة تغيير حياة أمة بأسرها، أمة توقف تطورها منذ فترة بعيدة وتقلصت الإمكانيات الموضوعية لتحريكها في اتجاهات جديدة الى لا شيء تقريبا.. في هذا الوضع لا تعود الوسائل الثورية الصالحة لتحقيق أهداف ثورية في المجتمعات التي لم تتعطل عملية تطورها الطبيعي هي الوسائل الصالحة لإقامة نظام ثوري جديد في سورية الطبيعية. من هنا نفهم لماذا رأى سعادة أن مشكلة تعين الوسائل الثورية التي يجب استعمالها، مشكلة توازي في أهميتها وخطورتها مشكلة تعين الأهداف الثورية التي يجب تحقيقها..”

الرفيق ضاهر في السياق الوارد أعلاه يستنطق سعادة ولا يُقَوله أي من التقولات التي يلمح اليها ألأمين حيدر، هو يسأل سعادة ويجيب من سعادة، فعندما يسأل: “السؤال الأساسي الذي نريد تناوله هنا بالتفصيل هو: بما أن سعادة أراد تثوير البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع السوري، ففي أي اتجاه ولأية غاية أراد تثويرها؟ بمعنى آخر، ما هي المبادئ والأهداف التي يجب أن يرتكز عليها النظام الثوري الذي يُفترض قيامه في المجتمع السوري؟..”

يبقى الهدف من السؤال شرح المبادئ والأهداف التي دفعت بسعادة للانطلاق من هذه المبادئ لبلوغ تلك الأهداف، في “أمة توقف تطورها منذ فترة بعيدة، وتقلصت الإمكانيات الموضوعية لتحريكها في اتجاهات جديدة الى لا شيء تقريبا..” بما يعني كما يقول الرفيق ضاهر “ في هذا الوضع لا تعود الوسائل الثورية الصالحة لتحقيق أهداف ثورية في المجتمعات التي لم تتعطل عملية تطورها الطبيعي هي الوسائل الصالحة لإقامة نظام ثوري جديد في سورية الطبيعية.. “وبما يعني أيضا أن استيراد ما يصح أو صح في بلدان أخرى يمكن له أن يُصلح الوضع الذي تعاني منه أمة سعادة، بمعنى آخر أيضا، أنه لا بد من تحريك العوامل الذاتية وابتكار الطرق والوسائل والكيفيات في المكان والزمان،  التي تتناسب ووضع كالذي تعاني منه أمته، وبمعنى آخر أيضا وأيضا، أن القوميات الأوربية التي حملها عفلق والبيطار/ التاريخ المشترك والألآم والآمال ووحدة الأصل واللغة ../  على سبيل المثال، لا تصلح لأن تكون سبيلا لتحريك القوى الذاتية لأمته ولا تلك التي قالت بها الماركسية/ تحريض الصراع الطبقي/  ولا حتى ما نادى به “محمد عبدو” و”جمال الدين الأفغاني” / لا قيام للدين إلا بقيام دولته/ يمكن لها ان تنقل أمته من وضعها المذري الى ما يطمح اليه سعادة،  “من هنا نفهم لماذا رأى سعادة أن مشكلة تعين الوسائل الثورية التي يجب استعمالها، مشكلة توازي في أهميتها وخطورتها مشكلة تعين الأهداف الثورية التي يجب تحقيقها..” كما يشير الرفيق ضاهر. ملخصا إجابته على مختلف تساؤلاته بالقول بمبادئه الخمسة العامة التي يمكن أن تكون لأي مجتمع يعاني ما تعنيه أمته كذلك مبادئه الخاصة، وهي مبادئ مشتقة من فهم سعادة لمنطلقات ووسائل وكيفيات العمل الثوري في المكان والزمان المناسبين..

صحيح أن سعادة لم يأت على مصطلح كمصطلح الرفيق ضاهر” المبدأ المدرحي” أو المثال المدرحي” لكن المصطلحان يبقيان مفصلين أساسيين من مفاصل قضية سعادة في دراسة الرفيق ضاهر، وهما مصطلحان دراسيان ولا يدعي الرفيق ضاهر أنهما لسعاد فهو يصرح ويقول مثلا “.. نأتي الآن الى المبدأ الرابع من المبادئ المعيارية التي ينطلق منها سعادة وسأسميه ” مبدأ التقدم المادي”.. إذن، هو يطلق تسمياته أو مبادئه ليس من وجهة أن سعادة قد قال بها لكن من منطلق تقسيم شروحاته الى اقسام وفقرات يسهل من خلالها فهم “ عالم سعادة الثوري محاولين استكشاف معالمه الرئيسية وطبيعته ومغزاه الأخير..”

يضيف الأمين حيدر قائلا:”..  نكتفي بالقول إنها، بصورة عمومية، محاولات فاسدة من الوجهة المنطقية..” كيف هي كذلك؟ لا يجيبنا حضرة الأمين على سؤالنا، وعلى أية حالة هي “فاسدة”؟ ومن أية وجهة منطقية، هي كذلك؟ يبقى الجواب في ذمة حضرة الأمين، لكننا نرى أن في قول الأمين حيدر خروجا على ما سبق له وقام به هو في محاولته تعريف المدرحية فسؤاله:” ما هي الفلسفة المادية ـ الروحية ؟”تضمنت اجابته فقرات تسع، لم يأت سعادة على الإشارة لأي منها، وهي فقرات حاول فيها حضرة الأمين الإجابة على سؤاله السابق ذكره، فكيف يسمح لنفسه ادراج فقرات لم يقل بها سعادة معتبرا أن الرفيق ضاهر قد قام بمحاولات ” فاسدة” من الوجهة المنطقية؟ بإدراجه فقرات يسمها هو تسهيلا للفهم، خاصة وأننا أشرنا في سياق هذا النقد، بأن دراسة الرفيق ضاهر تدخل في سياق الدراسات الأكاديمية، والتي تبقى غايتها الإيضاح والشرح والتفصيل لبلوغ المرتجى منها..

أما قوله:” فكيف أمكنه اشتقاق الوجوب من الوجود؟” فالسؤال ـ الإجابةـ هو: من أين يريدنا الأمين حيدر أن نشتق الوجوب؟ إذا لم يكن الواقع هو منطلق الوجوب!! الوجود المفترض تغييره كيف يمكننا ذلك بدون أن نحدد كما يقول الرفيق ضاهر:” المسألة، لسعادة، هي مسألة تغيير حياة أمة بأسرها، أمة توقف تطورها منذ فترة بعيدة وتقلصت الإمكانيات الموضوعية لتحريكها في اتجاهات جديدة الى لا شيء تقريبا.. ” فكرة التغيير تفترض تلقائيا، كمنطلق، البحث عن الوسائل والأهداف أو الغايات التي “يجب” أن نحددها أولا، ونصل اليها ثانية، لإحداث التغيير، بمعنى آخر إذا لم ننطلق من معرفة الواقع بمعوقاته، فكيف يمكننا تذليل هذه المعوقات؟ وإذا لم نكن على معرفة يقينية بعوامل وأسباب ما أدى لما يتطلب تغيره، فكيف يمكننا إحداث التغيير؟ وإذا لم نكن على معرفة تامة بموجبات ما علينا الخروج منه لحياة أفضل مما نحن به، فكيف يمكننا تحديد الأفضل؟ الأفضل، والذي هو في الجانب المعياري وفق تصنيف الأمين حيدر. هكذا يفترض الوجود الوجوب وإلا فنحن نبحث في فراغ عن وجوب لا يمكن تحققه على نسق المدينة الفاضلة حيث يفترض بالبشر أن يكونوا ملائكة.