المدرحية: نقدٌ على نقد(3)

مقدمة لا بدَّ منها

في نقدنا لمختلف ما أورده الأمين حيدر من مقالات في المدرحية أو دراسات أو حتى ما سُميَ بالأبحاث، فإننا نعتمد اعتمادا مباشرا على المقتطفات من تلك الدراسات التي انتقاها منها في نقده لها       دعما لوجهة نظره في ما قدمه لنا في تعريفه للمدرحية، وتاليا فلن يكون نقدنا سوى نقد جزئي لتلك الدراسات، ولن يكون ذلك وافيا لحق أصحابها في ما قدموه من محاولات، ولقد بذلنا من الجهود المضنية للحصول عليها أو حتى لبعضها فلم نوفق، في ذلك، لأسباب لا داي لذكرها في بحثٍ فلسفي يتجاوزها، وينبئ عن دوافعها التي كان الانقسام والتشرزم الحزبي الراهن وراءها والذي من أبرز معالمه أنه بقيَ في حدود ضيقة من المعرفة التي يرى في توسعها وانتشارها في صفوف القوميين خطراً عليه ..

أيضا، لا بدَّ من التنويه، الى أن الأمين حيدر لم ينجو من اعتماده قاعدة / أن صفات الشيء ليست هي الشيء / في نقده لما قدمه سابقوه، حيث يقول على سبيل المثال لا الحصر: “الفلسفة المادية ـ الروحية هي الفلسفة القومية الاجتماعية الموجودة في المبادئ، ولما كانت الأمة محور المبادئ أو فكرتها المركزية فإننا نقول، إن الفلسفة المادية ـ الروحية هي فلسفة الأمة..” فيكون جل ما يقدمه لنا الأمين حيدر هو أن الفلسفة هي الفلسفة، ذلك أنه  يعرف الفلسفة المادية ـ الروحية بالفلسفة القومية الاجتماعية وهذه هي فلسفة الأمة، فما الجديد الذي يقدمه لنا هذا التعريف ؟      ذلك أنه لم يقدم لنا في دراسته للمدرحية تعريفا فلسفيا لهذه الفلسفة واكتفي بعرض ما يصب في توطيد تعريفه، بدئا من مكتوبات سعادة التي ينتقي منها رسالة سعادة الى فايز صايغ والتي يقول فيها:” إن الحركة نشأت على عقيدة ، أي على فلسفة اجتماعية كاملة موجودة في المبادئ وفي كتابات المعلم وشروحه وكتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه وفي قدوته..” معتبرا أن سعادة قد حدد فلسفته بأنها “موجودة في المبادئ” متجاهلا ما تبقى مما يورده سعادة في الرسالة المشار اليها “.. وفي كتابات المعلم وشروحه وكتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه..” ففلسفة سعادة موجودة في كل أعماله ومن جملتها كتبه التي لم يستثني منها كتاب نشوء الأمم باعتباره قد اختص في “علم الاجتماع القومي وعلم النفس الاجتماعي، والعلمان ماديان ..” على ما يذهب اليه الأمين حيدر، فنشوء الأمم يسبق كل ما كتبه سعادة وقاله وفعله فهو الكتاب الأول الذي يقول فيه سعادة إن ” درساً من هذا النّوع يوضّح الواقع الاجتماعيّ الإنسانيّ في أطواره وظروفه وطبيعته.. ففي الدّرس تفهّم صحيح لحقائق الحياة الاجتماعيّة ومجاريها.. وقد أسندت حقائقه إلى مصادرها الموثوقة. واجتهدت الاجتهاد الكليّ في الوقوف على أحدث الحقائق الفنيّة الّتي تنير داخليّة المظاهر الاجتماعيّة وتمنع من إجراء الأحكام الاعتباطيّة عليها.. فالكتاب الأوّل جامع مستوف الوجهة العامّة من نشوء الأمم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسيّة..” هذا الاستثناء لكتاب نشوء الأمم دفع به  لينتهي الى تعريفه التالي:” الفلسفة القومية الاجتماعية = تجبُ المبادئ لتنهض الأمة..” هذا التعريف لا يختلف عمّا قدمه تلامذة سعادة والذي ينتقده حضرة الأمين، من جهة ثانية، لا يقدم لنا المؤلف تعريفا محدداً للفلسفة ولا للمادة أو الروح ولا حتى للعلم، ففي شرحه لعلاقة العلم بالفلسفة ينتهي للقول:” أن العلم يقدم للفلسفة مادتها ( من حيث أنه مختصٌ بالقوانين الكمية ) أما الفلسفة فتستخرج منها المبادئ العامة الجامعة لشتات المعارف العلمية ..” أما بالنسبة للعلاقة بين المادة والروح، فيقول: علاقة المادة بالروح علاقة ترافقية أو علاقة ترابط..” أما علاقة الفلسفة بالعلم فهي” علاقة وجوبية ـ مناقبية..” لكن ما هي المادة؟ وما هي الروح؟ وما هو العلم؟ وما هي الفلسفة؟ فهذا ما لا يجيبنا عليه حضرة الأمين!! على الأقل من وجهة نظر سعادة في فلسفته.. وقد سبق لنا وعرَّفنا كلٌ من المادة والروح وفق سعادة بناء على ما جاء به كتابه الرائع نشوء الأمم، ونعيد هنا تعريفنا للمادة بانها كل ما لا يدين بوجوده للإنسان وجودا ومعرفة، أي أنه موجود رغما عن الانسان ولا يرتبط وجوده بوجود الانسان أو معرفته، أي أنه وجود مستقل كل الاستقلال عن الانسان، فهو وجود بذاته لذاته، وما يقوله سعادة بهذا الصدد واضحٌ وضوحا لا لبس فيه:” فلا بد لقيام الحقيقة من شرطين أساسيين: الأول الوجود بذاته أي أن يكون الشيء موجوداً. والثاني أن تقوم المعرفة لهذا الوجود. والمعرفة هي التي تعطي الوجود قيمة لا يمكن أن تكون له بدونها.. . لكن لا يكفي تحديد الوجود لقيام الحقيقة فالوجود يجب أن يصير معرفة ليكون حقيقة أي أنه يجب أن يعرف إما من قبل الإنسان وإما من قبل الله..” أما الروح، فسعادة يستخدمها كمصطلح مجازي ويعني بها النفس، أي أنها لا تتمتع بمواصفات المادة كوجود مستقل، ذلك بنقده ونقضه للتعليل الديني وقوله أن الانسان:” لم يعد يقنع بالتّعليلات الخياليّة البحتة المعزوّة إلى افتراض وجود شخصيّة وراء نظام الكون تُحدث النّظام وتَحدث بلا نظام.. وتجاه الحقائق الّتي أبرزها العلم .. وهي أنّ الإنسان جزء من الحياة نشأ بالتّطوّر حتّى بلغ شكله الحاليّ، ” ندرك كيف أن سعادة يرفض مصطلح الروح الديني هذا من جهة، ولأنه يدرس البنائين المادي والنفسي والذي يقول فيه:” تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع.. ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان..”  فالمدرحية هي إذن هذان البناءان المادي ـ الطبيعة بما هي وجود والنفسي بما هو الثقافة الانسانية ـ الدولة، هذا ثانيا، أما العلم من حيث أنه “مختص بالقوانين الكمية” وفق ما يذهب اليه الأمين حيدر، فهو دراسة المادي، الموضوعي، الوجود، بما هو الكون والطبيعة، ومن ثم المجتمع الانساني كوجود مادي، موضوعي، بالنسبة للفرد، والعلم من حيث هو قانون، هو دراسة العلاقات بين الموجودات، والتي هي بدورها، مادية، فالعلاقات الفيزيائية والكيمائية وحتى الرياضية والاجتماعية، هي علاقات مادية، موضوعية، فعندما نقول جيولوجيا نعني بها منطق طبقات الأرض، اي أن علم الانسان بها ليس أكثر من صياغة لهذا المنطق، صياغة تتوافق وكيفية عمل العقل، فيزيولوجية العقل، صياغة معرفية، بحيث يمكنه تسخيرها بما هي عليه من خصائص ومواصفات، لمصلحته،  كذلك فيزيولوجيا، منطق الوظائف، وبيولوجيا، المنطق الحيوي، والسيكولوجيا، المنطق النفسي، والسيسيولوجي، المنطق الاجتماعي..، فمصطلح “…جيا” المضاف هو (Logic) المنطق، في اللغة العربية، ولما كان العلم هو درس الجزئيات المادية ( فيزياء، كيمياء، تاريخ، اقتصاد ..الخ) كانت الفلسفة هي المحصلة التي تجمع” شتات العلوم..” بمقولات، قوانين عامة، يستطيع من خلالها الانسان اختصار كل ما يجيء به العلم، فالفلسفة هي القانون، المقولة، الوافية الكافية، لتفسير ما نتساءل عنه، هي الناموس او هي المقولة العامة، الشاملة، الكلية، للوجود المادي والنفسي على حدٍ سواء. هي البحث في المتكرر المادي، الموضوعي، وصياغة هذا المتكرر في قانون عام، أو مقولة . هي القانون، المقولة، الوافية الكافية، لتفسير ما نتساءل عنه، هي المقولة العامة، الشاملة، الكلية، للوجود المادي والنفسي على حدٍ سواء، هي البحث في المتكرر المادي، الموضوعي، وصياغة هذا المتكرر في قانون عام، أو مقولة.، يستخدم سعادة مصطلح/ ناموس/ للتعبير عن القانون أو المقولة معرِّفاً إياه بقوله:” النّاموس اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة..” فالمدرحية جملة من المقولات، أو النواميس  تبدأ بمقولة(ناموس) / المادة تعين الشكل/ ومنها تُشتق مقولة/ الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية/ والتي عليها تقوم مقولة / الواقع الاجتماعي/ الذي هو الأمة، وعلى هذا الواقع الاجتماعي، تقوم مقولة / المرتبة الثقافية/ والتي تُشتق منها / مقولة / أن الاقتصاد لا يعني حقيقة سوى سد الحاجة بأقل جهد وزمن وأكبر انتاج/ ومقولة الانسان ـ المجتمع / الدولة والتي تقوم عليها مقولة/ نسبية القيم/ والتي منها على سبيل المثال لا الحصر، نسبة الحقوق الى الواجبات حيث أنه في الدولة، الانسان ـ المجتمع تتناهى الحقوق ـ وفق المرتبة الثقافية ـ الى أعظم ما يمكن لتتناهى الواجبات الى أقل ما يمكن..

وعليه الفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية، تعريفا هي: ” فلسفة اجتماعية تدرس الانسان نشؤاً وارتقاءً، عوامل وأسباب ونتائج

فالفلسفة هي جملة القوانين العامة، او المقولات أو النواميس التي تحكم مختلف أوضاع وحالات المجتمعات الانسانية وظروفها التي تشكلت بموجبها ككيانات اجتماعية لها مواصفاتها الخاصة وخصائصها التي تميزها عن سواها من الجماعات..  

هذه هي الفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية، تعريفا ومقولات.

مدرحية لبيب زويا:

بإ سلوبٍ تهكمي، يطرح الأمين حيدر نقده للمدرحية كما يراها زويا، بالطبع، منطلِقاً من تعريفه لها من أنها “هي الفلسفة القومية الاجتماعية الموجودة في المبادئ، ولما كانت الأمة هي محور المبادئ أو فكرتها المركزية فإننا نقول: إن الفلسفة المادية ـ الروحية هي فلسفة الأمة.” ولا ننكر أن وجهة نظر زويا شابها الكثير من الغموض والتناقض وفق ما أورده الأمين حيدر من مقتطفات في نقده لها، لكننا نرى أن ما بين أيدنا من تلك المقتطفات، لا يسمح لنا أن نتناولها بالنقد والتحليل، فالسياق الذي طُرحت به تلك المقتطفات، في صلب الدراسة التي يقدمها زويا، مهم للغاية، بهدف بيان تلك النظرة كاملة غير مجزؤه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نظرة القوميين الاجتماعيين في عام 1948 ـ تاريخ نشر هذه النظرة في مجلة النظام الجديد ـ للمدرحية أو القومية الاجتماعية كان مبنيّاً على مجمل ما ألقاه سعادة من خطب ودبجه من مقالات متفرقة أو تحدث به وما كان بين أيدي الرفقاء من كتبه سوى نشوء الأمم والذي لم يُقرأ بالعناية والتأمل المفترض بدراسي فلسفة سعادة الاجتماعية، وعلى ما نعتقده أن تصفحه لم يكن ليكفي لتشكل رؤية عامة حول تلك الفلسفة، ولا يسمح بأية حال من تكوين نظرة شاملة لها تتغلغل في مختلف مفاصلها وتتكامل مع تلك الخطب والأحاديث، التي لم تكن في حقيقتها سوى شرحا لما جاء في كتاب نشوء الأمم من وجهات عدة اقتضتها ظروف ومكان الحديث أو الخطاب أو المقال والأشخاص ومستوياتهم المعرفية والتي كان يأخذها سعادة بعين الاعتبار في توجهه لهم..

مع كل ما تقدم فإننا نلمح لدى الرفيق لبيب زويا بعضا من الرؤى الفلسفية، وإن جاءت على شاكلة لمحات أو شارات لمتجهات فلسفية عامة، أكانت قريبة أو بعيدة عن موضوع الدراسة التي يقدمها في نشرة النظام الجديد، فهي تعكس رغبة في جمع شتات ـــ ما كان مطروحا حينها من أقوال ومقالات وخطب وأحاديث لسعادة، وما كان متداولا من رؤى في الفلسفة والاجتماع والاقتصاد والسياسة.. الخ ـــ في اجتهاد شخصي يشكر عليه رفيقنا لبيب زويا..

فعلى سبيل المثال، ووفق ما جاء في مقتطفات الأمين حيدر، قول الرفيق لبيب زويا :” إن الصراع الحقيقي، إذن، هو صراع الانسان مع نفسه في سبيل فهمها وتحققها..” فهذه مسألة قد لا تدخل في موضوع المدرحية كفلسفة اجتماعية، لكنها تبقى اشارة لما تنحى اليه هذه الفلسفة،  فمن وجهة نظرنا، فإن ما يطرحه الرفيق زويا، صحيح، ذلك أن فكرة الله لم تكن في دوافعها، سوى هذا التوق الانساني لأن يكون الانسان إلاه ذاته، كل ما في الوجود تحت امرته وتصرفه، وهو توقٌ لن ينتهي ـــ كما يقول زويا ـــ  إلا إذا تحقق للإنسان غايته من وجوده على غرار ” كُنْ فيكون” أو كما عبر عنها الرفيق زويا أي “فهمها وتحققها”، جوانب أخرى يضيئ عليها زويا وهي مقاربة ما كان مطروحا آنذاك من أن الحزب السوري القومي الاجتماعي في شعار الزوبعة وفي تسميته حتى وفي ما ذهب اليه من كون المزيج السلالي السوري خليط من مفلطحي الرؤوس ومستطيليها ومستديريها ، ومن كونه حزبا فاشيا أو نازيّا،  قوله:” أن الفلسفات التي تنطوي على البغض والكره تحمل في نفسها ميكروبات خيبتها ( في اشارة للفلسفة الفاشية والنازية).. ليس في المدرحية بغض لأنها ليست عنصرية في باثولوجيها ولا فردية في اجتماعيتها ولا طبقية في اقتصاديها..” أما قوله:” هو ذلك الصراع الصامت الخفي الذي نقل الانسان من أطواره الابتدائية الى حالته الحاضرة..” فوفق ما نعتقد أن القصد الذي يذهب اليه زويا، هو أن التجربة الانسانية كانت تجري بهدوء وصمت، وإلا لما كانت قد استغرقت هذا المدى الزمني الطويل، فليس استخدام النار ـــ على سبيل المثال أيضا ـــ رافق الانسان منذ أن وجد، فقد كان “لاقط ثمار ومن ثمَّ صيادا..” يأكل اللحم نيئا، ليكتشف في ما بعد، أن طعمه مشويا ألذُ من كونه نيئا، وليعتمد النار في تحسين مأكله ومن ثَمَّ مختلف شؤون حياته، هذا المدى الزمني يشير اليه الرفيق زويا بمفردة” الصامت الخفي ” فكل ما بين أيدينا اليوم لم يأت ابن لحظته، إنه تراكم الخبرة والرغبة في التحسين وعدم قبول ما هو كائن إلا في أحسن أحواله وما تفتضيه من الظروف والأوضاع التي يعيشها الانسان أو يسعى لها ..

ما يقدمه الرفيق زويا يبقى توصيفا لمناحي مدرحية كان لا بدَّ من الوقوف حيالها نقدا أو نقضا، من وجهة رؤية الحزب لها وليس الفلسفة المدرحية، فهذه الأخيرة بقيت دونما شروحات اختصاصية، تلج منظومة الفلسفات الاجتماعية مصطلحات ومفاهيم ومقولات، على شاكلة ما يقدمه “دوركهايم أو أنجلز أو فيبر” تحديدا كرواد للفلسفة الاجتماعية في القرن التاسع عشر والعشرين، وهذه مسألة ذات أهمية عند تناولنا المدرحية من حيث هي فلسفة اجتماعية..

ما يلي من مقتطفات من مقالة الرفيق زويا كما انتقاها الأمين حيدر، تُظهر المستوى الثقافي الذي كان شائعا في أربعينات القرن الماضي، والذي واجهه سعادة بالنقد والتحليل ملخصا إياه بهذه العبارة: “علينا أن نفهم فلسفة الحركة لندرك كيف تعالج الأمور” دون فهم هذه الفلسفة تبقى القضايا المطروحة عرضة لكثير من الخلل في النهج..

يتضح من مطالعتنا لهذه المقتطفات مدى التناقض الناتج عن الخلط بين المصطلحات الفلسفية، وأبرزه قول الرفيق زويا:” وقد تناولت الناحية الانطولوجية (الوجودية) كما تناولت موقف هذه الفلسفة من الفلسفات المعاصرة..” ومن ثم قوله:” ليست المدرحية نظرية في المعرفة فحسب، بل نظرية ميتافيزيقية (ما ورائية ـ غيبية) لها مقولاتها الخاصة” فكيف يمكن أن تكون عليه المدرحية وفي آن واحدٍ وجودية وغيبية والمصطلحان يناقضان بعضهما البعض..

لكن، وكما نوهنا آنفا فإن هذه المقتطفات لا تسمح لنا بنقد ما جاء به الرفيق زويا لأننا ومن خلال هذه (المقتطفات) لن نعرف ما إذ كانت المقالة قد تناولت، مثلا، تلك” الفلسفات المعاصرة” أم لا؟ وأيٍ منها؟ والموقف الفلسفي القومي الاجتماعي منها!!

فهل جاء موقفنا متماشيا مع ما اقتطفه الأمين حيدر من تلك المقالة:

مقتطفات من مقالة الرفيق زويا        

” إن هذه المحاضرة هي تحليلية دقيقة للفلسفة المدرحية ، وقد تناولت الناحية الانطلوجية كما تناولت موقف هذه الفلسفة من الفلسفات الأخرى المعاصرة ، وهي تمثل اجتهادا ممتازا في شرح الفلسفة المدرحية التي تقدم الحل الوحيد روحيا وماديا لقضايا المجتمع الانساني العسيرة… إنه لا انتاج مادي دون أساس روحي له وذلك لأن كليهما عنصر واحد إذا نظرنا إليه من الخارج دعوناه مادة وإذا نظرنا إليه من الداخل دعوناه روحا ، فالروح والمادة إذن صنوان لا يفترقان كصفحتي ورقة بيضاء.. وجدا سويا، فكان الوجود، فهما الوجود..وجد الصراع على الأرض منذ وجد الوجود .. إن الصراع الحقيقي، إذن، هو صراع الانسان مع نفسه في سبيل فهمها وتحققها… ولن يتمَّ هذا الصراع ولن يقف، إلا بتمام تحقيق الذات الانسانية الشاملة .. لنبدأ الآن بتبيان الأساس الفلسفي الذي ترتكز عليه جميع مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الثقافية وغير الثقافية.. الفلسفة المدرحية ليست تركيبا فلسفيا، بل ابداعا  فلسفيا.. إنه إن كان هناك فلسفة وجودية بالمعنى الصحيح فهي ولا شك، فلسفتنا نحن .. الوجود في نظرها وجودا اجتماعيا موحد وليس وجودا افراديا متقطعا.. وإذا ما اعترفنا مع بعض المفكرين أنه لا تقوم قائمة لأي مجتمع إذا فقد عاطفة المحبة والولاء رأينا أن الفلسفات التي تنطوي على البغض والكره تحمل في نفسها ميكروبات خيبتها.. ” المدرحية” ترى أن المجتمع أساس الوجود وليس الفرد أو الدولة أو العنصر.. إنها كنظرية صراعية تعتبر أساس الوجود اتحاد المادة والروح ذلك الاتحاد الذي لا يقوى أحد على فصم عراه، الأمر الذي يؤدي في النهاية الى اعتبار أن كل ما في الوجود ناتج عن هذا المطلق العام ..ليس في المدرحية بغض لأنها ليست عنصرية في اثنولوجيتها ولا فردية في اجتماعيتها ولا طبقية في اقتصاديتها.. إن الصراع الذي تعتبره المدرحية أساس التطور الانساني، هو ذلك الصراع الصامت الخفي الذي نقل الانسان من أطواره الابتدائية الى حالته الحاضرة .. لا تتهرب المدرحية من الحرب لأنها تعتبرها صراعا ..ليست المدرحية نظرية في المعرفة فحسب، بل نظرية ميتافيزيقية لها مقولاتها الخاصة