المدرحية: نقدٌ على نقد(5)

مدرحية الأمين أنيس فاخوري:

نبقى في ذات الاتجاه لرفقاء الجيل الأول، وكيفية فهمهم لفلسفة سعادة المدرحية، حيث المضمون واحد وإن اختلفت المصطلحات التي يعبر كل منهم عن كيفية فهمه لتلك الفلسفة، فنجد الأمين الجزيل الاحترام أنيس فاخوري يقدم رؤيته تحت عنوان كبير / النظرة القومية الاجتماعية: النظرة المدرحية / فيقول:” هذه المحاضرة.. هي محاولة أولى لإيضاح الفلسفة القومية الاجتماعية المدرحية ..من الناحية غير المادية ( الميتافيزيقية).. فهي تفتح الموضوع من ناحيته الغير مادية والأنطولوجية.. فلسفة سعادة لها وجوه شبَه عديدة قد يراها الكثيرون مع الفلسفة التومائية (نسبة الى توما الأكويني) ومع فلسفة سبينوزا وكانت وكونت، مع ذلك فلسفة سعادة المادية ـ الروحية ليست فلسفة توفيقية مؤلفة من عناصر من هنا وهناك بل هي اتجاه ثالث جديد من اتجاهات التفكير الفلسفي، هو الاتجاه الصوابي والمخرج النظري في التفكير الانساني.. (لذا) فمرتكزاتها تبدأ في كونها فلسفة اجتماعية في نظرتها الى القيم، ولا تبحث منشأ الكون، أي ليست ميتافيزيقية ..(فهي) عقلية، العقل شريعتها، تفاعلية، تقول بتفاعل الروح والمادة وقومية اجتماعية فالإنسانية واقع مجتمعات وأمم وهي نهضوية تطلب إقامة نظام جديد لحياة مرتقية.. إنني أدعوكم الآن الى أن تلقوا معي نظرة شاملة على هذه المبادئ لنرى كيف أنها التحقيق العملي للفلسفة القومية الاجتماعية المدرحية..ولمراجعة كتاب نشوء الأمم ليرى قراءه أية روعة فكرية عميقة تطالعهم، وأية لذة فلسفية تدغدغ أدمغتهم ..”

ما تقدم، على إيجازه، بمقتطفات، يقدم فكرة أن المضمون المدرحي كامن في ما يذهب اليه الأمين فاخوري، وإن خانته المصطلحات المناسبة، فإن ذلك لا يُنقص من قيمة توجه الأمين فاخوري، ذلك أنه يشير الى مفصل رئيس يؤكد أن الفلسفة القومية الاجتماعية من وجهة النظر الميتافيزيقة ـ الغيبية ـ الماورائية، “لا تبحث في منشأ الكون ..” فهي ليست ميتافيزيقية وتاليا هي اجتماعية طالما أنها ( اجتماعية عقلية تفاعلية قومية نهضوية، بحيث تكون  ” المبادئ هي التحقيق العملي للفلسفة القومية الاجتماعية المدرحية وأن كتاب نشوء الأمم هو كتاب تقوم عليه هذه الفلسفة المدرحية..

صحيح أن الأمين فاخوري لم يقدم لنا تعريفا للمدرحية من حيث كونها “فلسفة اجتماعية تدرس نشأة الانسان وارتقائه عوامل وأسباب ونتائج” لكنه يُضمن هذا المفهوم بقوله ” أنها لا تبحث في منشأ الكون” ولأنها كذلك ففي نشوء الأمم نجد مبدأها وركنها الأساس، باعتباره ـــ من وجهة نظرنا ـــ المدماك الأول الذي بنى سعادة، على ما تضمنه من نتائج فلسفته المدرحية التي تبقى المبادئ هي التحقيق العملي لها .

 

على هامش مبحثنا ( المدرحية / نقد على نقد /

أخيرا وقد أثمرت الجهود النبيلة التي قام بها الرفيق (ع.ح) في وقوفنا على ما جاء في المقالات الأولى التي تناولها الأمين حيدر بالنقد، / لبيب زويا، كامل المفدم، أنيس فاخوري/ فإننا نعيد قراءتنا لها مقرونة بصور عنها لتعم الفائدة من جهة، ولتأتي رؤيتنا السابقة والراهنة مستكملة كلٌ منها الأخرى، ولنرى إن أصاب الأمين حيدر في نقده لها أم لا.. مع العلم أن المقالات المشار اليها، كانت تحت اشراف سعادة وقد وافق على نشرها، مما يفيد بأنها تأتي على غير ما انتهى اليه الأمين حيدر، فموافقة سعادة تعني أنها تأتي في السياق الذي حدده عنوانها، وقد يكون سعادة قد نقحها إضافة أو حذف منها ما لا يتفق والسياق العام لها..      

إن موقفنا من قول الأمين حيدر:” والحق يقال أن سعادة لم يأت بغير المبادئ” واعتماده مقدمة نشؤ الأمم من حيث كونه”:” كتاب.. اجتماعيّ علميّ بحت تجنّبت فيه التّأويلات والاستنتاجات النّظرية وسائر فروع الفلسفة.. وكذلك على رسالة سعادة الى فايز صايغ والتي يورد منها قول سعادة:” “” إن الحركة نشأت على عقيدة، أي على فلسفة اجتماعية كاملة موجودة في المبادئ وفي كتابات المعلم وشروحه وكتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه وفي قدوته..”” وانتهاء الأمين حيدر لبخس سعادة حقه، يأتي في غير محله، فبناء على ما أورده من مقدمة نشؤ الأمم، واستثناءه إياه، ككتاب علمي غير فلسفي، على الرغم من تأكيد سعادة على أنه كتاب (اجتماعي علمي) تجنب” فيه التّأويلات والاستنتاجات النّظرية وسائر فروع الفلسفة،.. “فهو اجتماعي بالدرجة الأولى، وتجنب ” التأويلات والاستنتاجات النظرية..” لا يعني تجنبه لفلسفة الاجتماع، فالتأويل شيء والفلسفة شيء آخر، هذا من جهة، أما قوله” سائر فروع الفلسفة” فيأتي ــ وفق تحليلنا ــ أن سعادة لم يعتمد أية فلسفة أو أي فرع من فروعها، ليقيم عليه بناءه المناقض لها، على غرار ماركس وفويرباخ تلميذي هيغل، وهذا ما دفع سعادة لاعتماد”  الحقائق الفنيّة الّتي تنير داخليّة المظاهر الاجتماعيّة وتمنع من إجراء الأحكام الاعتباطيّة عليها.. “هذه الحقائق التي يعتبرها الأمين حيدر حقائق علمية لا تمت الى الفلسفة بصلة، يدحضها قول سعادة من أنه” جامع مستوف الوجهة العامّة من نشوء الأمم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسيّة..(من حيث) ” تعريف الأمّة وكيفيّة نشوئها ومحلّها في سياق التّطوّر الإنسانيّ وعلاقتها بمظاهر الاجتماع..” يضاف لما تقدم، أنه وفي الرسالة الى فايز صايغ التي يعتمدها للقول بأن سعادة لم يأت بغير المبادئ، قولٌ تدحضه الرسالة نفسها حيث أن سعادة لم يحصر المدرحية في المبادئ بل، بالإضافة اليها يقول:” وفي كتابات المعلم وشروحه وكتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه وفي قدوته..”” هذا التعميم لم يستثني منه سعادة ( كتبه ) والتي منها بطبيعة الحال، نشؤ الأمم، أكثر من ذلك ما يورده سعادة في رسالة مؤرخة في العاشر من كانون الأول لعام 1947 ــ والتي يستشهد بها الأمين حيدرــ على أن سعادة قد استخدم مصطلح مدرحية للتعبير عن قوميته الاجتماعية، دعوة سعادة” الى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ المادي وحده والإقلاع عن اعتبار العالم ضرورة حرب مهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية والى التسليم معنا بأن أساس الارتقاء الانساني هو أساس مادي ـ روحي( مدرحي) وأن الانسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه.. ” مما يعني، بشكل لا جدال فيه أن نشؤ الأمم هو في صلب تفسير المدرحية من حيث” أن أساس الارتقاء الانساني هو أساس مادي ـ روحي( مدرحي)،  والملاحظ في هذا النص الذي كتيه سعادة والذي يتضمن مصطلح مدرحية لكن ضمن قوسين، بما يعني أن سعادة يأتي على ذكر المدرحية بتحفظ، مما يؤكد ما نوهنا اليه سابقا من أن هذا المصطلح لرشيد سليم الخوري(*)، هذا من جهة، من الجهة الأخرى نجد أن النص يأتي واضحا كل الوضوح بالدلالة على أن المدرحية هي الناموس ( الأساس) الذي يفسر لنا ( أساس الارتقاء الانساني..) كأساس ( مادي ـ روحي( مدرحي) فالقومية الاجتماعية ـ المدرحية هي تفسير لهذا الأساس المدرحي للتطور الانساني، والكتاب الذي اختص بهذه المسألة هو كتاب “نشؤ الأمم” وليس سواه..

وقد سبق لنا وذكرنا أن مصطلح ( مدرحية )  يذكره سعادة ثلاث مرات فقط لا غير، الأولى كانت في هامش من هوامش أحد كتابيه ( الاسلام في رسالتيه وجنون الخلود ) متهكما على رشيد سليم الخوري من قوله ( مدرحية) والتي هي باعتراف سعادة أنها مصطلح يؤول فيه  ما جاء على لسان سعادة من أن أساس التطور الانساني مادي ـ روحي.. أما الثاني ففي رسالته المشار اليها أعلاه، أما المرة الثالثة فهي، مقالته المعنونة بــ ( لائحة العقاقير لا تصنع طبيبا )حيث يقول:” إن الحركة القومية الاجتماعية تأسست على مبادئ الوجدان القومي والعدل الاجتماعي في النظرة المدرحية الى الحياة والكون والفن..” فما يقصده سعادة بقوله هذا، هو أن الحركة ــ الحزب، تأسس على مبادئ الوجدان القومي والعدل الاجتماعي، في اشارة واضحة لقوله بالقومية( الوجدان القومي) الاجتماعية( العدل الاجتماعي) كأساس يقوم على ” النظرة المدرحية الى الحياة والكون والفن..” هذا الأساس هو الأساس المدرحي في تفسير التطور الانساني..”    

نعود ونذكر بالمرتكزات التي نعتمدها في بحثنا هذا / نقدٌ على نقد/ إذ تأخذ فيها المصطلحات الواردة أدناه المفاهيم التالية:

الفلسفة:

 كما نعرفها، هي الكشف عن أعم القوانين في الطبيعة والمجتمع، هي بحثٌ في الكليات التي تنتظم من خلالها جزئيات العلم ـ المعرفة في قوانين أو مقولات أو نواميس عامة حيث يشكل المتكرر منها محورها الرئيس أو عمودها الفقري ..

الناموس

القانون أو المقولة أو الناموس هو وفق سعادة :” اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة.. والنواميس لا تلغي خصائص الأنواع” لاحظ ” استمرار حدوث ..” أي المتكرر..

المادة:

 هي كل ما لا يدين بوجوده للإنسان وجودا ومعرفة، أي أنها كل ما يوجد رغما عن الانسان فردا أو مجتمعا، كل ما هو موجود خارج وعي الانسان ولا يمت بأية صلة بوجوده للإنسان، يقول سعادة:” لا بد لقيام الحقيقة من شرطين أساسيين: الأول الوجود بذاته أي أن يكون الشيء موجوداً. والثاني أن تقوم المعرفة لهذا الوجود. والمعرفة هي التي تعطي الوجود قيمة لا يمكن أن تكون له بدونها.. لأن الحقيقة قيمة إنسانية نفسية والإنسان هو وحده الذي يميز بين الحقيقة والباطل بالمعرفة..” وبما يعني أسبقية الوجود على المعرفة ـ الوعي ..

الروح :،

هي كل نتاج نفسي انساني أيا كان وبأي شكل كان وعلى أي نحو كان / صناعة وغلالا وفكر/ علما ـ معرفة كان أم فلسفة ـ ناموسا حيث موضوعهما يبقى وجودا ماديا أيا كان أيضا.. فالحقيقة، كما يراها سعادة:” قيمة نفسية انسانية” والانسان هو وحده الذي يميز بين الحقيقة والباطل بالمعرفة..”

الفلسفة المدرحية:

 هي دراسة التطور الانساني نشؤا وارتقاء عوامل وأسباب ونتائج..

القوانين أو المقولات أو النواميس المدرحية :

1 ـ المادة تعين الشكل .

2 ـ دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية.

حيث تقوم على هاتين المقولتين أو الناموسين :

1 ـ مقولة / الواقع الاجتماعي/ الذي هو الأمة،

2 ـ مقولة / المراتب الثقافية الثلاث /

3 ـ مقولة الانسان ـ المجتمع / الدولة

4 ـ مقولة / نسبية القيم /

(*) يقول سعادة في جنون الخلود صفحة 60″ومن استعارات رشيد الخوري قوله في الرسالة المحمدية “الدين الإسلامي” إنها “مدرحية” أي “مادي روحي معاً”. فقد يظنّ القارئ غير المطلع أن هذا القول هو فكرة جديدة فلسفية الخوري، والحقيقة أنه مأخوذ من كتابي “نشوء الأمم” ومن شرحي لمبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي. فهو فكرة فلسفية اجتماعية أبديتها في مناسبات عديدة. وآخر ما أعلنته من أمر نظرتي الفلسفية كان في خطابي في أول آذار سنة 1940، الذي نشر في “سورية الجديدة” في العدد الصادر في 27 نيسان من السنة المذكورة. قلت:

إن الحركة السورية القومية الاجتماعية لم تأتِ سورية فقط بالمبادئ المحيية، بل أتت العالم بالقاعدة التي يمكن عليها استمرار العمران وارتقاء الثقافة. إن الحركة السورية القومية الاجتماعية ترفض الإقرار باتخاذ قاعدة الصراع بين المبدأ المادي والمبدأ الروحي أساساً للحياة الإنسانية، ولا تقف الحركة السورية القومية الاجتماعية عند هذا الحد، بل هي تعلن للعالم مبدأ الأساس المادي ـ الروحي للحياة الإنسانية ووجوب تحويل الصراع المميت إلى تفاعل متجانس يحيي ويعمر ويرفع الثقافة ويسير الحياة نحو أرفع مستوى“.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ