دراسة في فلسفة أنطون سعادة الاجتماعية / المدرحية /

دراسة في فلسفة أنطون سعادة الاجتماعية
/ المدرحية /

تمهيد
إن دراسة معمقة في فلسفة أنطون سعادة الاجتماعية / المدرحية / لم تحظَ حتى الآن باهتمام أي من المفكرين القوميين الاجتماعيين أو سواهم من المفكرين السوريين أو العرب ،وكل ما سيلي ، لا يمكن القول أنه يأتي كاستجابة لضرورة توضيح ما كان يعنيه سعادة بفلسفته / المدرحية / أو حتى / الانسان ـ المجتمع / كل ما في الأمر أن هذه الدراسة جاءت استكمالا لدراسة في النظرة ” الاقتصادية ” لأنطون سعادة ، / والتي تبارى مختلف مثقفو الحزب السوري القومي الاجتماعي في تصورها على أنها تقابل النظريات الاقتصادية الأخرى ماركس … كنز ، وتاليا فهمها على غير حقيقة ما جاء به سعادة / لكن التوسع قي مستندات تلك المقدمة أدى الى اعتبارها ( أي المقدمة ) تأتي استكمالا لدراسة فلسفة سعادة الاجتماعية ، وتاليا إثباتها في الخاتمة .

النظرية الاجتماعية والنظرية السياسية عند سعادة .

نحن محمولون على دراسة هاتين النظريتين ، لأننا ملزمون بما قاله سعادة عن مصطلحنا ـ موضوع هذا الاجتهاد ـ من “أن درساً اقتصادياً صحيحاً من الوجهة القومية على أساس نظام سياسي لا قومي هو درس عقيم لا يمكن أن يعطي نتائج صحيحة. ولكن يمكننا أن نتمثل، نتصور الدولة القومية وأن نتصور لها النظام الاقتصادي الذي يكون قوتها الفاعلة ويعطيها الموارد ويعطيها المصالح العامة الكاملة التي تكون متممة لها، وقائمة بتنظيمها لتأمين الخير وحصول الخير في أحسن حالات العدل للمجتمع كله….”
“.. وواضح أن دولة من هذا النوع يجب عليها أن تنظر في حالة المجتمع الاقتصادية وفي النظام الاقتصادي الذي يوفر الاستقرار والطمأنينة والارتقاء وزيادة الخير. وحينئذ لا بد من النظر في الحالة العامة في الشعب”
بمعنى آخر ، أنه لم يقدم مشروعه الاقتصادي لجملة من الأسباب أولها ، بل وأبرزها هو أن الاقتصاد من حيث هو كذلك ، لا يمكن أن يقوم على أساس سياسي ، وعليه فإن أي اجتهاد في هذا المجال ليس سوى تنظير لافتراض غير موجود أو واقع مدروس دراسة إحصائية واستقصائية موضوعية كما تقتضيه النظرية الجزئية ـــــــ الفرد أو الأسرة او المنشأة و تركز على سلوك المستهلك والكيفية التي توزع بها الأسرة دخلها بالإنفاق على مختلف السـلع و الخـدمات. وتحديد مستوى الإنتاج الذي يُمكن المنشأة من تعظيم أرباحها …الخ وكذلك هي الحال في النظرية الاقتصادية الكلية التي تتناول بالتحليل الناتج الكلي للاقتصـاد والمسـتوى العـام للأسعار وليس الناتج ومستوى الأسعار في كل منشأة على حدة وشرح كيفية تحديد الناتج والأسعار للسلع كل على حدة. أما التحليل الكلي فيفترض استقرار توزيع الناتج والأسعار النسبية، ويعامل النـاتج الكلي والمستوى العام للأسعار كمتغيرين محاولاً(التحليل) شرح كيفية تحديدهما.. الخ ـــــــ هذه الدراسة الإحصائية غير ممكنة في الزمن الراهن ، ليس فقط لأن أمة سعادة غير قائمة في الواقع السياسي وحسب ، بل لكون الحكومات في الكيانات القائمة سياسيا تكذب في مختلف مقومات اقتصادها ، يضاف لما تقدم ، ما يقوله سعادة عن حال أمته التي ما تزال من حيث مراتب الثقافة العمرانية في المرتبة الثانية وهي مرتبة / تحصيل الرّزق واستدرار موارده./ أي أنها خارج مرتبة / التنظيم الاجتماعي والاقتصادي / والتي تشكل أساس حضارة القرن العشرين المنصرم ، يقول في مؤلفه ” نشؤ الأمم ” .. ” والحالة الثانية (ويقصد مرتبة تحصيل الرّزق واستدرار موارده) ..هي الحالة التي تحاول سورية الخروج منها الى المرتبة الثالثة “.
1 ـ دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية
في مؤلفه ” نشوء الأمم ” ـ والذي لم يُقرأ بعناية من قبل المتعاقدين مع سعادة ، لعلة في ذاتهم ، أو من الباحثين العرب وغيرهم لأسباب سياسية محضة ـ في مؤلفه المذكور، يعيد سعادة دراسة التاريخ البشري في محاولة منه لاستخراج مقولات التطور التي انتهت بالبشرية لما هي عليه مجتمعا ودولة ، ولتحديد البنية المادية والنفسية لكليهما ، متعارضا كل التعارض مع المدرسة المادية ممثلة “بماركس وأنغلز” من حيث أن البنية الطبقية هي الأساس المادي الذي قام عليه كلٌ منهما ،كذلك رفضه المطلق لما جاء به الفلاسفة التعاقدييون أمثال ” هوبز ولوك وروسو ” من حيث الطبيعة البشرية من جهة وبنية السلطة السياسية من جهة أخرى ،ولا مجال للمقارنة ، من الوجهة العملية ، بين طروحات أنغلز في ” أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة ” وطروحات سعادة في “نشوء الأمم ” إذ يتميز سعادة بالتحليل العلمي الدقيق لمجريات التطور من جهة واعتماده للعلم المقارن في ما انتهى اليه مؤلفه يضاف لما تقدم الروية وعدم الانفعال في ترك مجريات التطور في سياقها العام التاريخي دون تلك الحتمية التي قاد بها أنغلز العملية الاقتصادية وانتهى بها الى النظرية المادية في مؤلفه الموما اليه ، سعادة وفق مقولته التي تتلخص بأن حياة الانسان الناشئ بالتطور تدور في مجملها في ثلاثيَّة / المحيط ـ الجسم ـ النفس / يعيد ترتيب فكرة نشؤ الانسان للمجرى الطبيعي، حيث الطبيعة هي الأساس الذي شكل رحم ولادة النوع الحياتي بشكله العام ، والانساني على وجه الخصوص ، وهي مقولة ذات أهمية من حيث الحاجات البشرية ، اذ لا يمكن تصور الحياة بما تعنيه بغير هذه العلاقة ، فالمحيط ، الأرض ، البيئة ، هي الجانب الايجابي في هذه العلاقة، والذي يقدم مختلف امكاناته دفعة واحدة ، بينما يلعب الجسم ( بمعنى الانسان ) الدور السلبي والذي يلبي حاجاته مداورة أي بالعمل ، بينما تأتي النفس في المحصلة لتنعم بالطمأنينة والأمان وإشباع الحاجات الجسدية والنفسية معا (المأكل والمشرب والشعور بالراحة، اللذة ، الطمأنينة ….) وهي لذلك علاقة معقدة لجهة تبادل عناصرها الأدوار ،ذلك أنه وتبعا للحاجة الملحة والآنية في كثير من الأحيان ، يقود أحد عناصر العلاقة العنصرين الأخريين ، وعلى مدى زمني تحدده درجة الإشباع لديه ، وتاليا فهي ليست ذات منحى مستقيم أو مستقر ، بل في حال تأرجح مستمر ولا تجد لها مستقرا مهما حاولت عناصرها التكيف مع بعضها البعض ، لذلك هي في حال تغير وتبدل وتطور مستمر ، وفق ما تفتضيه الأوضاع والظروف والأحوال في قيادة أحدها للعنصرين الآخرين ، فتارة نجد النفس ـ بمعنى العقل ـ هي التي يعود إليها التقرير ، بينما يأتي الجسم ـ بمعنى الحاجة أو درجة الاشباع ـ في طور آخر لتولي القيادة ، وقد يكون المحيط ـ بمعنى الطبيعة أو البيئة ـ هو العنصر القيادي في هذه العلاقة من حيث محدودية موارده الطبيعية ،كالبيئة الصحراوية…هذه العلاقة التبادلية لعناصر العلاقة هي التي حددت المنحى العام لدراسة التاريخ البشري عند سعادة ، لذا نجده في أحيان يقدم البيئة على الحاجة وتارة النفس على الحاجة وفي طور ثالث يقدم الحاجة كشرط أساسي وجوهري لقيام العلاقة الآنفة الذكر.
هده العلاقة الثلاثية ، والتي عليها وفي ضوئها، يمكننا فهم ماهية الفرد ، من حيث هو كذلك ، وتاليا فهم الكيفية التي يتعامل من خلالها مع وجوده بمختلف أشكال هذا الوجود ، هذه العلاقة الثلاثية تتضمن في ما تتضمنه ،كيفية وعي الانسان لوجوده وتاليا تطوره الى ما هو عليه ، فلقد تمثل المحيط أو المكان لدى الانسان في ثلاثية (الطول ، العرض ، الارتفاع ) والزمن في ثلاثية ( الماضي ،الحاضر ، المستقبل ) والجسد في ثلاثية (الحيوي ـ الوظيفي ـ النفسي ) والاجتماعي ثلاثية ( أنا ، أنت ، هو/ نحن/ ) أما النفسي” القيم ” في ثلاثية ( الهوْ ، الأنا ، الأنا العليا ) …الخ ، وعليه يمكننا تصور ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح (الدائرة النفسية) للإنسان ذات الأبعاد الثلاثة ، والتي منها ينطلق سعادة في تأكيد نشأته بالتطور، إذ ، وحتى تكتمل هذه الدائرة وتُغلق كان لا بدَّ لها من بُعدٍ رابع هو افتراضي بطبيعة الحال ، فما يجهله الانسان تمثل في (الغيب ، أو المطلق ، أو الله والأخير هو المصطلح العبري للإله إيل ـ لاحظ جبرا إيل ، عزرا إيل ، إسما إيل ) ، وهو البعد الذي نتج عن تطوره العقلي في محاولته تفسير الظواهر الطبيعية والنفسية التي كانت ترافقه في حله وترحاله ، لكن أبرز ما أدى إليه ـ هذا البعد الرابع ـ في هذه الحالة ، كان الحُلُمْ ، والذي كان نتيجة تطور بيلوجي ـ فيزيولوجي محض ، اقتضى بلوغ الذاكرة درجة تخزين الأحداث ولتبلغ في ما بعد مستوى الحلم والذي كان وراء محاولته تلمس معنى المجهول عبر مشتقٍ بالغ الخطورة ألا وهو: السؤال ، والذي تطلب الكثير من الجهد في محاولة الانسان الإجابة عليه ، إذ كيف يجد تفسيرا لما يراه في نومه من أحداث لها علاقة مباشرة بمن كانوا حوله وافتقدهم بالموت ، هم يحدثونه ويقدمون له جملة من العظات أو التحذيرات او السرديات ..، والتي ما هي إلا تقاطع في معلوماته الذاتية عمن حوله ( أحداثا وأشخاصا ) كان الحلم ، حقيقته الوحيدة التي آمن بها ، هو يحدّثُ ” أرواحا ” ما تزال تحاوره وتجيبه عن أسئلته ، وهذا ما استدعى بالضرورة تخيل أو تصور عالم آخر يعود اليه ما يراه في حلمه …، وليحقق به بعضا من استقراره في الإجابات البدائية لمصدر وجوده وصيرورة هذا الوجود، وهذا ما قاده بطبيعة الحال لإيجاد تفسير لكل ذلك في البعد الرابع من دائرته النفسية، وهو البعد الذي نسمح لأنفسنا بإطلاق مصطلح ” المجهول ” عليه اذن ،ووفق هذه الدائرة النفسية يمكننا فهم الطبيعة البشرية الفردية منها والمجموعية، وفي خلاصتها الطبيعة الاجتماعية وتشكل المجتمعات . فإذا كانت الحاجات البشرية قد تحددت بما تنتجه الطبيعة ، فإن الطبيعة ، هي الأم والرحم الذي تكونت به نفسية الانسان وحاجاتها وما تولّدَ عنها ، هكذا يبدو الانسان ـ فردا ومجتمعا ـ على صورتها ومثالها ،وتاليا تتباين نتيجة ذلك الجماعات والأقوام وفق تباين بيئاتها الطبيعية …
لم يحظَ هذا المؤلف الرائع ، بما يليق به ، ذلك أن قُرّاءه لم يبنوا على مقولاته الصروح التي يدلل عليها في علم الاجتماع ، فأبقوا مقولاته في الدائرة التي أوردها سعادة بها ـ على سبيل المثال أو الاستنتاج ـ ولم يستنبطوا منها ما أراد لهم سعادة أن يستنبطوه ، إذ أن سعادة ، أقام بناءه الاجتماعي على خلاصة مفادها أن دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية ما تزال تعيد نفسها بأشكال عدة ، رغم التطور الذي بلغته الإنسانية اليوم ، وأنها ما تزال تولّدُ مقولاتها المنسجمة مع التطورات المتلاحقة التي تمر بها البشرية وإن يكن لا أحد يتنبه لكونها هي التي ترسم المنحى العام لصيرورة الانسان الاجتماعية والاقتصادية ، وأنها وراء ما يعانيه من أزمات متلاحقة في ميادينه المختلفة ، ذلك أن ركاناها ما يزلان يفعلان بقوة غير آبهة بما يتوخاه الانسان من مختلف محاولاته الخروج من دائرتها (الدول الحديثة ) ، وأن مدى الانسجام ومتطلباتها يولد تلقائيا الاستقرار الذي يرضاه الانسان لحياته ، والعكس صحيح ، فالأزمات التي يعاني منها الانسان ومدى شدتها وقسوتها وصعوبتها تعود لمدى التضاد معها ، وأن السياسة التي تحاول أن تكيف كل ما هو اجتماعي وفق الاقتصادي ، تبقى سياسة توليد الأزمات ، فالاجتماعي يبقى الأساس في كل ما هو انساني وتحديدا ـ الاقتصاد ، من حيث هو” الرابطة الاجتماعية الأولى” ، “أو الأساس المادي الذي يقيم عليه الانسان عمرانه” ، كما يقول سعادة ، هو الأساس المادي ، لكنه من حيث هو كذلك ، يبقى الرابطة الاجتماعية الأولى ، ويكتسب خصائصه من حيث هو مجرد ” رابطة اجتماعية ” فخاصيته الاجتماعية ملازمة له في كل توجهاته ، فإذا ما انحرف عنها بات عليه أن يعاني نتائج هذا الانحراف ، ومع ذلك ، يبقى الاقتصاد الركن الأساس في كل ما للإنسان علاقة به ، اذ لا يمكننا تصور “مجتمعاً يقوم على غير أساس التّعاون الاقتصاديّ” إن أهمية العملية الاقتصادية عند سعادة تبلغ درجة كون ” الاقتصاد هو نقطة الابتداء في بحث حالات الاجتماع حتّى إنّنا نرى الحالة الاقتصاديّة تؤثّر على الحالة البيولوجيّة أحياناً “بل ويضيف مؤكدا أن “التّطوّر الاجتماعيّ هو دائماً على نسبة التّطوّر الاقتصاديّ” من هنا تأتي أهمية العامل الاقتصادي في حياة الشعوب وتوقها المستمر لتأمين احتياجاتها المادية ، ما وجدت اليه سبيلا ، هذه الأهمية التي يكتسبها الاقتصاد تشكل بيت القصيد في نظرية سعادة الاجتماعية / دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية / .
يسهب سعادة كثيرا في شرح نظريته الاجتماعية التي تدور بمجملها حول الخاصية الاجتماعية للاقتصاد دون تنحية الاقتصاد عن محوريته في عملية التطور الاجتماعي ، فالتطور الاجتماعي تابع للتطور الاقتصادي وتاليا فكل ما هو اجتماعي هو اقتصادي بالضرورة ، من هنا كان العمل ونظامه التعاوني ” مصدر نظام الاجتماع وأساس بناء المجتمع..” وعليه ، يمكننا وصف النظرية الاجتماعية عند سعادة بنظرية الاقتصاد الاجتماعي ، فعلى الرغم من أن الاقتصاد مولود اجتماعي فهو قد تبواء مركز الصدارة في المجتمع ولينسل على غراره مختلف المصالح الاجتماعية الأخرى بــ “العمل” وهذا الأخير ، من حيث هو منتج اجتماعي تعاوني ، يبقى محور العملية الاقتصادية النووي ، والعمل من حيث هو مُنتج اجتماعي يبقى محوره الانتاج ، انتاج مقومات الحياة في صيرورتها الطامحة لأقل جهد وزمن مقابل أكبر انتاج كما نوعيا ، وهكذا وضع سعادة مقدمته بضرورة “تنظيم الاقتصاد على أساس الانتاج ” أي على أساس أقل جهد وزمن مقابل أكبر انتاج نوعي ، ملخصا إنصاف العمل بتناهي الواجبات الى أقل ما يمكن مقابل تناهي الحقوق الى منتهى ما يمكن ، أما مصلحة الأمة والدولة فتبقى في أن الدولة ، بما أنها منتج اجتماعي ، فهي بطبيعة ذلك مؤسسة انتاجية لا يمكنها أن تسخّرَ المجتمع لأغراضها أو تكون عالة عليه . هذه هي قواعد الانطلاق ، عند سعادة ، لبناء هيكلية الاقتصاد الاجتماعي الذي توج به مقولته / دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية / .
وقد لا تتضح ، صورة ما تقدم وأهميته ، على مستوى النظريات الأخرى ، إلاَّ بتناولها ،من الوجهة الاجتماعية ـ الاقتصادية ، حتى لا نخرج عن سياق اجتهادنا في مصطلح / الاقتصاد القومي الاجتماعي / .
إميل دوركهايم ، كارل ماركس، ماكس فيبر ، انطون سعادة
كما سبق وأشرنا الى أن أهمية ” نشؤ الأمم ” لا يمكن أن تتضح كإسهام في علم الاجتماع ، إلا عبر مقارنته بغيره من مؤلفات علماء الاجتماع الذين كانت لهم اسهاماتهم في هذا العلم ، وجدير بالملاحظة ، أن هذا المؤلف قد حورب بشكل خفي ومن وراء الكواليس حتى لا تتم دراسته على مستوى علم الاجتماع ، ولقد وقفت الصهيونية العالمية وراء ذلك لأنه يناقض كليا ما قامت عليه ، نضيف ، أن المتعاقدين مع سعادة ، ولضحالة في ثقافتهم العامة وفي علم الاجتماع ، على وجه الخصوص ، ، قد جانبوا البحث به أو هم ـ كما سبق واسلفنا ـ أنهم لم يستنبطو من مقولاته ما يمكنهم من استشراف مستقبل امتهم بل وحزبهم كمؤسسة ينطبق عليها ما جاء به هذا المؤلف العظيم ، ولانشغالهم بمشاكل الحزب الداخلية ، والتي طغت على كل اهتمام آخر ، من جهة ولما يتطلبه البحث المقارن من جهد من جهة ثانية ،مع ضرورة لفت النظر لمحاولة أو محاولتين في هذا المجال ، لم تنالا ما تستحقانه من عناية ودراسة واهتمام ..
بداية ، لا بدَّ لنا من تحديد مفهوم النظرية عموما والنظرية الاجتماعية والسياسية على وجه الخصوص ، أيضا . تجنبا للوقوع في مأزق مفهوم ودلالات المصطلحات .
مفهوم النظرية :
في العلوم الانسانية وتحديدا في علم الاجتماع والسياسة ، هناك الكثير من التعريفات التي تتناول مفهوم النظرية تبعا لمنطق ومنهج ومعيار النظرية بذاتها ، لكنها ، على اختلافها ، تبقى تتفق في المنحى العام لتعريف النظرية من حيث أنها ـ قانون عام مُسْتقى من المتكرر في موضوع النظرية ، ذلك أن التكرارية تعني الموضوعية التي لا يمكن تجنبها مهما حاولنا ذلك ،وأنه من خلال هذه التكرارية يمكننا تفسير مختلف الظواهر التي يتناولها موضوع النظرية تحديدا ـ وعليه فإن على النظرية أن تكون ذات خصائص ومواصفات تسمح باستنباط مستجدات صيرورة موضوعها والتنبؤ بها قبل حدوثها ، وهي لذلك عليها أن تكون متماسكة من حيث البناء ومتسقة من حيث المنهج وغير متناقضة من حيث النتائج .
ويثير تعريف النظرية الكثير من الاشكاليات المتشابكة والمعقدة من حيث مفهوم النظرية وتصنيفها وأنماطها ووظائفها وقدرتها على توجيه البحث في موضوعها وأخيراً قدرتها على الكشف عن الثغرات في معارفنا ..وإن كنا نكتفي بالتعريف دون مشتقاته فما ذلك إلا بدافع بقائنا في فلك محور بحثنا / الاقتصاد القومي الاجتماعي / هذا من جهة ، من الجهة الأخرى ، لن نتناول أعمال من سبقوا سعادة في هذا العلم إلا من الوجهة الاقتصادية ، على الرغم من ضرورة تناول تلك الأعمال لبيان أهمية ما قدمه سعادة في مجال علم الاجتماع “1”.
في محاولتنا مقارنة ما قدمه سعادة من اسهام في مجال علم الاجتماع ، لا بد من التنويه الى أنه كان من المفيد أن نبدأ بابن خلدون كمؤسس لعلم الاجتماع الأقرب للمقارن من غيره ، لكن وجهة البحث تحول دون ذلك .
إميل دوركهايم (1858ـ 1917)
بداية ، أيضا ، لا بدّ لنا من التنويه أن ما دفعنا لتناول نظرية دوركهايم الوظيفية ، هو أنها تزامنت مع مؤلف سعادة الذي وضعه في عام 1936 ، وأنها النظرية التي شغلت بمقولاتها علماء كُثُر وبذلت جهود كبيرة من أجل توطيدها كمقولات جوهرية في علم الاجتماع ، لكنها ولعلة في ذاتها ، لم تكن في مستوى التحدي الذي واجهته في النصف الثاني من القرن العشرين وتحديدا في العالم الغربي وأمريكا ، حيث التطورات العلمية التي دفعت لأخرى اقتصادية وهذه لما أحدثته من تغيرات في البنى الاجتماعية ، أثبتت بما لا يقبل الجدل فيه أن النظرية الوظيفية عاجزة عن تفسير اسباب وكيفية ونتائج حدوث مثل هذه التطورات ، هذه التطورات التي أكدت ما سبق ونوه عنه سعادة في أن “التّطوّر الاجتماعيّ هو دائماً على نسبة التّطوّر الاقتصاديّ”
ولا بأس أيضا من التنويه بأن الأهمية التي اكتسبتها النظرية الوظيفية كانت نتيجة انتصار الفلسفة المادية لماركس في روسيا ، والتي وضعت الاختيار الديموقراطي الغربي على المحك مقابل ديكتاتورية الطبقة العاملة ـ ممثلة بديكتاتورية الدولة ـ والرأسمالية مقابل الاشتراكية ، على الرغم من وجود نظريات أخرى في علم الاجتماع كــ ـ نظرية التوافق ونظرية الصراع ونظرية الفعل ـ والتي بقيت في الظل على الرغم من اسهاماتها في بيان بعض الحقائق للتطور المجتمعي منطلقا ووسيلة وغاية.
النظرية الوظيفية :
يتناول دوركهايم ورفاقه / مالينوفسكي وارد ، كليف بروان ، ايفانو بريشار ، وميرفورتس ، وماكس غلوكمان ، تالكوتبارسونز.. / ، المجتمع من حيث هو كذلك دون التطرق لفكرة التطور التي قادت اليه ليكون كذلك ، أي تناوله من حيث أنه وجود موضوعي بالنسبة للأفراد الذين يشكلون بنيته الأساسية ، ولا يتطرق دوركهايم للاقتصادي في البنى الاجتماعية باعتباره مُتَضَمَناً بها ..
يركّز دوركهايم على دور الوظيفة الاجتماعية في بيان صيرورة المجتمع من حيث هو كيان قائم بذاته يجد فيه الفرد نفسه مجبرا غير مختار للدور الذي يمكنه القيام به ، فصحيح أننا نعتقد أننا نختار ما نعتقده ونؤمن به ، لكننا في الحقيقة نحن نتكيف ونتلاءم مع ما نشأنا عليه ، فالمجتمع كوجود موضوعي سابق على الأفراد لا بد لهم من الانصياع لمعطياته ، فكما أن الطبيعة سابقة لوجود الحياة ، ونحن ملزمون بالتوافق معها ، كذلك المجتمع بأسبقيته على وجود الفرد يحتم عليه تقبل ما هو قائم خارجه ، ويشدد دوركهايم على أن القوانين الاجتماعية لا تختلف عن تلك التي في الطبيعة ومن هنا فالعلم أقدر على اكتشافها عبر العلوم أو الطريقة الوضعية ، ذلك أن الوضعية هي الطريقة الكفيلة باكتشاف الحقائق الاجتماعية ،باعتبارها قابلة للتجريب ، أي أننا بمجرد امتلاكنا الدليل للعلاقات السببية ـ والتي يمكن تحديدها عن طريق الحواس ـ نكون قد امتلكنا الدليل المادي للفعل ، من هنا يرى دوركهايم أن الخلل الاجتماعي سببه ” نقص أو ضعف” في المعايير التنظيمية للمجتمع ، وعليه فإن حرية الفرد تتكون في ظل التخلص من الانقياد الأعمى لقوى الجهل المادية وفي المقابل فإن (الذكاء) هو الرد أو الرفض الفعلي لهذه القوى وتاليا الحفاظ على النظام والتناغم والاتفاق في الشؤون الاجتماعية
بالنسبة لدوركهايم ، فان البنى الاجتماعية تتكون من مجموعة من المعايير والقيم والتي بدورها تحدد سلوك الفرد الاجتماعي ، ذلك أنها سابقة لوجودهم ، وأنهم من خلال التنشئة التي تشكل محتوى الفكر لديهم يتقبلون ويتكيفون مع القوانين الاجتماعية التي لا تختلف عن قوانين الطبيعة ، وعليه فالنظام الاجتماعي يضحى نابعا من الالتزام والذي هو شرط حرية الفرد ، هكذا يكون النظام الاجتماعي والتناغم والاتفاق مشكلا لشؤون المجتمع ..
ولا يمكن فهم ما تقدم عند دوركهابم إلا من خلال التشابه الفعلي بين المجتمع والكائن الحي، فالمجتمع هو كائن حي له خلاياه ( مؤسساته )التي تعمل بشكل متسق مع غيرها من الخلايا وبتناغم كلي ، وهي اذ تقوم بما هي مسؤولة عنه ـ والذي يمثل بطبيعة الحال ما ترغب به وتتطلع اليه ـ تحقق ذاتها بالعمل المتناغم والمتكامل مع سواها من الخلايا ، شريطة قيام الخلايا الأخرى بما هو مناط بها ، وهكذا تمثل الخلية الفرد وبتعاضدها مع سواها تشكل أجهزة الجسم ، فالكبد مثلا هو مجموعة من الخلايا المتناغمة والمتسقة بعضها مع البعض ،وهو لذلك أقرب ما يكون للمؤسسة الاجتماعية ، وبهذا التعاضد والتكافل ، تتشكل مختلف المؤسسات الاجتماعية ، والتي ، أيضا ، بتعاضدها وتكافلها يستطيع الجسم الحي ـ المجتمع ، القيام بوأد نفسه ، وفي الحالة المعاكسة لحالة التناغم هذه يعتل الجسم ويختل ولا يعد بقادر على القيام بما هو مسؤول عنه ، حياته ، معرضا نفسه للتفكك والانحلال والموت ،من هنا يرى دوركهايم إن الحركات السياسية الاجتماعية هي حاجة اجتماعية لتشخيص الحالة الاجتماعية التي يكون عليها المجتمع والتي تكون عليها مهمة التنبؤ والتنبيه للخلل قبل حدوثه فهي كالعوارض التي تنتاب الجسم الحي مدللة على حدوث خلل ما يجب التنبه اليه بإعادة تأصيل القيم الاجتماعية بشكل سليم للوصول لمجتمع صحي سليم مترابط يسود الود بين أفراده ويتم تحديد دور كل منهم بداخله .
لا يعتقد دوركهايم أن الدين حركة سياسية ، لكنه يتخذ من وظيفته الهدف منه، وهذه الوظيفة وفق تعبيره هي ” توحيد الأفراد داخل النظام الاجتماعي وتاليا فهو وسيلة للتضامن الاجتماعي وتماسكه ” اذ أن الدين يبقى في ماهيته ليس مجرد طقوس وعبادات تختلف الى هذا الحد أو ذاك ، بقدر ما هو عامل محوري لتوحيد المجتمع واستمراره ،لذا فالدين يتواجد حيث تحتاج كل الأنظمة الاجتماعية للترابط والتوحد ، ولأنه كذلك فإنه في الحال المعاكسة ، أي في الحال التي لا يكون فيها جامعا لكل القائلين به ـ رغم اختلافاتهم ـ فإن ” الفرق ستتنافس وتتقاتل تجاه المصادر المحدودة المتاحة في المجتمع الذي يعشون به ومن ثم سيقومون بسحق كل منهم الآخر ” وعليه فإن المهم بالنسبة للوظيفيين ، ليس الدين كمعتقد من حيث الماهية بل بالتأثيرات الاجتماعية المصاحبة لهذه المعتقدات .
أن افتقار النظرية الوظيفية عند دوركهايم لدور الاقتصاد في العملية الاجتماعية دفع ب ” مالينوفسكي ” ـ وهو عالم أنثروبولوجي ـ لسد هذه الثغرة وبيان أثر الاقتصاد في السياسة والاجتماع ، وذلك بدراسته الميدانية لمجموعة من القبائل البدائية تنتشر على مجموعة من الجزر الصغيرة على ساحل غينيا الجديدة وكل ما استخلصه على مدى أربعة أعوام كان مجرد تطبيق لنظرية سعادة في أن البيئة الطبيعية بما تقدمه من امكانات لسد الحاجات البشرية تبقى هي التي ترسم للمجتمع متجهاته في السياسة والاجتماع ، والخطأ الذي وقع به مالينوفسكي هو في تعميمه ما استقاه من هذه الدراسة الميدانية على المجتمعات الاخرى وفق مفهوم دوركهايم لمعنى الوظيفية وقد شاركه في هذا الاتجاه مجموعة من العلماء الانثروبيلوجيين الآخرين دون التنبه لما يعنيه هذا التعميم من أن دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية من حيث مواصفاتها وخصائصها تبقى في نطاق البيئة الطبيعة التي أوجدتها ولا يمكن تعميم هذه الخصائص والمواصفات على بيئات أخرى تختلف عن هذه البيئة أو تلك الى هذا الحد أو ذاك من حيث محدودية الموارد الطبيعية التي تطبع الصيغ التي من خلالها تنتظم جملة العلاقات السياسية والمجتمعية ، فالعلاقات الداخلية ، أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية أم ثقافية .. ، تبقى في نوعيتها وخصائصها ومواصفاتها ، خاصة بالبيئة التي انتجتها ،هذا التعميم الذي وقعت به النظرية الوظيفية ناتج عن افتقارها لفكرة التطور أدى بها لفقدان النسق التطوري أو المتكرر في العملية الاجتماعية والذي هو القانون العام لمجرى تطور المجتمع في أية مرحلة من مراحله فردا كان أم مجتمعا ، والذي يتحكم بصيرورة المجتمع وهذا يعني فقدانها القدرة على التنبؤ بالمشاكل التي يمكن لها أن تنشأ في هذا المجرى …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“1” ـ على غرار الدراسة التي نشرتُها في مجلة فكر الصادرة عام 1981 تحت عنوان ـ دراسة مقارنة بين المادية التاريخية والقومية الاجتماعية ولم أعد أذكر الاسم “الحركي ” الذي عنونها وهي مفيدة في هذا المجال على الرغم من كثرة الأخطاء المطبعية التي حرفت متجهاتها في فقرات عدة . ـــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) المادية التاريخية
/ كارل ماركس وفريدريك انغلز / 1820 ـ 1895
لم يكن كارل ماركس معاصرا لسعادة بقدر ما كان فكره مقارعا للفكر القومي الاجتماعي عبر الحزب الشيوعي الذي تأسس في عشرينيات القرن المنصرم ، مدعوما وبقوة من الاتحاد السوفيتي الحديث النشأة ، وعلى ما نعتقد ، فإن مؤلف نشؤ الأمم كان بمثابة الرد على المادية التاريخية بشقيها الفلسفي والاجتماعي ،
يكمن الخلاف الفلسفي بين ماركس وسعادة في ثنائية كارل ماركس (ابيض ـ أسود ، سالب ـ موجب ، يروليتارية ـ برجوازية ..) وثلاثية سعادة ،(جذب ـ نبذ ـ انعدام جاذبية ، إلكترون ـ بروتون ـ نيترون ) على سبيل المثال ،وعليه ، فإن تتبعنا لهذا الاختلاف يحفزنا للتعريف بكل من المادية الديالكتيكية وإسقاطاتها على المجتمع الانساني في ماديتها التاريخية ، مؤكدين في توجهنا هذا على أن الكثير من المتابعين لم يقرؤوا أو يدرسوا كلتا النظريتين أو حتى يطلعوا على واحدة منهما بالشكل الذي يجعلهم بقادرين على استخلاص النتائج المرجوة منهما ، شأتهم في ذلك شأن الماركسيين في مجملهم ما كانوا على اطلاع بما هم مؤمنون به على نسق القوميين الاجتماعيين الذين اكتفوا بما سمعوه تواترا عن عقيدتهم أو تصفحوا بعضا مما كَتَبَهُ سعادة دون التعمق والتأمل الفلسفي بما جاء به ، فجاءت قناعاتهم بناء على خلفيات ثقافية تنوعت فيها مصادرها ومتجهاتها وتباينت فيها أيضا إطروحاتهم الفكرية حول ما استخلصوه من هذا الفكر ، وأيضا على غرار الماركسيين ..
المادية الديالكتيكية :
هي باختصار شديد : إن منطق الحياة (الانسان والمجتمع ) هو منطق الطبيعة التي أوجدتها ، أي منطقا جدليا (ديالكتيكيا ) لأته يحمل في ذاته السلب والايجاب ، بكل ما يعنياه من تضاد ، صراع ، تناقض . لذا جاءت المقولات المادية لدى ماركس ، رداً على مقولات هيغل و فويرباخ ودوهرنغ التي انتهجت نهج الدين في تفسير مجمل الطروحات الفلسفية والاجتماعية ، متبنية الطرح البرجوازي الذي أبقى على التصنيف الطبقي للمجتمع من أن “الله” قد خلق العالم بما فيه الانسان مبررا هذا الخلق بشتى المبررات التي تجعل منه كيانا غير مدرك بالنسبة للإنسان الذي تبقى وظيفته مرضاة خالقه…، يقول ماركس في هذا الصدد : “إن أسلوبي الديالكتيكي لا يختلف عن الديالكتيك الهيغلي وحسب، بل هو نقيضه المباشر. فهيغل يحول عمليـة التفكير، التي يطلق عليها اسم الفكرة حتى إلى ذات مستقلة، انها خالق العالم الحقيقي، ويجعل العالم الحقيقي مجـرد شـكل خارجي ظواهريُ للفكرةُ. أما بالنسبة لي، فعلى العكس من ذلك، ليس المثال سوى العـالم المـادي الـذي يعكـسه الـدماغ الإنساني ويترجمه إلى أشكال من الفكر.” يضيف أنغلز ” إن النظرية المادية العالمية هي ببساطة إدراك الطبيعة كما هي، بدون أي تحفظ” بمعنى آخر ،وعلى النقيض الميتافيزيقي ، فإن الماركسية تؤكد على النهج العلمي الذي يرى العالم وجودا مستقلا كل الاستقلال عن فكرة الخلق المباشر، ذلك أن ما نفكر به يأتي انعكاسا لوجود موضوعي (مادي ) يوجد خارج فكرنا وليس العكس ، الطبيعة بالتحديد ، وعليه ، فإنه لا يمكننا فهم الطبيعة ـ طبيعة الأشياء والكائنات الحية ، إلاّ بمعرفة وفهم سياقها العام الذي يتمحور حول كونها كلاًّ واحدا لا يمكن تجزئته أو عزل شظاياه أو تجلياته بعضها عن بعض ، حتى على المستوى النظري ، فهي كلٌ مترابط بعضه مع بعض عضويا بحيث أن كلاً منها يعتمد على الآخر في ظاهراته وتجلياته ، لذا كانت المادية الديالكتيكية في نهجها وأسلوبها وتفهمها وتفسيرها وفكرتها إسقاطا فلسفيا لما هي عليه الظواهر الطبيعية بكل مواصفاتها وخصائصها وتجلياتها على الحياة بما فيها الكيان الاجتماعي ،وطالما أن “المادي” هو الوجود الحقيقي والفعلي، فإن أبرز خصائصه التناقض ، لأنه يحمل في ذاته كل ما هو سلبي وايجابي بآن واحد ، طبيعة كان أم مجتمعاً ، وعليه فإن المادية الديالكتيكية مترابطة هي أيضا ترابطا كليا بعضها مع بعض ترابط الطبيعة العضوي باعتبارها انعكاسا لها ، بحيث لا يمكن فهم هذه الفلسفة بعزل مقولاتها بعضها عن بعض بل لا بد من أخذها كلاً متكاملاً ، بدئا من كون الديالكتيك هو النقيض المباشر للميتافيزيقا مرورا بالطبيعة والانسان فردا كان أم مجتمعا في سياقه العام ، أي ، في حركتة الدائمة ، في تغير وتطور مستمر ويكتسب مختلف خصائصه من الوجود المادي (الموضوعي) الذي لا يمكن فهم حركته التطورية إلاً من حيث أنها لا تحدث بصورة عرضية بل نتيجة تراكمات كمية غير محسوسة وتدريجية ، تطورٌ يبدأ كميا لينتج تطورا كيفيا ( كتحول الأوكسجين الى أوزون بمجرد إضافة إلكترون واحد ) هكذا تؤدي الزيادة والنقصان الكمي البحت الى طفرة كيفية ، بمعنى أن الزيادة والنقصان الكمي ما هو إلا تجلٍ للتناقض الذاتي في المادة التي تحمل بين جنبيها السلبي والايجابي معا ، أو كما يقول لينين ” إن الديالكتيك بمعناه الاعتيادي هو دراسة التناقضات في جوهر الأشياء .. إن التطور هو صراع الأضداد ” هكذا يبدو الديالكتيك كقانون لتطور المادة المتحركة أبداً الى الأمام والأعلى ،وعليه فإن المادية الديالكتيكية تعتبر أن المادة ، الطبيعة ، الوجود ، هي حقائق موضوعية موجودة خارج وعينا ومستقلة عنه ،والذي يبقى انعكاسا لها بكل ما في الكلمة من معنى ، وتاليا فإن الفصل بين الفكر والمادة المفكرة تبدو عملية شبه مستحيلة ذلك أن المادة هي الذات لجميع التغيرات ، إن المادة ، الطبيعة ، الوجود ـ الجسم الطبيعي ـ هي الأساس بينما تأتي الروح ، الوعي ، الاحساس ، الكيان النفسي ، هي الثانوية ، والفكرة الرئيسية التي تؤكدها المادية هي أنه ، وبناءً على ما تقدم ، فإن معرفة الوجود معرفةً موثوقة ممكنة طالما أنها خاضعة للتجربة والتطبيق ، على أن لا يعني ما تقدم أن لا أهمية ولا معنى للروح ، الوعي ، الاحساس ، الكيان النفسي ، بل على العكس تماما ، فماركس يرى أن ” اختزال الأفكار الى مجرد أنها انعكاس للأوضاع المادية هو ببساطة خطأ منطقي فالتفكير والوجود المادي متميزان يقينا وفي نفس الوقت متداخلان في وحدة كل مع الآخر إذ أنه مما لا جدال فيه أنه لا يمكننا أن نخلق تصورا مثاليا ما لم نكن قد تصورنا أيضا مجالا ماديا ، فقطبا التضاد يخلق كل منهما الآخر ويحدده ” هكذا ” تصبح النظرية قوة مادية عندما تستحوذ على الجماهير ” أو كما يقول ستالين “..وهكذا فان الآراء والنظريات والمؤسسات السياسية، لدى نشوئها على أساس المهام الملحـة لتطـور حيـاة المجتمـع المادية، على أساس تطور الكيان الاجتماعي، تقوم هي ذاتها برد فعلها على حياة المجتمع الماديـة وتخلـق الظـروف الضرورية لتنفيذ المهام الملحة لحياة المجتمع المادية تنفيذا كاملا وتجعل المزيد من تقدمها أمرا ممكنا.”
ما تقدم يأتي تجسيدا لمقولات الماركسية الأساسية وهي :
(1)عمليات التراكم الكمية تؤدي إلى تغيرات كيفية،
(2) التناقض بين مكونات الأشياء يعد الأساس في حركتها
(3) وما من شيء في الطبيعة والحياة الاجتماعية إلا ويحمل في مكوناته قدراً من التناقض ينتج صراعاً مستمراً بينها
(4) وأن الصراع بين المكونات يؤدي باستمرار إلى ما يعرف بنفي النفي، فكل مرحلة من مراحل التطور تنفي بالضرورة المراحل السابقة، (5) ولا يمكن أن تتعايش المراحل مع بعضها إلا لفترات مؤقتة توصف بالتناقض، ولايمكن أن يكون بينها أي وفاق أو استقرار.
وأخيرا ، فإن المادية التاريخية هي نتاج تطبيق المنطق الجدلي على التطور التاريخي للمجتمع ،

المادية التاريخية :
هي بالتعريف ” إسقاط لمبادئ المادية الديالكتيكية على الحياة الاجتماعية أو هي تطبيق مبادئ المادية الديالكتيكية على الظواهر الاجتماعية وعلى دراسة المجتمع وتاريخه ” والتي يمكن تلخيصها بالمجتمعات الخمس التي مرت وستمر البشرية جمعاء بها ، وهي على التوالي : المشاعية البدائية ـ النظام القديم ـ الاقطاع ـ الرأسمالية ـ الاشتراكية ـ الشيوعية ،وتتميز كل مرحلة عن الأخرى بأسلوب الانتاج ، والذي اعتمد من قبل الماركسية كمعيار للتصنيف التاريخي للمجتمع ، وهي ليست متواقتة في كل المجتمعات أي في ذات الوقت ، إذ قد نلحظ أن مجتمعا ما ، ما يزال في مرحلة الاقطاع ومجتمعا آخر ، بذات الوقت ، في مرحلة الرأسمالية ، لكن السمة الرئيسة لمختلف المجتمعات هي واحدة ، حيث يبقى أسلوب الانتاج هو المقرر لكل مواصفات وخصائص هذا المجتمع أو ذاك ، كما وأنه يقرر ماهية العلاقة بين البناء التحتي ( من لا يملكون )ممثلا بالطبقة الكادحة البروليتارية (الطبقة العمالية أو بائعي الجهد ) وبين البناء الفوقي ( من يملكون ) متمثلا بالمؤسسات التي تخدمه وتوطد سلطته عبر القانون ، الدين ، الثقافة ، التعليم ، الأسرة ..الخ .
بين طبقة كادحة لا تملك سوى الجهد الذاتي الخاص بها وطبقة مالكة كل شيء ، يكون هكذا يكون صراع الأضداد في كل زمان ومكان ، وعلى ما ينتهي عليه هذا الصراع ، يكون النسق الاجتماعي القائم ، فالمجتمع ، هو تجسيد للمادة في صراع أضدادها ( السالب والموجب ) وعليه يكون منحى تطورها ، فالتطور حتمي ، طالما وجدت قوى متضادة ، لكنه ليس في ذات المنحى في كل المجتمعات ، ومصطلح التطور ، لا يحمل في طياته معنى التقدم ، فقد يكون نحو التخلف والتراجع لكنه بطبيعة الحال يعني التغير ، التبدل ، التكيف ، وهذا الأخير هو ما تمارسه الدولة عبر أدواتها لتكييف المجتمع وفق متطلبات وجودها وخدمة لمالكي وسائل الانتاج على حساب الطبقة التي لا تملك ،
بناء عليه ، فإن المادية التاريخية ،” تجيب عن ماهية العلاقة بين الكيان الاجتماعي والوعي الاجتماعي ، بين ظروف تطور حياة المجتمع وتطور الحياة الروحية ” كما يقول ستالين ، الذي يتساءل ليجيب عن ماهية الظروف المادية لحياة المجتمع ؟
” لا شك أن مفهوم “ظروف حياة المجتمع المادية” تتضمن قبل كل شيء الطبيعة المحيطة بـالمجتمع، البيئـة الجغرافيـة ” ويضيف متسائلا :” فمـا هـو الدور الذي تلعبه البيئة الجغرافية في تطور المجتمع؟ هل البيئة الجغرافية هي القـوة الرئيـسية التـي تقـرر ملامـح المجتمع، طابع النظام الاجتماعي للإنسان، والانتقال من نظام إلى آخر؟” وفي إجابته يرد على مقولة هيغل الشهيرة ” إن لون البشرة مستمد من لون تربة البيئة ..” يقول : ” لاشك إن البيئة الجغرافية هي احد الظروف الدائمة اللامفر منها في تطور المجتمع، وتؤثر طبعا علـى تطـور المجتمـع وتسرع أو تؤخر تطوره. إلا أن تأثيرها ليس تأثيرا مقررا طالما أن تغيرات وتطورات المجتمع تجري أسرع بما لا يقاس من تغيرات وتطورات البيئة الجغرافية.
لهذا فإن البيئة الجغرافية لا يمكن أن تكون السبب الرئيس، السبب المقرر، في التطـور الاجتمـاعي، إذ أن مـا يبقى غير متغير تقريبا في مضمار عشرات الألوف من السنين لا يمكن أن يكون سبب التطور الرئيس فيما تطـرأ عليـه تغييرات أساسية خلال بضع مئات من السنين..” وعليه فالسؤال يبقى دون إجابة مكررا ذاته : عن ما هي القوة الرئيسية في جملة الظروف المادية للحياة الاجتماعية التي تقرر ملامح المجتمع وطابع النظام الاجتماعي وتطور المجتمع من نظام الى آخر ؟ تجيب الماركسية على سؤالها بالقول إنه طريقة انتاج القيم المادية أي ادوات الانتاج إضافة للقوى البشرية المؤهلة للقيام بالإنتاج (التجربة الاجتماعية والمهارة العملية ) وهذا ما يشكل قوى الانتاج ، لذا فالإنتاج في مختلف مراحل التاريخ يبقى انتاجا جمعيا .
يقول ماركس: “في الإنتاج لا يعمل الناس على الطبيعة فقط بل يعملون على بعضهم البعض وضـمن هـذه الارتباطـات والعلاقات الاجتماعية فقط يحدث عملهم على الطبيعة، إنتاجهم
. وكيفما يكون أسلوب إنتاج مجتمع ما، هكذا يكون، بصورة أساسية، المجتمع نفسه، آراؤه ونظرياتـه، وجهـات نظـره السياسية ومؤسساته السياسية. أو، لوضع ذلك بمزيد من البساطة، كيفما يكون أسلوب حياة الإنسان، هكذا يكون أسلوب تفكيره.”
يمكن فهم ما تقدم على أن الانتاج أو بالأحرى أسلوب الانتاج هو مفتاح دراسة قوانين تاريخ المجتمع وتاليا الحياة الاقتصادية للمجتمع ، المتمثلة في قوانين تطور قوى الانتاج وعلاقات الانتاج ذلك أن التطور يبدأ من الأولى عبر الثانية ، وعليه فالتضاد يبدأ عندما لا تنسجم علاقات الانتاج مع طابع قوى الانتاج ،مع من يملك وسائل الانتاج ويتحكم بها ومع من لا يملك ، ذلك أن تطور أدوات الانتاج يتبعه تغير وتطور المجتمع .
يقول ستالين في كتيبه ” المادية الديالكتيكية ” : هكذا هو اعتماد تطور علاقات الإنتاج على تطور قوى الإنتاج في المجتمع، وبالدرجـة الرئيـسية، علـى تطـور أدوات الإنتاج، هذا الاعتماد الذي بفضله تؤدي تغييرات وتطورات قوى الإنتاج، عاجلا أم آجلا، إلى تغييرات وتطورات علاقـات الإنتاج. هذا يعني أن نشوء قوى انتاج جديدة تفترض نشوء علاقات انتاج مطابقة لها ، وهذا ما يحدث في قلب النظام المتداعي عبر قوى الانتاج وعلاقاته المطابقة لها ، يقول ماركس:
“في الإنتاج الاجتماعي الذي ينجزه الناس يـدخلون فـي علاقات محددة لا مفر منها ومستقلة عن إراداتهم، علاقات إنتاج تنسجم مع مرحلة محددة مـن تطـور قـوى إنتـاجهم المادية”. ، بما يعني أنه في كل مرحلة من مراحل تطور قوى الانتاج تدخل علاقات الانتاج في نمط ينسجم وهذا التطور كما وتدخل في صراع مع علاقات انتاج سابقة لها لتحلَّ محلها و بالنتيجة أو المحصلة تنهار البناءات الفوقية المتمثلة في الأشكال القانونية والسياسية والدينية والفلسفية أو البناء الأيديولوجي (العقائدي ) للمجتمع مما يدفع بالأخير لتشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية جديدة ، تنسجم فيها قوى الانتاج وعلاقات الانتاج ليأخذ ، هنا ، مفهوم التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية أهمية كبيرة في دراسة المجتمع والتغير الاجتماعي، وينظر إليها على أنها بمنزلة النظام الذي يحدد في كل مرحلة تاريخية معطاة خصائص المجتمع وأبعاده وطبيعة المشكلات التي يعانيها الناس في ذلك الحين، إضافة إلى أنه يحدد أيضاً أنماط السلوك الإنساني وأشكال الفعل التي يمارسها الأفراد في كل مرحلة تاريخية.
إن وجود الانسان هو الذي يقرر وعيه وليس العكس ، هكذا أيضا تدخل قوى الانتاج بصراع مع علاقات الانتاج القائمة أو بصراع مع علاقات الملكية السائدة حيث ينهار البناء الفوقي بما يمثله من مؤسسات ونظم ومعاير وأخلاق وقيم وثقافة .. لتحلَّ محلَّهُ قيم أخرى ، هكذا نلحظ كيف أن الانسان هو ابن زمانه ومجتمعه وطبقته كما وأن لكل مرحلة من مراحل التطور هذه ، انسان آخر يختلف الى هذا الحد أو ذاك عن ما سبقه..

أصل العائلة والملكية والدولة
فردريك أنغلز 1820 ـ1895
قد لا يختلف مؤلف “أصل العائلة والملكية والدولة” ،عن ” نشؤ الأمم “في ما يسوقه من أدلة على تطور المجتمع ، إذ أن كليهما يقران بنشؤ الإنسان بالتطور ، كقاعدة تبنى عليها مختلف مقولاتهما ، بل إننا نذهب للاعتقاد أن مؤلف ” نشؤ الأمم ” جاء ردا مباشرا على مؤلف ” أصل العائلة والملكية والدولة ” ذلك أنه ينهج ذات النهج العلمي في تتبع آثار التطور المجتمعي في الاستقصاء والتحليل والتركيب ، وتاليا بناء النتائج التي يحاول كليهما الوصول إليها ،
في ” أصل العائلة والملكية والدولة ” يحاول ” أنغلز ” ـــ معتمدا على ما ساقه ” مورغان (1) ” في كتابه “المجتمع القديم “من معلومات حول تطور الحياة الاجتماعية لدى القبائل الهندية في أمريكا الشمالية ـــ، الوصول لجملة من النتائج التي تدعم التوجه المادي للتاريخ ، من حيث أن كل ظاهرة اجتماعية تحمل في جوهرها تناقضاتها وتاليا عوامل فنائها ، هذا من جهة ، أما الوجهة الثانية فتبقى خلاصتها في أن تقسيم العمل بين الرجل والمرأة كان السبب المباشر في ظهور العائلة الزوجية وتاليا ظهور الملكية الفردية ومن ثمَّ الدولة ..
يُقَسّم ” أنغلز ” ـ كما مورغان ـ التاريخ البشري الى ثلاث مراحل هي الوحشية والبربرية والمدنية ، وكل من المرحلتين الأوليتين الى مراحل ثلاث ، دنيا ووسطى وعليا وكل من هذه المراحل لها نظامها الاجتماعي الذي يميزها عن المرحلة الأخرى ..
المرحلة الوحشية الدنيا : وهي المرحلة التي تظهر ” طفولة البشرية ” حيث عاش الانسان مرحلة أشبه بالحيوانية هائما على وجهه متغذيا بجذور النبات وبعض الثمار البرية ، جامعا وملتقطا .
المرحلة الوحشية الوسطى : وتُظهر هذه المرحلة تقدما ملحوظا للإنسان قليلا عما كان عليه في المرحلة السابقة باهتدائه الى اكتشاف النار واستخدامها في طهي الطعام وإضاءة الكهوف وبها أيضا تعرف الانسان على أنواع جديدة من الأطعمة كاللحوم والأسماك .
مرحلة التوحش العليا : وفيها يخترع الانسان القوس والسهم مما ساعده على تغير غذائه واقتصاده بشكل عام ، حيث أصبح صائدا للحيوانات معتمدا على لحومها ، وفي هذه المرحلة كان الانتقال الى كون الانسان منتجا لغذائه ، هكذا يمكن القول أن انتقال الانسان لهذه المرحلة الانتاجية يتقدم خطوة أخرى الى شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي والديني .
المرحلة البربرية الدنيا : في هذه المرحلة تمت صناعة الفخار وهي المقدمة الأولى للصناعات اللاحقة وتاليا نشؤ الجماعات الاجتماعية .
المرحلة البربرية الوسطى : وفيها تمكن الانسان من صهر المعادن وصناعة الأدوات المعدنية وبداية اختراعه للكتابة الصورية ،
المرحلة البربرية العليا : وفيها توصل الانسان الى المرحلة المدنية التي تميزت باختراع الحروف الهجائبة والكتابة وهي المرحلة التي ما زالت ممتدة حتى الوقت الراهن .
ما تقدم ، يوجزه أنغلز بالقول : ، يجب ملاحظة أنه في المرحلة البربرية كان مدى التطور واحد في مختلف الشعوب من حيث استخدام الأدوات غير الحجرية واستئناس الحيوان والزراعة ، لكن وفيما بعد ذلك، يبدأ الاختلاف بين الشعوب وعلى ما يبدو أن القطعان الحيوانية في المناطق المناسبة كانت دافعا لحياة الرعي .. وقد تكون الفائدة الغذائية العظيمة للحم واللبن سببا في تفوق (الآريين والساميين ) على غيرهم من الشعوب ..التطور اللاحق كان في استخدام الحديد واختراع المحراث و” اختراع الحروف الكتابية واستخدامها في تدوين الآداب وفي هذه المرحلة التي امتدت في النصف الشرقي من العالم فقط حدث تطور في الانتاج يفوق التطور الذي حدث في كل العصور السابقة مجتمعة ” فــ ” هوميروس ” يخبرنا في أناشيده عن صناعة العجلات وصناعة الزيت والنبيذ وبناء السفن وبدء الفن الهندسي وبناء المدن ذات الأسوار والأبراج .. مما يدعو للاعتقاد أن ما تقدم كان الدافع لظهور المدنية..
ظهور العائلة والتي بها تبدأ المدنية ـ وفق أنغلز ـ ، نلحظ أنها تتكون من أب وأم وأولاد .. وتختلف فيها القرابة بين أبناء الأخوة والأخوات .. وقد تتشابه في مجتمعات وتختلف في مجتمعات أخرى .. وهي تعبر عن البعد والقرب من الشخص والمساواة من عدمها في علاقات روابط الدم ونظام القرابة وهذا، بطبيعة الحال ليس مجرد تنوع إنه يحمل في طياته كيفية تكوّن النظام الاجتماعي لتلك الشعوب .. يقول ماركس ” وبينما تستمر العائلة في تطورها فإن نظام علاقات الدم يصبح جامدا ، وبينما يستمر نظام علاقات الدم موجودا في شكله العادي ، فإن تطور العائلة يطوره ” فكيف يمكننا تتبع تشكل النظام الاجتماعي بدئا من الحالة الحيوانية للإنسان ؟ يؤكد أنغلز في إجابته على هذا السؤال بالقول “إن الرجوع الى اشكال الزواج لدى الحيوانات للاستدلال بها على الانسان يؤدي حتما الى الخطأ ” وعلى الرغم من صحة ما يؤكده أنغلز فإن مورغان يذهب بصيغة أخرى للسؤال للقول :” لا بدَّ من افتراض حالة ، وإن لم يقم الدليل عليها ـ، اشْتُقَ منها شكل الأسرة في الحالة الوحشية الدنيا وهي حالة ” الاختلاط الجنسي ” بين أعضاء ” القطيع البدائي ” حيث كان الجميع إخوة وأخوات آباء وأمهات أزواجا وزوجات ولم يكن للمحارم فيها من وجود مع امكانية أن نطلق عليها مصطلح ” العائلة العصبية ” ..” ليتساءل أنغلز : ” فماذا تعني المعاشرة الجنسية المختلطة اذن ؟ يجيب أنغلز ” لا يمكننا فهم الظروف البدائية إذا نظرنا لها بمنظار البغاء.. لكننا نستطيع تتبع تشكل العائلة من خلال :
1 ـ العائلة المبنية على رابطة الدم ، حيث كافة الأجيال هي أزواج وزوجات .
2 ـ عائلة ” الرفاق الأعزاء ” وحيث مُنعت الأصول والفروع من ممارسة العلاقات الجنسية ومن ثمَّ الأخوة والأخوات الطبيعيين من ممارستها .. نشأت تقسيمات عائلية جديدة ، حيث الأخوات مع بنات الأعمام والأخوال و العمات والخالات يشكلن زوجات مشتركات لأزواج مشتركين ، ليسوا أخوتهم الذكور ،ولا يعتبرون أنفسهم أخوة بل رفاقا أعزاء .. ويلاحظ أنه بهذا المنع قد قفزت المجتمعات الآخذة بها ، بتطورها بخطوات أسرع من تلك التي بقيت فيها العائلة المبنية على رابطة الدم .. ولما لم يكن في هذه الحالة تبين الأب الفعلي للولد ، فإن الحالة المقابلة وهي الأم كانت الحالة الحقيقية الوحيدة التي يعزى لها تشكل القبيلة .. حيث يزداد التعاضد والتضامن الداخلي ويأخذ منحى وطابعا اجتماعيا ودينيا دفع لتشكل قبائل عدة تشكلت منها العشيرة .. هذا الشكل الجماعي من الزواج هو الشكل الذي انبثقت منه العائلة الزوجية وكان انتشاره في مختلف المجتمعات ..
كانت المرأة تشغل منصبا محترما في مختلف مراحل الوحشية والبربرية ، وتمثل القوة العليا في القبيلة لكن تقسيم العمل بين الرجل والمرأة هو الشرخ الذي وضع حدا لاستمرارية العائلة المنتسبة للأم وأنهى حالة الوئام السائدة في القبيلة ـ العشيرة ، فحيث اختصت المرأة بملكية ما هو بداخل المنزل والأولاد ، اختص الرجل بما هو في خارجه ، أي بتأمين مأكله ، وعليه كان لا بد مع التطور الناشئ من الاستقرار والزراعة وتربية الحيوان والرعي من أن ينتقل النسب للأب للحفاظ على هذه الثروة ، يقول أنغلز :
” ففي العالم القديم (مثل الآريين في الأرض الهندية ذات الأنهار الخمسة ، وأرض القرقيز ، ومثل الأوكس والجاكارتس والجنس ” السامي ” عند نهري دجلة والفرات ..) حيث اتسع نطاق استئناس الحيوان وازداد عدد القطعان بطريقة جعلتها مصدرا غير متوقع للثروة مما سبب نموا في العلاقات الاجتماعية .. إذ وبانتشار تربية القطعان الحيوانية واستخدام المعادن ثم ظهور الزراعة تغير الوضع السابق كلية فباتت المرأة تُشترى وحيث أن زيادة القطعان كان بمعدل أكثر من ازدياد أفراد العائلة تم استخدام أسرى الحروب للرعاية .. وحيث أن انتاج الطعام كان من اختصاص الرجل وتاليا وسائل انتاجه ،فقد تحطم المجتمع المؤسس على العائلة المكونة من فردين حيث انتساب لقبيلة الأم وبات من الطبيعي أن ينتسب الأولاد الى الأب بهدف توريثهم الثروة ..إن هذه الثورة على الانتساب للأم كانت من حيث النتائج من أشد التجارب تأثيرا في تاريخ الانسان ..إن إنهاء الانتساب للأم هو الهزيمة التاريخية العالمية للجنس المؤنث .. وما يفسر هذه الهزيمة المنكرة هو معنى العائلة عند الرومان التي كانت تعبيرا عن ” عبد الأسرة ” ومن ثم ” مجموعة العبيد ” ولاحقا باتت تعني ” الميراث الذي ينتقل بوصية ” وأخيراكانت تعبيرا عن تنظيم اجتماعي يفيد ” رئيس وتحت سلطته زوجة وأبناء وعبيد ” لذا يقول ماركس : ” إن العائلة الحديثة تحتوي على ذرية من العبيد ومن رقيق الأرض لأنها مرتبطة أساسا بالعمل الزراعي .. لذا كانت العائلة تحتوي بداخلها كل الصراع الذي تطور بعد ذلك على نطاق واسع في المجتمع والدولة ”
2 ـ العائلة الزوجية بالمعنى الحديث
لقد ظهر هذا الشكل من الزواج بين الطور الأوسط من البربرية والطور الأعلى .. ( نلفت عناية المتابع الى أن اسطورة آدم وليليت وحواء التوراتية تعبير عن هذه المرحلة المتقدمة من تاريخ التطور البشري وليست بدايته ..) وترافق هذا الشكل ببروز نظام اجتماعي أخر هو البغاء والخيانة الزوجية والزنا ..حيث تعتبر العلاقات غير المشروعة نظاما اجتماعيا شأنها في ذلك شأن أي نظام اجتماعي آخر .. ” لقد انتصر الرجال على النساء ولكن تتويج المنتصر بالعار قام به المهزوم بشجاعة ” ، هو ذا الشكل الأول للعائلة المبني على أسس اقتصادية وليست طبيعية ..وهكذا يظل الزواج زواج مصلحة ويتحول في أغلب الأحيان الى دعارة طائشة.. حيث لم يظهر الزواج باعتباره توافقا بين الرجل والمرأة بل بصيغة خضوع جنس لآخر .. يقول ماركس : ” إن تقسيم العمل بين الرجل والمرأة ، كان الشكل الأول للصراع الطبقي فقد ظهر بظهور الرق والملكية الفردية ” .. وهكذا يعتبر الانتصار النهائي للعائلة الزوجية إحدى علامات بدء المدنية ..
يضيف أنغلز ” إن الانتساب للأب وجمع الثروات الطائلة بقصد توريثها للأبناء ، والاختلاف في الثروة خلق الخطوط الأولى للأرستقراطية الوراثية الملكية ، والرق الذي كان أول أمره محددا بأسرى الحرب ثم مهد الطريق لاستعباد الزملاء في القبيلة وفي السلالة نفسها وتحول الحروب القديمة بين القبائل الى غارات منتظمة في البر والبحر ، من الاستلاء على الحيوانات والعبيد والنفائس كوسيلة عادية لكسب العيش ، كل ذلك كان سببا في تمجيد الثروة ، وتمرد الناس على التنظيمات القبلية القديمة لكي يحللوا لأنفسهم سرقة الثروات بالإكراه ، وأصبح المجتمع في حاجة قصوى الى نظام يحمي الملكية الجديدة للأفراد ضد التقاليد الجماعية القبلية ويجعل هذه الملكية مقدسة باعتبارها الهدف الأعلى للمجتمع الانساني ، ويديم التقسيم الطبقي للمجتمع ، ويحمي حق الطبقة المالكة في استغلال الطبقة التي لا تملك ، ومعنى ذلك أن المجتمع الجديد كان في حاجة الى ظهور سلطة الدولة ، وهكذا اخترعت الدولة . ”
تقف الماركسية عموما ، والمادية التاريخية تحديدا ، موقفا عدائيا من العائلة الزوجية بالمعنى الحديث للمصطلح ، إذ تعتبرها مؤسسة قائمة على توطيد الصراع الطبقي في المجتمع باعتبارها تقوم في الجوهر على الملكية الفردية بهدف التوريث وهي تساهم بطريقة أو بأخرى على تقبل المجتمع لمختلف العادات والتقاليد الاقطاعية والبرجوازية والرأسمالية وفق تسلسلها التاريخي ، فهي تقوم ـ كما مرَّ آنفا ، على الرابطة الاقتصادية دون الرابطة الطبيعية يقول أنغلز بهذا الصدد ” .. ما نستطيع استنتاجه حاليا عن تنظيم العلاقات الجنسية بعد تصفية علاقات الانتاج الرأسمالي يعتبر استنتاجا ذا طابع سلبي يحدد ما سيختفي من الزواج ، ولكن ما سيزيد من الزواج ؟ هذا هو ما سيستقر بعد نمو جيل جديد ، جيل من الرجال لم تسنح لهم الفرصة( يقصد في المجتمع الاشتراكي ) أبدا لشراء استسلام المرأة سواء بالمال أو بأي وسيلة أخرى من وسائل السيطرة الاجتماعية ، وجيل من النساء لم يضطررن للاستسلام لأي رجل لأي سبب سوى الحب الحقيقي ولن تخاف المرأة من أن تمنح نفسها لمن تحب خشية النتائج الاجتماعية .. ” أما مورغان فيشير الى ” .. أن الثقافة الأوروبية الآن ـ تاريخ كتابته ” المجتمع القديم ” ـ فتمثل المرحلة السابعة ( أي بعد المراحل الست السابقة في عصري الوحشية و البربرية ) وهي مرحلة انتقالية ، بطبيعة الحال ، لا بدَّ لها أن تفضي بحكم قوانين التطور الحتمية ، الى بعث الحرية والمساواة والاخاء كما عرفتها العشائر القديمة ..
نضيف في هذا السياق ، أن ما تنبأ به مورغان وأنغلز ، في ما يتعلق بتطور البناء العائلي ، أنه خرج على شكله القديم ، كزواج اقتصادي خاضع كلية للطقس الديني ، الى ما تم التعارف عليه ب ” الزواج المدني ” حيث المساواة بين المرأة والرجل بكامل حقوق الزوجية بما فيه الإرثية القائمة على الملكية أساسا ، بما فيها الأولاد كشكل من أشكال الإرث ، بما يفيد أن التطور الذي رافق العائلة القائمة على الملكية وتاليا الإرث ، لم يكن كما تنبأ به ماركس وأنغلز في المادية الديالكتية وتاليا التاريخية ، يضاف الى ما تقدم ما قاله سعادة من “إن الشيوعية والرأسمالية ، صنوان ” بما يفيد أن كليهما ، وفق المنظور المادي يحملان في ذاتهما عوامل فنائهما إذا ما صح المنطق الديالكتيكي وهذا ما أثبتته تناقضات الماركسية بشقيها الفلسفي والاجتماعي ، بما تعرضت له قبل وفاة أنغلز وبعده بظهور عدة مدارس ماركسية حاولت تكييفها مع الوقائع المستجدة في الحياة الاجتماعية كان أبرزها ” الماركسية الانسانية ” للإيطالي ” أنطونيو كرامشي 1891 ـ 1937 والمدرسة النقدية وأبرز دعاتها ” هربرت ماركيوز وتيودور أدورنو 1903ـ 1969 وماكس هوركهايمر 1895 ـ 1973 والماركسية الانسانية والتي صبت جلّ اهتمامها على البناء الفوقي للمجتمع واعطائه دورا أكبر مما أعطاه ماركس حيث لم يعد كافيا أن تؤمن الطبقة العاملة بالتغيير بل لا بذَّ من اعطاء البناء الفوقي أهمية قصوى نظرا لاستمرار انتعاش وبقاء النظام الرأسمالي بهدف التنافس الأيديولوجي متناقضة مع المدرسة النقدية التي فقدت كل الأمل الوضع الثوري للطبقة العاملة ، بينما بقيت الماركسية الانسانية في تفائلها …
وفي اعتقادنا أن كلا النظامين مهددان بالتلاشي ذلك أن سعادة أكد في أربعينيات القرن الماضي ” أن الشيوعية والرأسمالية صنوان ”
بناء على مقولة سعادة في “أن الشيوعية والرأسمالية صنوان ” يمكننا القول أن المنطق الجدلي ، باعتباره منطقا موضوعيا ” ماديا ” يحمل في ذاته تناقضاته ، كما في الوجود الموضوعي ( الجماد والنبات والحيوان والانسان ) ، وتاليا عوامل فنائه ، فإذا ما خرج هذا المنطق عن محتواه أي أنه لا يحمل في ذاته تناقضاته وتاليا عوامل فنائه ، كان بإمكاننا القول أن هناك ما قد يخرج على هذا المنطق المادي..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) لويس هنري مورغان (1818-1881)
محام و أنثروبولوجي أمريكي و من رواد المدرسة التطورية اهتم في بداية حياته بدراسة هنود الايروكيز وغيرهم من سكان الشمال الشرقي الأمريكي الأصليين

ماكسيميليان كارل إميل فيبر
أو /ماكس فيير /
1864ـ 1920
هو عالم اجتماع ألماني ، وواحد من علماء الاجتماع الذي شغل مناصب سياسية ومارس التدريس في مجال علومه ، من هنا تكتسب أعماله الفكرية مصداقيتها فهي ناتجة عن ممارسة علومه ميدانيا ، بل و مستقاة من واقع الحياة العملية.. واليه تعود تعريفات في علم الاجتماع والسياسة ، منها على سبيل المثال لا الحصر : البيروقراطية وفي كتابه ” السياسة كمهنة ” يعرف الدولة بأنها / الكيان الذي يحتكر الاستعمال الشرعي للقوة الطبيعية /
والفكرة المركزية في فكره كانت ” التركيز على العلاقة المتبادلة بين التشكيلات القانونية والسياسية والثقافية في جانب، والنشاط الاقتصادي في الجانب الآخر. ” توفي فيبر قبل أن يتم كتابه ” الاقتصاد والمجتمع ” الذي جمع بعد وفاته…
ومن أبرز ما كتبه فيبر أو “ويبر ” كتاب / الأخلاق البروستانتية وروح الرأسمالية / والذي يجيب به على سؤال مركزي يحمل الكثير من المعاني والتفسيرات وحتى الاجتهادات وهو ـ من وجهة نظرنا ـ سؤالٌ منطقي فرضه واقع لا يمكن نكران نتائجه التاريخية على العالم أجمع :
” : لماذا ظهرت الحداثة العلمية والتكنولوجية والبيروقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية فقط ؟ ” بمعنى آخر: لماذا تطورت العقلانية في هذه المنطقة من العالم أكثر مما حصل في سواها؟
وفق فيبر يأتي الجواب على أنه ” اذا كانت الحداثة تعني عقلنة العالم: أي دراسة العالم بشكل علمي، موضوعي، عقلاني لا بشكل غيبي، ميتافيزيقي، خرافي . فالفرق يكمن هنا ، بين مجتمعات الحداثة والمجتمعات التقليدية. فهذه الأخيرة تسيطر عليها الرؤيا القديمة المليئة بالخرافات والمعجزات والأساطير. أما في مجتمعات الحداثة فقد تبخرت كل هذه الأساطير والخرافات وتم نزع السحر عن العالم وبدا العالم على حقيقته المادية والفيزيائية والبيولوجية.”
الفعل الاجتماعي هو الموضوع الأساسي لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر ولقد عرفه بأنه ” صورة للسلوك الإنساني الذي يشتمل على الإتجاه الداخلي أو الخارجي الذي يكون معَبراً عنه بواسطة الاقدام أو الإحجام عن الفعل، إنه يكون الفعل عندما يخصص الفرد معنى ذاتياً معيناً لسلوكه، والفعل يصبح اجتماعياً عندما يرتبط ـ المعنى الذاتي المعطي لهذا الفعل بواسطة الفرد ـ بسلوك الأفراد الآخرين ويكون موجهاً نحو سلوكهم.”
ووفقاً لمنظور فيبر وتعريفه للفعل الاجتماعي لابد من فهم السلوك الاجتماعي أو الظواهر الاجتماعية على مستويين، المستوى الأول هو أن نفهم الفعل الاجتماعي على مستوى المعنى للأفراد أنفسهم، أما المستوى الثاني فهو أن نفهم هذا الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي بين جماعات الأفراد. ولكي نفهم عمل الفرد وأفعاله أو سلوكه الاجتماعي على مستوى المعنى لابد من النظر إلى دوافع الفرد ونواياه واهتماماته والمعاني الذاتية التي يعطيها لأفعاله والتي لم تكمن خلف سلوكه، أي أنه لابد من فهم معنى الفعل أو السلوك على المستوى الفردي ومن وجهة نظر الفرد نفسه صاحب هذا السلوك وبنفس الطريقة لابد من النظر إلى النوايا والدوافع والأسباب والاهتمامات التي تكمن وراء سلوك الجماعة التي يعتبر الفرد عضواً فيها. أي أنه لابد من فهم الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة.
فهم المعنى أو القصد ، في كل ما تقدم هو بيت القصيد عند فيبر والذي يُعرفه بأنه ” السلوك في ضوء الغرض والمرمى الذي يسعى إلى تحقيقه الفاعل.”
ـ يرى ماكس فيبر “إن العالم كما هو ناجم عن الفعل الاجتماعي الذي يقوم به الأفراد لمجرد أنهم قرروا القيام بذلك بهدف تحقيق الأهداف التي يرغبون في تحقيقها نتيجة اختيار أهدافهم مع مراعاة الظروف المحيطة بهم وليتصرفوا بالطريقة التي يختارون أن يتصرفوا بها ،” هذا باختصار مفرط محور النظرية الفيبرية في تأكيدها على أن نشؤ الرأسمالية لم يكن نتاجا لتطور قوى ووسائل الانتاج بقدر ما كان مترافقا مع تطور الأفكار والمعتقدات ..، هكذا يتشكل البناء الاجتماعي نتيجة الفعل الاجتماعي وأساليب المعيشة التي تُعتبر نتاج الاختيار للدوافع التي تدفع لهذا دون ذاك ،إن وجود الفعل الاجتماعي يخلق الظروف الاجتماعية المعيقة للقوى البنائية وبخاصة الفعل الذي ليس له معنى عقلي في الأصل فيتم اختيارها في ضوء إدراك الفاعل أو الفعل لهذه المعوقات ، من هنا يبدو أن السؤال الأهم في موضوع علم الاجتماع هو : لماذا يقوم الأفراد بالاختيارات التي يقومون بها ؟ أي أن على النظريات الاجتماعية أن تُعنى بالمعاني التي وراء الأفعال لا بالنظام الاجتماعي وهذا ما يميز علم الاجتماع عن العلم الطبيعي مثلا ، فعلماء الأخير لا يمتلكون القدرة على أن يكونوا مكان موضوعهم ليشرحوا سلوكه ويعللوه ، كذلك فإن على علماء الاجتماع أن لا يجعلوا من أنفسهم مكان أي فرد ليشرحوا ويعللوا اختياره هذا دون ذاك ، لذا فإن على علم الاجتماع أن يستخدم المدى الواسع والشامل لكل المفاهيم التصورية ، وأبرزها ، وفق فيبر :
(1) أنماط الفعل
ـ الفعل التقليدي : بما يعني ” أنا أقوم بذلك لأنني دائما أقوم به “. وهو سلوك تمليه العادات والتقاليد والمعتقدات السائدة ومن ثم يعبر عن استجابات آلية اعتاد عليها الفاعل، ولا شك أن ضرباً من السلوك هذا شأنه سوف يظل دائماً على هامش الفعل الذي توجهه المعاني .
ـ الفعل العاطفي : بما يعني أيضا ” أنا لا أستطيع التوقف عن القيام بذلك ، كل ما أقوم به من أجلك ” : وهو سلوك صادر عن حالات شعورية خاصة يعيشها الفاعل والأمثلة على هذا النمط من السلوك عديدة حينما لايختار المرء الوسائل على أساس صلتها بالغايات أو القيم وإنما باعتبارها تنبع من تيار العاطفة .
الفعل الموجه قيميا : “لا شيء آخر مهم ، غير ما أهتم به .” وفي هذا النموذج يكون الفرد واعياً بالقيم المطلقة التي تحكم الفعل وهي قيم يمكن أن تكون أخلاقية أو جمالية أو دينية ويوصف الفعل بأنه موجه نحو قيمة مطلقة في الحالات التي يكون فيها مدفوعاً لتحقيق مطالب غير مشروطة ومعنى ذلك أن الاعتقاد في القيمة المطلقة واعياً ومتجهاً نحوها من أجل ذاتها خالياً من أية مطامح خاصة، ولهذا فهو يختار الوسائل التي تدعم إيمانه بالقيمة .
ـ الفعل العقلاني أو الهدف : -( أفعل هذا لأني محتاج له .)
وهو الفعل الذي له غايات محددة ووسائل واضحة، إذ أن الفاعل يضع في اعتباره الغاية والوسيلة التي يقوم بتقويمها تقويماً عقلياً فالمهندس الذي يصمم مشروعاً معمارياً والمضارب الذي يحسب ما يعود عليه بسبب مضارباته والقائد الذي يختار أفضل الخطط التي تحقق له النصر كلها أمثلة للفعل الاجتماعي الفعلي
أنماط عدم المساواة :
هي بالنتيجة وفق قدرات الفرد الذاتية التي تمنحه المهارات( أو اقتناص الفرص) في سوق العمل داخل المجتمع .
(2) أنماط السلطة : يعتبر فيبر أن السلطة من أكثر العوامل أهمية للفعل الاجتماعي ، ذلك أنها تحقيق للشرعية من خلال القوة ، لذا كانت أنماط السلطة تدور في مجملها حول المطالبة بالطاعة :
ـ السلطة التقليدية : أطعني ، لأن مختلف الشعوب تفعل ذلك
ـ السلطة الكارزمية : أطعني لأنني أستطيع تغير حياتك .
ـ السلطة العقلانية أو القانونية : أطعني لأنني الرئيس الأعلى بشكل قانوني (شرعي ) والمعين عليك .
(3) النماذج المثالية والتنظيم الاجتماعي :
من وجهة نظر فيبر ، لا يستطيع الانسان أن يلاحظ كل جوانب الحقيقة ، فقط ما يستطيعه هو الاحساس بملامح الواقع ، أما الحقيقة فهي عبارة عن مجموعة الأحداث الحتمية التي تقع من حولنا ، وعليه تبقى مهمة النظريات الاجتماعية هي أن توضح اسلوب اختيار الفرد لهذا دون ذاك وانتقاءه لما يفكر به ويستحق اهتمامه ، ذلك أن اختياره لما يفكر به يوضح ويشرح تلك الأحداث والأشياء ، فالحقيقة الموضوعية غير متاحة في النظريات الاجتماعية ، ذلك أن كل المعرفة الخالصة بالحقيقة ” أو الواقع الثقافي ” هي دائما معرفة من وجهات نظر خاصة ، طالما أن ما يفكر فيه الفرد يوجد معتمدا على ما يفكر به في جوهر شيء آخر ، من هنا تختلف النظريات الاجتماعية بعضها مع البعض الآخر ، وعلى الرغم من أن فيبر يسلط ضوء فلسفته على فلسفته بالذات ، بإقراره بأنه لا يعرف الحقيقة حول الواقع أو الحقيقة المطلقة ، إلا أنه يعترف أنه يملك رؤيته الخاصة حولها ، وعلى العكس من المادية الديالكتيكية ، يؤكد فيبر أن الأفكار والمعتقدات تنشأ أولا ثم تسمح بعد ذلك بنشأة النظام الاجتماعي . لذا كان الملمح المحدد للنظام الاجتماعي ـ وتحديدا النظام الرأسمالي ـ الذي يبقى في حقيقته : كيفية النظر للأشياء ..
(4) ـ الدين والرأسمالية العقلانية :
على ما يبدو فإن السؤال الرئيس الذي كان يدور في خلد فيبر هو : ما تأثير الدين والمعتقدات الدينية على الفعل الاجتماعي ؟ وفي اجابته على تساؤله هذا يضع القاعدة الذهبية لما يعتقده : “إن الفعل العقلاني المؤسسي هو فوق كل اعتبار” .فالمشكلة الرئيسية في التاريخ العالمي للحضارة تبقى في كيفية او طريقة العيش والتصرف ، فالراسمالية الحديثة هي نتيجة العملية العقلانية المتجذرة في التأثير التاريخي للعلاقات الذهنية .. وعليه يتساءل : ما هو السبب في أن المجتمعات غير الغربية لا هي علمية ولا هي فنية ولا هي سياسية وكذلك ليست متطورة اقتصاديا ؟ مؤكدا في اجابته على دور القادة الدينيين في تشجيع الأشكال والأنماط والاتجاهات داخل المجتمعات المتخلفة ،للإبقاء على تخلفها بينما في المجتمعات الغربية يبقى التوجه الثقافي العقلاني هو التوجه الذي ينتج حضارة الغرب وتأكيدا على اتجاهه هذا يعمد فيبر للمقارنة بين البروستانتية الكالفانية والكاثوليكية حيث تشجع الأولى أتباعها على أن يركزوا على الأعمال الدنيوية باعتبارها النشاط ذو الأفضلية العظمى، وفي نفس الوقت فإنهم كانوا مجهدون ومستنزفون ليعيشوا حياة زاهدة متقشفة مقتصدة ، هذه الازدواجية كانت الفرصة الذهبية لتضع الرأسمالية جذورها وتتطور ، ولم تكن الرأسمالية الحديثة لتتجذر إلا حيث البروتستانت الكالفانيين ، لأن هؤلاء اعتمدوا تعاليم الكالفانية التي تؤكد على أن النجاح في الأمور الدنيوية والتي ترتبط بالعمل ارتباطا وثيقا ، يُعدُّ دليلا قاطعا على أن الشخص الناجح قد أصبح من الذين اختارهم الله وأرشدهم الى طريق الخلاص ، وأيا كان العمل ، الذي يقوم به الشخص فإنه يُحتم عليه أن يلتزم نظاما محددا وأن يؤديه بطريقة منتظمة ، ذلك أن الكالفانية ـ وفق فيبر ـ قد أبرزت قيمة المبادرة الفردية والتقشف والعقلانية في السلوك ، أي أنها أبرزت الأفعال الرشيدة في الانتاج والعمل والتأثير الواقعي في العالم وإدانة تكديس الأموال والبذخ المسرف ، وهذه الأفعال تتصف بالعقلانية والتنظيم في مختلف مجالات الحياة من المشروع الاقتصادي الى العلم .
يمثل ما كس فيبر النزعة الفردية في الحياة الاجتماعية ويبررها باعتبارها مصدرا من مصادر التغير الاجتماعي بما تكتنهه من أفكار ومعتقدات ، من هنا يؤكد على أن التحليل الاجتماعي يجب أن يراعي علاقات التباين والقوة والسلطة والصراع والتي يعتبرها أكثر أهمية من العوامل الاقتصادية ، كما ويشدد على الأهمية المحورية للأنساق الفكرية كوسيلة للاستمرار و التغيير في الحياة الاجتماعية وتحديدا ما يتعلق بالعلاقات البنائية ودور الأفكار ..
يبدو واضحا أن الفيبرية لا تهتم بالكيفية التي انتهى اليها المجتمع الحديث الى ما هو عليه ، بقدر ما تهتم بكونه واقعا حتميّاً علينا تقبله بما نملكه من قدرات فكرية تمتلك المعرفة الخلاقة والتي بها نستطيع بناء حياتنا كما نريد ..
عند فيبر كما هو يتصور، يبقى الفرد مقياسا للحقيقة التي يدركها تلقائيا في ما يريد فعله والقيام به ، فالفرد يستطيع أن يقارن بناء المجتمعات من خلال فهم تلك الأفعال المرتبطة بالفاعلين الذين يعشون داخلها الآن ، إلا أنه ليس من الممكن تعميم ذلك على كل المجتمعات أو حتى البناءات الاجتماعية ..
أخيرا ، تلعب الفيبرية اليوم دورا مهما في المجتمعات الغربية باعتبارها نظرية تبرر للمجتمع الغربي صرحه الرأسمالي ، دون النظر لما يخلفه من دمار على مختلف المجتمعات في العالم .

أنطون سعادة 1902ـ 1949
نشؤ الأمم 1936
(دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية )
يجمع سعادة في مؤلفه ” نشؤ الأمم ” كلٌ على حدة ، دوركهام وماركس وفيبر إضافة لمجموعة كبيرة من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا ، لذلك فإن البحث في هذا المؤلف العظيم سيكون على نحوٍ مقارن ، خلافا لما سبق في استعراضنا لمؤلفات دوركهايم وماركس وفيبر ، وحتى يتسنى لنا البقاء في فلك محور دراستنا هذه / اجتهاد في مصطلح الاقتصاد القومي الاجتماعي / ومقولتي سعادة ” الدورة الاجتماعيـــــــة ـ الاقتصاديـة ” و” الانسان ـ المجتمع ” .
و لا بد لنا من التنويه من أننا سنتناول المادية الديالكتيكية والتاريخية قبل تناولنا للوظيفية والفيبرية نظرا لأن الأخيرتين لا تتناولان المجتمع في سياق التطور بل من حيث هو كيان موجود بالقوة ، وهذا ما يدفعنا لمناقشة تلك الرؤيتين من خلال نشؤ الأمم بالدرجة الأولى وما كتبه سعادة وألقاه من خطبٍ وتناوله في مختلف مقالاته ودراساته وأبحاثه .
تمهيد :
التطور بما يعنيه من التغير أو التبدل أو التكيف أو الانتقال .. وجميعها مرادفات تنحى منحى أن لا شيء يبقى على حاله ، بما يعني أن سمة الحياة بأي معنى أُخذت به ، تبقى في حركتها تتطور نحو المجهول الذي يدفعنا مرغمين للبحث في ما قد يكون عليه في محاولة لطمئنة أنفسنا لما نحن مقبلون عليه ، فإذا كانت هي ذي الحقيقة التي لا جدال فيها ، فالسؤال يبقى : لما هو الوجود على هذه الحال غير المستقرة أو القلقة أو المضطربة أو التي لا تهدأ في تبدلاتها وتغيراتها وهل هي كذلك لأنها في حركتها الدائمة المستمرة نحو المجهول تضعنا أما تساؤلات لابدَّ من طرحها في محاولة لضبط ايقاع هذه الحركة بما يُطمئننا ويضعنا على طريق الاستقرار لما نحن آيلون إليه ؟
لربما كان ما تقدم هو الهاجس الذي شغل فكر مختلف الفلاسفة ( بما فيهم الأنبياء ) على مختلف العصور المعروفة ، والذين حاولوا بجهد ـ مشكورٍ لهم ـ أن يطمئنونا لصيرورة تضعنا أما حقائق لا بدَّ لنا من تقبلها مهما تكن مواقفنا منها ، وفي محاولاتهم ـ الفلاسفة ـ على مختلف ما أثاروه من موضوعات ، أبقوا ، السؤال ، دون إجابة شافية تثلج صدر الانسان ، التائق دوما الى الطمأنينة لما قد ينتهي إليه ، ذلك أنهم لم يتفقوا على إجابات تتسق الى حدٍ ما بعضها مع بعض ، بل إننا لنجد أن ما نعانيه في مشكلة الوجود ينعكس في مختلف الإجابات المتناقضة الى هذا الحدِّ أو ذاك، بما يدفعنا للاعتقاد بأن السياق الحركي للوجود إنما يتجه لما هو مقرر في حقيقته التي تبدو مستعصية على الفهم حتى الآن ، ليس لأنها طلسما لا يمكن فكَّ رموزه بل لآننا لم نفقه بعد كيف نحاوره ، أو لأننا نحاول سبر أغواره بأدوات لم تزل بدائية رغم ما نعتقد من أننا بلغنا درجة من الوعي والفهم تمكننا من ذلك .
والحال ، فإذا كان ما ” يمكن أن يكون ” غير متاحٍ لنا بأدواته ، فإن ” ما هو كائن ” يملك أدواته ، التي رغم التباس ما فيها من اشكالات ، تبقى هي المتاحة لنا في ” ما كان ” ، وعليه ، فإننا مطالبون بالتدقيق في ما “ما كان ” لفهم الحركة التطورية التي انتهت لما ” هو كائن ” فلعلنا نتمكن من صياغة بعضٍ من قوانين التطور التي يمكن لها أن تشكل القاعدة التي لا غنى لنا عنها لضبط ايقاع حركة التاريخ في صيرورته ، أي أن علينا استقراء الماضي لمعرفة كيف آل بنا الأمر الى ما نحن عليه الآن ، في محاولة لرسم بعض ملامح الآتي بما قد يساهم في استقرارنا لما نحن آيلون إليه ، ما عدا ذلك تبقى اجابة سعادة عليه ” من يدري ” في ذمة الآتي ـ المستقبل ، دون أية حتمية تنبُئية ، على نسق الماركسية والأديان .
فـعلى الرغم مما أصاب الماركسية من تراجع سياسي اثر انهيار الاتحاد السوفيتي ، فإنها لما تزل قائمة بصيغتها ” الماوية ” في الصين ، وبعض البلدان الأخرى وفي مقدمتها كوبا ، بل ومنافسة قوية للغرب ـ الأوروبي والأمريكي ـ بقوة لم يعهدها الأخير من قبل ، وأن ما قيل ويقال عنها من أنها انتهت بانتهاء السوفيت ليس سوى ذرٍ للرماد في العيون ، فما يخشاه الغرب ليس سواها ممثلة بالاقتصاد الصيني وبالمقاومة التي أبدتها كوبا لأكثر من نصف قرن لمحاولات الغرب بشقيه إسقاطها .. من هنا فنحن في مقاربتنا للماركسية والقومية الاجتماعية نبقى في ” ما هو كائن ” في ضوء “ما كان ” وليس في ” ما قد يكون ” .
سبق وأشرنا الى أن الخلاف الفلسفي بين ماركس وسعادة يكمن في ثنائية ماركس وثلاثية سعادة ، ونضيف هنا ،بما يتعلق بحركة التاريخ البشري ، بين الثابت والمتحول والتابع ، حيث يكمن الخلاف بـــأجلى مظاهره ،
وعلى الرغم من هذا الخلاف الجوهري ، فلا شك أن هناك كثيرا من النقاط التي يلتقيان فيها :
1 ـ حيث تؤكد كلتا النظريتين على وحدة الوجود بشقيه المادي والانساني ، اذ أن مصطلح / المدرحية / “1” الذي يستخدمه سعادة في التعبير عن فلسفته ، يدلُّ دلالة واضحة على أن الوجود بشقيه المادي والنفسي هو في وحدة لا تنفصم عراها رغم مختلف تجلياته التي تبدو في ظاهرها مغايرة بعضها لبعض .
كذلك الماركسية ، عندما تقرّ بأن الوجود ” كيانا كليا مرتبطا ارتباطـا لا ينفـصم تكـون فيـه الأشـياء والظواهر مرتبطة ارتباطا عضويا وتعتمد إحداها على الأخرى وتقرر إحداها الأخرى.”
2 ـ أيضا ، من حيث أسبقية الوجود على المعرفة يقول سعادة : ” أنّ المادّة تعيّن الشّكل ” ويضيف ” لا يمكننا أن نتصور وجوداً بلا معرفة. فلا يمكننا أن نقول إن لأي وجود مفترض، غير مدرك بالمعرفة، قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة قيمة إنسانية نفسية والإنسان هو وحده الذي يميز بين الحقيقة والباطل ( الوهم ) بالمعرفة ..” وفي ذات الاتجاه توكد الماركسية على أنه ” ليس وعي الإنسان ما يقرر وجوده، بل، على العكس، وجوده المادي هو الذي يقرر وعيه”.
3 ـ تذهب النظريتان على أن فكرة الخلق المستقل والمباشر لا تقدم الدليل اللازم والكافي على كيفية ظهور الانسان بل وأن ما تقدمه من بينات في هذا الصدد قد أثبت العلم بطلانه بطلانا مطلقا يقول سعادة :” أمّا أنّ الإنسان نشأ بالتّطوّر فما لا جدال فيه وأمّا كيفيّة حدوث التّطوّر، أكان بتجمّع تغيّرات بطيئة تحت تأثير البيئة المتطوّرة أم بالتّغير الفجائيّ استعداداً للدّخول في بيئة جديدة فممّا لم يتّفق عليه العلماء لحاجتهم إلى استكمال اختباراتهم. وقد كانت النّظريّة الأولى القائلة بالتّغير البطيء وفاقاً للانتخاب هي السّائدة. ولكنّ نفراً من العلماء الحديثين يعتقدون بسبق التّطوّر لموافقة البيئة وبحدوثه دفعة واحدة ” أما الماركسية فتنهي الجدال في هذا الموضوع بالقول : ” الإنسان، كله نتاج عملية تطور كانت في تقدم ملايين السنين”.
4 ـ اذا كان الانسان قد نشأ بالتطور ، فمراحل هذا التطور تبدو واحدة في كلتا النظريتين ، فسعادة يقول بالمرحلة المتوحشة أو البدوية ومن ثم بالمرحلة السابقة للعمران وأخيرا المرحلة العمرانية ، في الماركسية نجد المرحلة الوحشية ومن ثم المرحلة البربرية وأخيرا المدنية .
5 ـ تكاد العينات التي تقدمها كلتا النظريتين في مختلف مراحل التطور أن تكون واحدة حيث الانسان لاقط ثمار وجذور نباتات ومن ثم صيادا مكتشفا للنار مستأنسا بها بعض الحيوانات مستقرا في الأرض حيث مقومات الحياة أوفر مخترعا للمحراث زارعا حيث وفرة الانتاج ادت لاختراع العجلات ناطقا مخترعا للكتابة متقدما في الصناعة ومن ثم للتجارة …
6 ـ تتفق النظريتان على أهمية العامل الاقتصادي في الحياة الاجتماعية بمختلف مراحلها ، يقول سعادة :” لا بدّ لنا .. من تقرير حقيقة ضروريّة لفهم تركيب المجتمع والأحوال الاجتماعيّة على إطلاقها وفي أكثر أشكالها تعقّداً، هي حقيقة الضّرورة الاقتصاديّة للاجتماع البشريّ. فالرّابطة الاقتصاديّة هي الرّابطة الاجتماعيّة الأولى في حياة الإنسان أو الأساس الماديّ الّذي يقيم الإنسان عليه عمرانه ..”ويضيف :” فالاقتصاد هو نقطة الابتداء في بحث حالات الاجتماع حتّى إنّنا نرى الحالة الاقتصاديّة تؤثّر على الحالة البيولوجيّة أحيانا. والتّطوّر الاجتماعيّ هو دائماً على نسبة التّطوّر الاقتصاديّ..” يتابع مؤكداً :” إنّ رابطة الإنسان الاجتماعيّة الأولى هي الرّابطة الاقتصاديّة.” أكثر من ذلك يصر على أن ” الرّابطة الاقتصاديّة أساسا للرّابطة الاجتماعيّة البشريّة..” أنّه إذا كانت الرّابطة الاقتصاديّة أساس الرّابطة الاجتماعيّة البشريّة، فالعمل ونظامه التعاونيّ مصدر نظام الاجتماع وأساس بناء المجتمع..”
ونجد في الماركسية الاتجاه ذاته يقول ماركس :” . وكيفما يكون أسلوب إنتاج مجتمع ما، هكذا يكون، بصورة أساسية، المجتمع نفسه، آراؤه ونظرياتـه، وجهـات نظـره السياسية ومؤسساته السياسية. أو، لوضع ذلك بمزيد من البساطة، كيفما يكون أسلوب حياة الإنسان، هكذا يكون أسلوب تفكيره.
هذا يعني أن تاريخ تطور المجتمع هو قبل كل شيء تاريخ تطور الإنتاج، تاريخ أساليب الإنتاج التي خلف احدها الأخـر
ان مفتاح دراسة قوانين تاريخ المجتمع يجب ألا نبحث عنه في أدمغة الناس، في نظرات أراء المجتمع، بـل فـي أسلوب الإنتاج الذي مارسه المجتمع في أية فترة تاريخية، علينا إن نبحث عنـه فـي الحيـاة الاقتـصادية للمجتمـع
ولهذا فان المهمة الرئيسة لعلم التاريخ هي دراسة وكشف قوانين الإنتاج، قوانين (1) تطور قوى الانتاج (2) وعلاقات الإنتـاج،(3) قوانين تطور المجتمع الاقتصادي
. فقـوى إنتـاج المجتمـع تتغير وتتطور أولا، ثم، استنادا إلى هذه التغيرات، وبالانسجام معهـا، تتغيـر علاقـات النـاس الإنتاجيـة، علاقـاتهم الاقتصادية.
“من لايعمل لا يأكل”.
العلاقات الاجتماعية ترتبط ارتباطا وثيقا بقوى الإنتاج. بالحصول على قوى إنتاج جديدة يغير الناس أسـلوب إنتـاجهم؛ ويتغير أسلوب إنتاجهم، بتغيير طريقة الحصول على رزقهم، يغيرون جميع علاقاتهم الاجتماعية. فالرحى تعطيك مجتمعـا مع السيد الإقطاعي، والطاحونة البخارية تعطيك مجتمعا مع الرأسمالي الصناعي.”
إن الإنتاج الاقتصادي في كل عصر تأريخي نشأ عنه بالضرورة تركيبة اجتماعية .
ولا تقف نقاط التوافق بين النظريتين عند هذا الحد ، اذ أن هناك من التفصيلات التي تكاد تكون واحدة فيهما ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، يقول انغلز في أصل العائلة والملكية والدولة : ” وبقدر ما يكون العمل غير متطور وبقدر ما يكون نطاقه محدودا ، أي بقدر ما تكون ثروة المجتمع محدودة ، بقدر ما يظهر النظام الاجتماعي المحكوم بالروابط الجنسية..” ويوافقه سعادة بقوله :” كانت القرابة الدّمويّة الوسيلة الأوليّة لتطبيق المبدأ الاقتصاديّ للاجتماع ،.. أمّا حيث لا تتوفّر هذه المقوّمات فالحالة الابتدائيّة تسود ويظلّ الاجتماع قائماً على أساس الرّابطة الدّمويّة الّتي تقتصر على أنواع من الحياة محدودة ولا أمل لها بالارتقاء في مثل هذا النّظام.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“1”ــــــ “المدرحية”ـ مصطلح ابتكره الشاعر رشيد سليم الخوري واستحسنه سعادة في التعبير عن مضمون ومحتوى وجوهر فلسفته الاجتماعية ـ
ــــــــــــــــــــ
.. لكن ، وعلى الرغم من التوافق الكبير بين المادية الديالكتيكية ـ التاريخية والقومية الاجتماعية ،يبقى جوهر الخلاف في ما سبق وأشرنا اليه أكثر من مرة ، ألا وهو ثنائية المادية الديالكتيكية ـ التاريخية وثلاثية القومية الاجتماعية ،والتي تشكل ـ ثلاثية سعادة ـ ميدان الماركسية الفعلي حيث نجد المبادئ الثلاث التي تقيم عليها الماركسية بناءها الفكري ، ونقصد (1) من الكم الى الكيف (2) التناقض جوهر حركة المادة (3) نفي النفي ، أيضا مبادئ الصراع الطبقي وهي (1) قوى الانتاج (2)أدوات الانتاج (3) علاقات الانتاج (اسلوب الانتاج ) وعند أنغلز (1 ) العائلة (2) الملكية (3) الدولة .
وبناءً على ما تقدم ، يبقى الخلاف قائما في كيفية فهم هذا السياق التطوري للمجتمع البشري .
ولا بدَّ لنا ، وقبل الولوج لمعترك هذا الاختلاف من التنويه لبعض ما لفت اليه سعادة في دراسته للتطور البشري ،وما هي نقاط ارتكاز عدم التوافق في النتائج التي توصلت اليها كلتا النظريتين ..
يتوافق كل من أنغلز وسعادة على أنه لا يمكن تعميم ما في عالم الحيوان على ما في عالم الانسان يقول أنغلز :” “إن الرجوع الى اشكال الزواج لدى الحيوانات للاستدلال بها على الانسان يؤدي حتما الى الخطأ ” ويؤكد ذلك سعادة بقوله :” وإذا كان الإنسان يقع، من الوجهة الإحصائيّة، في جدول الحيوانات المتجمهرة، فلا يعني ذلك بوجه من الوجوه أنّ بينه وبين الحيوانات والحشرات المذكورة قرابة اجتماعية تمكّن من استخراج أقيسة عامّة تطبّق على كلا الحيوان والإنسان..” هنا لا يقف سعادة عند هذا الحد بل يتابع تحليله لما يمكن استخراجه من المرحلة الحيوانية التي كان بها الانسان قبل أن يصبح كذلك ، متفقا مع مورغان في ضرورة أنه “لا بدَّ من افتراض حالة ، وإن لم يقم الدليل عليها ـ، اشْتُقَ منها شكل الأسرة في الحالة الوحشية الدنيا وهي حالة ” الاختلاط الجنسي ” بين أعضاء ” القطيع البدائي ..” هذه الحالة التي يفترضها مورغان ، يتوغل بها سعادة لأنها تحمل خصائص ميزت الانسان عن الحيوان ومكنته من الانتقال لحالة متقدمة عليه ، يقول :” ” فإنّ خصائص الإنسان الفيزيائيّة، كانتصابه على قدميه الّذي أطلق ليديه حريّة الاستعمال، تؤهّله للانفراد أو الازدواج في حفظ نوعه بما تجعل له من الامتياز والأرجحيّة على خصومه. فليس الاجتماع البشريّ، إذن، من الضّرورات البيولجيّة لحفظ النّوع وفاقاً لطبيعة الحال، كما هو شأن الحشرات المتجمهرة.”هكذا يرى سعادة أن انتصاب الانسان على قدميه مكنه من استخدام يديه في تحصل قوته مداورة بصناعة أدواته (وسائل انتاج ) ،وهي الخاصة التي فصلته عن مرحلته الحيوانية بالتأكيد ، وهذه ميزة كان الأجدر بأنغلز ومورغان التنبه لها ، لما لها من تأثير على مستقبل انجازات الانسان في مرحلته الوحشية الدنيا وفق انغلز ،والتي نوه لها دون بيان أسبابها .
مسألة أخرى يجدر لفت النظر اليها وهي أن أنغلز يغرق في بحث عينات من أشكال العائلة لدى مختلف الشعوب مستندا لمصطلح لم يسعَ للدلالة عليه ، وهو مصطلح السلالة ، اذ أن كتاب ” أصل العائلة والملكية والدولة ” يتمحور كلية حول تطور شكل العائلة لدى سلالات ” الإروكيوسية و الإغريقية ويربط بين السلالة والدولة في روما وكذلك بين السلالة عند السلتس والألمان ،دون بيان مدلول مصطلح ” السلالة ” فماركس يقول “إن الإغريق كانوا يعتبرون سلالاتهم أثرا من علم الخرافات (بدليل نسبتها الى أحد الآلهة الذي يعتبرونه أصلا لها ) فإن السلالات كانت أقدم من علم الخرافات بآلهته وأنصاف آلهته التي خلقوها هم بأنفسهم ” مما يعني أن ماركس أخذ مصطلح السلالة على محمل ما هو متفق عليه من نسبتها الى أبٍ أو أمٍ واحدة ، وعلى ما يبدو ، من كتابات أنغلز في ” أصل العائلة والملكية والدولة ” أنه لم يميز بين السلالة كمصطلح لمدلول الأصل الواحد ـ أبا كان أم أمّا ـ ومدلولها العلمي من جهة والموقف منها من جهة أخرى ، بل يكتفي بما قد تدلُّ عليه مصطلحات العينات التي يأخذها من مختلف القبائل ، فعند الهنود الأمريكيين ، يقول أنغلز ، ” كانت الأخوّة بمثابة السلالة الأم ، وتنقسم الى عدة فروع بمثابة بنات لها وتوحدهم في نفس الوقت نتيجة الأصل المشترك ” باحثا عن المبدأ الاقتصادي الذي يعتبر فيه العائلة الركن الأساس في ظهور الملكية الفردية ومن ثم الدولة ، ويصب جام سخطه على هذه الثلاثية / العائلة والملكية والدولة /، بينما نجد سعادة يقف بداية لتعريف السلالة ومن ثم يستعرض نظرياتها لدى الانكليز والألمان والفرنسيين والبلجيك ومختلف العقائد السلالية الأخرى ويخلص من استعراضه لتعريف هذا المصطلح كما هو سائد لدى القائلين به والمدلول العلمي لهذا المصطلح ، فكما هو سائد يدلُّ المصطلح على ” الانتساب لأب واحد متفرع من أبناء نوح أو كما روى المسعودي مستندا الى ما جاءت به الشريعة ورواه الخلف عن السّلف والباقي عن الماضي وهو أنّ السّبب في اختلاف ألوان البشر يعود إلى أنّ ملك الموت الّذي أرسله اللّه أخيراً ليأتيه بطين من الأرض يخلق منه آدم أتاه بتربة سوداء وحمراء وبيضاء فلذلك اختلفت ألوان ذرّيّته. وعلى هذا لا يكون البشر إلاّ ذرّيّة تربطها الأنساب ..” لكن الواقع غير ذلك ، يقول سعادة ، لأنه ” إذا تركنا وجهة التّخمين والتّقديرات التّخيّليّة في الفوارق الظاهرة في جماعات النّوع البشريّ وبحثنا عن مدلول كلمة [السّلالة] العلميّ وجدنا أنّ هذه اللّفظة هي من مصطلحات العلم الطّبيعيّ. والغرض منها تقسيم النّوع الواحد إلى فروع (أجناس) تتوارث صفاتها ومزاياها الخاصّة ، أمّا النّوع فيقصد منه تحديد الكائنات الحيّة الّتي ينتج تزاوجها نتاجاً ناجحاً وتكون له ذات المقدرة بلا حدود . فالأجناس تقبل الاختلاط والتّزاوج والإنتاج ويمتنع ذلك في الأنواع إلاّ شذوذاً نادراً.” ما يخلص منه سعادة وأغفله مورغان وكذلك أنغلز هو” المزيج السلالي ” الذي يقول به سعادة وعليه يبقى أن لا سلالات يمكن ردها الى أب واحد أو أم واحدة كما لا يمكن أن توجد سلالات نقية خالصة فــالإرتحالات التي انتهت بالجماعات الى بيئات تمكنها من الاستمرار في حياتها والحروب وكذلك الزواج ، كلها ساهمت في تكوين مزيج سلالي قد يبدو منحطا في جماعات وراقيا في جماعات أخرى ، مقتبسا من ابن خلدون مقولته الشهيرة ” النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر ” هذا هو كل ما في الأمر، إن ما نحن عليه اليوم هو مزيج سلالي متجانس في بعض الشعوب منحط في أخرى، كما يؤكد سعادة .
هكذا نصل الى أهم ما في موضوع الخلاف بين النظريتين ، أي علاقة الانسان بالأرض التي يحيا عليها ، وهي العلاقة التي تتغاضى أو تتجاهل الماركسية الخوض بها وتركز على نتائجها ، أي على أهمية قوى الانتاج وأدواته واسلوبه ، أي على التشكيلة الاقتصاديةـ الاجتماعية والتي تقيم عليها مراحل التطور الاجتماعي ( المجتمع القديم ـ المشاعيةـ الاقطاعيةـ البرجوازيةـ الرأسمالية .)
والجدير بالتنويه في مجال هذه الدراسة أن نشير الى أن الخلاف الفلسفي بين ماركس وسعادة يظهر هنا بأجلي مظاهره فالعلاقة الحاكمة لما سيأتي تبقى العلاقة بين ” الثابت والمتحول والتابع ” ثلاثية لا ينفك سعادة في التأكيد عليها في العلاقة بين الانسان وبيئته ” المحيط ـ الجسم ـ النفس ”
فعلى الرغم من اقراره بأن ” كل شئ يعتمد على الظروف والزمان والمكان ـ ثلاثية لم يتنبه لها ستالين ـ في كتابه ” المادية الديالكتيكية “، يتساءل في شرحه لمقومات المادية التاريخية قائلا : ” فما هي “ظروف حياة المجتمع المادية” وما هي معالمها المميزة؟ ليجيب :
” لا شك أن مفهوم “ظروف حياة المجتمع المادية” تتضمن قبل كل شيء الطبيعة المحيطة بـالمجتمع، البيئـة الجغرافيـة ،وهي إحدى الظروف التي لا مفر منها والدائمة في حياة المجتمع المادية، والتي تؤثر طبعا على تطور المجتمع. فمـا هـو الدور الذي تلعبه البيئة الجغرافية في تطور المجتمع؟ هل البيئة الجغرافية هي القـوة الرئيـسية التـي تقـرر ملامـح المجتمع، طابع النظام الاجتماعي للإنسان، والانتقال من نظام إلى آخر؟
إن المادية التاريخية تجيب على هذا السؤال بالسلب.
فمما لاشك فيه إن البيئة الجغرافية هي احد الظروف الدائمة التي لا مفر منها في تطور المجتمع، وتؤثر طبعا علـى تطـور المجتمـع وتسرع أو تؤخر تطوره. إلا أن تأثيرها ليس تأثيرا مقررا طالما أن تغيرات وتطورات المجتمع تجري أسرع بما لا يقاس من تغيرات وتطورات البيئة الجغرافية.”
” إن البيئة الجغرافية لا يمكن أن تكون السبب الرئيس، السبب المقرر، في التطـور الاجتمـاعي، إذ أن مـا يبقى غير متغير تقريبا في مضمار عشرات الألوف من السنين لا يمكن أن يكون سبب التطور الرئيس فيما تطـرأ عليـه تغييرات أساسية خلال بضع مئات من السنين.”
وإن كان أنغلز يتفق وستالين في مدى تأثير البيئة الطبيعية ، لكنه ينحى في كتابه ” أصل العائلة والملكية والدولة ” منحىً آخر ، فيعترف بشكل غير مباشر بنقيض ما ألمح اليه ستالين ، فيقول “.. وكان هذا الاختلاف الطبيعي في الظروف أن سار سكان كل قارة في طريق مختلف واختلفت الحدود المميزة للمراحل المختلفة في كل قارة .. وقد كان تكوين القطعان الحيوانية في الأماكن المناسبة لذلك سببا في حياة الرعي عند الجنس السامي في السهول المليئة بالحشائش عند نهر الفرات ..وقد تكون الفائدة العظيمة للحم واللبن وخاصة في تنمية الأطفال سببا في تفوق الآريين والساميين(الأسيورية عند سعادة ) على غيرهما من الأجناس.. كما وإن اختراع الحروف الكتابية واستخدامها في النصف الشرقي فقط من العالم واستخدامها في تدوين الآداب .. أحدث تطورا في الانتاج يفوق التطور الذي حدث في كل العصور السابقة مجتمعة .. في العالم القديم ،حيث اتسع نطاق استئناس الحيوانات وازداد عدد القطعان بطريقة جعلتها مصدرا غير متوقع للثروة ، كان نمو العلاقات الاجتماعية ..استطاعت الشعوب المتقدمة المسيطرة ، مثل الآريين في الأرض الهندية ذات الأنهار الخمسة وأرض القرقيز .. والجنس السامي عند نهر دجلة والفرات ، أصبح في استطاعة هذه الشعوب أن تملك قطعانا تتطلب رقابة وعناية حتى يزداد عددها وتستخرج منها الألبان واللحوم الوفيرة .. بطريقة جعلتها مصدرا غير متوقع للثروة مما سبب نموا في العلاقات الاجتماعية .. وبانتشار القطعان الحيوانية واستخدام المعادن والزراعة تغير الوضع كليةً ..اذ أصبحت هناك حاجة لمزيد من الأفراد للعناية بأمر القطعان وأصبح ممكنا أن يؤدي اسرى الحروب هذا الغرض بل أصبح في الامكان تربية أسرى الحرب كالقطيع نفسه ( العبيد أو الرق في المفهوم الماركسي ) .. فقد كانت هذه الثروات المملوكة للعائلة سببا في تحطم المجتمع القائم على عائلات مكونة من فردين وقبائل منتسبة للأم .. لذلك فعندما ازدادت الثروة الحيوانية ، المملوكة للرجل أعطته مكانة أكثر أهمية من المرأة ..واصبح الانتساب للأب هو السائد، مما سهل هذا التغيير ، إن هذه الثورة على الانتساب للأم تعتبر من إحدى التجارب الشديدة التأثير في تاريخ البشرية ..” فالبيئة الطبيعية تؤثر تأثيرا كبيرا ، وفق أنغلز ليس على تقدم وتتأخر المجتمعات وحسب، بل في الانتقال من اسلوب انتاج لآخر ، متفقا مع سعادة كل الاتفاق كما سيأتي ..
إن المبدأ الفلسفي الذي ينطلق منه سعادة هو : ” أن المادة تعين الشكل ” وعليه يبني موقفه من البيئة الطبيعية ، هذا الموقف ينطلق أيضا من العلاقة بين الثابت والمتحول والتابع ، معتبرا أن الثابت الذي يلعب دورا قياديا هو البيئة أما المتحول فهو المجتمع الذي لا بدَّ له من التكيف باستمرار مع خصائص بيئته أما التابع فهو الفرد الذي يبقى في الدائرة التي وجد بها والتي تضطره في مجرى حياته للتكيف مع هذين القطبين اللذين يحددان له منحى هذا المجرى ، ولا ينسى سعادة أن هذه العلاقة تبقى في حركتها من حيث تبادل عناصرها مركز القيادة فيها على الرغم من تبوء البيئة مركزا متقدما فيها يقول : ” . فالأرض تكيّف الإنسان وهو بدوره يردّ الفعل ويكيّفها .. يكيّف الإنسان الأرض ولكنّ الأرض نفسها تعيّن مدى هذا التّكييف وأشكاله حسب بيئاتها الإقليميّة. وفي الوقت الّذي يسعى هو لتكييف الأرض لتوافق حاجاته الحيويّة يجد نفسه مضطرّاً لتكييف حاجاته حسب خصائص الأرض النّازل فيها.” ولما ” لا توجد مادّة واحدة تمدّ الطّبيعة بها إمداداً مستمرّاً..” كان على الانسان أن يتكيف وخصائص الأرض ، البيئة ذلك أن ” هذه الخصائص هي الّتي تعيّن وجهة تقدّم الإنسان في سدّ حاجاته مداورة ــ أي مدنيّته ..” ذلك أنها كانت السبب في توزع البشر جماعات ” فلو أنّ الأرض كانت سهلاً منبسطاً في درجة واحدة من الحرارة والرّطوبة، خالياً من الحدود الجغرافيّة من صحارى وجبال وأنهار وبحار، لكان من البديهيّ أنّ يؤدّي انتشار النّوع البشريّ فيها إلى إنشاء جماعة واحدة كبيرة ولكنّ الحدود الجغرافيّة الطّبيعيّة جعلت انتشار الإنسان في الأرض موافقاً للبيئات الجغرافيّة..” التي يختلف بعضها عن البعض الآخر وفق طبيعة الحال ، هذا الاختلاف هو الذي مايز الجماعات يقول :” تميّز البيئة الجماعة بما تكسبها من لون وشكل وبما تمدّها به من الموادّ الخام لسدّ حاجاتها الحيويّة من غذاء وكساء وبناء وأدوات. فمدنيّة الجماعة المستقلّة مستمدّة من بيئتها لأنّ الاستنباط والتّكييف يجب أن يكونا ملازمين لخصائص البيئة الطّبيعيّة، موافقين لها ..” فالمادة كما أسلفنا هي التي تحدد الشكل ، هكذا تتمايز الجماعات أو المجتمعات بعدما تكون ” الجماعة ” ـ بعامل الزمن ـ قد اكتسبت خصائص بيئتها وتمازجت أصولها وفروعها وتماهت في بيئتها ، فأضحت مجتمعا له خصائصه ،
إن السؤال الذي نحاول الاجابة عليه هو : ما تأثير البيئة الجغرافية على تطور المجتمع ؟
تلتف المادية التاريخية على تأثير البيئة بالسؤال عن المتغير (المتحول) في العلاقة المشار اليها ماركسيا ( الظروف ، الزمان ، المكان ) والدور الرئيس أو المقرر في تطور المجتمع وطابع النظام الاجتماعي وأيضا في الانتقال من تشكيلة اجتماعية الى أخرى ، دون أن تتنبه للفارق بين الثابت ( المكان ـ البيئة ) والمتحول او المتغير (الظروف ـ الزمان ـ ” المجتمع ” ) وتخلط بينهما في المدى الزمني ، ودون أن تتنبه أيضا لموضوعيَّتهما ، أي كونهما موضوعان “ماديان ” في المفهوم الماركسي ، أي أنهما خارجان على ارادة ورغبة وامكانية المجتمع في المدى الزمني ، فالجماعة ـ المجتمع ، بتتابع أجياله ، يتغير تحت تأثير الثابت ـ المكان ، أو كما يقول سعادة : تُعدُّ ” البيئة الفوارق الشكلية للجماعات البشرية ، وأن الترابط بين البيئة والجماعة في أنواع الحياة وفوارق الأشكال ومميزات العمران والاتجاه التمدني ، قويٌ جداً .. أنّ البيئة تؤثّر، في الغالب، على أشخاص مختلفين تأثيراً يؤدّي إلى اتجاه واحد بناء على أنّ لكلّ عضو [حدود سلامة] يتكيّف ضمنها تبعاً لمقتضيات البيئة، فيتّخذ الهيئة الّتي تتطلّبها عوامل البيئة دون أن يفقد خصائص وظيفته ..” وعليه كان أخذه بعامل الامتزاج بين الأقوام النازلة ـ بسبب ارتحالاها ـ في بيئة محددة المعالم ، وبالطبع تحت تأثير عامل الزمن وقوله أيضا باختلاف الجماعات بناء على هذا التأثير ، فالتطور هنا ، وكما أشرنا سابقا ، يعني التغير والتبدل والتكيف ، فلا بدَّ إذن من أن تتكيف مختلف الجماعات مع ـ الظروف (الخصائص البيئية) الجديدة عبر الزمان ـ (التاريخ ) والتي خضعت لها في هذه البيئة أو تلك ، وتتحدد صفاتها وخصائصها تبعا لذلك ، فإذا كانت البيئة الجغرافية ، وفق ستالين ” تؤثر طبعا علـى تطـور المجتمـع وتسرع أو تؤخر تطوره ..” فالسؤال كيف يتم ذلك اذا كان ما تحتاجه هذه ( لتتغير) لآلاف السنين ؟ بينما المجتمع يتغير في بضع من مئات منها ؟ كيف تُسرَّع أو تُبطئ البيئة التطور طالما أنها ثابت لا تتغير ، إذا ما كان المقياس هنا ، هو التغير أو المدى الزمني سريعا كان ام بطيئا ؟
لا شك أننا هنا وقبل الاجابة على ما تقدم ، بحاجة للتنويه لمصطلح ” بيئة ” بحيث يبقى في ذهن القارئ أن المصطلح لا يدل على وحدة خصائصها أو يلغي اختلافها وتباينها وتاليا تبيان امكاناتها أو بمعنى آخر ثرواتها الباطنية وغيرها من حيث امكانية زراعتها من جهة أو أهليتها للرعاية مثلا ، وعليه ، فإن الجماعات النازلة بها تكتسب شخصيتها مما هي عليه بيئتها ، يقول سعادة ” إنّ من أهمّ مؤثّرات البيئة أو الأرض في تمييز الجماعات أنّها أهمّ عامل في تكوين [شخصيّة الجماعة]. والسّبب في ذلك هو الارتباط الوثيق المولّد حقّ الوراثة واستمرار التّشابه الشّكليّ ..”
يسهب سعادة في الاجابة على التساؤلات المتقدمة في بيان العلاقة بين الثابت والمتحول يقول :” إنّ تأثير امتلاك أرض أو عقار(ثابت ، وفق سعادة بحق الوراثة ) في شخصيّة الممتلك (متحول ـ متغير أيضا بموجب حق الوراثة ) شديد جداً.. ” ـــ بغض النظر عن الموقف من الملكية وكذلك الوراثة باعتبارهما جانبا من جوانب الطابع الاجتماعي الذي سارت عليه مختلف الجماعات البشرية ـــ ، يتابع قائلا :” .. أنّ الملك قد يكون أهمّ ما في الشّخص المالك، بل أهمّ منه ، لأنّ الشّخص زائل والملك هو الباقي على التّوارث.. حتى إذا زال من يديه تغيّرت شخصيته ورتبته. هكذا، مثلاً، حدث لأمراء الرّوس حين جرّدتهم الثّورة البلشفيّة من أملاكهم فخرجوا إلى العالم سائقي سيارات وخدماً بعد أن كانوا أمراء. وهكذا الجماعات شخصيّاتها مرتبطة بالأرض الّتي تملكها ارتباطاً وثيقاً، بل قوام شخصيّاتها البيئة. الوطن.” من هنا كان الاختلاف بين الجماعات البشرية ، فقد تختلف البيئات اختلافا حديَّا ـ كالبيئة السورية وشبه جزيرة العرب ـ مما يؤدي بطبيعة الحال لاختلاف حديٍّ أيضا في طابع النظام الاجتماعي ، ناتج عن العلاقة بالأرض ، اذ يستحيل أن يكون المحراث أو العجلة (ادوات الانتاج) قد استنبطا في شبه جزيرة العرب مثلا ، نظرا لعدم توافق طبيعة الأرض معهما جوهريا ، وتاليا اختلاف العلاقات الاجتماعية (اسلوب الانتاج) الناتجة عن استخدامهما بما يقدمانه من نتاج على المستوى الاقتصادي الذي يساهم الى هذا الحد أو ذاك في مستوى تطور الطابع الاجتماعي وتاليا التباين بين المجتمعات ، في ظل العلاقة القائمة بين ثلاثية ( قوى الانتاج وأدوات الانتاج وتاليا اسلوب الانتاج ) وفق التصنيف الماركسي ، ” فخصائص أو مزايا المجتمع البدويّ والمتوحّش. ..أنّ مستواه الاقتصاديّ لا يزال على درجة ابتدائيّة بحت فهو لا يعلو عن درجة سدّ حاجة الحياة مباشرة إلاّ قليلاً. ومن مظاهر هذه الدّرجة فقدان الصّناعة أو وقوفها عند حدّ صنع بعض الأدوات الضّروريّة.. وأسباب عيش الجماعات التي على هذه الدّرجة تقتصر على الضّروريّ ويندر أن تتعدّى إلى الحاجيّ فضلاً عن الكماليّ.. وأحوال هذا المجتمع، أو الجماعات، الاجتماعيّة هي بحكم الضّرورة متابعة لأحوالهم الاقتصاديّة ومطاوعة لها. فنظامهم الاجتماعيّ يقوم على الرّابطة الدّمويّة المنتهية بالقبيلة. والفرد في هذا النّظام ككلّ فرد آخر بدون فرق أو ميزة، أي إنّ قيمته هي في الغالب عدديّة عامّة لا نوعيّة خاصّة، لأنّ فقد العمران ونقص المطالب الحاجيّة والكماليّة يبطلان المواهب الشّخصيّة وينفيان المزايا الفرديّة، وكذلك نرى أنّ نظامهم يخلو من الحقوق الشّخصيّة والملك الفرديّ.. ” هذا على افتراض أن مستوى المزيج السلالي متقارب من حيث الرقي أو الانحطاط ، مما يدفع بسعادة للقول :” لا بدّ للأرض من جماعة مؤهّلة للاستفادة منها. فحيث كانت الأرض خصبة والجماعة البشريّة عديمة الخبرة في الأرض لم ينشأ عمران، كما هو الواقع في أودية أميركا الخصبة الّتي ظلّت عديمة العمران ـــ تعترف الماركسية بهذه الحالة على لسان أنغلز في مؤلفه أصل العائلة والملكية والدولة ، كما مرَّ آنفا ـــ إلى أن جاءت أميركا أقوام جديدة راقية في خبرتها بطبيعة الأرض واستعدادها للاستفادة منها..” مضيفا ” ومن هذا نستنتج أنّ الطّبيعة والجغرافية هما الطّبقة الدّاخليّة في تاريخ حياة الإنسان، فمع أنّهما تميّزان الجماعة تمييزاً واضحاً فإنّهما، فيما يختصّ بتاريخ الجماعة، لا تقدّمان الاضطراريّات إلاّ نادراً وفي حالات استثنائيّة ولكنّهما تقدّمان الإمكانيّات . إنّ التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة،.” وعلى ما خلُص اليه ، يعتبر سعادة أن أبرز دليل على ذلك هو انتصاب قامة الانسان الذي كان الخطوة الأبرز في انقاله من الطور الحيواني الى الوحشي ، بينما يأتي اقتسام العمل بين الرجل والمرأة في الطور الأخير من مرحلة البربرية الخطوة الأهم في تحديد الاتجاه الى المدنية ، فاقتسام العمل ، لم يكن مجرد تجريد للمرأة من حقوقها في مرحلة العلاقة الدموية والانتساب للأم ، بل كان بدافع بروز شخصية الانسان (امرأة كان أم رجلا ) والذي ساهم في الدفع لهذا الاقتسام ، بل إننا نرجح أن يكون الدافع له هو المرأة لا الرجل ذلك أن مشاعية العلاقات الجنسية ، وبعد بروز شخصية الفرد ، دفع بالمرأة ، لاعتبارات شتى ، أن تختص برجل واحد دون الآخرين ، ذلك أن المشاعية قد بدت لها، في هذه المرحلة ،إهانة لها وحطاً من شأنها الشخصي في اباحة جسدها لمن يشاء ، وهذا بحد ذاته تحديدا لعلاقتها بالرجل الذي لم يكن هذا في صالحه ، كما نرى في استمراريته في علاقاته الجنسية المتعددة التي رافقته حتى وقتنا الحاضر ، كان القرار انثويا بحتا ، تحملت المرأة نتائجه بكل جدارة ، وما زالت الى يومنا هذا ، بهدف تكوين العائلة التي ساهمت بفعالية لانتقال المجتمع خطوة أخرى الى الأمام بظهور الملكية المولدة حق الارث ، هكذا نشأ “أساسان للكيان الاجتماعيّ الأوّليّ هما: نظام الوحدة الاجتماعيّة المنصرفة إلى الاهتمام بالغذاء الّذي هو قوام الحياة، بصرف النّظر عن أقسام العمل وهو حقّ الجماعة. ونظام الوحدة العائليّة المنصرفة إلى الاهتمام باقتسام العمل وهو بدء تنظيم التعاون. وحالة المرأة، على هذا المستوى الثّقافيّ، تدعو إلى تأمّلنا .. ” كما يقول سعادة ، معتبرا أن المرأة قد فقدت جملة من ميزاتها في النظام الناشئ عن اقتسام العمل ومع ذلك فإنه يقر” بأن العائلة نظام اقتصاديّ قبل كلّ شيء.. قائم على قاعدة توزيع العمل الّذي ابتدأ في الأصل بين الجنسين.. ولولا هذا النّظام التّعاونيّ الاقتصاديّ لكان نشوء العائلة الموحّدة تأخّر كثيراً.. ”
فعلى النقيض من الماركسية يخلص سعادة، بناءً على ما تقدم ، لجملة من التأثيرات البيئية على الجماعة بعامل الزمن :
1ـ النّظام الاجتماعيّ هو دائماً حاصل تفاعل الإنسان والطّبيعة أو البيئة بطريقة معيّنة أو منبعث منه وموافق له ..
2 ـ أنّ التّطوّر الإنسانيّ، نشوءاً وارتقاءً، هو وفاقاً لمقتضيات تطوّرات الطّبيعة والبيئة..
3 ـ التّطور الاجتماعيّ، نشوءاً وارتقاءً هو وفاق لتطوّر التّفاعل بين الإنسان والبيئة بدافع الحاجة المادّية.. ،
4 ـ العقليّة الاجتماعيّة نتيجة تطوّرات التّفاعل الماديّ لتأمين الحياة الاجتماعيّة..
” وليبني قاعدته الأولى في علم الاجتماع : ” لا بشر حيث لا أرض ولا جماعة حيث لا بيئة ولا تاريخ حيث لا جماعة
“الإنسان ــ المجتمع”
في ضوء ما تقدم ، يمكننا البحث في البناء النفسي (الروحي)الذي أقامه سعادة على القاعدة المادية (دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية ) لفلسفته الاجتماعية، ونقصد ( الانسان ـ المجتمع ) وبه تتكامل الرؤية المدرحية ( 1 ) التي قال بها .. يقول : ” تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع. ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان.. ” ويضيف :” أنّ الدولة شأن ثقافيّ بحت..” ذلك أن ” التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة..” وعليه فإن ” ..البحث المنطقيّ العقليّ يرغّبنا في تتبّع أسباب نشوء الدّولة وردّها إلى الخاصّة الإنسانيّة النّفسيّة المعيّنة بالتّمييز بين أنانيّة المرء (نسبة إلى أنا لا اسماً لحبّ الذّات) الظّاهرة في استعمال [أنا] وبين الظّاهرة الّتي توجد [أنت] ماثلاً أمام [أنا]..” ذلك أننا لا ” نجد واقع الدّولة إلاّ حيث نجد في المجتمع قوّة فيزيائيّة تخضع أو ترهب..” لقد نشأت ” الدّولة بعامل الحياة الإنسانية، ومنذ نشأت الدّولة أصبحت هي شخصيّة المجتمع وصورته..” مؤكداً على أنه ، على الرغم من أن الدولة شأن ثقافي لكنها في واقع الحال ليست ” في ذاتها مقياساً للثّقافة العقليّة بل بما تنطوي عليه من حقوق..” وهنا بيت القصيد ، أي نسبة الحقوق الى الواجبات بغية تحديد المرتبة الثقافية التي يمكن من خلالها تصنيف الدولة أو الدول على وجه العموم .
بديهي في السياق ذاته، أن نلفت الانتباه الى أننا ندرس ها هنا الدولة القومية ، بمعنى آخر نظرية الدولة عند سعادة ، كما استخلصها من مجمل رؤاه الفلسفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية بكل تفرعاتها ، فهي خلاصة تبقى في الحدود النظرية وتاليا تقبُلها للنقد والتغيير في كثير من تفصيلاتها كردٍ لتساؤلات تطرحها كثير من المتغيرات السياسية من جهة وتساؤلاتٍ يفرضها الوعي السياسي الفردي والمحلي والاقليمي والدولي على مستوىً واحد ..
إن السؤال الأبرز في مبحثنا هذا هو : ما تأثير عوامل نشأة الدولة وتطورها على مفهوم الدولة اليوم ، حقوقا وواجبات ؟ وهل يمكننا استخلاص قوانين ( مقولات )محددة تطورية تسري اليوم على مختلف الدول ؟ أم أن الدول حاليا ـ رغم تباين نشأتها وعوامل تطورها ـ تختلف عن كل ما يمكن استخلاصه من تاريخ الدولة نشأة وتطورا ؟ هل الصيرورة التاريخية للدولة تحكمها أم لا ؟ هل الدولة اليوم رهن بماضيها أم أن حاضرها هو الذي يقرر ماهيتها ؟ أم أن هذه الماهية تتحكم بها عوامل أخرى لا علاقة لها بماضيها ولا حتى بحاضرها مستقبلاً من حيث / أنها وجدت لتبقى / القاعدة الوحيدة التي تحكمها وتتحكم بها وتدفع بها أيضا لسلوكيات لا عهد لها بها ؟ هذه التساؤلات وغيرها الكثير تضعنا أمام تحديات معرفية لا بد لنا من خوض غمارها وبشكل مُتْقَنٍ مدروس منهجا ( وصفيا وتركيبيا ) للوصول لما يمكنه الاجابة الموضوعية على مختلف التساؤلات المطروحة .. لنكتشف ، معياريا ، كيف على الدولة أن تكون في واقع ماهي كائنة عليه ، بل وكيف يمكن التغيير في هذا المجال تحديدا ، وبديهي أن نحطات في مبحثنا هذا من أحكام الجهل بما نحن مقبلون عليه ، ذلك أن الجهل بما نتداوله ، يضعنا أمام تحديات لسنا بصدد بحثها والاجابة على تساؤلاتها ، ذلك أنها محكومة بمنطلقات أحكام الجهل ذاته المطلقة الرافضة من حيث المبدأ للآخر ، حوارا أو بحثا أو دراسة أو جدلا أو تحليلا أو نقاشا ..الخ .
وعلينا بادئ ذي بدء أن نُعَرِّفَ مجال ما نحن مقبلون على دراسته ، ونقصد : ” السياسة ” ، بما هي ميدان الدولة الوحيد والمظهر الذي تتمظهر به نشاطاتها المختلفة ..
تعريف السياسة :
ما السياسة ؟ سؤالٌ يضعنا أمام متجهاتٍ كثيرة ، كلٌ منها له منطلقاته ووسائله المعرفية وغاياته الأيديولوجية ..
هل السياسة فن الحكم أم علمه أم كلاهما معا ؟ أم أنها حكم المجتمعات المنقسمة على ذاتها أيديولوجياً ؟، أم هي التوزع السلطوي للقيمة ؟، أم هي احتمال أن يفرض شخص ( بدل فرد ) ارادته ضمن علاقة اجتماعية رغم الممانعة التي قد يواجهها ؟ ، أم أنها فردٌ يسوس آخر ؟ أم أنها أخيرا ـ وليس آخراً ـ هي الممارسة الاجتماعية للسلطة طالما أنها فنٌ أكثر منها علمٌ وطالما أن غايتها تبقى تحقيق أشكالٍ من التحالفات الممكنة بين الناس بدلاً من زرع الفتن ؟ وطالما أنها تقتضي التعاون بين مجموعاتٍ مختلفة في المجتمع لتحقيق مكاسب أو فوائد أكثر مما لو كانت تقتضي جواً تنافسيا بين تلك المجموعات كما هي في تعريف “بارسونز ” ؟
هذه التعريفات للسياسة تعود في اختلافاتها للاختلاف في منطلقات بحثها أي للنسبة بين علوم الفلسفة والاجتماع والتاريخ ( أي مَنْ يقود مَنْ في هذه العلاقة الثلاثية ) ، أو للنسبة بين الفن وعلمي الاجتماع والاقتصاد (ثلاثية أيضا ) وهي ــ السياسة ــ أيضا عند سعادة تبقى في أجواء ما سبق طرحه في هذا الاجتهاد من حيث أن لكل قطب من أقطاب ثلاثيات سعادة دوراً تفرضه مستجدات المكان والزمان ، فسعادة لا يرجح قطبا على آخر إلا بناءً على دور محدد يحدده الثابت (المكان ) و المتغير (الزمان ـ ومجراه المجتمع ) والتابع ( الفرد ) وعليه فالسياسة عند سعادة ، وباعتبار أن دولته هي دولة قومية كانت ” .. فن بلوغ الأغراض القومية وتحقيق الغايات القومية التي يجب على كل فرد أن يرتبط فيها لأنها رابطة المجتمع.. السياسة عندنا وسيلة لا غاية، وسيلة لبلوغ الأغراض القومية بأقصر الطرق وأقل التكاليف.. ” ولأن ” شرط الوضوح التعيين ” ، هي علم ، يقتضي تعين ماهية الأغراض القومية ومن ثَمَّ تعين الطرق ،الوسائل ، الكيفية ، التي يتم من خلالها ضمان أقل التكاليف ، وعليه يمكن فهم السياسة على أنها ، من وجهة نظرنا ” فن اقتناص الفرصة ” والفرصة الجيدة هي الكم المعلوماتي الذي تمتلكه الدولة عن المحيط الدولي من جهة والمجتمعي الذي تقوده من جهة أخرى .
تعريف الدولة:
بداية لا بدَّ لنا من لفت نظر المتابعين ، لمدلولات المصطلحات الواردة أدناه على أنها قابلة للتغيير ( التطور ) في مدلولاتها ( مفاهيمها ) ذلك أنه وفق سعادة ” في المبادئ التي تمت للإنسان الحر بصلة لا يمكن الاستناد لأي قولٍ استبدادي مطلق لتقرير حقيقة انسانية أو لها علاقة بالإنسان ـــ المجتمع ” والمطلق هنا هو المبهم ،وتاليا غير القابل للتغير أو التبدل أو التكيف أو التطور، يقول سعادة :” كل مطلق ليس واضحاً هو نسبي مهما قيل إنه مطلق غير نسبي. كل مطلق مبهم هو لا شيء. المطلق الذي هو شيء هو المطلق الواضح. فإذا وجدنا أمامنا مطلقاً غير واضح، إذا افترضنا أي مطلق افتراضاً وابتدأنا نحوم حول فهم هذا المطلق ومعرفته، فإننا قد عيَّنا مبهماً للخروج من جدل لم نصل فيه إلى الحقيقة. فكل لا وضوح لا يمكن أن يكون أساساً لإيمان صحيح، وكل لا وضوح لا يمكن أن يكون قاعدة لأي حقيقة من جمال أو حق أو خير. ” و” شرط الوضوح التعين ..” أي أن نكون قادرين على فهم ما نحن مؤمنون به وأنه قابل للتغيير ، لأنه في الحال المعاكسة نكون أمام مطلق ثابت لا يتغير ولا يتبدل ،بما يعني أننا أمام طلسم مصمتْ لا حول لنا به ولا قوة ـ إرادة ، ونكون بالتالي قد عطلنا ميزة العقل الذي هو الشرع الأعلى في الانسان بما يذهب اليه سعادة قائلا : ” لم يوجد العقل الإنساني عبثاً.لم يوجد ليتقيد وينشل. بل وجد ليعرف، ليدرك، ليتبصر، ليميز، ليعين الأهداف وليفعل في الوجود. وفي نظرتنا أنه لا شيء مطلقاً يمكن أن يعطل هذه القوة الأساسية وهذه الموهبة الأساسية للإنسان. العقل في الإنسان هو نفسه الشرع الأعلى والشرع الأساسي. هو موهبة الإنسان العليا. هو التمييز في الحياة، فإذا وضعت قواعد تبطل التمييز والإدراك، تبطل العقل، فقد تلاشت ميزة الإنسان الأساسية وبطل أن يكون الإنسان إنساناً وانحط إلى درجة العجماوات المسيرة بلا عقل ولا وعي ..”
الدولة بالتعريف :
هي مُجَمَّعْ مصالح مختلف المنضوين تحت سلطتها لأن وظيفتها عند سعادة ” العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعيّن الحقوق والواجبات ..” وتبقى مرتبتها الثقافية رهن بنسبة الحقوق الى الواجبات ، يقول :” يجب أنّ ننظر إلى الحقوق إذا كنّا نريد أن نحصل على تحديد حقيقيّ للدّولة..” بغض النظر عن الشكل الذي تتمظهر به ، تيوقراطي أو دكتاتوري أو ديموقراطي أو تمثيلي أو تعبيري ..الخ ، ذلك أن ” أشكال الحكم تتغير وتتطور مع تغيير أحوال الشعوب وتطورها..” يضاف لما تقدم أن الشكل ـ النظام ” ليس مجرد تنظيم دوائر وصفوف..” ليس مجرد”.. ترتيبات شكلية خارجية.. “بقدر ما ” هو نظام الفكر والنهج، ثم نظام الأشكال التي تحقق الفكر والنهج.. ” المتمثل في الدولة كنظام ــ الشكل ، وتاليا فالنظام ـ الشكل ليس دليلاً على مرتبة الدولة الثقافية ، الدليل الذي يفترضه سعادة هو نسبة الحقوق الى الواجبات بحيث ، كما أشرنا سابقا ، تتناهى الحقوق الى اقصى ما يمكن أن تصل اليه بينما تتدنى الواجبات الى أقل ما يمكن ، بالطبع تبعا للحالة التي تختصُّ بها هذه الدولة أو تلك ..
سبق وألمحنا ، في السياق أيضاً ، الى أن الدولة التي يسعى لها سعادة هي الدولة القومية ، يقول : “.. الدولة هنا هي الدولة القومية فقط. الدولة التي يصح القول فيها أنها قومية تشمل المجتمع القومي كله، ذا الدورة الاقتصادية الكاملة التامة..”
فلماذا يقول سعادة بالدولة القومية ؟ ، وليس بالدولة كما هي عليه اليوم ، سؤالٌ يفرض ذاته في عالم لم تعرف له الدولة مثيلا من قبل ، فقد شهد القرن العشرين ، انهياراً لإمبراطوريات شغلت حيِّزا مهما في التاريخ ، ونقصد الامبراطورية العثمانية والإمبراطورية البريطانية ، مما أدى لنشوء دويلات سميت بمصطلحات علم السياسة ،بــ”الدول الحديثة ” (2) عكست في كل بقاع العالم ـ ومنها سورية الطبيعية ـ الأطماع الاستعمارية التي استدعت تجزئة المجتمعات الطبيعية الى كيانات أعجز من أن تقوم في وأد ذاتها ، مما أوقع العالم بمشكلات لم تكن معروفة في عهد الامبراطوريات حتى القديمة منها حيث ” معدودية الدولة ” كانت تقتضي اعترافا بعضوية مختلف أفراد تلك المجتمعات الطبيعية كأعضاء في الدولة ، بدئا من الإمبراطورية الرومانية ومرورا بالعثمانية والبريطانية والأوروبية عموما، ولما لم تكن الدول الحديثة دولاً بالمعنى الحقوقي والدستوري والاشتراعي والاداري ، المستخرج من تجربتها في ادارة شعوبها التي لم تكن قد الفت الاستقلال المادي والنفسي والخارجة للتو من تاريخ استعماري استمر قرونا طويلة ، فقد بدت كإقطاعات سياسية كلٌ منها تأتمر بأوامر منشئها ، حتى أنها استعارت قوانينها ودساتيرها من مستعمرها وحاولت مطابقتها مع معتقداتها الدينية والعنصرية وأوهام ماضيها الذي لم تكن قد تبينت منه إلا ما جاد به موجدها به عليها ،فقد عانت مما آلت اليه من مشكلات أبرزها المشكلات العرقية / العنصرية / والدينية والاقتصادية والثقافية وغيرها ووقوع مئات آلاف الضحايا في حروب محلية وأهلية عكست أيضا بما لا يقبل الجدل والنقاش مصالح أمم ” الديموقراطيات الغربية ” التي تحاول فرض ثقافاتها على مختلف الشعوب لتسويق سياساتها الاستعمارية كالتسويق مثلا للديموقراطية والحرية والمساواة الجنسية …الخ
من هنا كان سعادة من أوائل الذين نادوا بوحدة العالم على أساس وحداته الطبيعية التي تحول دون ما تقدم بكل تأكيد ، يقول ” القوميّة هي الّتي عيّنت شكل دولة البلاد العصريّة ووسّعت دائرة المساهمة في الدّولة أو معدوديّتها إلى حدود لم تكن معروفة من قبل.. ” ذلك أن ” الأمّة هي أتمّ متّحد ..” و ” المتحد هو اللفظة التي تفيد التجانس والتلاحم والتي أريد بعد الآن أن أقتصر فيها على الواقع الاجتماعي ..” و” لأنّ الأمّة تنطوي على عنصر عامّ، بل حيويّ لها، مفقود من المتّحدات الأخرى ( ويقصد الدول الحديثة ) ، هو العنصر السّياسيّ..” حيث أرقاها على الاطلاق ” المصالح السياسيّة وأكبر جمعيّاتها، الدّولة، التي تشمل جميع مصالح المتّحد الأتمّ الّذي هو الأمّة..” يقول :” ولكنّ القوميّة لم تقف عند حدّ القضاء على سلطة الإقطاعيين وتوحيد المرجع في الملك، الّذي أخذ تفرّده في السّلطة يتعاظم حتّى أصبح شديد الوطأة، بل سارت نحو الهدف الّذي يبرر وجودها وهو إقرار أنّ السّيادة مستمدّة من الشّعب وأنّ الشّعب لم يوجد للدّولة بل الدّولة للشّعب. هذا هو المبدأ الدّيمقراطيّ الّذي تقوم عليه القوميّة. فالدّولة الدّيمقراطيّة هي دولة قوميّة حتماً، فهي لا تقوم على معتقدات خارجيّة أو إرادة وهميّة، بل على إرادة عامّة ناتجة عن الشّعور بالاشتراك في حياة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة. الدّولة أصبحت تمثّل هذه الإرادة. فتمثيل الشّعب هو مبدأ ديمقراطيّ قوميّ.. ”
لذلك كان لا بدَّ من التطرق لما تعنيه هذه الدولة نشأة وتطورا ، من وجهة نظر سعادة ، لبلوغ المرتبة الثقافية التي هي عليها في الوقت الراهن ولبيان موقف سعادة وامتيازه في نظريته السياسية عن علماء الاجتماع الآخرين، ذلك أنه لم يقصر أبحاثه وتاليا نظريته على ما اقتصر عليه غيره في كون المصدر الرئيس لمشروعهم السياسي التاريخ الغربي ( الاغريق والرمان ) بل تناول العالم القديم بكليته وتطرق الى العالم الجديد في أمريكا وتحديدا حضارة الانكا والازتك ، وبهذا كان امتيازه على كلٍ من النظرية الوظيفية والنظرية الفيبرية ، ولأننا نعتقد أن هناك تداخلاً شديدا بين النظريات الثلاث ، لابد من جلائه لتتضح ماهية الرؤية المدرحية لسعادة ..
نظريات نشأة الدولة :
تشكل ثلاثية الثابت والمتحول والتابع عند سعادة بوتقة جامعة صاهرة لمختلف النظريات السياسية التي تطرقت لنشأة الدولة وصيرورتها التاريخية ـ على تناقضاتها وتضادها واختلافها ـ ذلك أنها ـ العلاقة ـ لا تقدم قطباً أو عنصراً من عناصرها على أنه رائدها (على عكس النظريات الأخرى كما سيأتي ) بل تفسح المجال رحباً لكل عنصر بأن يتقدم على الآخرين وفقا للمكان ـ البيئة (كثابت) والزمان ـ ومجراه المجتمع ـ (كمتحول) وأيضا الفرد (كتابع) وفي علاقة تبادلية ديموقراطية بحتة تفرضها مستجدات ديناميكية حركة الحياةٍ لأي من عناصرها .
نشأة الدولة عند سعادة :
كما سبق وأشرنا ، أن نقطة انتقال الانسان من طور الحيوانية الى طور الانسانية ، عند سعادة، كان بانتصاب قامته واطلاق يديه في سد حاجته مداورة ، فإنه ها هنا يعيد نشأة الدولة للخاصة النفسية الانسانية التي / توجد أنت ماثلا أمام أنا / دون الخوض في موجبات هذا / المثول / أكان بدافع كارزما الفرد أم بما يتمتع به من قوة فيزيائية أكسبته المكانة التي أوجبت بروزه كشخصية متميزة ، وعلى الرغم من أنه يشير الى أن الدولة ترافقت بشكل أو بآخر مع وجود القوة التي غدت سلطة “تخضع وترهب ” لكنه ، في تتبعه لنشأتها يبقى في حدود تعريفه لها كشأن ثقافي ، ولكونها كذلك ، فإن الحقوق تبقى هي بوصلته في تتبع تطورها من حالة بدائية أولية الى الحالة التي هي عليها اليوم ، يقول :” ليست الدّولة في ذاتها مقياساً للثّقافة العقليّة بل بما تنطوي عليه من حقوق. فلا بدّ لنا من إلقاء نظرة على بداءة الحقوق لكي نتمكّن من فهم نشوء الدّولة وتطوّرها في ظروفهما. يجب أنّ ننظر إلى الحقوق إذا كنّا نريد أن نحصل على تحديد حقيقيّ للدّولة..”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ تجدر الاشارة الى أن سعادة يستخدم مصطلح ( المادي ـ الروحي ) مجازا بدل ( المادي ـ النفسي ) ذلك أن المصطلحين يحملان مفهومين متناقضين تماما ، فالروحي ، بما يعنيه من انفصال تام عن الجسد ، بينما يأتي النفسي للدلالة على وحدة النفس والجسد ، وهذا الأخير هو ما يؤمن به سعادة ويناضل من أجله .
(2) ـ يطلق مصطلح ” الدول الحديثة “على كافة الدول التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى ، مثالها في سورية الطبيعية ” الشام والعراق ـ بما فيه الكويت ـ والاردن وفلسطين ولبنان وقبرص ” وهي دولٌ تعاني من مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية ، فالكيانات الناشئة أضحت جزئا من المفهوم العام وحلَّ التمايز بين كيان وآخر مكان الوحدة الروحية الجامعة ، ومع مرور الزمن بات التعصب الكياني مظهرا من مظاهر الحياة اليومية ، فالتجزئة السياسية جزأت المجتمع الواحد لعدة مجتمعات وكلٌ منها يعاني ما يعانيه من نزوعات للوحدة الجزئية كالنزوع للوحدة المذهبية أو العرقية التي عملت التجزئة على تفتيتها ، فالموارنة على سبيل المثال باتوا في كيانين والعلويون كذلك والدروز في ثلاثة كيانات والشيعة في أربعة والشركس كما الأرمن كما التركمان كما الأكراد في كيانات عدة ، وكل منها عصي على الاندماج في وحدة الكيان ـ بل ويطالب بانفصاله، حتى العائلات باتت موزعة على كيانات عدة ، وكلٌ مما تقدم راح يؤسطر حكايته العرقية او المذهبية أو العائلية بشكل يحول دون استقرار الكيان ذاته ويزيد من مشاكله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وقُولبت الدساتير والقوانين الكيانية وفقا لهذا النزوع أو التضاد والتناقض فلا حالت دون الأزمات الناشئة ولا توافقت مع الواقع المعاش وباتت الفرقة في الكيان الواحد عنوانا للنشاط اليومي ..
نشوء الدّولة وتطّورها
” الإنسان ــ المجتمع ”

تبقى على الدوام ثلاثية سعادة دليلنا في بيان ما تقدمه رؤاه الفلسفية / اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا / ، كما وتبقى خصائصها منهجه في ايضاح ما تحمله هذه الرؤى ، أي تداوليتها للقيادة وفق الظروف والأحوال والأوضاع أو على وجه العموم مستجدات عوامل صيرورة الحياة ، فـ/الثابت والمتحول والتابع / ليس بمنفصل أحدها عن الآخر ، بل في علاقة تفاعلية بين بعضها البعض ،هي أقرب ما تكون للعلاقة الديموقراطية التداولية للسلطة ، بمعنى آخر ، أنه عندما يتنحى إحداها فاسحا المجال ليتبوأ آخر سدة القيادة ، فلا يعني تنحي دوره عن الفعل ، بل على العكس تماما ، يبقى دوره فاعلاً بتوجيه من القائد الأعلى في العلاقة التفاعلية ، وليس من مثال نقدمه على ما ذكر سوى تنحي الثابت (البيئة) عن دوره في تقرير متجهات الصيرورة الانسانية ، ففي بحث سعادة نشوء الدولة ، يقول :” التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة..” هنا يُعطي سعادة القيادة للعوامل النفسية والفردية ..” وهو هنا يقترب من النظرية الفيبرية في ابرازها لأهمية الفرد ولدوره في الحياة الاجتماعية ، لكنه ، وفي بحثه عن الحقوق كمعيار للمرتبة الثقافية للدولة ، يُبرز دور الفرد (التابع) ، حيث (المتحول) ، المجتمع ، في طور التكوين ، وهذه مسألة لا يجب أن تغرب عن بال المتابع ، فدور الفرد يبقى هو الرائد في مرحلتي نشوء الدولة الأولية والتاريخية ، ليتنحى ـ كما سيلي ـ للمتحد ( الدولة الفومية ) بعد تكونه ـ دون أن يفقد أيٌ من خصائصه التفاعلية ، أي التأثير في مجريات الأوضاع أو الأحوال ـ فالفرد ـ في الدولة الأولية والتاريخية ـ هو الدولة على ما ذهب اليه لويس الرابع عشر/ أنا الدولة/ . وعليه ، فسعادة إذ يتناول الدولة شكلا ووظيفة ، فهو يتناولها من الوجهة الحقوقية، من وجهة مدى تمثيلها للمصلحة العامة كمنحى لتطورها نحو الوحدة القومية بسلطة الفرد ، وبأي صفة كانت ، ملكا أو قائدا أو مفكرا ..
ينتقل سعادة سريعا في بحثه عن الحقوق من حالة الفرد المتماهي في الجماعة حيث الحق والدين شئ واحد وحيث الفرد مجرد قيمة عددية لا أكثر، كما يتضح بعد ذلك في المرحلة الطوطمية ،حيث زواج الطواطم بعضها ببعض هو القاعدة الأولى التي تنتظم من خلالها القبائل والعشائر ، حيث المكان هو الجامع ، ولا شئ آخر سواه ، ومن هذه المرحلة الى أولى الحقوق وهي الحقوق الأمومية وهي هنا حقوق قبلية أو عشائرية وليست حقوقا شخصية ، تتمتع بها المرأة ، فهي مباحة لرجال الطواطم الأخرى ، وعلى الرغم من ذلك ، فبدأة الحقوق تعود للمرأة التي اعتبرت الإباحية امتهانا لها ، فرفضتها لتختصَّ برجل واحد ، فكانت سابقة للرجل في ادراك كيانها الشخصي ، لكن وعلى الرغم ، أيضا ، من كونها المسبية الأولى ، كما يشير سعادة ، كانت العامل المهم في تكوين الحياة الزوجية التي اعطت الرجل مكانته ، والتي استغلَّها في تثبيت حقوقه ، والذي بات يشعر بقوته ،بسيادته على المرأة أولا وبما يملكه من ممكنات الحياة المادية ثانياً ، هكذا بدأت الحقوق الفردية بالظهور ، خاصة وأن هذه الحقوق باتت هي السلطة الاجتماعية التي تنتظم حولها مختلف الحقوق الأخرى وتتفرع عنها ، ونقصد (العادة) ، والتي أدت في تطورها لظهور الراس في القبيلة أو العشيرة الذي قضى على الدستور الطوطمي المتعارض وسلطته ..
العادة (وهي اتفاق جمعي طوعي على منحى من مناحي الحياة التي تضمن وحدة الجماعة ) ، وهي عند سعادة ، أولى القوانين ، وهي مشتقة من ظروف الحياة وضروراتها ،يقول:” تنشأ التّقاليد من اختبارات الحياة والاعتقادات بشأنها وتنشأ العادات من ظروف الحياة واستحسان بعض أساليبها ورموزها..” وبما أنها كذلك ، فالقوة هي التي تعطي العادة مواصفاتها وخصائصها التي يفرضها بشكل مباشر أو غير مباشر ، مالكها أو مُقَرُرُها ، لذا كان الجنس القوي في المجتمع الأولي هو الرأس الذي تجتمع فيه قوة العادة ،التي مايزت بين الرجل والمرأة في الحقوق أولاً ،وبينه وبين الرجال الآخرين ثانيا ، فكانت السلطة له، لتتنحى المرأة لأعمال البيت والتربية والعناية بملكية الرجل ، والذي لم تكن القوة الفيزيائية والمادية فقط هي المعين له ، بل كان لا بدّ له من الخبرة في بسط سلطته على المجموع ، ولم تكن الخبرة سوى السن الذي يُكسبه القدرة على التمييز بين ما هو في صالح القبيلة أو العشيرة من العادة ، وليشكل الاجماع على ذلك القاعدة الشرعية للسلطة ، فبداءة الدولة عند سعادة تتمثل في ثلاثية (الجنس ، السن ، الشخصية )، مقابل الثلاثية الممثلة لها وهي (القضاء والتشريع والتنفيذ )، والتشريع ، في هذه المرحلة لا ينفصل عن العرافة والدين ، أما الدولة من حيث الشكل فهي بدون شك غير منفصلة عمّا قامت عليه ،( الجنس والسن والشخصية ) ،
يدرس ، سعادة ، الدولة وتطورها من الدولة الأولية الى الدولة التاريخية وأخيرا الدولة القومية ،الأولى هي الدولة الأولية ، حيث “نجد وظائف الدّولة تقابل بتشكيل الدّولة من الشّيخ أو الأمير وشيوخ القبيلة أو العشيرة واجتماع الشّعب. وحيث يتّسع نطاق الدّولة يسقط اجتماع الشّعب ويبقى الأمير والشّيوخ. ” وللدّولة الأولية ”.. ثلاثة أشكال رئيسيّة هي الدّيمقراطيّة والأوطقراطيّة والأرستقراطيّة، أو هي حكم الشّعب وحكم الفرد المطلق وحكم الأقليّة المفضّلة.. هكذا الدّولة الأوّليّة في أشكالها السّياسيّة ..” ولما كانت تفتقر للإدارة والتي بقيت متأخّرة جدّاً عن النّظام الدّستوريّ لذا فإنه ” لا يصحّ مطلقاً أن نطلق على الدّولة الأوّليّة اسم منظّمة فهذا الاسم تحتفظ به الدّولة التّاريخيّة الّتي شكّلت الإدارات وسجّلت الحقوق القانونيّة.. ” كما و ” نظّمت الدولة المركزيّة ذات السّلطة الفرديّة الإدارة العامّة والجيش.. والحقيقة أنّ الدّولة ما كادت تشعر بوجودها وكونها سلطة في المجتمع حتّى أخذت تسيطر على المجتمع وتصرفه في أغراضها. فالدّولة هي الّتي تشكّل المجتمع وتعيّن مداه وتكيّف شؤون حياته وتمثّل شخصيّته. هكذا نجد الدّولة المنبثقة مع فجر التّاريخ، وهكذا تنشئ الدّول التّاريخ ..” ، وكما سبق وأشرنا لما يقوله سعادة بهذا الصدد ” لا تاريخ حيث لا جماعة ” فسيكون التاريخ المكتوب دليلنا في ما نحن ذاهبون اليه ، فالتاريخ يبتدئ بتشكيل الدّولة التّاريخيّة وذلك “.. بالانتقال من التنظيم العشائريّ إلى دولة الأرض، وبتحوّل الأمير ذي القوّة السّحريّة الخرافيّة إلى ملك هو الإله أو كاهنه الأعلى ” وبطبيعة الحال فقد طُبِعَتْ ” الدّولة التاريخيّة في بدء نشوئها بطابع الاستبداد، لأنّ الدّولة بطبيعتها قوّة والقوّة تطلب دائماً السّيطرّة ..” خاصة وأن طبيعتها كانت مستمدة من قوى فوق الجماعة ” فهي كانت شيئاً فوق المتّحد الاجتماعيّ وكانت تدّعي سلطة من عالم فوق هذا العالم..” ومع ذلك ، فقد ظهر الصراع على السلطة في شكله الأولي بعدما أرتقت أحوال الجماعة الاقتصادية . بظهور طبقة الملاكين حيث بدأ الصراع على السلطة بمزاحمة الملك على سلطته على الرغم من كونه هو كل شيء ، فالخطط ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، كانت خططه ، ” وأخبار حمورابي تدلّ على كثرة ما كان يمرّ على يدي الملك من الشّؤون. فهو الّذي كان يهتمّ بالأعمال الزّراعيّة كالرّيّ وبناء المخازن لأيام الجدب وما شاكل وهو مرجع كلّ أمر كبير أو صغير..” لذا كان الفوز من نصيبه في هذا الصراع ، مما أدى لتفرده في السلطة وكان لهذا التفرد ، كما يقول سعادة ” الشّأن الأعظم في تنظيم الدّولة وترتيب الإمبراطورية “بل ويضيف ، مؤكدا دور الفرد “.. والحقيقة أنّنا نجد جذور الدّيمقراطيّة الحديثة في سلطة الفرد الّتي أنقذت السّيادة من مطامح الأقليّة الممتازة..” كما وأن ” سلطة الفرد كانت دائماً أقرب إلى الدّيمقراطيّة من سلطة الأرستقراطيّة المكوّنة طبقة ممتازة.. أنّ الدّولة الإمبراطورية عرفت السّيادة بمعنى التّملّك وحوّلت الثّروة العامّة إلى ملك خاصّ ولكنّ السّلطة الفرديّة أنقذت الشّعب من استبداد الطّبقة، حيث وجدت..”
جديرٌ بنا أن ننوه الى أن الدولة التاريخية تبتدئ بظهور المدن ، أي الدولة ـ المدينة ، وتمتد في التاريخ حتى منتصف القرن التاسع عشر .
في الدولة ـ المدينة ، في بابل وآشور ونينوى ..في صور وصيدون ، في أثينا و إسبارطة وروما وقرطاجة ، أخذت الحقوق في الظهور رويداً رويداً وتحديدا في الدولة ـ المدينة البحرية ،حيث ” تحوّلت الرّابطة القبيليّة القديمة إلى الرابطة الاجتماعيّة الواسعة.. فزال باكراً ذلك الخضوع الأعمى للملك وزالت عن الملكيّة تلك الصّبغة الإلهيّة الّتي كانت لا تزال ترافق الملك والأسرة المالكة في الإمبراطوريات البرّيّة.. وأصبح الملك فيما بعد ينتخب انتخاباً لمدّة الحياة، فكان ذلك أصل الدّيمقراطيّة والجمهوريّة.. فحقوق أبناء المدينة الأحرار في انتخاب الملك وفي الاجتماع لتقرير المسائل الهامّة، كانت حقوقاً مشروعة وإن كانت غالباً اسميّة أكثر منها فعليّة.. في هذه المدينة ازدادت الحركة الاجتماعيّة والاختلاط الاجتماعيّ .. والاتجاه نحو الدّيمقراطيّة .. التي ارتقت في قرطاضة إلى وضوح الحقوق المدنيّة والحقوق الشّخصيّة مع بقاء الدّولة شيئاً متميّزاً عن الشّعب، مؤسّسة لا يمكن أن تعرّض لعبث الجمهور.. ” وبعد أن تم اعتماد تمديد معدوديّة الدولة (عضوية الدّولة) في الدولة الرومانية ، إلى الملحقات وتكوين وحدة سياسيّة تحفظ روح الإرادة العامّة.. غدت هذه المعدودية لكافة أبناء الإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور السوري كركلاّ..
وبانقسام الأمبراطورية الرومانية الى شطرين غربي وشرقي ، يبدأ الشطر الغربي بالتفكك ، بينما الشطر الشرقي يستمر على نحو من اقتسام السلطة بين رجال الدين والملك ، ويغرق في مبحث اللاهوت ولتظهر في الغرب الولايات الاقطاعية ولتغدو مصلحة الأمير الاقطاعي هي المصلحة العليا بدل مصلحة الدولة ، لكن ما لبثت هذه المصلحة أن تعرضت للمنافسة أيضا من قبل سلطة رجال الدين الذين تمكنوا من العقلية العامة لمختلف الشعوب الغربية فكانت خاضعة خضوعا مطلقا للدين المتمثل برجاله وتقولاتهم ، حيث ساهمت هذه العقلية في سيطرة رجال الدين على مجمل الإقطاعيات التي ظهرت على أنقاض الإمبراطورية، ولقد حاولت المؤسسة الدينية ، في الشرق والغرب ، الجمع بين متناقضين ، السلطة الروحية والسلطة الزمنية ، فلم توفق بذلك إذ نهضت في وجهها الحركات الدينية الاصلاحية في الغرب بينما عانى الشطر الشرقي ، والذي دام قرابة الألف عام ، من هجمات الدولة الاسلامية الناشئة ومن ثم اجتياحات المغول بعد تفكك الخلافة لتسيطر الدولة العثمانية بعد ذلك على مختلف مقدراته ، والتي بدورها كانت تحت تأثير المتغيرات في الغرب والتي ما لبثت أن ظهرت على مثالها الغربي دويلات استقلت فعليا عن سلطة السلطنة ، وحتى منتصف القرن التاسع عشر ، نبقى في دائرة الدولة التاريخية ، حيث ظهرت الحركات الاصلاحية الدينية بعدما فشل رجال الدين من التوفيق بين متناقضي ، السلطة الروحية والسلطة الزمنية ، واتخذت هذه الحركات منحى الاستقلال القومي عن روما وتبعتها حركات سياسية واجتماعية وفكرية وثقافية تؤجج في معتنقيها روح الاستقلالية والتفكير العلمي متأثرة بالمكتشفات الجغرافية التي غدت ثرواتها تصب في ساحة الغرب المنفتح على المعرفة والبحث والتساؤل حول مختلف مشكلات حياته ، وفي هذا يقول سعادة : ” لم ينقذ الدّولة من هذه الفوضى في الغرب إلاّ الاتّجاه نحو المدينة، فنشوء المدن ونموّها والعمل الصّناعيّ والاتّجار أوجدت المحيط والجوّ الصالحين لحرّية العمل وتبادل الأفكار والمعارف. إنّ المدينة كانت دائماً أصلح مكان لنموّ الفكرة الدّيمقراطيّة. وهي المكان الوحيد الّذي يمكن أن تتمركز فيه الحياة السّياسيّة..” في المدينة الصناعية سقطت مختلف المفاهيم التي تعارضت والدولة وتحولت الإصلاحات الدينية لحركات اجتماعية وسياسية خرجت على المألوف فظهرت تيارات فكرية ثقافية فلسفية تطرح تساؤلاتها حول الوجود ومشكلاته ، وتجد في مختلف البنى الاجتماعية مؤيديها ، فكان ذلك بمجمله الطريق الى عصر جديد هو عصر الديموقراطية ونشوء القومية وكما يقول سعادة ” القوميّة هي الّتي عيّنت شكل دولة البلاد العصريّة ووسّعت دائرة المساهمة في الدّولة أو معدوديّتها إلى حدود لم تكن معروفة من قبل. وتحت تأثير عوامل القوميّة الآخذة في النّشوء أهمل النّظام الإقطاعيّ وقويت الملكيّة المركزيّة. لأنّها كانت دائماً أقرب إلى تمثيل وحدة الأمّة. وسلطة الفرد كانت دائماً أقرب إلى الدّيمقراطيّة من سلطة الأرستقراطيّة المكوّنة طبقة ممتازة..”
الدّولة الدّيمقراطيّة القوميّة:
يقول سعادة ” مع نشوء المدن ونشاط التّجارة والاحتراف ونهضة الاختراعات، دخل التّمدّن في طور جديد زعزع مؤسّسات كثيرة. فالتّجارة والاحتراف زعزعا النّظام الفرديّ والعائلة القائمة بأود نفسها والاتّجاه نحو المدن وحرّر الأرقّاء وأبطل الاعتماد على سيدّ الأرض، واختراع البارود قضى على مكانة الفرسان النّبلاء .. واختراع الورق والطّباعة فتح الأعين والبصائر وأيقظ الشّعور. ومن هذه العوامل جميعها تكوّنت الطّبقة الوسطى وأخذت طبقة الملاّكين والإقطاعيّين تضعف وقويت سلطة الملك.
إنّ استيقاظ الشّعور بالوحدة الحيويّة والمصلحة الواحدة والرّابطة الواحدة بالحياة في أشكالها وأسبابها واتّجاهها جعل الجماعة تدرك وجودها وجهّزها بوسائل التّعبير عن إرادتها فكان ذلك بدء نشوء القوميّة…”
وعلى النحو الذي حددت فيه البيئة الطبيعية ظهور الدولة الأولية ، كان الفرد العامل الذي طبع بل وحدد الدولة التاريخية ، ودفع لاعتماد معدودية الدولة والتي بدورها مهدت الطريق لنشؤ الشعور بالاختلاف بين متحد وأخر ، وبدا واضحا التمايز بينها في مدى المشاركة والمساهمة في مختلف مناحي السلطة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ـ كما يقال ـ فقد تبوأ سبع سوريين عرش الإمبراطورية الرومانية ، أبرزهم كانت “جوليا دومنا ” ومنهم كركلا الذي مدد المعدودية ، كما أشرنا سابقا ، الى كافة الداخلين في عداد هذه الإمبراطورية ، مما دفع بالإمبراطورية العثمانية للتنبه لهذه الميزة فكان أن اعتمدت مبدأ عدم جوازية أن يكون أحد من رعاياها السوريين في أية مرتبة سياسية عليا فيها ،على الرغم من معدوديتهم كأعضاء في الدولة لجهة كونهم ” مسلمين ” ، فلم يتولى سوري واحد حتى مرتبة والي لأي ولاية أو سنجق سوري وفق التقسيمات التي اعتمدتها في سورية الطبيعية إلا ما ندر ولفترات قصيرة لا تتعدى السنة الواحدة ، باستثناء بعض الإقطاعيين الذين استطاعوا كسب ود الباب العالي وحولوا اقطاعياتهم الى شبه دولة أو إمارة على نسق المعنيين الذين قضت عليهم السلطنة لنزوعهم للاستقلال أما الشهابيين الذين كانوا موالين بالمطلق للسلطنة في لبنان فقد استمروا في حكم اقطاعيتهم كذلك آل العضم في دمشق ، وفي فلسطين كان ظاهر العمر الذي خاض حروبا عدة في سبيل الاستقلال فكان أن انتهى قتلا بعد معارك ضارية تجاوزت حدود اقطاعيته ..

لم يكن حال الغرب كما كان في الشرق ،( ماكس فيبر في تسائله : ” لماذا ظهرت الحداثة العلمية والتكنولوجية والبيروقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية فقط ؟ بمعنى آخر: لماذا تطورت العقلانية في هذه المنطقة من العالم أكثر مما حصل في سواها؟ : ما هو السبب في أن المجتمعات غير الغربية لا هي علمية ولا هي فنية ولا هي سياسية وكذلك ليست متطورة اقتصاديا) بهذه العقلية خطى الغرب خطوات رائدة في هذا المجال لجهة الاستقلالية عن رومة أولا بظهور الحركات الاصلاحية الدينية التي اكتست بكساء النزعة القومية ، مهما قيل أنها دينية ، فقد طُبِعَتْ هذه الحركات بطابع نظرة مُتَّحَدِها الى الحياة والكون والفن ،وحورت الدين لما كانت تصب فيه تلك النظرة ( ماكس فيبر في التمييز بين البروستانتية الكالفانية والكاثوليكية … (( لابد هنا من الاشارة الى كيفية تحوير المفاهيم الدينية المسيحية في الغرب بما يتوافق والنزوع القومي ، فمبدأ ” الدولة للشعب وليس الشعب للدولة جاء تحويرا لقول المسيح السبت للإنسان وليس الإنسان للسبت ، كما يمكن القول أن “روح القوانين ” جاء تحويرا لقول بولس الحرف يقتل أما الروح فيحي ))، وثانيا بانحياز العامة ـ الشعب ـ الى جانب الملكية في صراعها مع الارستقراطية الاقطاعية المستبدة حيث مهدت السلطة الفردية الطريق للدولة القومية ، يقول سعادة :” إنّ مصلحة الشّعب ومصلحة الملك كانتا، بطبيعتهما، ضدّ مصلحة الأرستقراطيّة الإقطاعيّة الاستثماريّة المتسلّطة المستعبدة.. والّتي كانت حائلاً قويّاً دون ظهور الإرادة العامّة الآخذة في النّمو والشّعور بنفسها.” وتاليا أصبح للعامة ـ الشعب ـ ” رأي وإرادة، وهذه الإرادة شرَعت تميل نحو الملك، لأنّ الملك كان يمثّل وحدة الدّولة ووحدة السّلطة ووحدة المصلحة ووحدة الشّعب ” لكن هذا الميل للسلطة المركزية في الدولة ، قوّى من سلطة الملكية التي ازدادت تفردا بها ،وأرهقت الشعب في استبدادها ، مما أدى بطبيعة هذه التحولات الجذرية في العقلية العامة لبلورة نواة التمايز بين المتحدات الاجتماعية بعضها عن بعض ، كما وأن إقرار مبدأ ” أنّ السّيادة مستمدّة من الشّعب وأنّ الشّعب لم يوجد للدّولة بل الدّولة للشّعب..”.مهد الطريق أيضا لتغيرٍ في مفهوم الدولة التي لم تعد وفق سعادة ” تمثّل التّاريخ الماضي ولا التّقاليد العتيقة ولا مشيئة اللّه ولا المجد الغابر، بل مصلحة الشّعب ذي الحياة الواحدة الممثّلة في الإرادة العامّة، في الإجماع الفاعل، لا في الإجماع المطاوع.. هذا هو المبدأ الدّيمقراطيّ الّذي تقوم عليه القوميّة. فالدّولة الدّيمقراطيّة هي دولة قوميّة حتماً، فهي لا تقوم على معتقدات خارجيّة أو إرادة وهميّة، بل على إرادة عامّة ناتجة عن الشّعور بالاشتراك في حياة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة. الدّولة أصبحت تمثّل هذه الإرادة. فتمثيل الشّعب هو مبدأ ديمقراطيّ قوميّ..”
يقول سعادة :” كانت الدولة قبل نشوء القوميّة إرادة خصوصيّة تفرض نفسها على المجموع الّذي تشمله، أمّا بعد نموّ القوميّة فقد أصبحت النّظام والهيأة الممثّلين لإرادة الأمّة..”
كان للثورة الفرنسية اليد الطولى في تنبيه الشعوب لمبدأ التمثيل السياسي والذي كان قائما على مبدأ ” أن الدولة للشعب وليس الشعب للدولة ” والذي بدوره مهد السبيل لفصل السلطات الذي قدم ” منتيسيكيو ” اطروحتها في كتابه ” روح القوانين ” مرجحا السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية والسلطة القضائية على الاثنتين معا ،وغدت عضوية الدولة حقٌ من حقوق كل فرد من أفراد الدولة بالولادة . وبنمو الشعور بالتمايز والوحدة بدى واضحا الشعور بروحية الجماعة وشخصيتها ـ القومية التي أعادت صياغة مفهوم الدولة كنظام وهيئة ممثلة لهذه الروحية وهذه الشخصية , ولم تكن القومية مجرد شعور ، بل أضحت تعبيرا عن كيانٍ له مواصفاته وخصائصه ـ المتحد الاجتماعي . هكذا تنحى الفرد عن قيادته كتابع للمتحد كمتحول في ( ثلاثية سعادة الثابت والمتحول والتابع ) ، يقول سعادة :” فالدّولة وحكومتها ليستا مظهرين اجتماعيّين نهائيّين، بل تقومان على ما هو أعمق منهما، على حياة المتّحد وإرادته.. وإذا كانت الدّولة مظهراً سياسيّاً من مظاهر الاجتماع البشريّ فالأمّة واقع اجتماعيّ بحت.. ”
هذا التطور في مفهوم الدولة ـ المتحد ، كان القانون الطبيعي الذي سارت عليه مختلف المجتمعات في ما بعد ، وحددت في ضوئه الحقوق والواجبات لأعضائها واقتبست منه مختلف مقولاتها في بيان هويتها التي تميزها عن غيرها من المجتمعات ، واعتمدته الدول الناشئة ، قاعدة لشرعيتها التاريخية ، (أبرز الثورات بعد الثورة الفرنسية ، كانت الثورة الأمريكية على الإمبراطورية البريطانية ، فالخليط من الأوروبيين والأسويين ، بعد أن جبلته الحياة شعر بمدى التمايز عن الإنكليز ، على الرغم من أن أكثريتهم كانت انكليزية وايرلندية ، لكن البيئة الطبيعية الأمريكية كانت قد فعلت فعلها في إحداث التغيرات الجذرية في العقلية الأوروبية التي تأمركة وغدت شعورا مستقلا بل ومغايرا لما عهده الأوروبيين بأنفسهم ) و مايزت بين متحدها وبين معدوديتها إقطاعا من الإمبراطوريات القائمة حتى ذلك العهد ، العثمانية والبريطانية تحديدا ، فاندلعت الثورات في كل مكان شرقا وغربا ونشبت الحروب في سبيل السيطرة وإعادة حركة التاريخ الى الوراء ـ حروب فرنسا النابليونية ـ الى عهد الإمبراطوريات الأولى، أو لاستكمال حدود بيئتها الطبيعية ، وكما كانت الحملات التي شنها ملوك بابل وأشور استكمالا لدورة الحياة اجتماعية ـ الاقتصادية أو ما عرف “بالمدى الحيوي” للأمة ، كذلك كانت الحروب التي خاضتها مجمل الدول الأوروبية في ما بينها في القرن السابع والثامن والتاسع عشر ،مجرد استكمالا للمدى الحيوي ، وبعضٌ منها ما يزال موضع التباس بين الدول ، الألزاس واللورين بين فرنسا وألمانيا ، وإقليم الباسك أو ما يعرف بكتالونيا في اسبانيا وما بين ايرلندا وبريطانيا ،والحركات الصقلية في ايطاليا وما بين اليونان وتركيا ، إضافة للكثير من المناطق المتنازع عليها ،كشمير ، واقليم كارباخ ، وجزر الفوكلاند.. بحيث يمكن القول أن المدى الحيوي للأمة يمثل الصراع الحقيقي اليوم والمغلف سياسيا بأطر لا تمت الى واقعه بصلة ، .. هذا الاتجاه للتمايز والتباين بين المجتمعات لم يأتي محض صدفة ، بل هو نتيجة تطور في جملة المفاهيم للمصطلحات السائدة حتى ذلك الوقت ، اذ لم يعد التمايز الديني المذهبي أو الطائفي أو الطبقي أو العائلي ..الخ مثار جدل ونقاش في المجتمعات التي أخذت تعي “المتكرر” في تجربتها التاريخية والميل للوحدة والتجانس وزوال الفوارق بين أعضائها أيا كانت.
والسؤال : تحت أي عنوان يمكن لنا أن نضع هذا المجرى أو المنحى من التطور التاريخي للدولة ؟
الدولة ـ المتحد :
الدولة الديموقراطية القومية ، عند سعادة، تقوم على محددات تاريخية شكلت البوتقة التي تفاعلت فيها عناصر ثلاثياته ، ( المحيط ـ الجسم ـ النفس ) ، متداولة في ما بينها قيادة الصيرورة، منطلقا وحاملا ومتجها ،و بما لا يتناقض وخصائص أيٍ منها ، بل وفي انسجام تام ، ينحى أي منها لإشباع ذاته ليتنحى بعد ذلك فاسحا المجال رحبا ليتبوأ آخرٌ سُدَّةَ القيادة ، فالأولوية ، تبقى لمن تكتمل به خصائص مرحلة من مراحل صيرورة العلاقة التفاعلية بتوافق وانسجام وشفافية لا تخلو من تشابك يصل مستوى التعقيد ، لكن وبدقة ورهافة ، تُطرحُ الحلول لما قد ينتاب هذا التعقيد من اشكالات في ما بين عناصرها ، هكذا ، مثلا ، نشأ الانسان عندما استقرَّتْ الطبيعة على حال سمح للعضوية بأن تطور الى حالة نشأت بها الحياة مستمرة في عطائها ، وبسخاء ، حتى انتصب الانسان على قدميه ، وأطلقت يديه لتأمين ما أودعته إياه ـ الحياة ـ مداورة ، هذه المداورة هي التي حرضت فيه ميزة العقل في الابتكار ، وهذه بدورها ايقظت فيه نفسيته الفردية محققا بذلك استقلالاً نسبياً عنها ـ البيئة ـ ، ليتولى قيادته في تحديد منحى صيرورته ، التي وصلت في ” الدولة ـ المتحد ” للشعور بأنه جزء من كُلٍ ، ( أنا ـ أنت ـ نحن ) هذه الــ ” نحن” هي ما يُطلق عليها سعادة مصطلح ” المتحد ” أو الجنين الذي ولد مكتملا في” الأمة ” لتعي ذاتها الشخصية التي تتميز بها عن سواها في” القومية ” ثلاثية أيضا تتوضع كما “الطبيعة ـ البيئة ” ومن ثمَّ ” الانسان ـ الفرد ” الى ” الانسان ـ المجتمع ” وهي هنا ( المتحد ـ الأمة ـ القومية ) ، ولكل من هذه الثلاثية ، عند سعادة ، خصائصه التي تميزه عن سواه، والسؤال : كيف ؟
يطلق سعادة مصطلح ” الناموس ” على القوانين أو المقولات التاريخية والاجتماعية التي يمكن لها أن تحدد الاجابة على سؤالنا أعلاه : و”الناموس” بتعريفه ” هو اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة لا أنّ الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها..” ولا بأس من أن نعيد للأذهان ما سبق وقلناه في معرض تعريفنا للنظرية السياسية من أنها البحث عن المتكرر في حركة التاريخ ـ المجتمع فـــــ ( لا تاريخ حيث لا جماعة ولا جماعة حيث لا بيئة ) فالناموس عند سعادة هو” استمرار ( تكرار ) حدوث فعل أو خاصة من أفعال وخواص الحياة او الطبيعة ..” كما وأن على النظرية أن لا تكون متناقضة ذاتيا ، يقول :” أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب أن لا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الذي نعرفه بها .. ، فالنّواميس لا تمحو خصائص الأنواع.. وإذا كنّا قد اكتشفنا سنّة التّطوّر فيجب أن لا نتّخذ من هذه السنّة أقيسة وهميّة تذهب بنا إلى تصّورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة.. فإذا كان الاجتماع صفة عامّة في الإنسانيّة فهذا لا يعني أنّ الإنسانيّة مجتمع واحد يسري فيه الاجتماع بمجرّد الإنسانيّة.. لا يختار الإنسان المجتمع الّذي يعيش فيه أكثر ممّا يختار والديه، ولكنّه قد يخير أمّه على أبيه أو العكس.. ليس المجتمع أساسه الفرد ”
هذه هي المنطلقات والقواعد التي يحدد بها سعادة ” المتحد ” من حيث صفاته وعلاقاته ـ الداخلية والخارجية ـ ومصالحه وإرادته ..
حتى منتصف القرن التاسع عشر ، كانت الدولة (1) المُمَثَلَة في الإرادة الملكية ، قد نحت منحىً آخر في نهجها السياسي ، إذ راحت ، في محاولتها تُمثيل المجموع المنضوي تحت سلطتها ، وتاليا ، التأكيد على أنها وجدت لتبقى ، للأخذ بعين الاعتبار بخصائص وطموحات وآراء .. من تُمثلهم بطرق شتى ،فتحددت كثيرا من صلاحيات الملكية وباتت السلطة تخضع للكثير من القوانين التي تحول دون تفرد الملك بالسلطة وذلك بظهور مجموعات ضغط ، تحت مسميات مختلفة ، لكنها كانت بصورة عامة ، إضافة لتمثيل مصالحها ومنافعها الخاصة ، تمثل مصالح مجموع الشعب أو تتلبس تلك المصالح تبربرا لشرعية مطالبها ، مما استدعى بالضرورة البحث عن ما يدعم تبريرها في معترك إثبات وجودها ، فظهرت للوجود نظريات في الاجتماع والسياسة تحاول تأطير مصالحها ومنافعها بعناوين عامة تضيق حينا وتتسع حينا آخر وفاقا للظروف والأوضاع والأحوال التي تتعارض أو تتنافس معها نظريا تارة وفلسفيا تارة أخرى واجتماعيا وسياسيا في طور ثالث ، لكنها ، في مجملها ، كانت تبحث عن إجابات لتساؤلات كثيرة تدور حول : من نحن أو لِما نحن أو كيف نحن .. وقبل كل ذلك كانت قد تبلورت في الأذهان ماهية هذه الــ ” نحن ” لتتضح رويدا رويدا عبر تعارضها مع ” نحن ” أخرى تنافسها أو تتداخل وتتشابك معها في قضايا حياتية لم يكن قد تنبه لها الفكر سابقا وقادت اليها جملة من المصالح والأغراض والارادات والطموحات المتعارضة والتي غالبا ما جمحت الى أبعد مما تعنيه أو تأمله أو تسعى اليه .. كل ما تقدم كان محاولة لفهم ما يمكن له أن يؤطر المجموع الشعبي الذي تمثله الدولة في أي من القضايا المطروحة ، إذ لم تعد المطالب مجرد رأي فردي مُدَعَّم فلسفيا أوعلميا أو اجتماعيا أو دينيا أو سياسيا أو حزبيا ، بل هي مطالب ” مجموع الشعب ” الذي أصبح قوة لها حضورها ـ الشكلي في غالب الأحيان ـ لكنه حضورٌ لا يمكن التغاضي عنه من حيث صفاته وعلاقاته ومصالحه وإراداته ..
بات واضحا أن الصفات التي قد تتلبس هذا المجموع أو ذاك كنتيجة لظروف تاريخية تراوح بين قوته ، تاريخيا ، أو ضعفه ، وتطغى على صفاته التي يوضّعها مجرى الحياة ، فتتلبس تلك هذه ، ليختلط ذلك على الفكر غير المدقق والباحث عن جوهر الحركة التاريخية ، التي لا تلبث أن تفرض نفسها في خضم هذا الخلط ، فإذا كان لكل من هذا المجموع الشعبي أو ذاك صفات فرضها واقع تاريخي ـ ظرفي ، كالمعدودية القانونية أو الدينية أو اللغوية .. والتي لا تمتُّ بصلة لجوهر حركة التاريخ ، فإن ، حركة التاريخ تفرض عليه ـ على الظرف التاريخي ـ التنحي لغيره كواقع لم يعد بالإمكان تجاهله ، متجاوزة الكثير من الصفات العامة التي كانت تجمع بين متحدين ، لكل منهما دورته الاجتماعية ـ الاقتصادية ، أو ما يصطلح على تسميته سعادة بــ ” الاشتراك في الحياة ” يقول : ” الاشتراك في الحياة هو ما يعمى عنه عدد وافر من الكتّاب والدّارسين حين يتكلّمون عن المتّحد أنّه جماعة لها صفات مشتركة من عادات وتقاليد ولهجات.. وهم في فعلهم هذا ينسون أو يجهلون أنّ هنالك صفات عامّة تسري على جميع البشر من غير أن تجعل منهم متّحداً. فالمتّحد هو دائماً أمر واقع اجتماعيّ. وأنّ من الصّفات ما قد يميّز جماعات من النّاس عن جماعات أخرى من غير أن يعني ذلك وجود متّحد منها. فإنّ الصّفات تتبع المتّحد لا المتّحد يتبع الصّفات..” (2) .
في الدولة ـ المتحد ، تبين أنه “ليس شرط المتحد أن يكون مجموعا عدديا من ناس مشتركين في صفات النوع الانساني العامة فحسب بل مجموعا متحدا في الحياة متشابها أفراده في العقول والأجسام تشابها جوهريا ـ من حيث ـ الاجابة العضوية على محرضات البيئة التي تحدد المتحد .. إن التشابه العقلي والفيزيائي ، نتيجة لا سبب ، فهو ناتج عن الاشتراك في الحياة الواحدة ..” فالتشابه هنا ليس تشابها سلاليا ، إنما تشابها في الفعل اليومي لتأمين الحياة ، في الدولة ـ المتحد ، سقطت نظرية الرؤية السلالية ـ الدموية ، كما المعدودية الدينية والقانونية واللغوية ، وبات التمييز بين ما هو ظرفي وبين ما هو حياتي ، بين السبب والنتيجة ، واضحا ، لا ريب فيه ، لم تعد أمريكا أو كندا أو استراليا متحدا واحدا في الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ( بريطانيا ) على الرغم من التقارب أو التشابه شبه التام في المزيج السلالي واللغوي والديني ، فالاشتراك في الحياة بات واقعا يفرض ذاته على أي من هذه المتحدات الأربع وبات تمايزها هو الذي يقرر سياستها ، في الدولة ـ المتحد لم تعد العادات والتقاليد ، أيا كان سببها هي التي يستدل بها على الوحدة الاجتماعية ، فهي في تطورها تنحى منحى البيئة ومتطالبات هذه وشروطها ، فما حمله الجيل الأول من المهاجرين لكل من أمريكا وكندا واستراليا ، راح يتكيف مع ضرورات الحياة الجديدة ، وما استحسنه هؤلاء من أساليب العيش والمفاهيم المشتقة منها وغدا تقليدا في الجيل الثاني أُضيف اليه ما استحسنه الجيل الثاني ليغدو تقليدا في الجيل الثالث بات هو المميز لهذه المتحدات ، هكذا تتطبع العادات والتقاليد بطابع البيئة والحياة ، فاللغة الانكليزية باتت متمايزة في لهجاتها الأمريكية عن الكندية عن الاسترالية عن اللغة الأم البريطانية وعندما نقول ، لهجة ، فهي ليست مجرد طريقة أو أسلوب لفظ الحرف أو الكلمة ، بل وفي المعنى والمفهوم أيضا ، فالبيئة تفرض نفسها في اضافات لغوية واستعارات وصور ومفاهيم مستمدة منها ،
نتبين مما تقدم أن ” أنّ صفات المتّحد قائمة على أساس الاشتراك في الحياة، لا أنّ الاشتراك في الحياة قائم على أساس الصّفات.. ” و “أن المتحد هو أمر وقع اجتماعي ..” فتجانسه هو دائما أقوى وأعمق من تباينه ، فهو اذن ” اتّحاد مجموع من النّاس في حياة واحدة على مساحة محدودة يكتسب من بيئته ومن حياته المشتركة الخاصّة صفات خاصّة به إلى جانب الصّفات العامّة المشتركة بينه وبين المحيط الّذي هو أوسع منه، بينه وبين جميع البشر، وبينه وبين المتّحدات الأخرى..” أما من حيث مصالحه وارادته فهو :” وحدة اجتماعيّة حاصلة لأعضائها القناعة الدّاخليّة الإجماعيّة. إنّ لهم مصالح تكفي لتفاعل أعمالهم، تفاعل مصالحهم وإرادتهم، في حياة عموميّة مشتركة على مستوى ثقافيّ معيّن، ضمن حدود مساحة معيّنة..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ـ الدولة التي نتناولها بالبحث هي الدولة التي ضربت جذورها في التاريخ(فرنسا ، المانيا ، بريطانيا …) وليست الدولة الناشئة أو الحديثة التي لم يكن لها جذورا في التاريخ الدولي والتي وجدت بعد انهيارالإمبراطوريات.
(2) ـ في ما يتعلق بالعادات والتقاليد وهي في أغلبها مستمدة من الدين السائد في بيئات متعددة ، وما قد يُشتقُّ منها ، نذكر على سبيل المثال ، ثلاث دول اسلامية هي السعودية وباكستان وأندونيسيا ، وكيف أن العادات السائدة في كلٍ منها والمشتقة من الدين الاسلامي ، تختلف جذريا إذا ما تعارضت والصفات المنبثقة من مجرى الحياة في البيئة المحددة ، ففي السعودية قد حُرم على المرأة حتى قيادة السيارة ، بينما نرى المرأة المسلمة في باكستان تتبوأ أعلى مناصب السلطة التنفيذية ناهيك عن السلطة التشريعية والقضائية ، بينما يحق للمرأة المسلمة في إندونيسيا أن تضاجع أي من الرجال في أعياد جبل النار ..

الدولة ـ الأمة
كان الكنعانيون هم أول من تنبه للخصائص التي تميز قوماً عن قوم ، وتحديدا بعد إنشائهم” للدولة ـ المدينة “، والتي كانت إسهاما تاريخيا في التطور الانساني نحو الديموقراطية حيث زالت مبكرا الملكية الوراثية وحلت محلها الملكية الانتخابية ، ففي كل البقاع التي وَجَدَ بها الكنعانيون نُموا لمصالحهم ، أقاموا جاليات لهم تبقى صلتها بالمركز ( الدولة ـ المدينة ) على الرغم من انخراطهم في الحياة العامة للجماعة المقيمين بينها ، وتمده ـ المركز ـ بما يساهم في تطوير تجارته مع هذه الجماعة بالذات ، هذه الصلة بالمركز هي ما نعته بعض المفكرين بــ ” الخديعة الكنعانية أو الإثم الكنعاني ” وهو بمعناه ” الوطن الأم ” ، حيث لم يكن أي من الشعوب ـ التي جارتهم تاريخيا ، قد تنبه لما يعنيه ” الوطن ” وحيث لم تكن الوطنية قد ظهرت للوجود أو لم يكن الشعور بالانتماء الوطني قد بزغت شمسه بعد ..
بعد قرونٍ طويلة ، وعلى الرغم من بزوغ شمس الشعور بالتمايز بين قوم وآخر ، بين جماعة وأخرى ،لكن من دون تعينٍ لما قد يعنيه هذا التمايز ، أصدر الامبراطور السوري المتربع على العرش الروماني ” كركلا ” مرسومه” الأممي ” الشهير الذي جعل بموجبه جميع سكان الإمبراطورية سواسية ، يخضعون لقانون واحد ضمن الحرية والحقوق الأساسية التي منحت إليهم ، ويُعد هذا المرسوم نقطة تحول بالغة الأهمية في تاريخ الإمبراطورية الرومانية والعالم، إذ إنه لم يقتصر على تحقيق المساواة بين رعايا الإمبراطورية أي بين المركز والأقاليم فحسب وإنما منح الرعايا حقوقا كاملة ، سياسية واقتصادية واجتماعية ، وفتح أمامهم أبواب الإدارة في الإمبراطورية إلى أرفع المناصب .
ويرى بعض الباحثين أن (جوليا دومنا) استهدفت بهذا المرسوم (الذي كانت وراء إصداره) تحويل أقاليم الإمبراطورية الرومانية إلى مجتمع واحد لا تزول فيه الفروق بين رعايا الأقاليم فحسب وإنما تزول فيه أيضا نظرة التفوق التي كان يتعامل من خلالها الرومان مع شعوب الأقاليم التي تحكمها روما(1)، وعلى الرغم من أن المرسوم جاء لكبح جماح الشعور بالتمايز، فإنه من حيث المبدأ جاء للدلالة على أن الدولة هي لجميع المنضوين تحت ظلالها..
بعد انتصار المسيحية، وعلى اعتبار ان الدين بطبيعته وجوهره أممي النزعة ، بقي مرسوم ” كركلا ” ساري المفعول انما بصيغته الدينية “المعدودية الدينية” والتي تنضوي تحتها مختلف الشعوب الآخذة بالمسيحية ،لكنه لم يَحُلْ، ايضا ، دون الشعور بالتمايز الذي أخذ يظهر شيئا فشيئا بعد تفكك الامبراطورية الرومانية على شكل إمارات بلغت أكثر من ثلاثمائة إمارة ـ اقطاعية في الجوهر تلبست معنى الدولة من حيث استقلاليتها عن الاقطاعيات ـ الامارات الأخرى وأبقت على صلتها بالمركز الديني وإن بصورة شكلية ..
بعد نحوٍ من أربعمائة عام ، كان مرسوم كركلا هو المرسوم الذي سارت عليه كلٌ من الدولة الأموية ومن بعدها العباسية وبصيغته الدينية أيضا ، حيث لم تَحُلْ المعدودية الاسلامية من ظهور الدويلات بعد أن ضعُفت الدولة العباسية وأصبحت مرتعا لما سُمي بــ ” الشعوبية الفارسية والتركية ”
هذا التحول التاريخي في الشعور بالتمايز ، تمثل بنزوع استقلالي عن المركز ، في الغرب والشرق معا ، واستمر قرونا ، عمت بها الفوضى مختلف بقاع العالم القديم ، وبلغ ذروته في حرب الثلاثين في أراضي الامبراطورية الرومانية المقدسة وحرب الثمانين عاما بين اسبانيا ومملكة الأراضي المنخفضة التي أنهكت أوروبا ، والتي أدرك الجميع نتائجها الوخيمة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا ، فكان من الطبيعي ان تتغير النظرة الى المركز ( الكنيسة ) لجهة التبعية الدينية ،التي لم تجدِ نفعا في الحيلولة دون الحروب بين أتباعها ، بل وعلى العكس فإن هذه التبعية كانت وراء الفوضى التي برر من خلالها المتحاربون حروبهم، وأدرك الجميع ” بذاءة الجدل الديني. ووحشية الحرب، وقساوة العقيدة. وأعدم أثناء المعمعة آلاف من الساحرات. وبدأ الناس يرتابون في المذاهب التي تبشر بالمسيح وتقترف قتل الأخوة بالجملة. وكشفوا عن الدوافع السياسية والاقتصادية التي تسترت تحت الصيغ الدينية، وارتابوا في أن حكامهم يتمسكون بعقيدة حقة، بل أنها شهوة السلطة هي التي تتحكم فيهم ، فولى كثير من الناس وجوههم شطر العلم والفلسفة للظفر بإجابات أقل اصطباغاً بلون الدم من تلك التي سعت العقائد أن تفرضها في عنف بالغ. وكان جاليليو يفرغ في قالب مسرحي ثورة كوبرنيكس. وكان ديكارت يثير الجدل حول كل التقاليد وكل السلطة. وكان برونو يشكو إلى أوروبا آلامه المبرحة وهو يساق إلى الموت حرقاً..”
لكن وفي مجمل التحولات التاريخية هذه ، كانت الدولة هي الهدف ، فإقامة الدولة المركزية القوية والتي تستطيع تأمين مصالح وأغراض مجتمعها وتمثيل ارادته ، هي الهدف الأسمى الذي سعى اليه القادة السياسيون و العسكريون والمفكرون والفلاسفة الاجتماعيون الذين أطروا هذا الهدف بمختلف المبررات التي تؤكد شرعية هذا الطموح في بناء الدولة المستقلة ذات السيادة ، وعلى مدى أربعة قرون من الفوضى في سبيل تحقيق هذا الهدف وعلى الرغم من الحروب التي سادت أوروبا ، نتيجة تضارب طموحات ما تقدم ، بات التمايز بين المجتمعات واضحا كل الوضوح وراحت الدولة تبحث عن مخرج لها من فوضى ضاربة أطنابها في كل الشؤون الحياتية مما كان يحول دون استقرارها وتاليا وحدتها وسيادتها ..فكانت معاهدة ” وستفاليا ” / 1648/ المخرج العملي لما عانت منه شعوب أوروبا كافة ، في وستفاليا ، وعلى الرغم من تعثر الطريق اليه ، وضع حجر الأساس للأمة ـ الدولة ..
في الدولة ـ الأمة ، ظهرت للوجود الدولة ذات السيادة ، والتي شكلت بدورها الأساس لما سمي في ما بعد بــ “السياسة الدولية ” ، والدولة ذات السيادة هي في جوهرها “حقيقة جيوسياسية ” بل ومفهوم قانوني وعلى القدر نفسه ” عقيدة سياسية ” ، الدولة ذات السيادة هي بالتعريف ” مجتمع سياسي محدد جغرافيا ” معترفٌ به من قبل المجتمعات الأخرى ،والاعتراف هنا فعل قانوني رسمي على أنها المسؤول الوحيد عن حكم تلك الأرض وتاليا هي الدولة المستقلة عن أي وصي أعلى سياسي أو ديني وهي أيضا عقيدة سياسية جوهرها الاستقلال والحرية وتقرير المصير، هذا ما أقرته مختلف الاتفاقات الجيوسياسية ،والتي كانت بحق الصرخة المدوية لنظام الأمة ـ الدولة والتي بدورها وضعت الحجر الأساس للعلاقات الدولية الحديثة وجوهرها يقوم على أن الدول شخصيات اعتبارية لا تتحدد بصغرها أو كبرها أو بضعفها أو بقوتها ، مما يعني بطبيعة الحال ، أن الحاكم المسؤول عن صيانة الأمن والسلام في نطاق سلطته ، مسؤول أيضا عن عدم المساس بالنظام الدولي الذي لا يجيز تدخله في شؤون الدول الأخرى ، هذا ما أقره على التتالي مشروع معاهدة ” وستفاليا ” والذي كان الحجر الأساس في توطيد السلام الأوروبي أولا ومن ثم السلام العالمي في بعد ..
لقد عانى مفهوم الدولة ـ الأمة الكثير من اللغط ، وتحديدا في شطره الثاني ” الأمة ” حيث تداخلت في تحديده مختلف النتائج التاريخية التي انتهى اليها الصراع ـ على اختلاف أشكاله ـ على الصعيد الأوروبي ، فعلى الرغم من أن الاتفاق قد وضع حدا للحروب الدائرة فيها ـ مع ملاحظة استمرار الحروب على جبهات أوروبية أخرى ،فرنسا مع اسبانبا حتى عام 1659 ، .. ـ فإنه من جهة أخرى ترك الباب مشرعا للفوضى على الساحة الأوروبية، ومن ثم بعد حركة الاستكشاف الأوروبية في أفريقيا وأسيا وأمريكا، عُمم اتفاق وستفاليا ـ من حيث مفهوم الأمة ـ الدولة على مختلف الدول التي نشأت بعد انحسار الامبراطوريات ( العثمانية والبريطانية ) وظاهرة الاستعمار الغربي بوجه عام ، حيث قاد هذا التعميم لرسم خرائط عشوائية في مختلف أصقاع العالم ، فجُزأت الأمم ذات الدورات الاجتماعية ـ الاقتصادية الواحدة الى دول أطلق عليها مسمى ” أمة ” وتمتعت هذه الدول بسيادة وهمية أسبغتها عليها مرحلة الاستعمار المشار اليها أعلاه ..
وحيث لم يكن لدى الأوروبيين مفهوما موحدا لمصطلح ” أمة ” فإنهم أسبغوا تناقض مفاهيم هذا المصطلح على ما تبقى من العالم ، وتاليا ، فإن معاهدة وستفاليا ، وإن أرست مفهوما محددا للسياسة بين الدول “السياسة الدولية” المعمول بها اليوم ـ فإنها لم تَحُلْ دون استمرار الحروب بين الدول والتي تدور في مجملها حول التجزئة بهدف تكامل المدى الحيوي ” الأمة ” لأي من الدول المعترف بها ” ذات سيادة ” الأوروبية منها وغيرها ، إذ بقي مفهوم مصطلح ” السيادة ” رهنا بالتقلبات السياسية ومصالح الدول التي أضحى لها هذا المفهوم محرضا ودافعا بل ونزوعا لاستكمال معنى السيادة بمعناه ” المدى الحيوي ” والذي وجدت به الدولة ، أنها بدونه تبقى عاجزة عن القيام بمهماتها الملقاة على عاتقها وتحديدا تأمين احتياجات مصالحها و حماية بنيتها الدولية من تعديات الدول ـ الأمم الأخرى ، وهذا ما تفسره استمرارية الحروب بعد وستفاليا فقد استولت السويد مثلا لاحقا على ليفونيا وأستونيا وأنجريا وكاريليا وفنلندا وأصبحت في عداد الدول العظمى باعتبارها سيدة البلطيق حتى مجيء بطرس الأكبر.. أما فرنسا فقد استولت على فرانشن كونتية واللورين ،وتمكنت من تحقيق وحدة فرنسا وقوة دفاعها، والإبقاء على فوضى الإمارات في الإمبراطورية، وعلى الصراع بين الأمراء والإمبراطور، وعلى النزاع بين الشمال البروتستانتي والجنوب الكاثوليكي، مما ساهم في حماية فرنسا من خطر ألمانيا الموحدة..
حيال ما تقدم ، كان لا بدَّ من تعين مدلول مصطلح ” أمة ” وتاليا مصطلح ” دولة ” بعدما ثبت أن كلا المصطلحين لم يحولا دون تنازع البقاء من جهة والسلام الدولي من جهة أخرى .
وفق مبدأ سعادة ” شرط الوضوح التعين ” ووفق مبدئه أيضا ” وحدة الفكر والنهج والأشكال التي تحقق الفكر في النهج ” على اعتبار أن الدولة هي الشكل الذي تتحقق من خلاله مصالح الأمة ، وإن كان مصطلح ” دولة ” المعمول به اليوم يقارب مفهوم “ماكس فيبر” الذي يقول أنها ” منظمة تدعي (بنجاح ) احتكار الاستخدام الشرعي للقوة المادية ضمن رقعة جغرافية محددة ” هذا المفهوم للدولة ـ الأمة ما زال يعاني من شوائب كثيرة ، حتى على الصعيد الأوروبي الذي لم يتبلور فيه هذا المفهوم ” الأمة ـ الدولة ” إلا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ، وبما يتناسب والمصلحة الأوربية بالتحديد ، والتي بدأت تعاني من النقص الفاضح في مفهومها لهذا المصطلح والذي بات يتعارض حتى مع مصالحها كدول ومجتمعات ، ومع ذلك ما يزال هذا المفهوم متعثرا في الكثير من الدول التي تعاني من خروقات اجتماعية وسياسية وثقافية ودينية وعرقية .. نتيجة ما تقدم ، على شاكلة ما تعانيه فرنسا من النزوع الاستقلالي في بريتون والباسك أو ما تعانيه كل من سويسرا وكندا وبلجيكا من تواجد الجاليات الفرنسية داخل كياناتها ، وكما في أوروبا كذلك في أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية .. فعلى سبيل المثال ، ونتيجة تشكل الدول وفق المفهوم الأوروبي ، فإن ” نيجيريا مثلا تضم ثلاث مجموعات عرقية كبرى منها / يوروبا والهوسا / وحيث أن التجزئة لعبت دورا سلبيا في ما يتعلق بهذه العرقيات فإنها شكلت بؤر توتر مستمر بين هذه الدول بنزوعها للوحدة والاستقلال.. على ذات النمط نجد أن الأكراد في سورية الطبيعية موزعون على دول أربع ويثيرون اليوم اشكالات الاستقلال في هذه الدول ـ وقد أشرنا سابقا لهذه المسألة ـ وفي ظل هذا المفهوم أيضا بات من الضروري ايجاد حلول عملية للاضطراب في العلاقات الدولية ، فموناكو دولة كما الولايات المتحدة الأمريكية ، كذلك الفاتيكان دولة ضمن دولة ، وهذه كردستان العراق دولة ضمن بؤرة معادية بالمطلق لوجود هكذا دولة ، مما يُنبئ بمشكلات قد تتطلب تدخلا دوليا بعد سقوط أعداد من الضحايا يقدمون على مذبح المفهوم والمصلحة الغربية عموما .
حيال ما تقدم ـ وهو جزء يسير من الواقع السياسي اليوم ـ يبدو أن تحديد سعادة لمفهوم مصطلح الأمة هو الحل ، والذي عملت مختلف الهيئات الدولية والكيانية بمختلف هيئاتها ،على طمسه وتغييبه عن الساحة السياسية بل والاجتماعية والثقافية و…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ كان الشاعر اللاتيني (جوفنال) يتذمر في هجائيته المسماة “بابل” من أن نهر (العاصي) السوري أصبح يصب منذ زمن بعيد في (التيبر) والحياة أصبحت في روما لا تُطاق من كثرة هؤلاء الأغراب الذين توافدوا على العاصمة واستقروا فيها..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مفهوم سعادة لمصطلح “أمة ” تتخذ السياسة الدولية منحى آخر ، حيث نتبين النتائج من الأسباب ، ولا نخلط بينهما ، نتبين ما الفرق بين نتائج تاريخية ـ ظرفية ـ مرحلية، طبعت فترة تاريخية معينة ، وبين نتائج ” الاشتراك في الحياة ” المومأ اليه آنفا ،بين الصفات المكتسبة تاريخيا وتلك المكتسبة حياتيا كنتيجة للتفاعل التاريخي بين الجماعة والبيئة ، بين الطارئ والدائم ،بين الثابت والمتحول والتابع ..وتاليا تغدو السياسة الدولية تبادل منافع ومصالح ، لأنه وكما مرَّ معنا آنفا ، يبقى السؤال الملحُّ هو : لماذا يبقى الربح خسارة للآخر ؟ ولماذا لا تكون السياسة الدولية ممكنة في واقع أن الربح لا يعني خسارة للآخر فبالتعاون يمكن لمجموعات مختلفة في المجتمع أن تحقق مزيدا من الفوائد أكثر مما لو عملت في جو تنافسي (بارسونز) ، خاصة وأن السياسة ، في أوسع اطار لتعريفها ، تبقى ” غايتها تحقيق اشكال من التحالفات الممكنة بين الناس بدلا من زرع الفتن بين المجموعات البشرية المختلفة ؟..”
في مؤلفه الرائع “نشؤ الأمم” يناقش سعادة المفهوم الغربي لمصطلح ” أمة ” في محاولة منه لوضع الاصبع في الجرح ، حيث يجد أن التداخل والاختلاف والتناقض كان في أن التعريف ” لا يخلو من عصبيّة القوميّة أو الوطنيّة، أو من الأغراض السّياسيّة، وهو لذلك عرضة لاختلاف النّظريّات وتعدّد المذاهب فيه..” والسبب الذي يراه جوهريا في هذا الموضوع هو ” ـ أنّ الأمّة تنطوي على عنصر عامّ، بل حيويّ لها، مفقود من المتّحدات الأخرى، هو العنصر السّياسيّ.. ” والذي في ضوئه تتوضع مفاهيم هذا المصطلح ، فتنازع البقاء مسألة لا يغفلها السياسيون عموما ، لذا ” يلجأ سياسيّو الأمّة ومفكّروها إلى نظريّات توافق ظروف أممهم وتكسبها معنويّات قويّة. فبعضهم يبحث عن حقيقة تاريخيّة أو مثال حقيقيّ أو موهوم من التّاريخ، أو عن نزعة دينيّة أو سلاليّة.. ” من هنا تأتي ” صعوبة فهم المتّحد القوميّ أو الوطنيّ من وراء التّحديدات الّتي قد تبدو متعارضة، وتكون كذلك أحياناً إن لم يكن غالباً، لأنّ الّذين حدّدوا الأمّة حدّدوها على ما سطع لكلّ منهم من نورها ووحيها في بيئته الخاصّة..” لأنهم في ذلك يعودون أدراجهم ، لطفولتهم ، لأصدقائهم ، لتربيتهم ، للأحداث التي تعصف بمجموعات ينتمون اليها ، لما تعلموا مَنْ يكونون ، وبالمجمل ، لمستوى ثقافتهم وعمقها وتأثيراتها على مصالحهم ومنافعهم وكاريزما الكاتب فيلسوفا كان أم عالم اجتماع ..(1) ما بين ” سنيكا ” و”بابنيان ” نقع على اختلاف مفهوم مصطلح الأمة ، لدى منتشيني و برادير ، دوركهايم ، ايوانوف ، رينان ، شبكلر ، فون ايرن ، الذين تباروا في تعريف هذا المصطلح وتناول سعادة نظرياتهم بالنقد والتحليل .. وعلى ما يبدو ان اختلاف التعريفات يعود في جوهره لنسبة العلاقة بين ثلاثية (القانون والفلسفة والتاريخ) بهدف اكتشاف نظريات او قوانين عامة حول طبيعة السلوك السياسي أو هي نتاج لنسبة الفلسفة الى الاجتماع والاقتصاد/ يقول سعادة :” إنّ القياس كان ولا يزال مصيبة كبيرة في الأبحاث العلميّة الاجتماعيّة، خصوصاً في الأبحاث الّتي لا تجرّد علم الاجتماع من النّظريّات الفلسفيّة، من الفلسفة الاجتماعيّة، وهو الالتجاء إلى القياس ما أوجد شيئاً كثيراً من الخلط في المسائل الاجتماعيّة عموماً ومسألة الأمّة والقوميّة خصوصاً. ” والتي تنبه الغرب لها بعد نحوٍ من ربع قرن على ما جاء به سعادة (2) والتي ما تزال مدارس الغرب الاجتماعية تحبو نحوه يعيقها في ذلك تعارض استنتاجات دراساتها مع الواقع السياسي ومصالحه في الاستئثار بالمواد الخام التي تملكها المجتمعات محور تلك الدراسات ..
في نقده التحليلي ، يميز سعادة بين السبب والنتيجة ، بين الدائم والطارئ ، بين الثابت والمتحول ، بين الباطن والظاهر .. فيُسقط كل ما هو خارج ” الاشتراك في الحياة ” من مفهوم الأمة لديه وكل ما هو طارئ نتيجة ظرف أو مرحلة تاريخية معينة ، يسقط الشكل على حساب المضمون ، وكل ما يتعارض أو يمكن له أن يتعارض ومبدأ الاشتراك في الحياة ، باعتبار أن الأمة ” واقع اجتماعي بحت ”
اللغة والدين والعادات والتقاليد والآلام والآمال المشتركة والتاريخ المشترك والأصل الواحد والمصالح المشتركة.. من وجهة نظره ” كلّ ميزة من ميزات الأمّة أو صفة من صفاتها تابعة لمبدأ الاتّحاد في الحياة الّذي منه تنشأ التّقاليد والعادات واللّغة والأدب والدّين والتّاريخ ”
يقدم سعادة عنصر البيئة على أي عنصر آخر من عناصر تكوين الأمة ” البيئة الجغرافيّة ضروريّة لحياة المتّحد أو المجتمع ضرورة الأرض للحياة..” حيث ـ كما أشرنا سابقا ـ ” لا جماعة حيث لا بيئة ” ذلك أن ” الظواهر الجغرافية الإنسانيّة (توزيع البشر) تنسب إلى الوحدة الأرضيّة الّتي لا يمكن تعليل تلك الظّواهر بدونها. إنّها (الظّواهر) تعزى، في كلّ مكان، إلى البيئة الّتي هي بدورها وليدة توافق حالات فيزيائيّة..” ولما كانت الأمة ” واقعا اجتماعيا بحتا ” فهي بدون ادنى شك ” مجتمع طبيعي ” وليست مجتمعا مصطنعا بعوامل خارجة على مبدأ الاشتراك في الحياة كالاجتياحات الحربية، فالإمبراطورية الرومانية ومن بعدها الأموية والعباسية ومن ثم العثمانية وآخرها الامبراطورية البريطانية ، ضمت الكثير من المجتمعات الطبيعية ، لكنها لم تستطع دمج هذه المجتمعات في وحدة طبيعية ، بل بقيت متمايزة بعضها عن بعض على الرغم من الوحدة السياسية التي ضمتها قرونا عدة ،
وانطلاقا من مبدأ ” الاشتراك في الحياة ” ينطلق سعادة في تأكيده على أن ” الأمّة من الوجهة السّلاليّة أو من وجهة الأصل، هي مركّب أو مزيج معيّن كالمركّبات الكيماويّة الّتي يتميّز كلّ مركّب منها بعناصره وبنسبة بعضها إلى البعض الآخر..” أما لجهة العادات والتقاليد فإنها تخضع بعامل الاشتراك في الحياة لمبدأ التطور: ” كلّ تطوّر ثقافيّ في أمّة من الأمم يولّد تقاليد جديدة. وشرط التّقاليد المميّزة الأمّة أن تكون متولّدة من حياة الأمّة. فهنالك تقاليد مشتركة بين عدد من الأمم ولكن ليست هذه التّقاليد هي الّتي تميّز الأمّة..” وحيث أن اللغة هي نتاج اجتماعي ، فهي ليست سابقة للمجتمع ، أي أنها ليست عنصرا من عناصر تكوينه أو سببا من أسباب تشكله ، يضاف لما تقدم أن اللغة لها طابع أممي بعوامل عدة ، تاريخي / كنزوع المحتل لفرض لغته على الجماعة المُحتلَّة / أو ديني / وجعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون / أو اقتصادي / الآرامية كلغة للعالم القديم أو الانكليزية اليوم / وعليه يؤكد سعادة ” إنّ وحدة اللّغة لا تقرّر الأمّة ولكنّها ضروريّة لتماسك الأمّة..” ولما كان الدين ” في أصله لا قوميّ ومناف للقوميّة وتكوين الأمّة، لأنّه إنسانيّ ذو صبغة عالميّة..” كان خارج مبدأ الاشتراك في الحياة وتاليا ليس عنصرا من عناصر تكوين الأمة ذلك أنه ” حيثما تضاربت مصلحة المجتمع، الدّولة أو الأمّة، ومصلحة الدّين كانت مصلحة المجتمع هي الفاصل في النّزاع. .” وهذا ما نراه بوضوح في الطوائف والمذاهب الدينية ـ على اختلاف الأديان ـ وهي بطبيعة الحال ـ الطوائف والذاهب ـ محاولة المجتمعات تكييف الدين وفق أساطيرها الدينية وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها ، كما هي الحال في الطقوس المسيحية التي ” ترومنة ” بعدما اعتمدتها الامبراطورية الرومانية دينا رسميا لها ، أما الوحدة السياسية فعلى الرغم من أهميتها بالنسبة للأمة ” ليست شرطاً للأمّة ولا عنصراً من عناصرها ولكنّها ضرورة من ضرورات الأمّة ليكون لكيانها الاجتماعيّ ــ الاقتصاديّ قيمة حيويّة عمليّة. كلّ أمة تتجه بطبيعة وجودها إلى إنشاء دولة تضمن لها سيادتها وحقوقها الأنترنسيونيّة..” وهي ” التّاج الّذي تتوّج به الأمّة نفسها وتحصل به على اعتراف الأمم الأخرى بحقّها في الحياة وكرامتها الشّخصيّة.” كذلك هو التاريخ ” فهو سجل مجرى حياة الأمّة، وخطورته هي في القوميّة، في روحيّة الأمّة ووجدانها، لا في الأمّة بعينها..” كذلك أيضا ” لا تعيّن الثّقافة الأمّة ولكنّ الثّقافة تكون فارقاً بين أمم وأمم. والسّبب في هذا الفارق اقتصاديّ جغرافيّ قبل كلّ شيء، حيثما وجدت المؤهّلات الرّوحيّة.”
بناء على ما تقدم يمكننا صياغة تعريف للأمة التي ينادي بها سعادة ” ” الأمّة جماعة من البشر تحيا حياة موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النّفسيّة ــ الماديّة في قطر معيّن يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التّطوّر، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) ـ ” لقد طلب الامبراطور كركلا ، من الفيلسوف (سنيكا) أن يُعِدَ رسالة تسوغ هذا القتل( قتل أخيه غيتا ) موجهة للسانتو ( مجلس الشيوخ) ففعل ، ثم أمر (بابنيان)وهو شقيق جوليا دومنا، النابغة الحقوقي ،أن يفرغ كل ما أوتي من مهارة وفصاحة في سبيل تلمس الأعذار لهذه الفعلة ، ولكن المفاجأة التي لم يكن كركلا يتوقعها هي رفض رجل العدالة هذا الأمر.. مفضلا الموت على تشويه الحقيقة ” مما يعني أن الموقف ، نظريا ـ كما في علوم الانسانية ـ او العملي ، مرهون بكاريزما الفرد المعني به ، خاصة وأن علوم الاجتماع والسياسة ليست حيادية ـ موضوعية ، منزهة ، عن الشخصية التي تمليها ، كتابة أو إملاءً.
(3) ـ يقول سعادة مثلا ” ولا يقتصر تنازع البقاء على تنازع النّظريات بين الأمم، بل يمتدّ إلى تنازع النّظريات ضمن الأمة الواحدة، لما تشتمل عليه الأمّة من طبقات وجماعات يكون لبعضها مطامع ومصالح خاصّة، ”
يقدم كلٌ من (ستيفن.د. تانسي ونايكل جاكسون) في كتابهما (أساسيات علم السياسة ) ،عرضا للكثير مما أورده سعادة في مؤلفه “نشؤ الأمم ” وعلى سبيل المثال نورد هذه الفقرات :
(.. على أية حال ، يبدو واضحا أن للعوامل الدينية واللغوية والقبلية اضافة لعوامل عرقية أخرى ، أهمية في بناء الهوية السياسية عند الكثير من الناس ، لكن بدرجات متفاوتة وبأوقات وأزمنة مختلفة اعتمادا على البيئة السياسية .. يبدو أن الهوية العرقية للفئات العرقية قيد الدراسة تمثل عاملا نفسيا وسياسيا مهما ، فالعنصرية التي تعني وجود فروقات طبيعية مرئية حقيقية أو متصورة هي في الحقيقة اجتماعية وليست بيولوجية ، لأن التجمعات الحالية هي عمليا خليط وراثي الى حد بعيد .. ) و (إن أحد الانقسامات الكبرى الذي يبدو شاملا في الأنظمة السياسية الكبرى هو ما يدعوه “الآردت وليتنين” 1964/ خطوط الانقسام العمودية/ ، تلك التي تحدث بين التجمعات المحلية والأقاليم وفي بعض الحالات المناطق الوطنية ضمن الدول.. ومن الواضح أن تأثير القرب الجغرافي يتعلق بمجموعة من العوامل الأخرى التي قد تؤثر بقوة في الولاءات المحلية والاقليمية وعليه فالسؤال : ما مدى تقسيم المجتمعات الجغرافية اجتماعيا ولغويا ؟ وقد تكون طبيعة الاقتصاد هي مهمة أيضا .. كما أن تأثير الفتوحات التاريخية والهجرة عاملين في هذه الاشكال من الانقسامات..)
ـ إن الاستقرار السياسي أو عدمه ينشأ عن عدد من الصراعات المختلفة ـ يمكن طرحها بصيغة تساؤليه على النحو التالي :
(1) ـ من نحن ؟ ويتضمن السؤال بحثا في القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية / القومية ، العنصرية ، العرقية ، الطبقة ، الجنس ، الدين .
(2) ـ ما نفعل ؟ ويتضمن البحث في مواضبع توزيعية ، كيف نقدم خدمات الدولة وننظم الاقتصاد .
(3) كيف نقوم بذلك ؟ ويتضمن البحث في قضايا اجرائية المحافظة / الراديكالية ، المؤسساتية .
من المستفيد ؟ ويتضمن البحث في قضايا إعادة التوزيع ، الأغنياء مقابل الفقراء ( الناس ، الأقاليم ، الدول )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدولة ـ القومية :
في القومية ، تغدو الدولة ، هي الممارسة المجتمعية للسلطة ، من هنا كانت الدولة القومية هي دولة ديموقراطية ، كون هذه الأخيرة ، كما سبق وألمحنا ، ليست شكلا من أشكال الحكم ـ الدولة ، كما هو متداول ، إنها نسق حياة ، نهج ، سلوك ، ممارسة ، تربية ، ولأنها كذلك ، هي قومية ، ولأن هذه الأخيرة أيضا هي ” الرّوحيّة الواحدة ،الشّعور الواحد ،.. إنّها الوجدان العميق الحيّ الفاهم الخير العامّ، المولّد محبّة الوطن والتّعاون الدّاخليّ.. ، الموجد الشّعور بوحدة المصالح الحيويّة والنّفسيّة، المريد استمرار الحياة واستجادة .. شعور خفيّ صادق وعواطف حيّة وحنوّ وثيق على الحياة التي عهدها الإنسان. إنّها عوامل نفسيّة منبثقة من روابط الحياة الاجتماعيّة الموروثة والمعهودة، ”
القومية هي في تعريف سعادة اذن ، قيم ، مناقب ، سلوك ، تربية ، نهج .. هي مرادف لغوي للديموقراطية ، القومية ديموقراطية لأنها شعور ، وجدان ، عواطف ، حنو، إنها ، عوامل نفسية منبثقة من روابط الحياة الاجتماعية ، لذلك هي ” الشعور الفاهم الخير العام ، المولد محبة الوطن والتعاون الداخلي .. الشّعور بوحدة المصالح الحيويّة والنّفسيّة، المريد استمرار الحياة واستجادة الحياة..” فأي معنى للديموقراطية غير هذا ؟
لذلك كانت الحتمية الوحيدة التي يُقِّرُّها سعادة في مجمل طروحاته هي أن : ” الدّولة الدّيمقراطيّة هي دولة قوميّة حتماً،” ذلك أنها دولة المتحد ـ الأمة ، وحيث أن القومية ” هي ظاهرة نفسية اجتماعية “هي تاليا ” يقظة الأمّة وتنبّهها لوحدة حياتها ولشخصيّتها ومميّزاتها ولوحدة مصيرها.. ”
ولأن القومية ديموقراطية تخرج عن كونها ، فكرة أو معتقد أو “نوعا من الطوطمية ” أو “نعرة دموية سلالية ” أو ” عصبية هوجاء ” أو “نعرة متولدة من اعتقادات أولية ” هذه الأخيرة ، هي ما يوليه سعادة اهتمامه الأكبر ويضمنها ” قسم الانتماء لحزبه ” .. وأن أتخذ مبادئه شعارا لي ولعائلتي ..” وفي موضع آخر يؤكد على ” إن أعظم أعمالي بعد تأسيس القضية هي المؤسسات.” المناط بها صهر وبلورة وصقل هذه القناعات الأولية التي تتشكل نتيجة مؤثرات اجتماعية تربوية بحتة ( الأسرة ، الأصدقاء، والرفقة المدرسية، والوسط الاجتماعي بشكل عام..) في مراحل الفرد المبكرة ،حيث المؤهلات الفردية ـ النفسية تربة غضة يمكن أن تتجذر بها أية مفاهيم ، وحيث الانتماء هو المقدمة الأولى لإثبات الشخصية الفردية في المجتمع ،وحيث الأسرة هي البوتقة التي تتشكل فيها تلك القناعات الأولية ، يؤازرها في ذلك الأصدقاء والرفاق والزملاء .. إضافة للوسط الذي يلعب دورا مهما في قبول أو رفض ما تشكل منها ، حيث تلعب هذه أو تلك في تجذيرها ذهنيا دون أية خلفية فاهمة واعية مدركة لماهية الانتماء أيا كان ، دينيا ،عرقيا، طبقيا .. وعلى وجه الخصوص إذا كان المجتمع منقسما بحد ذاته الى جملة من الأطر المتناقضة كما هي حال المجتمع السوري، مما يدفع بالفرد لتفضيل مجموعة اجتماعية واستعداء مجموعات أخرى لا تتقاسم معه قناعاته بل وتتناقض والمفاهيم التي تغدو ” قيما ” تشكل البوصلة التي يهتدي بها لضالته المنشودة أيا كانت أيضا ، هذه القناعات التي تواكب الفرد حتى نهاية حياته .. لا بد من صهرها وبلورتها وصقلها في بوتقة القومية للحيلولة دون المنحى السلبي الذي يهدد وحدة الأمة ـ المجتمع ، يقول :” كلّ جماعة ترتقي إلى مرتبة الوجدان القوميّ، الشّعور بشخصيّة الجماعة، لا بدّ لإفرادها من فهم الواقع الاجتماعيّ وظروفه وطبيعة العلاقات النّاتجة عنه. وهي هذه العلاقات الّتي تعيّن مقدار حيويّة الجماعة ومؤهّلاتها للبقاء والارتقاء، فبقاؤها غامضة يوجد صعوبات كثيرة تؤدّي إلى إساءة الفهم وتقوية عوامل التّصادم في المجتمع فيعرقل بعضه بعضاً ويضيّع جزءاً غير يسير من فاعليّة وحدته الحيويّة ويضعف فيه التّنّبه لمصالحه وما يحيط بها من أخطار من الخارج.. ”
هكذا ، وعلى الرغم من كون القومية هي ظاهرة نفسية اجتماعية ، لكنها تبقى في جوهرها خاصة من خصائص الفرد من حيث هو ” مواطن ” يقول سعادة في مقدمة مؤلفه ” نشؤ الأمم” :” هذه الشّخصيّة (شخصيّة الجماعة) مركّب اجتماعي ــ اقتصاديّ ــ نفسانيّ يتطلّب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعوره بشخصيّة جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسّية متّحده الاجتماعيّ وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتمّ به ويودّ خيره، كما يودّ الخير لنفسه ..” أي أنها سلوك ونهج فردي يرى مصلحة أمته فوق كل مصلحة من حيث أن المصلحة ، في مفهوم سعادة هي ” كل ما يولد عملا اجتماعيا ” هي نهج وسلوك فردي تبقى غايته الاشتراك في العمل المنتج لما فيه خير الجميع ، بما يزيد من التأكيد على وحدة المصالح الحيوية والنفسية ، العمل الهادف والمريد استجادة الحياة ، هي الـ (نحن ) في الأنا ، هي الأنا المتمثلة في الـ نحن كل خير وحق وجمال ، وعليه فالديموقراطية منتج قومي بامتياز .
يميز سعادة القومية عن الوطنية ، نظرا للحالة التي عليها أمته ، والتي جُزئت بعامل الهيمنة نتيجة فقدانها السيادة على نفسها قرونا طويلة ، وحيث الأمة بالنتيجة مجموعة كيانات لا حول لها ولا قوة حتى على وأد ذاتها ، وحيث أن “القرية متّحد والمدينة متّحد والمنطقة متّحد والقطر متّحد ولكلّ متّحد خصائص تميّزه عمّا سواه ممّا هو أصغر منه أو أوسع منه، أقلّ منه أو أكثر منه..” كان بطبيعة الحال الانتماء الأولي يبقى لواحدٍ من هذه المتحدات ، هذا الانتماء هو ما يصطلح سعادة على تسميته ب” الوطنية ” حيث تلتبس القومية ” بالوطنيّة الّتي هي محبّة الوطن، لأنّ الوطنيّة من القوميّة ولأن الوطن أقوى عامل من عوامل نشوء الأمّة وأهمّ عنصر من عناصرها..” وهو بهذا التمييز يشدد على أن القومية من الأمة بينما الوطنية من الوطن ـ الكيان أو من الدولة ـ الأمة في المفهوم الغربي المعترف به عالميا على صعيد ( عصبة الأمم ـ الأمم المتحدة ) . هذا التمييز ، كان ضروريا ، لأمة جزئت حديثا (1918ـ 1936) ذلك أن رؤية سعادة الثاقبة لما يأتي من الأيام وولادة أجيال لم تحيا حياة الوحدة القومية ـ والتي كانت قائمة على مدى التاريخ رغم الاحتلالات بدئا من 450 قبل الميلاد (قورش ) الى الاحتلال الإغريقي (اسكندر المقدوني ) الى الروماني فالعربي فالعثماني وآخرها الفرنسي والبريطاني ـ بل وجدت نفسها في ما خلفه الاستعمار الغربي من تجزئة سياسية تمثلت في كيانات (دول ذات سيادة ـ امة ) ، هذه الكيانات السياسية لا بد وان تتمثل في هذه الأجيال بصورتها الاستقلالية أي بالتعصب لها وتلبسها بالتالي مصطلح القومية بالوطنية ، بحيث يصبح الكيان هو الأمة والوطن وتتناسى هذه الأجيال كونها جزء من الأمة السورية وتلك الأجزاء المسلوخة عنها ، لذا يأتي هذا التمييز ( بين القومية والوطنية ) للتنبيه لهذا الواقع الشاذ والذي لا ينكره سعادة بقدر ما ينبه لخطورته على مستقبل الأمة .
من جهة أخرى ، يقارع سعادة بمفهوم القومية ـ الديموقراطية ، جملة المفاهيم الغربية في الأمة والقومية ، والتي لا نكاد نلحظ أية مفهومات حولها في مختلف النظريات الاجتماعية أو السياسية السائدة وهو يشير في مقدمة مؤلفه ـ موضوع هذا الاجتهاد ـ الى أنه” ومنذ ألّف ابن خلدون مقدّمة تاريخه المشهور ووضع أساس علم الاجتماع لم يخرج في اللّغة العربيّة مؤلّف ثان في هذا العلم فظلّت أمم العالم العربيّ جامدة من الوجهة الاجتماعيّة، يتخبّط مفكّروها في قضايا أممهم تخبّطاً يزيد الطّين بلّة.. ولفقر اللّغة العربيّة في المؤلّفات الاجتماعية نجدها فقيرة في المصطلحات الاجتماعيّة العلميّة. فوضعت في هذا الكتاب مصطلحات جديدة أرجو أن أكون قد توفّقت في اختيارها للدّلالة على الصّفة المعيّنة، كقولي: [الواقع الاجتماعيّ] و [المتّحد الاجتماعيّ] و [المناقب] و [المناقبية] (للمورال).” مع ملاحظة أن مختلف النظريات الغربية الاجتماعية والسياسية ، تتجاهل ” مقدمة ابن خلدون ” بل وحتى التاريخ السوري وتكتفي باعتبار أن التاريخ يبدأ في إسبارطة وأثينا ورومة بل وتستمد مختلف مستنداتها التاريخية من الالياذة والأوديسة وأحياناً نادرة” توراة اليهود” ، رغم اعترافها بانها مجموعة من الأساطير، كما وتتجاهل في تناولها للحقوق الرومانية أنها من وضع السوري (بابنيان ) وإن أشارت اليه فتكتفي بالإشارة اليه كروماني.. هذا التجاهل كان واحدا من العوامل التي دفعت بسعادة لوضع مؤلفه الرائع في الاجتماع وفي السياسة في محاضراته العشر التي يشرح فيها مدلولات هذا المؤلف الذي لم يُعطَ حقه حتى تاريخه .
تتناول كافة النظريات الغربية الاجتماعية والسياسية، وخاصة الحديثة منها ، موضوعات مجتمعاتها من حيث هي مجتمعات قائمة موضوعيا دون التطرق الى أية إجابة على التساؤل : كيف انتهت مجتمعاتهم الى ما هي عليه ؟ ذلك أن السؤال المتقدم سيكشف مقومات هذا الواقع الاجتماعي والسياسي لهذه المجتمعات، ونقصد الحقبة الاستعمارية وتاليا سياسة استنزاف موارد الأمم الأخرى( دول الشمال ودول الجنوب ) ـ (1) باستثناء المادية الديالكتية وتطبيقاتها في المادية التاريخية ، والتي انتهت الى الاهمال بعد سقوطها سياسيا ( انهيار الاتحاد السوفيتي ) وإن أشارت الى الصين باعتبارها أحد أهم الاقتصاديات العالمية اليوم ، فتشير الى أن “ماركسيتها ـ الماوية” تتطعَّمت بكثير من المفاهيم الرأسمالية .
سعادة والفكر الغربي بمختلف مدارسه :
يقف سعادة موقفا حاسما في فلسفته الاجتماعية / المدرحية / من علم الاجتماع الغربي ، الذي يتناول موضوعاته دون أي تحديد أو تعين لمصطلحاتها والتي تبقى تحمل كل التأولات ، وهذه صفة عامة في مختلف مدارسه ، لذا يبدو أن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن علم الاجتماع الغربي ـ باستثناء المادية الديالكتيكية ـ أقرب ما يكون الى علم النفس السلوكي منه الى علم الاجتماع ، في موضوع هو أقرب الى الشمولية منه الى الخصوصية ، يضاف الى ذلك أنه يتناول المجتمع من حيث هو مُعطى موضوعي لا يمكن دراسته إلا من حيث علاقة الفرد به في ظل مجموعة النظم القائمة ومدى تأثيرها على سلوكية الفرد وموقف الفرد منها ، ومن حيث امكانية التغيير في هذه العلاقة والعوامل المؤثرة المباشرة وغير المباشرة في عملية التغيير المرجوة ، والى أي مدى يمكن المضي في مثل هذه الأهداف التي تبقى غايتها تحسين ظروف الحياة في هذه المجتمعات بالتحديد ، ناهيك عن أن نظرته للمجتمع ـ على الرغم من اعترافه بأنه ” وجود موضوعي” بالنسبة للأفراد ـ تبقى منقطعة عن كونه ” محتوى تاريخ أجياله” بمعنى أنه علم يبحث في خصائص وميزات وامكانيات ومواصفات الجيل الذي يعاينه والى أي حد يمكن المضي في عملية الإصلاح أو التغيير لما يشوب هذا الجيل من تشوهات تعيق عملية التطور أو تؤخرها .. والخلاصة التي يجب أن تبقى ماثلة في الذهن ، هي أن علم الاجتماع الغربي هو علم كيانات تشكلت نتيجة ظروف سياسية مرت بها أوروبا في مرحلة سبقت عصر التنوير وسادت فيها الحروب والنزاعات والفوضى ، هي اذن ليست أمما تشكلت تاريخيا بل نظما سياسية احتفظت بها المدن الرئيسية ( باريس ، لندن ، برلين ..) بطيف من المدن والقرى من حولها وشكلت ما أتفق على تسميته بالدول، دون نكران أن تقدمها ورقيها على مختلف الأصعدة والمستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية يعود في جوهره الى تقييم موضوعي لجملة الأحداث العاصفة التي ضربتها وغيرت مختلف نظراتها الى الكون والحياة وهي المجتمعات الوحيدة التي استفادت من تجربتها التاريخية بشكل تام وكامل.. وهذا ما نلاحظه واضحا في الموضوعات التي يتناولها علم الاجتماع الخاص بها ،. ذلك أنه ينصب عموما على مواصفات وخصائص المجتمع الغربي بالتحديد وكأن بقية المجتمعات المنتشرة على مساحة سطح الكرة الأرضية لا معنى لها ولا قيمة لدراستها.
لذلك يسهل على الدارس لهذا العلم أن يصنف علم الاجتماع الغربي بمختلف مدارسه بثلاث نظريات هي ” التوافق ،الصراع ،الفعل ” وما عداها يبقى خارج علم الاجتماع ، ولما كنا قد تناولنا نظرية الصراع بأبرز أمثلتها / المادية الديالكتيكية / فإننا نكتفي هنا بتناول نظرية التوافق بأبرز امثلتها / الوظيفية / ونظرية الفعل ، أيضا بأبرز أمثلتها / الفيبرية / .
ينعكس ما تقدم بمجمله على مختلف الموضوعات التي يتناولها هذا العلم ، إذ تبقى مفهومات مصطلحاته عامة لا يمكن حصر مدلولاتها في مفهوم محدد ، كما هو الحال عند سعادة الذي يمضي ـ منطلقا من شرط الوضوح التعيين ـ في تحديد مدلولات مصطلحاته قبل الخوض في الموضوعات التي تتناولها ، فمن حيث الشكل العام ، قد لا نجد خلافا جذريا بين الوظيفية أو الفيبرية والقومية الاجتماعية عند سعادة ، لكننا اذا ما أمعنا النظر يتضح لنا أن الخلاف قائم في المصطلحات التي تبقى جوهر الفكرة التي يُراد إيضاحها في أيٍ من النظريات الثلاث ، حتى أننا نجد أن سعادة يبدو أقل تطرفا من دوركهايم وفيبر، الأول في ما يتعلق بتأثير الطبيعة على الفرد والمجتمع من جهة وتحديد مفهوم الطبيعة والمجتمع وملحقات الثاني ” المعايير والقيم والثقافة والتنشئة الاجتماعية والدين ..” وماكس فيبر في النزعة الفردية التي ينصب جلَّ اهتمام نظريته على تقديسها وإعطائها الأولوية في صيرورة المجتمع ..
تطرح الوظيفية “الطبيعة” كمعطى موضوعي لا يمكن الانفكاك عن مؤثراته ، فالإنسان في نظرها ما هو إلا كائن قد أتمت الطبيعة برمجته بيولوجيا ، والشذوذ يبقى خللا في هذه البرمجة ” إن كل السلوك البشري متضمناً التفاعل الاجتماعي هو ناتج ترسبات موروثة نمتلكها نحن كالحيوانات فإننا ـ مثل الحيوانات مبرمجين بيولوجيا من قبل الطبيعة ..” وعليه فإن ” النسق الاجتماعي يعمل كنسق عضوي ” فكما أن الجسم البشري مؤلف من أعضاء لها صفاتها وخصائصها ووظائفها البيولوجية والفيزيولوجية ( القلب ، الرئتان ، الكبد ..) كذلك المجتمع بمختلف وظائفه ” إن مؤسسات ومنظمات المجتمع مثل النظام الأسري والسياسي والتربوي والديني.. ، كلها تماثل أجزاء الكائن الحي وأعضائه ، وتتكون المجتمعات من مجموعة من الأعضاء المترابطة والمتداخلة فكما هو الحال مع أعضاء الكائن البشري فإن سبب وجود أي شكل من أشكال التفكير أو العمل المؤسساتي في المجتمع هو أنها تلعب دورا حيويا وفريدا وتمثل “وظيفة حيوية ” في صيانة المجتمع والحفاظ عليه في وضع مستقر، كذلك ، الوضع بالنسبة للجسم البشري فإن أي فشل في أي عضو من أعضائه بالقيام بوظيفته ، سيؤدي حتما الى المرض أو الى الموت في النهاية ..” وهذا ما تعبر عنه الوظيفية بمصطلحات مثل ” فقدان الترابط الاجتماعي ” أو ” نقص الترابط والتكامل ” أو فقدان التوازن ” ..
ما تقدم يعطي صورة واضحة عما يشكل محور الوظيفية وما تصطلح على تسميته بالتماثل العضوي ، الذي يبدو منتهى التطرف في موضوع تأثير الطبيعة “البيئة” على المجتمع ، سعادة لا ينفي تأثير الطبيعة ولا كونها وجودا موضوعيا بالنسبة للكائنات الحية بمواصفاتها العامة ، التي عليها أن تتكيف وفق متطلباتها ، لكنه يعيد التأثير لجملة من العوامل أبرزها هو ما كان في ” البيئات التطورية ” حيث لم تكن الطبيعة في وضعها المستقر الذي هي عليه الآن ، وثانيها التأثير الذي يكون ناتجا لخضوع الانسان لمدى زمني طويل لمؤثراتها ومع ذلك فهو يحد من تأثير البيئة على المستوى البنيوي للكائن البشري نظرا لكون الأخير له ما يسميه ” حدود سلامة ” أو كما يقول :تؤثر البيئة الطبيعية ” على لون البشرة ونزيد هنا أنّ تأثير البيئة الطّبيعيّة في أشكال الهيئة غير السّلاليّة تأثير قويّ جدّاً فقد ذكر “بواس” أنّ البيئة تؤثّر، في الغالب، على أشخاص مختلفين تأثيراً يؤدّي إلى اتجاه واحد بناء على أنّ لكلّ عضو [حدود سلامة] يتكيّف ضمنها تبعاً لمقتضيات البيئة..” ومع ذلك فإن لهذه المؤثرات البيئوية حدودا عند سعادة يقول :” إنّ التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة، الّتي، مع أنّها تتأثّر كثيراً بعامل البيئة، إمّا أن تستفيد من القاعدة الطّبيعيّة شأن الجماعات الرّاقية، وإمّا تهملها على حسب استعدادها وإراداتها…” اما بالنسبة لموضوعية المجتمع وحتى البيئة يقول “لا يختار الفرد مجتمعه إلا بقدر ما يختار أمه وأبيه ، لكنه قد يفضل أمه على أبيه ..” بمعنى أنه قد يفضل النظام الاجتماعي القائم على سواه وقد يرفضه مفضلا نظاما اجتماعيا آخر .. لكن ما نلاحظه في كلتا النظريتين ، الوظيفية والقومية الاجتماعية ، هو تحديد المصطلحات التي تبقى غائمة في الوظيفية وواضحة كل الوضوح في القومية الاجتماعية ، ففي حين تتحدث الوظيفية عن الطبيعة بشكل عام ، نجد سعادة يحددها بالبيئة ، بين المصطلح والمفهوم تكمن أولى الميزات التي تتميز بها القومية الاجتماعية بل وتتفوق بها على الوظيفية والتي بدورها تقر ضمناً بصوابية مفهومات القومية الاجتماعية لدى تناولها مصطلح المجتمع الذي يبقى أيضا عاما غائما غير محدد، فهو بتعريف دوركهايم : ” حقيقة مستقلة بذاتها وله وجوده الخاص “وهذا يأتي استجابة منه لفهمه لمحتوى “المادة ” والذي يبني عليه أنه يمكننا تطبيق القوانين العلمية المجردة على القوانين المجتمعية.. ” فالبنى الاجتماعية موضوعية مثلها مثل الطبيعة ..”سواء أعجبتني أم لا فهي مفروضة عليّ ، فأنا ” عندما أقوم بتحقيق الالتزامات ..فأنا أمارس الواجبات المفروضة عليّ والتي تمَّ تحديدها وتعريفها بشكل خارجي(؟) مع نفسي وتصرفاتي المختلفة ،كما هو الحال مع القانون والعادات والأعراف ، حتى لو كانت هذه الالتزامات تتفاعل مع مشاعري الخاصة وأشعر بحقيقتها بشكل ذاتي فهي أو الحقيقة الخاصة بها ما زالت موضوعية حيث أنني لم اصنعها أو أخلقها بنفسي فقد ورثتها (؟) بشكل بحت من خلال التربية ..” وفي المحصلة ينتهي دوركهايم للقول :” إن أفكار الأفراد وكذلك أفعالهم المختلفة هي منتج القوى الاجتماعية الخارجية(؟) والتي تشكل الأبنية الاجتماعية المختلفة ..فقوانين المجتمعات ليست بمختلفة عن تلك الحاكمة لباقي الظواهر الطبيعية ، والطريقة التي يتم اكتشافها بها متطابقة مع مثيلاتها من العلوم الأخرى ..” عند هذه النقطة تقف الوظيفية عاجزة عن الاجابة عن التساؤل المنطقي وأيضا العلمي الذي يطرح : أنه اذا كانت القوانين الاجتماعية هي متطابقة مع الظواهر الطبيعية فلماذا تختلف المجتمعات بعضها عن بعض ،اذا لم تكن البيئة هي العامل الحاسم في هذا الشأن و لماذا تختلف القوانين والعادات والأعراف بين مجتمع وآخر .. لو لم تكن البيئة لا الطبيعة هي الحاكمة بقوانينها الى الحد الذي لا يلغي دور الفرد، حيث العوامل الفاصلة في التاريخ هي العوامل النفسية والفردية وفق سعادة .
يختلف سعادة من خلال فهمه للمجتمع مع دوركاهايم ، فمن جهة أولى يستخدم مصطلح ” المجتمع ” كمفهوم ” لوحدة الحياة ” أو هو “وحدة الشعب” أو هو “الأمة التي هي وحدة الشعب المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي” ، ويفرق بينه وبين المتحد وبينه وبين المجتمع المصطنع (كما هو الحال في زمن الامبراطوريات حيث الأمم على اختلافها دولة واحدة) (1) كذلك مفهوم البنى الاجتماعية عند دوركهايم تتكون من مجموعة من المعايير والقيم يقول :” إن تحقيق الانجاز في الحياة الاجتماعية بين الأفراد ووجود النظام الاجتماعي (التضامن العضوي ) يتم تدعيمه بالثقافة والتي تمثل المعايير الجمعية، وقواعد السلوك ( الوقائع الاجتماعية ) ليست سوى امتداد خارجي ويتم فرضها على هؤلاء الأفراد..”
وعلى الرغم من صحة ما تذهب اليه الوظيفية في مفهوم البنى الاجتماعية وموضوعيتها بالنسبة للأفراد لكنها تخطئ في ردها لمثيلاتها من الظواهر الطبيعية ذلك أنها تعود في جوهرها الى مفهوم المجتمع كوحدة حياة ، كاستمرار الحياة على أرض محددة المعالم لها مؤثراتها التي تختلف من بيئة الى أخرى كما يشير ويؤكد سعادة لكيفية نشأتها وتطورها وما هو نابع من وحدة الحياة وما هو طارئ نتيجة ظروف قاهرة خارجة على منطق الوحدة الحياتية والتي هي بالذات مصدرها ومُقرر منحى تطورها التاريخي يقول :” إنّ الاشتراك في الحياة يوّلد اشتراكاً في العقليّة والصّفات كالعادات والتّقاليد واللّهجات والأزياء وما شاكل.. الاشتراك في الحياة هو ما يعمى عنه عدد وافر من الكتّاب والدّارسين.. ” يتابع سعادة تحديد مصطلحاته فيقول:” والفرق بين العادات والتّقاليد أنّ الأولى لا يجب أن تكون موروثة من الأجيال الماضية والثّانية وراثية في الأجيال. تتناول التّقاليد ما هو بمعنى الطّقس أو القانون غير المكتوب لما يكون لها من المساس بالحالات النّفسيّة العميقة وشؤون الحياة الهامّة كالزّواج وأحواله والمآتم وطريقة دفن الموتى ونظام العائلة، وهي لذلك أثبت وأصلب من العادات.. وبالإجمال العادة تتعلّق، على الأكثر، بالذّوق وما هو مستحسن وما هو مكتسب في الحياة الجيّدة اليوميّة، والتّقليد يختصّ بما هو جوهريّ في الحياة الاجتماعيّة وما يتعلّق بالاعتقادات الخفيّة المتوارثة ومنها ما صار اعتقادات دينيّة أو نصف دينيّة.. تنشأ التّقاليد من اختبارات الحياة والاعتقادات بشأنها وتنشأ العادات من ظروف الحياة واستحسان بعض أساليبها ورموزها. فإنّ من التّقاليد والعادات ما هو مشترك بين عدّة أمم أو بين عدد كبير من الأمم، خصوصاً الأمم الّتي كانت قديماً قبائل أو شعوباً متجاورة كالشّعوب الساميّة.. فإنّ هذه الشّعوب جميعها تشترك في تقاليد وعادات بعضها دينيّ وبعضها اجتماعيّ، ولكنّ هذه التّقاليد والعادات ليست كلّ تقاليدها وعاداتها موحّدة، بل إنّنا نجد لكلّ من هذه الأمم تقاليد وعادات خاصّة بها ناتجة عن اختباراتها الخاصّة الشّخصيّة وعن نموّ أذواقها بتفاعلها مع بيئتها وباتّصالها بالعالم الخارجيّ. ووحدة هذه التّقاليد والعادات الشّخصيّة، الّتي تظهر وجهاً من نفسيّة الأمّة في مجرى حياتها، هي العنصر الهامّ من عناصر وجود الأمّة.. كلّ تطوّر ثقافيّ في أمّة من الأمم يولّد تقاليد جديدة. وشرط التّقاليد المميّزة الأمّة أن تكون متولّدة من حياة الأمّة..” هذا التحديد المتعمق في ماهية المعايير والقيم التي تفعل في المجتمع ، هو ما يوهي مختلف نظريات الغرب أمام القومية الاجتماعية ، ـ وهذا ما تغفله الوظيفية قصدا بهدف التعمية على واقع الكيانات السياسية القائمة ـ والذي بسببه ـ وفق ما نعتقده قد تم تجاهل سعادة كعالم اجتماع رائد في هذا العصر ..
أما لجهة الثقافة التي تدعم البنى الاجتماعية عند دوركهايم ، يعرفها سعادة قائلاً:” الثّقافة هنا بمعنى Cultureوهي مجمل العلوم والفلسفات الّتي تتناول الحياة وما له علاقة بها، وما يحصل من ذلك من مستوى عقليّ واتّجاهات فكريّة واعتقادات مناقبيّة وإدراك للشّؤون النّفسيّة والمادّيّة. والحقيقة أنّ طبيعة الثّقافة عامّة كطبيعة الدّين. و قد مرّ على العالم أدوار ثقافيّة سمّي كلّ دور منها باسم الشّعب الّذي قام به (الاثم الكنعاني) أو اللّغة الّتي كانت واسطته.. ، ليست الثّقافة شيئاً خاصّاً، بل شيئاً عامّاً يتفاوت في الدّرجات بين الأقوام.. وجميع الأقوام المتمدّنة يشتركون في ثقافة واحدة عامّة دورها هو الدّور العصريّ. ولكنّ كلّ أمّة من هذه الأمم تحتفظ لنفسها بإسلوبها الأدبيّ أو الفنيّ الخاصّ في ما تعطيه لهذه الّثقافة. ويجوز أن يكون لكلّ أمّة بعض مظاهر ثقافيّة خاصّة. إذن لا تعيّن الثّقافة الأمّة ولكنّ الثّقافة تكون فارقاً بين أمم وأمم. والسّبب في هذا الفارق اقتصاديّ جغرافيّ قبل كلّ شيء، حيثما وجدت المؤهّلات الرّوحيّة..” لمفهوم الثقافة ، عند سعادة ، مفهوم أعمق بكثير مما لهذا المصطلح من مفاهيم ، اذ يقيس به سعادة التطور بمختلف مناحيه ، فالثقافة وفق رؤيته ، تتخطى مفهوم القناعات السائدة في مجتمع ما ، فهذه لا تعبر عن مراحل التطور الاجتماعي لهذا المجتمع أو ذاك بقدر ما تعكسه من نسبة العمل المبذول في منحى ما الى نسبة الزمن والناتج وبالقدر الذي يكون فيه الناتج أكبر بكثير من حيث الجهد والزمن ، والثقافة هنا تشكل الفارق بين الأمم من حيث التقدم والرقي وليست مجرد نظام سائد فيه كل الآوهام والخرافات والقناعات الفردية او المجموعية غير القائمة على ما يعني مصلحة المجتمع من حيث هي ” كل ما يولد عملا اجتماعيا ” وفق سعادة ، التي يطالب دوركهايم بالتزام بها قائلا ، أن النظام الاجتماعي ” نابع من الالتزام ، من خلال وجود مجموعة من المعايير المشتركة والقيم المتبعة ..” من هنا كان الخلل الاجتماعي الفردي يرجع الى ” الأنومي ” أي ” ضعف أو نقص المعايير التنظيمية ” بحيث يُعَدْ “الأنومي ” نتيجة العقاب الكامن للمجتمع المعاصر المتنافس ، وذلك بدون معايير ضابطة للسلوك، إن الأفراد يظهرون الكثير من الرغبات غير المشروعة والشرهة بالإضافة للرغبات غير المحدودة ،وإثارة المشاعر العامة وكذلك عدم الرضا ..” أما المجتمع الذي يراه دوركهايم مجتمعا مثاليا فهو المجتمع الذي ” تسود فيه الحرية الفردية التي تضمن فقط في وجود مجموعة من المعتقدات والسلوكيات المنظمة والمقبولة من خلال التنشئة الاجتماعية ، حيث أن الفرد يخضع وينصاع للمجتمع وهذا الانصياع هو شرط حريته ، ذلك أن حرية الأفراد تتكون أساسا في ظل التخلص من الانقياد الأعمى لقوى الجهل المادية ، وذلك يتم من خلال معارضة هذه القوى الظالمة الجاهلة باستخدام قوى الذكاء العظيمة المتمثلة في المجتمع والتي يحتمي تحت ظلالها المواطن ..” في كل ما تقدم ، لا يبين لنا ما هو المقصود بالالتزام ، أو تلك المعايير والقيم وكيف تنشأ وكيف تتطور، أو الحرية الفردية ولا حتى المعتقدات والسلوكيات ولماذا هي مقبولة ومشروعة وما هي القوى الظالمة أو قوى الجهل المادية وماذا يقصد بقوى الذكاء ولماذا المطلوب من المواطن ليكون مواطنا أن ينصاع لها .. فهذه مجرد مصطلحات عائمة وغائمة وتحتمل كل تأويل ..
يختلف سعادة مع دوركهايم في مصطلح ” النظام الاجتماعي ” ومستتبعاته ـ المعايير والقيم .. ـ من حيث المفهوم ومن جهة ما يتشكل منه هذا النظام يقول سعادة :” فالنّظام الاجتماعيّ هو دائماً حاصل تفاعل الإنسان والطّبيعة أو البيئة بطريقة معيّنة أو منبعث منه وموافق له.. ، فكما أنّ التّطوّر الإنسانيّ، نشوءاً وارتقاءً، كان وفاقاً لمقتضيات تطوّرات الطّبيعة والبيئة، أي إنّه تطوّر محتّم بالاختيار الطّبيعيّ لا مفضّل بالاختيار العقليّ، كذلك التّطور الاجتماعيّ، نشوءاً وارتقاءً هو وفاق لتطوّر التّفاعل بين الإنسان والبيئة بدافع الحاجة المادّية. فإذا كان العقل نتيجة تطوّرات الدّماغ الفيزيائيّة، فالعقليّة الاجتماعيّة نتيجة تطوّرات التّفاعل الماديّ لتأمين الحياة الاجتماعيّة.. وأنه إذا كانت الرّابطة الاقتصاديّة أساس الرّابطة الاجتماعيّة البشريّة، فالعمل ونظامه التعاونيّ مصدر نظام الاجتماع.. أنّ النّظام الاجتماعيّ ابتدأ من مرتبة الشيّوعيّة في نظام العشيرة الدّمويّ..(وعند الهنود الحمر) في النّظام الاجتماعيّ الّذي يحدّد جميع العلاقات بالعرف والعادة ولا نرى إقامة ثابتة وبداءة عمران.. وترقية النّظام الاجتماعيّ إلى ما يزيد عن إمارة القبيلة وتعيين العلاقات بين السّادة والعبيد أو إقرار هذه العلاقات على الحالة التي توجد فيها.. في طور الثّقافة الزّراعيّة الصّناعيّة القائمة بأود المجتمع عن طريق العائلة والتّملّك الشّخصيّ نجد نموّاً في النّظام الاجتماعيّ الاقتصاديّ القائم على طبقات ثلاث: الأشراف، الصّنّاع الأحرار، العبيد.. . ” حيث” تظلّ القرابة الدّمويّة الفاعل الأقوى في النّظام الاجتماعيّ الاقتصاديّ..” هكذا هو النظام الاجتماعي، بناء اجتماعي يعكس ما توصل اليه المجتمع من مرتبة ثقافية في ترتيب وتنظيم شؤون حياته .. فالنظام الاجتماعي ليس مجرد معايير وقيم وسلوكيات مقبولة أو مشروعة بقدر ما هو بناء ثقافي له مواصفاته وخصائصه على مستوى التقدم والرقي من حيث مدى الحرية التي يطلق لها العنان لتفسح المجال رحبا لكل تطور وتقدم ورقي ، أو يحد ويحول دون ما تقدم، وهكذا تختلف الأمم بأنظمتها المجتمعية المستمدة أساسا من وحدة الحياة فيها والاشتراك في النظرة الى الحياة والكون والفن ، التي يعكسها بشكل مباشر النظام الاجتماعي القائم.
ويبقى الاختلاف قائما بين القومية الاجتماعية والوظيفية في نظرة الأخيرة للدين من حيث هو اعتقاد أو معتقد يوحد المجتمع أو ما تطلق عليه عبارة “الأشكال الأساسية للحياة الدينية ” ومثالها في ذلك “شعب “الأبوريجين القائم في استراليا ومنه وفق التعبير الوظيفي سلالة الأورنتا حيث الطوطم هو ” شعار القبيلة ، فهو رمز لهذه الشعوب داخل مجتمعهم والذين لا يعيش معه أفراد هذه الشعوب ولكنهم يحسون بالانتماء كأقربائهم ، فهم أفراد يجب مساعدتهم ودعمهم عند الضرورة ومن خلال الطوطم ، الذي يمثل رمز المجموعة فإن افراد المجموعة يشعرون بالانتماء تجاه بعضهم كما يشعرون بوجودهم ..هكذا تكون وظيفة الطوطم هي توحيد للأفراد داخل نظامهم الاجتماعي وذلك من خلال توحيد أجزائه معا وتحديدها والحفاظ عليه كوحدة واحدة .. فالطوطم يبقى في هذه الحال وسيلة للتضامن والتماسك بغض النظر عما يعنيه أو يفرضه من طقوس ..” الدين ، أيا كان ، من حيث هو معتقد ، لا يختلف عن الطوطم “الأورنتي” يجب أن يكون وسيلة للتضامن والتماسك الاجتماعي ، هذه النظرة الساذجة والبدائية للدين ” كفلسفة اجتماعية ” وفق سعادة ، لا تعني شيئا لنظام اجتماعي تتوزعه أديانٌ مختلفة في الطقس وفي مطلقية المعنى المقدس للمعتقد الديني ، بحيث يستعدي متَّبعي هذا الطقس أو هذا المطلق المقدس الآخر تلقائيا، حتى ولولم يُشرْ الى ضرورة ذلك ، لكنه من حيث التأويل والاجتهاد يعني ذلك بالمطلق ..ما تهتم به الوظيفية من الشأن الديني أنه كمعتقد يبقى موحدا لا مُجزئا للوحدة الاجتماعية ، ومهما يكن من أمر العلمانية والالحاد والقانون المدني وحتى تلك المناسبات العامةـ كالأعياد الوطنية والقومية والأعياد العالمية ، الأول من أيار ، عيد الأم ،.. ـ التي ليس لها علاقة بالإيمان أو بما وراء الطبيعة ، فإن الوظيفية تعتبر كل ما تقدم يدخل في معنى الدين طالما أنه معتقد جامع .. يبقى أن نشير الى افتقار الوظيفية لأية رؤية اقتصادية ، رغم محاولات واحدا من رجالاتها تسديد هذا النقص” مالينوفسكي ” عبر مثال ” الكولا ” الذي يبقى في جوهره لا يمت للاقتصاد بصلة ” تعمل لتصبح غنيّا ومن ثم توزع مالك هبات لتصبح كريما “.
(1) ـ يمكن للمدقق العودة لما قيل في موضوعي “الدولة ـ المتحد” و”الدولة ـ الأمة ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدين كــ(فلسفة اجتماعية )، وفق سعادة ، وفي مجتمع تتوزعه أديان مختلفة ، لا يمكن أن يكون جامعا ، بل على العكس من ذلك ، سيكون بكل تأكيد ، مجزئا للوحدة الاجتماعية ، خاصة وأنه يحمل في ذاته تناقضه مع الأديان الأخرى ، والذي يجعله دينا متمايزا عن الأديان الأخرى وإلا لما كان دينا ، بقدر ما كان مذهبا من مذاهب الأديان الأخرى ،يضاف الى ذلك الرؤية الماورائية المستقلة للدين ، وتلك الزمنية التي تستهدف الدولة بدستورها وقوانينها وأنظمتها مسخرة إياها لخدمة الدين حيث ” لا قيام للدين إلا بقيام دولته ” وفق ما ذهب اليه ” محمد عبدو وجمال الدين الأفغاتي ” أو الوهابية التي نادى بها ” محمد بن عبد الوهاب ” أو تلك التي اجتهد فيها ” ابن تيمية “أو المذاهب الأخرى المحمدية منها والمسيحية ، هي بيت القصيد الذي حاول سعادة في كتابه ” الاسلام في رسالتيه” درء خطرها عن مجتمعه ، وفي محاضراته العشر حيث مبدئه الاصلاحي القائل :” فصل الدين عن الدولة ” و” ازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب ” و” منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين ” ذلك أنه في حال كالتي نوهنا عنها ، لا يمكن للدين أن يكون كمعتقد ، معتقدا جامعا ، إلا في إطار الآخذين بواحدٍ من مذاهبه أو اتجاهاته الفلسفية منها والزمنية ، وفي حال كهذه يبدو الدين مجزئا أيضا حتى “للملة” الواحدة كالمارونية مقابل الأرثوذكسية أو هذه مقابل الكاثوليكية وهذه أيضا مقابل البروتستانتية.. ، خاصة وأن الدين بطبعه أممي النزعة ووراثي بالدرجة الأولى حيث تُلَقَنُ رؤاه منذ الطفولة و التي لا انفكاك من مؤثراتها على مدى الحياة .
هذا ما يمكن ملاحظته في كتابات ماكس فيبر وتحديدا في كتابه ” الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية ” والذي أسهب فيه كيف أن هذه الأخلاق كانت وراء نشؤ الرأسمالية والتي إليها يعود ما نشهده من رقي وتقدم ، حتى أن ماكس فيبر البروتستانتي راح يفاضل بين هذه والكاثوليكية متهما الأخيرة بإعاقة التقدم الذي تكتنز ملامحه “الكاليفانية ” مفاضلا أيضا بينها وبين البروتستانتية (1) وبين مختلف المذاهب التي تفرعت عنها وفق مبدأ / تكييف الدين وفق متطلبات حياة الأمم وميراثها الثقافي / الذي نراه متغلغلا في مختلف المذاهب الدينية أياً كانت ،
فيبر ، في كتابه المنوه عنه ، لا يتناول اليهودية أو المحمدية أو حتى الأرثوذكسية ، فقط الكاثوليكية بمشتقاتها ويبني عليها مختلف ما جاء في ” الأخلاق البروتستانتية وروح الرسمالية “، بخلاف سعادة الذي تناول الأديان الأكثر انتشارا في العالم ، محاولا التوفيق بينها بما يضمن مصلحة أمته التي كانت مصدرها .. بينما حاول فيبر الاجابة عن تساؤل وفق “ريمون أرون ” (1): ” . إلى أي مدى تؤثر التصورات الدينية عن العالم والوجود في السلوك الاقتصادي؟ ” مقررا وفق “ريمون أرون ” أيضا :” 1- أن سلوك الأفراد في مختلف المجتمعات يفهم في إطار تصورهم العام للوجود وتعتبر المعتقدات الدينية وتفسيرها إحدى هذه التصورات للعالم والتي تؤثر في سلوك الأفراد والجماعات بما في ذلك السلوك الاقتصادي. 2- إن التصورات الدينية هي بالفعل إحدى محددات السلوك الاقتصادي ومن ثم فهي تعد من أسباب تغير هذا السلوك.” هذه المسألة لم يتناولها سعادة لأسباب شتى أبرزها بل وأهمها كما يقول :” إن سورية تحيا اليوم ليس في القرن العشرين في حالتنا الحاضرة، إنها تحيا في القرون المتوسطة، فالنظام الاقتصادي فيها لا يزال نظام القرون المتوسطة..” لقد تناول سعادة في كتابه ” الاسلام في رسالته ” في مقابل فيبر وكتابه” الأخلاق البروتستانتية ..” ما تعاني منه أمته من انقسام مذهبي ، طائفي ، مللي .. وما قد يستتبع ذلك من انقسام وتجزئة وتشتت يقول :” إننا في الحزب قد بطل أن نكون محمديين أو مسيحيين، أو دروزاً، وصرنا سوريين قوميين اجتماعيين فقط في كل ما يعني الاجتماع والسياسة، وترك الحزب في مبادئه حرية الاعتقاد الفردي الديني لكل عضو فيه ولكل عضو في الدولة القومية الاجتماعية.”
يبقى السؤال الذي يحكم مختلف التراث الفيبري هو :” : لماذا ظهرت الحداثة العلمية والتكنولوجية والبيروقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية فقط؟ بمعنى آخر: لماذا تطورت العقلانية في هذه المنطقة من العالم أكثر مما حصل في سواها؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن الحداثة تعني عقلنة العالم: أي دراسة العالم بشكل علمي، موضوعي، عقلاني لا بشكل غيبي، ميتافيزيقي، خرافي. هنا يكمن الفرق بين مجتمعات الحداثة والمجتمعات التقليدية. فهذه الأخيرة تسيطر عليها الرؤيا القديمة المليئة بالخرافات والمعجزات والأساطير. ثم جاءت الحداثة فتبخرت كل هذه الأساطير والخرافات وتم نزع السحر عن العالم وبدا العالم على حقيقته المادية والفيزيائية والبيولوجية” بينما بقي السؤال الرئيس عند سعادة :” ما الذي جلب على أمتي هذا الويل؟” والفرق بيِّن بين السؤالين من حيث المستوى الذي جاءت به كل من الفيبرية والقومية الاجتماعية ، ففي كتابيه ” مفاهيم أساسية في علم الاجتماع ” و” الاقتصاد والمجتمع ” أطلق فيبر لنفسه العنان لتمجيد النزعة الفردية باعتبار الفرد مقياس الحقيقة ، وإن تكن غير الكاملة أو أن الحقيقة تبقى أشمل حتى مما قد يكتشفه الفرد منها ، يرد سعادة على ذلك قائلا أنه إذا كان الفرد مقياس الحقيقة ، فلن تكون هناك حقيقة بل حقائق عددها عدد الأفراد ، فالحقيقة من حيث هي وجود ومعرفة لا يمكن تجزئتها لعدد لا متناه من الجزئيات الفردية ،خاصة اذا ما كانت الحقائق تُعنى بحياة الأمم ، وعليه يصب سعادة جام غضبه على النزعة الفردية محذرا منها ومن مضارها على حياة الأمم ، مناهضا ما جاء به فيبر الذي أخذ الوجه الحضاري من الفردية والتي هي وفق سعادة تحمل في طياتها كل ما هو تقدمي حيث ” العوامل الفاصلة في التاريخ هي العوامل النفسية والفردية “، فيبر يأخذ هذه الوجهة ويبني عليها فلسفته الاجتماعية، يقول :” الفعل الاجتماعي ـ بالتعريف الفيبري ـ ” صورة للسلوك الإنساني الذي يشتمل على الإتجاه الداخلي أو الخارجي الذي يكون معبراً عنه بواسطة الفعل أو الإحجام عن الفعل، إنه يكون الفعل عندما يخصص الفرد معنى ذاتياً معيناً لسلوكه، والفعل يصبح اجتماعياً عندما يرتبط المعنى الذاتي المعطي لهذا الفعل بواسطة الفرد بسلوك الأفراد الآخرين ويكون موجهاً نحو سلوكهم.” وعليه ، فلا بدَّ لفهم السلوك الاجتماعي أو الظواهر الاجتماعية على مستويين الأول على مستوى المعنى للأفراد أنفسهم والثاني على المستوى الجمعي ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة. يتضح أن فيبر أعطى لمفهوم الفعل الاجتماعي معنى واسعاً كل السعة بوصفه الموضوع الأساسي للبحث السوسيولوجي من وجهة نظره فلقد ضمنه كافة أنواع السلوك ما دام الفاعل يخلع عليه معنى. والمعنى هنا ، كما أوضحه ” ريمون أرون ” السلوك في ضوء الغرض والمرمى الذي يسعى إلى تحقيقه الفاعل.” وبالتالي فلا بدَّ من “فهم المعنى الذي يخلعه الإنسان على سلوكه وهذا المعنى الذاتي بالطبع هو المعيار الذي على أساسه يمكن تصنيف الأفعال الإنسانية توطئة لفهم بناء السلوك، “وهذا ما دفع فيبر لتنميط الفعل كما سبق ونوهنا عنه في تناولنا لأعمال ماكس فيبر ، لذا كانت . “العلاقة الاجتماعية عند ويبر تعني تبادل الأفعال بين الأفراد على أساس فهم كل منهم للمعاني التي يضيفها كل فرد على سلوكه” هذا الفهم الفيبري للفردية يناقض فهم سعادة لها ، ذلك أن سعادة يعتبر أن الفردية شيء يتناقض والمجتمعية من حيث أن المصلحة هي كل ما يولد عملا اجتماعيا وفي هذا السياق تبدو الفردية متعارضة والمصلحة المجتمعية يقول :” من الأول رأينا أن النزعة الفردية والرأي النفعي الفردي الشخصي هما مرض من أعظم الأمراض، وصعوبة من أعظم الصعوبات الداخلية التي يجب أن نتغلب عليها لنواجه العالم الخارجي كوحدة متينة وإرادة واحدة.. الشخصية الفردية المنافية لنفسية الأمة وشخصيتها وارتقائها.. القضية هي قضية كل المجتمع لا قضية الفرد، لكل فرد منهم قضية تختلف عن قضية الفرد أو الأفراد الآخرين. القضية هي حياة المجتمع وقضية مصير المجتمع. قضية ارتقاء المجموع أو انحطاط المجموع قضية جمال حياة المجتمع لا قضية جمال حياة الفرد..يوجد بعض المجتمعات في العالم لم يمكن أن تصل إلى هذه النقطة من التفكير. وبالنظر لحالة نجاح أو لحالة استقرار واطمئنان وبحبوحة في حياتها، يوجد من يظن أن عدم وصولها لها، ــ إلى هذه النقطة ــ هو الفاعل الرئيسي في نجاحها في حياتها … إن هذه النظرة هي نظرة خاطئة لأنها لا تشبه نظرة شعوب أخرى شددت على الناحية الفردية من الأمور أو لم تجد ما يدفعها على وجوب التشديد على الناحية الاجتماعية، على الناحية المجموعية.. إذا أخذنا أميركانية مثلاً نجد أن الأميركان مولعون ولعاً شديداً بالتكلم عن الشخصية الفردية والشعور الفردي وسائر شؤون الفرد. والبعض منا وأعني بهذا البعض الذين لم يدرسوا أسباب الأشياء يظنون أن هذا منتهى درجات الرقي في التمدن والنظرة الاجتماعية الإنسانية.. ولكن الواقع هو غير هذا. الواقع هو أن الأميركان لم يكونوا قد وصلوا، ولست أدري بالتدقيق إذا كانوا قد وصلوا إلى هذه الدرجة التي أشرت إليها في مقدمة “نشوء الأمم” ــ درجة الوعي للشخصية الاجتماعية. إنهم شعروا مرة واحدة فقط بنظرة الجماعة وبفرق المجتمع والجماعة. تلك كانت في الوقت الذي احتاج الأميركان إلى إعلان الثورة على “المتروبول”.
بعد أن حققت تلك الثورة ما حققت لم يعد الأميركان يشعرون بنظرة المجموع، بنظرة المجتمع، إلى الكون والحياة لأن أميركانية بعد استقلالها وجدت نفسها جسماً عظيماً جداً كبيراً هائلاً بثروته المادية بغناه، بالحديد بالفحم بالزيوت بالحبوب بالماشية بكل ما يحتاج إليه الإنسان. وهي مع هذا الغنى على بعد كبير عن أي مجموع آخر يمكن أن يكون عدواً مزاحماً على الخيرات والبلاد.. كان بعدهم وعظم جثة الوطن الأميركاني من عوامل الاطمئنان مع السعة الداخلية في البلاد، فانصرف الناس إلى الشؤون الداخلية، إلى مسائل التفاعل الداخلية، إلى المصالح الجزئية الداخلية التي بررت وتبرر نظرة الأميركان إلى الكون والفن. لم توجد الولايات المتحدة بحاجة إلى مجهود روحي لكي تصبح عظيمة، لذلك نجد، حتى حروبها، فاقدة المعنى الروحي العظيم ونرى أن دخولها حرب 1914 ــ 1918 كان من باب الدفلوماسية. في الحرب الأخيرة لم نجد مبدأ واحداً اقتصادياً ــ روحياً أو غير ذلك فاعلاً من الناحية الأميركانية يحتاج إليه العالم وتحتاج إليه الإنسانية في سيرها. أما الديمقراطية التي ناضلت أميركانية لأجلها، ليست مبدأ أميركانياً ولم تضف أميركانية إليه شيئاً من ذاتيتها غير هذا التراخي. وهنا في ما يسمونه “الأميركان كوميونتي” نجد أمثالاً كثيرة من التراخي الأميركاني البديع الذي أصاب مرضه بعض المشتغلين معهم أو المتعلمين عندهم أو الأساتذة المشتغلين معهم. أما نحن فمجتمعنا هو غير المجتمع الأميركاني، لذلك وجب أن تكون نظرتنا وجهادنا في نفسنا من أصل الأغراض الأساسية الكبرى التي تتم بواسطة نفسنا. في الكلام على هذين المبدأين، خصوصاً على المبدأ السابع تناولت نواحي نفسية وسياسية. ومن النقاط الأخيرة الهامة التي تناولتها كانت نقطة النظرة الفردية والنظرة المجموعية أو الجماعية وهذه الأخيرة هي وجهة نظرنا نحن. وضربت مثلاً على الأسباب التي تحمل مجتمعات معينة على الأخذ بوجهة نظر أخرى، مما يحمل البعض من غير الدارسين والمنقبين على الظن، أننا نحن هم المتأخرون في طريقة التفكير عما وصلت إليه بعض المجتمعات الراقية وبينت أن المسألة بالعكس تقريباً. ضربت مثلاً أميركانية أو الولايات المتحدة الأميركية من حيث النظرة الفردية إلى الحياة فيما يختص بعلاقة الفرد بالمجتمع وأبنت أن الأسباب التي تحمل مجتمعاً كمجتمع أميركانية على الأخذ بوجهة نظر من هذا النوع هي أسباب ضخامة وكبر أرض الولايات المتحدة الأميركية، الغنية بمواردها الطبيعية من معادن وحبوب وماشية إلى آخره. ومن جهة أخرى بعد تلك الأرض عن أراض متاخمة تقطنها شعوب عدوة للشعب الأميركاني. فكبر البلاد وغناها وبعدها عن أن تكون محاطة بأعداء تحتاج إلى تضامن وثيق للدفاع عن نفسها، جعل طابع الحياة في الولايات المتحدة الأميركية طابع التراخي المجموعي الذي يظهر في هذه النظرة الفردية أو الإفرادية إلى الحياة..” هذا على المستوى الاجتماعي ، أما على المستوى الاقتصادي فسعادة يرى ـ وفق الحال التي عليها أمته أن ” أن هذه الحالة( الاقطاع ) تمثل تأخراً عظيماً من الوجهة الاقتصادية بالمعنى القومي، لأنها تضع مساحات واسعة من الأرض في أيد فردية غير شاعرة بالمصلحة القومية والترابط القومي الاقتصادي، يتصرف الفرد بهذه المساحات من الأرض وفاقاً لنظرة فردية محض، بصرف النظر عن أي فكرة اجتماعية أو معنى أساسي عام.ومن هنا ينشأ إجحاف للبلاد وإجحاف بفئات من الناس تعمل في الأرض تحت سيطرة وسلطة مطلقة من الإقطاعي الذي، وإن لم يكن معترفاً به إقطاعياً قانونياً، فإن الامتيازات التي يتمتع بها تجاه الحكومة وتجاه الشعب تجعله ذا سلطة مطلقة يتصرف بالناس في إقطاعه تصرف المالك في ملكه أو السيد في عبيده..”يضيف قائلا : ” يضع هذا المبدأ( يقصد تنظيم الاقتصاد على أساس الانتاج ) حداً للتصرف الفردي المطلق في العمل والإنتاج، الذي يجلب أضراراً اجتماعية كبيرة، لأنه ما من عمل أو إنتاج في المجتمع إلا وهو عمل أو إنتاج مشترك أو تعاوني”.ولا يكتفي سعادة في المثال الأمريكاني على ما تحمله النظرة الفردية من مساوئ ، بل يضرب مثالا آخر هو فرنسا ، يقول :” قد يخطر للبعض أن فرنسة مثلاً، تقرب مثلاً آخر من أمثلة الفردية إلى الحياة، وهذا صحيح. ومثل فرنسة يأتي مثلاً آخر لتأييد وجهة نظرنا في الموضوع. إن فرنسة قد خسرت حربين متتاليتين. وأنا أقول إن تدهور فرنسة من النظرة الفردية إلى الحياة، والنظرة الفردية إلى الحياة هي المسؤول الأول والأوحد عن انكسارها التام وانسحاقها في حربين عظيمتين. إن التراخي الفردي وفقدان الوجدان المجموعي المتين والاتجاه الموحد في الحياة الذي يجمع وحدة الأمة في إرادة واحدة واتجاه واحد هو المسؤول عن عدم تمكن فرنسة من الثبات والنهوض إلى حياة جديدة بعد الانكسار في حربين متتاليتين.ولو ذهبنا ندرس مظاهر التطور النفسي في فرنسة في أواسط الحرب العظمى الأخيرة لوجدنا حالة انحلال غريب في الأمة الفرنسية، ثم لوجدنا كيف تحاول أن تكتشف مبدأ أو نظرة جديدة تنقذها من حالة التضعضع التي وصلت إليها بعامل النظرة الفردية التي تسلطت مدة طويلة من الزمن.بعد الهدنة مع ألمانية وقيام حكومة فيشي، بدأ الفرنسيون يبحثون عن مبادئ أو نظرات في الحياة جديدة يمكن أن ترفع المجموع الفرنسي إلى مرتبة أمة ناهضة مستعيدة لحيويتها، ولكن ذلك كان عبثاً..” المثال الأكثر وضوحا حول النزعة أو النظرة الفردية يطرحها سعادة عن حال أمته يقول:” الفردية، خصوصاً في بلاد كبلادنا، لم تكن لها تربية قومية ولا وعي قومي ولم تتمكن أن توقظ شيئاً قومياً لا في طلبة المدارس ولا في فئة ولا في مجموع. ينشأ الفرد منا في حالة من هذا النوع غير شاعر إلا بمسائل وقضايا محدودة تختص بدائرته هو، مصيره هو، مهما كان مصير مجموع الأمة، مجموع الدولة أو الجماعة الكبرى.. فالرسمال الفردي الآخذ في أن يزداد أمام أعيننا في هذه البلاد ويسيطر على مصير هذه البلاد والشعب، هو من أسوأ حالات الرساميل في العالم على الإطلاق. وطبعاً لكي يمكن أن ننظر في حالة العمل والعمال والرسمال يجب أن نصل إلى الطور الصناعي وإنّا بدون شك نرى أنه لا بد للدولة القومية المقبلة من أن تسير في إيجاد حالة صناعية في هذه البلاد تخرج الأمة من حالة الرق للنظام الرسمالي القائم على الصناعة الكبرى في الأمم الكبيرة المتقدمة. إن الأمة التي تبقى في حالة زراعية محض تبقى حتماً مستعبدة للأمة التي هي منظمة صناعياً، تنظيماً عالياً يمكنها من إحداث الآلات الصناعية والحربية لإخضاع أي شعب لا يخضع لأحكامها الاستبدادية.. من هذا يعني أننا لا نرمي إلى إبادة الملكية الشخصية كملكية عملية ولا إلى أخذ الرسمال من أيدي الأفراد رأساً ونزع حق التصرف من أيديهم، ولكن يعني أن الأفراد الذي يتصرفون الآن بالرسمال تصرفاً فردياً يتصرفون به تحت إشراف الدولة لضبطه وتوفيقه لأنهم مبدئياً مؤتمنون عليه ائتماناً من قبل المجتمع يبقي لهم قوة الاستنباط والتفنن لإنتاج ما يشعرون بأنفسهم الكفاية لإنتاجه، ويتصرفون بحرية ضمن شروط تضعها الدولة. ولكن يكون من حق الدولة أن تنظم للأفراد وتحدد لهم وتسن القوانين اللازمة لضبط الإنتاج وتقسيم العمل وتوزيع الإنتاج الحاصل من العمل فلا يعود الرسمالي الفردي، من جهة حقوقية، حراً في أن يتصرف تجاه العمال وتجاه الذين يستأجرهم أو يستأجر منهم الأرض أو ما شاكل ويفعل ما تمليه مصلحته الفردية بصرف النظر عن مصالح المشتركين معه في الإنتاج والذين يجب أن يكون لهم حق في نصيب من الإنتاج.وهذا يعني أن الإقطاعات الكبيرة التي تظهر اليوم بمظهر ملك شخصي تحتاج إلى إعادة النظر من قبل الدولة فيها وإلى إعطائها اتجاهاً يحرر جماعة كبيرة من الناس ويعطيها المجال لتتحرر في نفوسها ولتعمل على أساس جديد يساعد على رفع مستوى حياتها والحصول على حياة أليق بالإنسان من الحياة التي يحياها اليوم. وهذا لا بد منه لأنه كما قلنا إن النظام الاقتصادي السيئ الذي يجعل مئات وألوفاً من الفلاحين في حالة من شظف العيش، في حالة من الجهل، في حالة من المرض والبؤس، لا يمكن لدولة عصرية من تثبيت نفسها في تنازع البقاء. إذا احتاجت الدولة إلى هؤلاء الألوف في حالة حرب مثلاً، وجدت أنها لا يمكنها أن تستند إليهم في الحرب فكيف تستند إلى رجل خمدت في نفسه عوامل الحياة وشوهته الأمراض وأقعده الذل ليكون بطلاً يحارب بكل قلبه وكل نفسه من أجل وطنه وأمته اللذين يجد فيهما تحقيقاً للحياة المثلى التي يريد ويطمئن أن يحياها.لذلك نحن لا نقول بالنقابات نظاماً ولكن نقول بالتصنيف الفني للإنتاج، والتصنيف الفني لا يعني النقابات المحاربة لتصل إلى حقوقها، بل يعني إيجاد الأسس الصحيحة التي يصير فيها التوزيع مع حفظ نظر الدولة في المسائل الأساسية. لأنه لا يمكن أن نعني إلغاء الرسمال بالمرة، لا يمكن إلغاء الرسمال كرسمال بالمعنى الجاري، لا يمكن تعطيل الرسمال دون تعطيل المجتمع.إن الرسمال يمكن أن يتحول من حالة إلى حالة ولا يجوز أن يلغى أبداً. وإذا منع التصرف بالرسمال الفردي، فلا يعني ذلك منع الرسمال بل منع الاستبداد بالرسمال من قبل فرد ضد مصلحة المجموع. والأمة الناهضة لا يمكن أن تفكر أبداً بمسألة جنونية كإلغاء الرسمال مثلاً، إن الرسمال ضمان وفي حالة اقتصاد لا قومي لا يلام الرسمال الفردي إذا طلب المزيد من رسماله لأن ليس له العلم بما يحاربه به الزمن. الضمانة الوحيدة للرسمال الفردي هي أن يزداد ويزداد للنهاية. الرسمالي الفردي لا يدري ما يحدث إذا نشبت حرب غداً أو اعتداء من أمة من الأمم يصدر إليها، أو أصدرت تلك الأمة قوانين منعت ما كان يصدره. إنه يحتاج إلى ضمانة من رسماله يواجه بها الأحداث التي لا يعلم متى وبأية كيفية تأتي.
وكذلك الأمة في نضالها وحياتها لا ينتظر أن تستغني عن المحشود الحاصل بمعنى رسمال في أية طريقة من الطرق، في حالة تحتاج فيها كل أمة إلى النظر وإلى الاحتياط للأحداث الأنترنسيونية التي يمكن أن تحدث لها بين لحظة وأخرى، خصوصاً في عصر ارتقت فيه الضربات وارتقت فيه المبادئ، كمبدأ الهجوم الدفاعي مثلاً: نحن نخشى هجوم أمة علينا فنهاجمها من غير سابق إنذار. كالحالة التي نشأت في الحرب. وكالحالة التي حدثت في الحرب الأخيرة، حالة اللامحاربة التي لا يقصد بها الحياد بل التوقف عن الحرب مؤقتاً. وقواعد كثيرة تزداد تراكماً كلما ازدادت البشرية اختباراً.
إن سوء الحالة الاقتصادية ليس من الآلة بل من النظام السيئ تنمّيه النظرة الفردية اللامسؤولة عن المصير القومي في استخدام الآلة الحديثة.

في ختام هذا البحث ، لا بد لنا من تقديم الخلاصة التي جاء عنوانه تمهيدا لها / دراسة في فلسفة أنطون سعادة الاجتماعية ـ المدرحية / من التعريف بالفلسفة القومية الاجتماعية ـ المدرحية :

1 ـ القومية الاجتماعية ـ المدرحية تعريفا هي:

فلسفة اجتماعية تدرس الانسان نشؤاً وارتقاءً ، عوامل وأسباب ونتائج “

2 ـ المقولات المدرحية : ، تبدأ بمقولة / المادة تعين الشكل/ ومنها تُشتق مقولة/ الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية/ والتي عليها تقوم مقولة / الواقع الاجتماعي/ الذي هو الأمة، وعلى هذا الواقع الاجتماعي، تقوم مقولة / المرتبة الثقافية/ والتي تُشتق منها / مقولة / أن الاقتصاد لا يعني حقيقة سوى سد الحاجة بأقل جهد وزمن وأكبر انتاج/ ومقولة الانسان ـ المجتمع / الدولة والتي تقوم عليها مقولة/ نسبية القيم/ بين المجتمعات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ انتهى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ريمون أرون ، هو من قام بجمع شتات التراث الفيبري بعد وفاة الأخير وأضاف الكثير عليه وفق ما فهمه من هذا التراث.
(2) ـ البروتستانتية ، مذهب أنشأه ” مارتن لوثر ” الألماني في مرحلة النزاع مع السلطة البابوية في رومة ، وهو مذهب يعكس كيف أن الاجتهاد الديني ما هو إلا محاولة لتكييف الدين وفق متطلبات الحياة أمة من الأمم ..
اجتهاد
في مصطلح
“الاقتصاد القومي الاجتماعي ”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يحاول هذا البحث التعريف بمدلولات مصطلح ” الاقتصاد القومي الاجتماعي ” وفق طروحات أنطون سعادة العامة والخاصة ، في محاولة للإجابة على جملة من تساؤلات تتعلق بالمناط بهذا الاقتصاد آنياً ومرحلياً ومستقبلياً ، في عالم يلعب فيه الاقتصاد الدور الأبرز في تحديد سياسات الدول على اختلافها ،وفي أجواء ما تعانيه الأمة السورية من إشكالات مصيرية تهدد وجودها في محاولتها النهوض من تحت ركام تاريخ استعماري واكبها على مدى يزيد على الألفي عام .
بداية ، علينا الإقرار بأن سعادة ليس بعالم اقتصاد بقدر ما هو باحثٌ في علم الاجتماع يحاول ايجاد دورٍ لأمته بين الأمم ، بما يعني أنه يرى الاقتصاد شأناً ـ على أهميته ـ لا يختلف عن الشؤون الأخرى المتعلقة بما تعنيه له الأمة ، أي أنه اقتصادٌ قومي بالدرجة الأولى ، ومن حيث هو كذلك ، فهو اقتصاد اجتماعي ، بمعنى أنه خاضعٌ بكليته لمتطلبات المجتمع المعني بتأمين احتياجاته .
لم يضع سعادة نظرية اقتصادية ، كما أنه لم يبحث في الاقتصاد كعلم يهتم / بفن إدارة الموارد المحدودة لسد احتياجات غير محدودة / أو في النشاط الاقتصادي، الذي يشتمل على جميع تصرفات الأفراد، التي تتصل بكل من الإنتاج و التوزيع و الاستهلاك والتبادل، وما يتفرع عنها من ظواهر اقتصادية مثل التنمية والدخل والادخار والاستثمار والتضخم والدورات الاقتصادية والبطالة وغيرها.
كذلك لم يقدم سعادة بحثا في تاريخ الفكر الاقتصادي كفرع من فروع علم الاقتصاد، والذي يهتم بدراسة التطورات التي حدثت في علم الاقتصاد، وجعلته على ما هو عليه الآن، خصوصًا في النظرية الاقتصادية بشقيها الجزئي والكلي، بالإضافة إلى إن هذا الجزء يدرس الأفكار التي قدمها علماء الاقتصاد عبر الزمن..
لم يضع سعادة ، على سبيل المثال، بحثا على نحو ما ذهب إليه “أدم سيمث ” في كتابه “ثروة الأمم ” أو “جون كينز ” في كتابه الشهير «النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود» أيضا كتاب «الآثار الاقتصادية للسلام» أو كارل ماركس في كتابه الضخم والشهير / رأس المال / أو ” ميلتون فريدمان ” في كتابه «الرأسمالية والحرية»، أو ” ديفد ريكاردو ” صاحب نظرية قانون الميزة النسبية ، أو في مجمل أبحاثه في الحلول للمشكلات المطروحة في عصره مثل التضخم وانخفاض قيمة العملة الورقية وارتفاع أسعار الذهب ، والتي لخصها في كتابه اليتيم «مبادئ الإقتصاد السياسي والضرائب»
ولسعادة مبرراته في هدا المجال ، فالأمة التي تنكب القيام بمهمة نهوضها ، كانت ـ ولم تزل ـ على سوية من التخلف ينعدم فيها أي مجال للبحث في موضوع لا تمت إليه بصلة، وتحديدا في النصف الأول من القرن العشرين ، حيث الحالة الزراعية التي وجدت عليها لم تكن تسمح حتى مجرد النظر فيها ، فهي حالة ركود وتواكل خاضع بكليته لإقطاعي لا يفقه سوى درجة دنيا متخلفة من مصلحته الفردية تقوده في ذلك عادات وتقاليد ومفاهيم ليس لها علاقة بكيفية تطوير اقطاعيته على الأقل ، كان وارثا لمختلف مفاهيم السلطنة العثمانية (الرجل المريض ـ وفي هذا التوصيف ، دلالة على الحالة التي كانت عليها حال الأمة ) ولم تكن الآلة قد دخلت مجالات الانتاج بشكل فعلي حيث كانت ما تزال آلة بدائية على نحو ” النول والمحراث ..” وعلى نحو ما كانت مفاهيم الاقطاعي وآلته ، كانت العلاقات التجارية مجرد علاقات مقايضة لم تدخل بعد سوق التعاملات ، حتى النقد كان ما يزال على حاله المتخلفة ، ” النقد الذهبي ـ الليرة العثمنلي ” ولم تكن قد دخلت بعد العملة الورقية ، ولم تكن المصارف سوى رأس مال أجنبي يُوظف للإستثمار ..
في مجمل ما كتبه سعادة أو قاله أو نقل عنه ، لم يكن سوى مُقَيّم لما هو مطروح من نظريات ، لم يرَ فيها مخرجا للمأزق الذي وجد عليه أمته السورية ، بمعنى آخر ، يبدي سعادة اهتمامه بما يتعلق بالاقتصاد من وجهة نظر معيارية ، أما القول بأنه صاحب نظرية في الاقتصاد ، فمحض افتراء من قبل من يدعون فهم ما تناوله سعادة في هذا الشأن ..
سعادة ، تناول الاقتصاد من وجهة نظر قومية اجتماعية ، وبما يُخْرِجُ أمته مما هي عليه من فساد على مختلف الأصعدة ، معتبرا أن ” الاقتصاد مفتاح القضية كلها” ، لذا ، فنحن لا نطالع في ما طرحه سعادة سوى مبادئ وأهداف ، أما الوسائل والعلاقات الانتاجية على اختلافها ( وهي موضوع علم الاقتصاد ) فبقيت بمخزونه الفكري ، ريثما تتحقق وحدة أمته القومية والاجتماعية ، وهو مُحقٌ في ذلك ، لأنه لم يَشأ أن يسحب ما تعانيه أمته في عام1948 على مستقبلها ، على نحو ما ذهب اليه كارل ماركس ، حيث مقاربات الحال الاقتصادي الذي عايشه دفعت به لتصور ما يمكن أن يقود اليه مستقبلا ، وإن كان ماركس قد أصاب في كثير من رؤاه المستقبلية ، فإنه لم يأخذ بعين الاعتبار أن من يأتي بعده قادر على الخروج من المأزق الاقتصادي الذي نبه اليه ماركس ، خير مثال على ما تقدم هو المخرج الذي قدمه (كينز) لما سُميَ ب (الكساد الكبير ) الذي عانت منه الولايات المتحدة الأمريكية عا م 1929 ، وتاليا العالم ، والذي صبّ في مصلحتها أخيرا ، وفي ما تلى من أعوام ، كان النظام الرأسمالي أقدر على الصمود في مواجهة أزماته الدورية والمتكررة والمتلاحقة من الاتحاد السوفيتي الذي انهار مخلفا وراءه كوارث منتجه ” ديكتاتورية البروليتاريا ” وكانت قد سبقته الى ذلك الاشتراكية النازية في دكتاتورية الدولة ..
من هنا نجد سعادة يُنهي مبادئه وأهدافه بالقول : ” إن ما أعطي الآن هو قواعد عامة ومعلومات أساسية لا غنى عنها للتقدم بعد إلى النظر في أمور اختصاصية ” وعليه ، فسعادة ، يحدد في مجمل ما يقدمه في الشأن الاقتصادي ، جملة من المبادئ التي لا غنى عنها لبلوغ الأهداف التي حددتها رؤيته لما تعانيه أمته ، يقول : “العملية الاقتصادية، الاقتصاد كموضوع لأمة ولشعب لا يمكن أن ينظر إليه إلا بالمنظار القومي بمنظار المجتمع الموحد، الأمة التي هي وحدة جماعة ووحدة أرض، وحدة اقتصاد ..”وعليه يمكننا القول أن ما قدمه سعادة في هذا الشأن يمكن تصنيفه تحت عنوان / الاقتصاد القومي الاجتماعي / دون أية تفصيلات أو توضيحات من قبله ، أو كتابات في هذا الشأن وملحقاته ، وإن شئنا وضع سعادة في مجال علم الاقتصاد يمكننا القول بأنه صاحب نظرية “الاقتصاد القومي الاجتماعي” دون أية تفصيلات ، أو يمكننا القول ، أن سعادة دعا الى اقتصاد عالمي محوره الشأن القومي بما يفيد الشأن الاجتماعي في السياسات الاقتصادية الداخلية والخارجية للدول ، أيضا ، كعنوان ، دون أية تفصيلات ، قد تقحم سعادة في ما التبس على البعض فهمه ..
سعادة كباحث في علم الاجتماع ، قدم مقولة ( الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية ) منطلقا من مفهومه للقومية ، القائمة على الوحدة الطبيعية لأمته (البيئة ) من حيث أن مواصفات وخصائص البيئة ، وفق سعادة ، تنعكس على نفسية الشعب فيضحى على صورتها ومثالها ، وهو هنا، يعارض كارل ماركس في مقولته ( التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية ) من حيث هي المجتمع في مرحلة ما من مراحل تطوره ، مقدما الاجتماع على الاقتصاد باعتبار أن الأول سابق للثاني وأنه بوتقته التي لا قيام له بدونها ..
يُقدم سعادة ، مقولة أخرى ، هي الوجه المعياري لمقولته الأولى ، ونقصد ( الانسان ـ المجتمع ) والتي هي أعلى مراتب الوحدة الاجتماعية ، مقابل الطبقة التي قدمها ماركس على نحو ديكتاتورية البروليتاريا ، مقاربا ـ سعادة ـ في ذلك ” جان جاك روسو ” في كتابه ( العقد الاجتماعي ) مع بعض التمايز الذي يعود لتخصيص سعادة مقولته بالمجتمع القومي بينما يتحدث روسو عن (الدولة ـ المجتمع ) من الوجهة السياسية في كتابه الآنف الذكر ..
بين (دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية ) و( الانسان ـ المجتمع ) ـ ( الدولة)  تراوح رؤى سعادة الاقتصادية ، مبادئ وأهداف .
فالاقتصاد عند سعادة ، من حيث أنه قومي ، يعني أنه اقصاد يقوم بداية على مبدأ إلغاء التجزئة بحيث تتكامل دورة “الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية ” وتعود لسياقها التاريخي ، مما يعني ، أيضا ، أنه لا يمكن قيام اقتصاد قومي اجتماعي في كيانٍ بمعزل عن الكيانات الأخرى التي تتشكل منها أمته ، فواقع التجزئة يلغي التكامل بين جزئيات الاقتصاد ويحول دون استقلاليته مما يحول بالتالي دون اشباع احتياجات الأمة وتاليا أيضا دون كونه اقتصاداً اجتماعياً مستقلا ،
الاقتصاد القومي ، هو بالضرورة عند سعادة ، اجتماعي ، بمعنى أن غايته ليست اقتصادية بحتة ، إنما هي تأمين سد الحاجة الاجتماعية وهذه بدورها تخضع لمقاييس قيمية ـ معيارية ـ تتحدد من خلالها المرتبة الثقافية التي يجب أن يكون عليها المجتمع أو وفق مصطلحات سعادة ، “الانسان ـ المجتمع ” مما يعني بالضرورة ، أيضا ،وفق تصنيف سعادة للمراتب الثقافية للمجتمعات ، تناهي الجهد والزمن الى الحد الأدنى مقابل الحد الأقصى للإنتاج كما نوعيا ، مما يوفر لأبناء المجتمع حياةً تليق بهم ، وبما يضمن حق وجمال وخير حياتهم دون تمييز في الحقوق والواجبات ، والتي تخضع بدورها ، أيضاً ، لمقاييس الظرف الموضوعي الذي تمر به الأمة ، فتضيق الحقوق لحساب الواجبات في الظرف الطارئ لتأخذ سياقها العام في الظرف الاعتيادي ،بمعنى آخر ، تضيق الواجبات لحساب الحقوق ، بما يعني أيضا تناهي الوجبات لأدنى ما يمكن مقابل تناهي الحقوق لأقصى ما يمكن ، وهذه هي الحال المثالية لمقولة سعادة الفلسفية ” الانسان ـ المجتمع ” ـ “الدولة”
“الانسان ـ المجتمع ” ـ ” الدولة”  الذي أراد سعادة أن تبلغه أمته، هو المرتبة الثقافية المثلى التي يطمح لخدمتها الاقتصاد ، من حيث كونه الرابطة الاجتماعية الأولى التي يقوم عليها الاجتماع ، وهي المرتبة التي تلقي على الاقتصاد أعباء عليه القيام بها وتأمينها وفق مبدأ ” أقل جهد وزمن مقابل أقصى كم نوعي من الانتاج “، وبما يضمن مصلحة الأمة والدولة في توالد أجيالها ، فكما “الانسان ـ المجتمع” ـ ” الدولة”  ، هو المجتمع الذي تنتفي فيه الفوارق الطبقية والطائفية والعنصرية والعرقية والجنسية والثقافية.. الخ ،كذلك المجتمع بأجياله ،أي عدم تمايز جيل عن آخر ،فلا يحق لجيل ، مثلاً ، من أجيال الأمة أن يحتكر لمصلحته مصالح الأجيال التي لم تولد بعد ،
عند سعادة ” الدولة وجدت لتبقى ” بأي معنى أُخذت به ، ومن حيث هي دولة قومية ، مصلحة الدولة التي يتحدث عنها سعادة تبقى في استمراريتها في تأمين استمرارية مجتمعها القائمة على خدمته وتقدمه ورقيه ، دون ذلك أيُ معنى للدولة ليس له من مبرر ، الدولة القومية هي حكما عند سعادة ، دولة ديموقراطية ، الديموقراطية ليست ديموقراطية انتخابية ، أو صندوق اقتراع ، إنها نسق حياة ، طريقة واسلوب وكيفية تفكير ، إنها تربية ، نفسية ، نهج ، سلوك ، يومي ، تجد “الأنا ” ذاتها في ” النحن ” إنها بهذا المعنى تعبيرية ، تعبير عن المرتبة الثقافية التي بلغها المجتمع ، الأمة ، الدولة ، ديموقراطية تعبيرية ، التعبيرية هنا ، هي المسلكية العامة لمجموع الشعب ، الشعب هنا أيضا وأيضا ، ليس مجموعا عدديّاً ، إنه وحدة حياة ، بمعنى أنه يعي مهماته في مصلحة المجموع ، المصلحة الفردية هي مصلحة عابرة ،تتلاشى ” كتساقط أوراق الخريف ” يميز سعادة هنا بين المصلحة والمنفعة ، المصلحة مركبة ، عامة وفردية ، بينما تأتي المنفعة في حدود الفردية فقط ، الفردية هنا ، هي المنفعة على حساب المجموع القومي ، الرأسمال الفردي ، هو ملك عام ، لا يجوز التصرف به بما لا يتوافق والمصلحة العامة ، ذلك أن الافراد مؤتمنون عليه لا أكثر ولا أقل ، عند سعادة ، ما من انتاج إلاّ وهو انتاج جمعي ، مجتمعي ، من هنا كان على ” كل عضو في الدولة أن يكون منتجا بطريقة من الطرق ” بما يفيد انتفاء البطالة من المجتمع الذي أراد سعادة قيامه ، بمعنى آخر ، على الدولة مهمة توليد فرص عمل مكافئة لقوى الانتاج المنخرطة حديثا في سوق العمل ، ” أن يكون ” منتجا .. تعني انتفاء أية مبررات تقدمها الدولة او حكومتها لتحييد ، لتجميد ، لإبعاد ،لإهمال ، للتغاضي ، عن جزء ما ، كائن ما كان ، من الطاقة الانتاجية تحت أيٍّ مُسمى أو مبرر ، بما يعني، في الحال المعاكسة ، تقصيرا من الدولة تحاسب عليه ، قيمة الدولة ، عند سعادة ، بمدى قيامها بالموكل لها من مهام ، بالواجبات الملقاة على عاتقها ، ذلك أن مسؤولياتها ليست وظيفية بمعنى ما من المعاني ، هي انتاجية ويقاس نجاحها بمدى ما تنتجه وفق المقولة العامة للإنتاج ، أقل جهد و زمن ، الدولة عند سعادة مؤسسة انتاجية ، لا وظيفية استهلاكية ، لا يمكن للدولة أن تكون عبئاً على المجتمع ـ الأمة ، تشاركه بما ينتجه ، عليها أن تنتج مقومات استمراريتها من حيث أنها وجدت لتبقى ، الدولة هي الإبن العاق للمجتمع ، لم تكن لتكون بدونه ، ولدت في رحمه ، وتطورت في سياقه ، وتنكرت له عندما احتاج إليها في تدبر أموره ، سخَّرَتْهُ لخدمتها وتطاولت عليه وتحولت لأداة قمع لكل ما من شأنه النيل من سلطتها وطغيانها ، هنا سعادة ، في مقولته ” الانسان المجتمع ”  ـ “الدولة” يعيدها لبيت الطاعة ، لخدمة مَنْ أوجدها ، ونمت وكبرت في أحضانه ، في “صيانة مصلحة الأمة والدولة” ، يضع سعادة حجر الأساس لماهية الدولة والأمة ،المصطلح ” صيانة ” يحمل توجهات عدة ،من حيث معناه ، تأمين ، حماية ،الحفاظ على مصلحة الأمة والدولة ، هنا ، يقدم سعادة الأمة على الدولة ، ويؤكد على ضرورة اصلاح (الوجه الآخر لمصطلح صيانة ) ما هي عليه في سياق عملية الانتاج ، الهدف ـ حماية ، حفظ ، استمرارية الدولة في قيامها بمهامها ، ومن الوجهة الأخرى تعديل ، تكييف ، تغيير ، تبديل ، تطوير تشريعاتها بما يتناسب والمهام الموكلة لها ، على مبدأ ” الدين لتشريف الحياة وليست الحياة لتشريف الدين ” القانون في خدمة الانسان وليس الانسان في خدمة القانون ، في الدولة ، عند سعادة ، لا تشريعات سرمدية ، مقدسة ، إلاهية ، لم تهبط التشريعات والدساتير والقوانين بأنظمتها ، من السماء ، هي من صنع الانسان لخدمته وتأمين مصالحه ،يقول : / في المبادئ التي تمت للإنسان الحر بصلة ، لا يمكن الاستناد لأي قول استبدادي مطلق لتقرير حقيقة انسانية أو لها علاقة بالانسان ـ المجتمع . / بما يعني أيضاً ، أنه لا يمكن ، في ما يتعلق بالإنسان ـ المجتمع ـ ” الدولة”  إخضاعه لجملة مبررات تراها الدولة محقة ويراها المجتمع غير ذلك لكونها تمسُّ بشكل أو بآخر بحقوقه التي اكتسبها في عمليته الانتاجية ، كل ما تراه الدولة محِقاً ليس بالضرورة أن يكون كذلك بالنسبة للمجتمع ، ذلك أن التقرير هنا ليس مجرد قرار إنه مصلحة الأمة والدولة ،كل ما له علاقة بالانسان خاضع لمقولته في كون ” العقل شرعاً أعلى ” لا يعلى عليه ، في العقل ، لا ارتجال ، كل ما يمت للعقل بصلة خاضع للدرس، للاختبار والتجريب ، على أن يكون مستمدا من الخبرة ، الخبرة هنا، تراكم معرفي في العمل ، كإنتاج ، وليست مجرد تراكم زمني على حساب الأمة والدولة ،العقل له مواصفات الحقيقة من حيث هي ” وجود ومعرفة ” على سبيل المثال لا الحصر ، في التشريع ، تشريع الحلول للقضايا المطروحة ، القانون ياتي كحل منطقي ، عقلي ،موضوعي لما هي عليه القضية في صيرورتها أنيا ومرحليا ، العقل أيضا هنا ، وعي ، فهم ، ادراك ، متابعة ، ملاحقة لكل كبيرة وصغيرة بكل ما يتعلق بمصلحة الأمة والدولة ، وعي مجتمعي ، حتى لا يؤخذ المجتمع على حين غرة ويُضلل من قبل الدولة ، وعي القضية في صيرورتها أنيا، مرحليا ، مستقبليا ،يعني أن على المجتمع تتبع الدولة في طروحات مشروعها حل القضية قانونيا ، حقوقيّاً ، والقانون ـ الحل ، خاضع بدوره للعقل ، العقل هنا ليس بمعناه البيلوجي أو الفيزيولوجي أو حتى السيكولوجي ، إنه مصلحة الأمة والدولة ، في استمرارية قيامها بمهامها ،في خدمتها للمجتمع ـ الأمة والمتمثلة في أكبر انتاج كما نوعيا ، في تناهي الجهد والزمن الى أقل ما يمكن ، العقل هنا يكمن في مدى نجاعة الحلول المطروحة ، لا في مدى منطقيته أو صوابية حلوله النظرية غير القابلة للتطبيق ، في مقدار سده الاحتياجات غير المحدودة للمجتمع ـ الأمة ، من الموارد المحدودة ، هذه الأخيرة ، لا يمكن لها أن تحدد احتياجات الأمة ـ المجتمع بمحدوديتها ، لا يمكن قياس وتفصيل احتياجات الأمة وفق مقاسات موارد الدولة المحدودة ، العقل ، هنا ، هو في ابتداع الطرق والوسائل التي تحقق جمال حياة المجتمع ، هنا الجمال ليس صورة ، إنه وفق معادلة الانتاج ، مدى تمتع المواطن بحياته ، في إطالة متوسط عمره ، في زمن الراحة التي يقضيها في حياته ، في نسبة الحريرات المصروفة بالعمل المنتج الى نسبة الحريرات التي يقدمها الانتاج لأفراد الأمة ، فإذا كان قد صرف ، على سبيل المثال ، ثلاثين حريرة مقابل ثلاثين أخرى كمردود انتاجي ،فالحالة الثقافية للمجتمع تكون في حالة ركود ، ثلاثين حريرة طاقة انتاجية ، تقابلها ، مثلاً ، ستون أو سبعون أو حتى ثمانون وكلما ازدادت هذه النسبة كانت الدولة ناجحة في إطالة متوسط عمر مواطنيها ، أو في استمتاعهم في الحياة هذا ما يعنيه أقل جهد مقابل أكبر انتاج، العقل هو معرفة الكيفية والوسيلة لتحقيق الغاية ، و لأن ” المجتمع معرفة والمعرفة قوة ..” كان الانتاج ” غلالاً وصناعةً وفكراً ” في حده الأعظم ،هو المعيار الوحيد للمعرفة ، لمصداقية المعرفة ، لصحة المعرفة ، لسلامتها ،والأخيرة تعني خروج المعرفة على مفهوم المنفعة ، الفردية ، الطبقية ، المذهبية ، العرقية ، العنصرية ، الثقافية ، السياسية ، الجنسية ،.. لعموم المجموع المجتمعي ، دون ذلك لا يمكن تحقيق المساواة والعدالة في التوزيع للمنتج القومي ، أو في المصطلحات الاقتصادية ـ متوسط دخل الفرد ـ بين مجموع أعضاء الدولة ، المواطنين ، مع ضرورة التمييز بين المساواة و العدالة ، ليست كل مساواة عدالة وليست كل عدالة مساواة ، التمايز بين هذه وتلك ، لا يمكن أن يمسّ الحقوق كما لا يعفي من الواجبات ، والمعادلة هنا بالغة الصعوبة ، على الدولة بما هي تشريع وتنفيذ أن تخضع في مطلق ما تعنيه ، للقضاء ، حيث القضاء هو ما تقتضيه مصلحة الأمة والدولة ،لم يكن سعادة من المؤمنين بـ ( إن الأعمال بالنيات ) وإنما بـ ( إن النيات بالأعمال ) بما يعني ، أن العمل يفصح من تلقاء ذاته عن ماهيته ، دون تبرير لمنتجه ، سلبا أو إيجاباً ، أن على الهدف أن يتحقق في المنطلق عبر الوسيلة ، ليس هناك من تبرير لأي عمل بالغاية المرجوة منه ، العمل هو المقياس ، التبرير مرفوض مهما تكن عوامله ومسبباته وما شاكل ، يبقى التبرير فكرة ناقصة ، لا هي تقنع ولا يقتنع بها أحد ، طالما أنها لم تؤدِ للمرجوِ منها ، والقضاء هنا ليس مجرد مؤسسة قانونية ، إنه أيضا مؤسسة انتاجية ، الواجبات كما الحقوق إحدى مهماته ، على القضاء أن ينتج من الحقوق الحدَّ الأعظم مقابل الحد الأدنى من الواجبات ، على الحقوق أن تطغى على الواجبات ، انتاجية القضاء تقاس بمدى ما ينتجه من حقوق لكافة أفراد الشعب ،نعيد ونكرر ، القضاء ليس مجرد مؤسسة قانونية ، إنه مؤسسة انتاج حقوقي ، ومن حيث هي كذلك ، كان عليها أن تنتج من الحقوق كما نوعيا ، وليس مجرد كمٍ نظري ، بما يعني أن القضاء كمؤسسة انتاجية يتضمن في ما يتضمنه مؤسسات أخرى ، اقتصادية ثقافية ، سياسية ، اجتماعية ..الخ ، كلٌ منها تُعنى باختصاصها ، وتقدم مبرراتها لهذ الاقتضاء ومسبباته ووسائله وغاياته ، وهذه هي القوة التي تعنيها المعرفة ، القوة ليست قوة عسكرية وحسب ، هي كذلك في مدى صيانتها لمصلحة الأمة والدولة ، داخليا وخارجيا ،داخليا من حيث هي تحقيق واستمرارية ، ديمومة الحق والخير والجمال الدي تنعم به الأمة ـ المجتمع ،خارجيا في مدى تأمينها موارد الدولة المحدودة لتحقيق حاجات المجتمع غير المحدودة ، ندخل هنا في سياق السياسة الخارجية التي على الدولة انتهاجها في محاولتها استكمال مواردها المحدودة بما يلبي احتياجات المجتمع غير المحدودة ، في السياسة الخارجية ، يترك سعادة تقرير ما يمكن أن يكون عليه العالم لكيفية تطوره بتساؤله : ” هل يصبح العالم أمة واحدة ؟ يجيب : مَنْ يدري .”وعليه فهو لا يرى العالم إلاّ على نحو ما هو عليه الآن ، تنازع بقاء ، ليس بالضرورة انتفاء الآخر بقدر ما هو بقاء الأصلح والأقدر على الحياة بتأمين مقوماتها ، يطرح سعادة وفق رؤيته ، أن العالم ، من حيث هو متعدد البيئات الطبيعية ، فهو بطبيعة الحال ، متعدد في أممه وتاليا في إمكاناته ، وعليه ، في حالٍ كهذه ، أن يوجد المخرج لتنازع بقائه مع الآخر ، المخرج الذي يقدمه سعادة هو في قيام أمم الأرض على مبدأ وحدة بيئاتها ، لا يرى مثلا في ” عصبة الأمم ” حلاً لمشاكل العالم ، من منطلق أن الدولة ككيان سياسي لا تشكل أمة ، كما يدل عليه مصطلح ” عصبة الأمم ” أو في ما بعد ” الأمم المتحدة ” هذه الدول التي أوجدتها مطامع استعمارية لا تمثل أمة ، الدول ذات “السيادة ” هي الدول القومية القائمة على أساس وحدة بيئتها الطبيعية باعتراف العالم بها ،الدول المصطنعة ( او وفق مصطلحات علم السياسة ، الدول الحديثة ) ، ليست دولا بالمعنى الحقيقي للدولة ،ذلك أنها نشأت وفق مخططات الدول الاستعمارية لنهب خيراتها ، وسيادتها مجرد وهم تعيش به شعوبها ، طالما أنها لم تمتلك زمام انتاج حياتها ، الدولة ذات السيادة عن سعادة ، هي الدولة القومية ، والدولة القومية هي الدولة التي تجتمع في كامل بيئتها ، فإذا ما كان العالم على هذا النحو أمكن إيجاد حلول لمشاكله المتعلقة بوجوده ،الدول الحديثة أو الدول ككيان سياسي تجزيئي للبيئة الطبيعية تنتج في الغالب مشاكل وجودها ، هي في نزاع داخلي أولاً وقبل أي شأن آخر وهي في نزاع مع جوارها ، في هذا النزاع المزدوج ، تهدر البقية الباقية من عوامل استمرارية الدولة ككيان سياسي لتبقى تتخبط في تبعات هذا الشذوذ التاريخي ، يقدم سعادة النموذج اللبناني مثالا على ذلك ، في مشكلاته الداخلية وفي مشكلاته الخارجية وتحديدا الجمهورية الشامية ـ والتي نشأت على غراره ، والتي لعلة في ذاتها ، أحاطت به من كل جانب فبات مطالبا بالتوفيق بين حتمية العلاقة مع الشام واستقلاليته غير الممكنة في أية قرارات اقتصادية خارجة أو متعارضة مع الدولة المجاورة له ، هذه الحال يمكن تعميمها على مختلف الدول في العالم التي جُزئت بيئتها فتنازعت بقاءها مع من سلخت عنهم وتاليا ، باتت ، كل منها تجد ضالتها في الدول التي أوجدتها ، وهذا ما كلفها استقلاليتها الموهومة وانخراطها في سياسة الأحلاف والتبعية للحفاظ على كيانها السياسي وباتت أيضا عرضة للانهيار في أي وقت تتعرض فيه لأزمة مصيرية قد تعصف بها .. سعادة يقدم مشروعه العالمي ، كحلٍ لمشكلات العالم ، من الوجهة السياسية والاقتصادية وكذلك الاجتماعية والثقافية ، حيث يرى أن الحالة الاستعمارية التي سبقت قيام هذه الدول وجشع الدول الاستعمارية واعتمادها سياسات الهيمنة وتقسيم العالم وفق احتياجات مواردها الاقتصادية ، هو الذي يدفع بالعالم نحو الهاوية ويزيد من مشكلاته ويشكل العامل الأول والأخير لانهيار الدول الحديثة والعظمى معا ويعرض العالم للفناء ، … في خضم هذا الصراع ، كيف يمكن للدولة استكمال مواردها المحدودة لسد احتياجات غير محدودة ؟، لا يقدم سعادة في مشروعه اجابة وافية لهذا السؤال ، هناك نتف مما قاله أو كتبه يمكن الاستفادة منه مبدئيا في ما يتعلق بالنظرية الاقتصادية الجزئية ، ونتف أخرى يمكن لها أن تدخل في سياق النظرية الاقتصادية الكلية ، لكن هذه أو تلك لا يمكن الاستناد عليها لبناء إحدى النظريتين ، لأسباب عدة أبرزها الحاجة لدراسات إحصائية استقصائية تتحدد من خلالها الحالة التي عليها أمته وتاليا كيفية الخروج من هذه الحال ، خاصة وأن أمته كما يقول في مؤلفه الرائع ” نشؤ الأمم” : تعاني ما تعانيه على مختلف الأصعدة الحياتية ، لذا فالبحث لن يتناول أيا من النظريتين ـ إنما يكتفي بما يترتب على مقولتيه الرئيسيتين 1 ـ ” الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية ” 2 ـ ” الانسان ـ المجتمع ” من الوجهة الاقتصادية