# دراسة في فلسفة انطون سعادة الاجتماعية ( 3ـ3)

سعادة والفكر الغربي بمختلف مدارسه:

دراسة مقارنة

يقف سعادة موقفا حاسما في فلسفته الاجتماعية / المدرحية / من علم الاجتماع الغربي، الذي يتناول موضوعاته دون أي تحديد أو تعين لمصطلحاتها والتي تبقى تحمل كل التأويلات، وهذه صفة عامة في مختلف مدارسه لذا يبدو أن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن علم الاجتماع الغربي ـ باستثناء المادية الديالكتيكية ـ أقرب ما يكون الى علم النفس السلوكي منه الى علم الاجتماع، في موضوع هو أقرب الى الشمولية منه الى الخصوصية، يضاف الى ذلك أنه يتناول المجتمع من حيث هو مُعطى موضوعي لا يمكن دراسته إلا من حيث علاقة الفرد به في ظل مجموعة النظم القائمة ومدى تأثيرها على سلوكية الفرد وموقف الفرد منها، ومن حيث امكانية التغيير في هذه العلاقة والعوامل المؤثرة المباشرة وغير المباشرة في عملية التغيير المرجوة، والى أي مدى يمكن المضي في مثل هذه الأهداف التي تبقى غايتها تحسين ظروف الحياة في هذه المجتمعات بالتحديد، ناهيك عن أن نظرته للمجتمع ـ على الرغم من اعترافه بأنه “وجود موضوعي” بالنسبة للأفراد ـ تبقى منقطعة عن كونه “محتوى تاريخ أجياله” بمعنى أنه علم يبحث في خصائص وميزات وامكانيات ومواصفات الجيل الذي يعاينه والى أي حد يمكن المضي في عملية الإصلاح أو التغيير لما يشوب هذا الجيل من تشوهات تعيق عملية التطور أو تؤخرها. والخلاصة التي يجب أن تبقى ماثلة في الذهن، هي أن علم الاجتماع الغربي هو علم كيانات تشكلت نتيجة ظروف سياسية مرت بها أوروبا في مرحلة سبقت عصر التنوير وسادت فيها الحروب والنزاعات والفوضى، هي اذن ليست أمما تشكلت تاريخيا بل نظما سياسية احتفظت بها المدن الرئيسية (باريس، لندن، برلين.) بطيف من المدن والقرى من حولها وشكلت ما أتفق على تسميته بالدول، دون نكران أن تقدمها ورقيها على مختلف الأصعدة والمستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية يعود في جوهره الى تقييم موضوعي لجملة الأحداث العاصفة التي ضربتها وغيرت مختلف نظراتها الى الكون والحياة وهي المجتمعات الوحيدة التي استفادت من تجربتها التاريخية بشكل تام وكامل. وهذا ما نلاحظه واضحا في الموضوعات التي يتناولها علم الاجتماع الخاص بها، ذلك أنه ينصب عموما على مواصفات وخصائص المجتمع الغربي بالتحديد وكأن بقية المجتمعات المنتشرة على مساحة سطح الكرة الأرضية لا معنى لها ولا قيمة لدراستها.

لذلك يسهل على الدارس لهذا العلم أن يصنف علم الاجتماع الغربي بمختلف مدارسه بثلاث نظريات هي “التوافق، الصراع، الفعل” وما عداها يبقى خارج علم الاجتماع، ولما كنا قد تناولنا نظرية الصراع بأبرز أمثلتها / المادية الديالكتيكية / فإننا نكتفي هنا بتناول نظرية التوافق بأبرز امثلتها / الوظيفية / ونظرية الفعل، أيضا بأبرز أمثلتها / الفيبرية /.

ينعكس ما تقدم بمجمله على مختلف الموضوعات التي يتناولها هذا العلم، إذ تبقى مفهومات مصطلحاته عامة لا يمكن حصر مدلولاتها في مفهوم محدد، كما هو الحال عند سعادة الذي يمضي ـ منطلقا من شرط الوضوح التعيين ـ في تحديد مدلولات مصطلحاته قبل الخوض في الموضوعات التي تتناولها، فمن حيث الشكل العام، قد لا نجد خلافا جذريا بين الوظيفية أو الفيبرية والقومية الاجتماعية عند سعادة، لكننا اذا ما أمعنا النظر يتضح لنا أن الخلاف قائم في المصطلحات التي تبقى جوهر الفكرة التي يُراد إيضاحها في أيٍ من النظريات الثلاث، حتى أننا نجد أن سعادة يبدو أقل تطرفا من دوركهايم وفيبر، الأول في ما يتعلق بتأثير الطبيعة على الفرد والمجتمع من جهة وتحديد مفهوم الطبيعة والمجتمع وملحقات الثاني “المعايير والقيم والثقافة والتنشئة الاجتماعية والدين”. وماكس فيبر في النزعة الفردية التي ينصب جلَّ اهتمام نظريته على تقديسها وإعطائها الأولوية في صيرورة المجتمع.

تطرح الوظيفية “الطبيعة” كمعطى موضوعي لا يمكن الانفكاك عن مؤثراته، فالإنسان في نظرها ما هو إلا كائن قد أتمت الطبيعة برمجته بيولوجيا، والشذوذ يبقى خللا في هذه البرمجة “إن كل السلوك البشري متضمناً التفاعل الاجتماعي هو ناتج ترسبات موروثة نمتلكها نحن كالحيوانات فإننا ـ مثل الحيوانات مبرمجين بيولوجيا من قبل الطبيعة”. وعليه فإن “النسق الاجتماعي يعمل كنسق عضوي” فكما أن الجسم البشري مؤلف من أعضاء لها صفاتها وخصائصها ووظائفها البيولوجية والفيزيولوجية (القلب، الرئتان، الكبد). كذلك المجتمع بمختلف وظائفه “إن مؤسسات ومنظمات المجتمع مثل النظام الأسري والسياسي والتربوي والديني، كلها تماثل أجزاء الكائن الحي وأعضائه، وتتكون المجتمعات من مجموعة من الأعضاء المترابطة والمتداخلة فكما هو الحال مع أعضاء الكائن البشري فإن سبب وجود أي شكل من أشكال التفكير أو العمل المؤسساتي في المجتمع هو أنها تلعب دورا حيويا وفريدا وتمثل “وظيفة حيوية” في صيانة المجتمع والحفاظ عليه في وضع مستقر، كذلك، الوضع بالنسبة للجسم البشري فإن أي فشل في أي عضو من أعضائه بالقيام بوظيفته، سيؤدي حتما الى المرض أو الى الموت في النهاية”. وهذا ما تعبر عنه الوظيفية بمصطلحات مثل “فقدان الترابط الاجتماعي” أو “نقص الترابط والتكامل” أو فقدان التوازن”.

ما تقدم يعطي صورة واضحة عما يشكل محور الوظيفية وما تصطلح على تسميته بالتماثل العضوي، الذي يبدو منتهى التطرف في موضوع تأثير الطبيعة “البيئة” على المجتمع، سعادة لا ينفي تأثير الطبيعة ولا كونها وجودا موضوعيا بالنسبة للكائنات الحية بمواصفاتها العامة، التي عليها أن تتكيف وفق متطلباتها، لكنه يعيد التأثير لجملة من العوامل أبرزها هو ما كان في “البيئات التطورية” حيث لم تكن الطبيعة في وضعها المستقر الذي هي عليه الآن، وثانيها التأثير الذي يكون ناتجا لخضوع الانسان لمدى زمني طويل لمؤثراتها ومع ذلك فهو يحد من تأثير البيئة على المستوى البنيوي للكائن البشري نظرا لكون الأخير له ما يسميه “حدود سلامة” أو كما يقول: تؤثر البيئة الطبيعية “على لون البشرة ونزيد هنا أنّ تأثير البيئة الطّبيعيّة في أشكال الهيئة غير السّلاليّة تأثير قويّ جدّاً فقد ذكر “بواس” أنّ البيئة تؤثّر، في الغالب، على أشخاص مختلفين تأثيراً يؤدّي إلى اتجاه واحد بناء على أنّ لكلّ عضو [حدود سلامة] يتكيّف ضمنها تبعاً لمقتضيات البيئة”. ومع ذلك فإن لهذه المؤثرات البيئوية حدودا عند سعادة يقول: “إنّ التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة، الّتي، مع أنّها تتأثّر كثيراً بعامل البيئة، إمّا أن تستفيد من القاعدة الطّبيعيّة شأن الجماعات الرّاقية، وإمّا تهملها على حسب استعدادها وإراداتها”. اما بالنسبة لموضوعية المجتمع وحتى البيئة يقول “لا يختار الفرد مجتمعه إلا بقدر ما يختار أمه وأبيه، لكنه قد يفضل أمه على أبيه”. بمعنى أنه قد يفضل النظام الاجتماعي القائم على سواه وقد يرفضه مفضلا نظاما اجتماعيا آخر. لكن ما نلاحظه في كلتا النظريتين، الوظيفية والقومية الاجتماعية، هو تحديد المصطلحات التي تبقى غائمة في الوظيفية وواضحة كل الوضوح في القومية الاجتماعية، ففي حين تتحدث الوظيفية عن الطبيعة بشكل عام، نجد سعادة يحددها بالبيئة، بين المصطلح والمفهوم تكمن أولى الميزات التي تتميز بها القومية الاجتماعية بل وتتفوق بها على الوظيفية والتي بدورها تقر ضمناً بصوابية مفهومات القومية الاجتماعية لدى تناولها مصطلح المجتمع الذي يبقى أيضا عاما غائما غير محدد، فهو بتعريف دوركهايم: “حقيقة مستقلة بذاتها وله وجوده الخاص” وهذا يأتي استجابة منه لفهمه لمحتوى “المادة” والذي يبني عليه أنه يمكننا تطبيق القوانين العلمية المجردة على القوانين المجتمعية. “فالبنى الاجتماعية موضوعية مثلها مثل الطبيعة”. سواء أعجبتني أم لا فهي مفروضة عليّ، فأنا “عندما أقوم بتحقيق الالتزامات. فأنا أمارس الواجبات المفروضة عليّ والتي تمَّ تحديدها وتعريفها بشكل خارجي(؟) مع نفسي وتصرفاتي المختلفة، كما هو الحال مع القانون والعادات والأعراف، حتى لو كانت هذه الالتزامات تتفاعل مع مشاعري الخاصة وأشعر بحقيقتها بشكل ذاتي فهي أو الحقيقة الخاصة بها ما زالت موضوعية حيث أنني لم اصنعها أو أخلقها بنفسي فقد ورثتها (؟) بشكل بحت من خلال التربية”. وفي المحصلة ينتهي دوركهايم للقول: “إن أفكار الأفراد وكذلك أفعالهم المختلفة هي منتج القوى الاجتماعية الخارجية(؟) والتي تشكل الأبنية الاجتماعية المختلفة. فقوانين المجتمعات ليست بمختلفة عن تلك الحاكمة لباقي الظواهر الطبيعية، والطريقة التي يتم اكتشافها بها متطابقة مع مثيلاتها من العلوم الأخرى”. عند هذه النقطة تقف الوظيفية عاجزة عن الاجابة عن التساؤل المنطقي وأيضا العلمي الذي يطرح: أنه إذا كانت القوانين الاجتماعية هي متطابقة مع الظواهر الطبيعية فلماذا تختلف المجتمعات بعضها عن بعض، إذا لم تكن البيئة هي العامل الحاسم في هذا الشأن ولماذا تختلف القوانين والعادات والأعراف بين مجتمع وآخر. لو لم تكن البيئة لا الطبيعة هي الحاكمة بقوانينها الى الحد الذي لا يلغي دور الفرد، حيث العوامل الفاصلة في التاريخ هي العوامل النفسية والفردية وفق سعادة.

يختلف سعادة من خلال فهمه للمجتمع مع دوركهايم، فمن جهة أولى يستخدم مصطلح “المجتمع” كمفهوم “لوحدة الحياة” أو هو “وحدة الشعب” أو هو “الأمة التي هي وحدة الشعب المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي”، ويفرق بينه وبين المتحد وبينه وبين المجتمع المصطنع (كما هو الحال في زمن الامبراطوريات حيث الأمم على اختلافها دولة واحدة) (1) كذلك مفهوم البنى الاجتماعية عند دوركهايم تتكون من مجموعة من المعايير والقيم يقول: “إن تحقيق الانجاز في الحياة الاجتماعية بين الأفراد ووجود النظام الاجتماعي (التضامن العضوي) يتم تدعيمه بالثقافة والتي تمثل المعايير الجمعية، وقواعد السلوك (الوقائع الاجتماعية) ليست سوى امتداد خارجي ويتم فرضها على هؤلاء الأفراد”.

وعلى الرغم من صحة ما تذهب اليه الوظيفية في مفهوم البنى الاجتماعية وموضوعيتها بالنسبة للأفراد لكنها تخطئ في ردها لمثيلاتها من الظواهر الطبيعية ذلك أنها تعود في جوهرها الى مفهوم المجتمع كوحدة حياة، كاستمرار الحياة على أرض محددة المعالم لها مؤثراتها التي تختلف من بيئة الى أخرى كما يشير ويؤكد سعادة لكيفية نشأتها وتطورها وما هو نابع من وحدة الحياة وما هو طارئ نتيجة ظروف قاهرة خارجة على منطق الوحدة الحياتية والتي هي بالذات مصدرها ومُقرر منحى تطورها التاريخي يقول: “إنّ الاشتراك في الحياة يوّلد اشتراكاً في العقليّة والصّفات كالعادات والتّقاليد واللّهجات والأزياء وما شاكل. الاشتراك في الحياة هو ما يعمى عنه عدد وافر من الكتّاب والدّارسين”. يتابع سعادة تحديد مصطلحاته فيقول: “والفرق بين العادات والتّقاليد أنّ الأولى لا يجب أن تكون موروثة من الأجيال الماضية والثّانية وراثية في الأجيال. تتناول التّقاليد ما هو بمعنى الطّقس أو القانون غير المكتوب لما يكون لها من المساس بالحالات النّفسيّة العميقة وشؤون الحياة الهامّة كالزّواج وأحواله والمآتم وطريقة دفن الموتى ونظام العائلة، وهي لذلك أثبت وأصلب من العادات. وبالإجمال العادة تتعلّق، على الأكثر، بالذّوق وما هو مستحسن وما هو مكتسب في الحياة الجيّدة اليوميّة، والتّقليد يختصّ بما هو جوهريّ في الحياة الاجتماعيّة وما يتعلّق بالاعتقادات الخفيّة المتوارثة ومنها ما صار اعتقادات دينيّة أو نصف دينيّة. تنشأ التّقاليد من اختبارات الحياة والاعتقادات بشأنها وتنشأ العادات من ظروف الحياة واستحسان بعض أساليبها ورموزها. فإنّ من التّقاليد والعادات ما هو مشترك بين عدّة أمم أو بين عدد كبير من الأمم، خصوصاً الأمم الّتي كانت قديماً قبائل أو شعوباً متجاورة كالشّعوب الساميّة. فإنّ هذه الشّعوب جميعها تشترك في تقاليد وعادات بعضها دينيّ وبعضها اجتماعيّ، ولكنّ هذه التّقاليد والعادات ليست كلّ تقاليدها وعاداتها موحّدة، بل إنّنا نجد لكلّ من هذه الأمم تقاليد وعادات خاصّة بها ناتجة عن اختباراتها الخاصّة الشّخصيّة وعن نموّ أذواقها بتفاعلها مع بيئتها وباتّصالها بالعالم الخارجيّ. ووحدة هذه التّقاليد والعادات الشّخصيّة، الّتي تظهر وجهاً من نفسيّة الأمّة في مجرى حياتها، هي العنصر الهامّ من عناصر وجود الأمّة. كلّ تطوّر ثقافيّ في أمّة من الأمم يولّد تقاليد جديدة. وشرط التّقاليد المميّزة الأمّة أن تكون متولّدة من حياة الأمّة”. هذا التحديد المتعمق في ماهية المعايير والقيم التي تفعل في المجتمع، هو ما يوهي مختلف نظريات الغرب أمام القومية الاجتماعية، ـ وهذا ما تغفله الوظيفية قصدا بهدف التعمية على واقع الكيانات السياسية القائمة ـ والذي بسببه ـ وفق ما نعتقده قد تم تجاهل سعادة كعالم اجتماع رائد في هذا العصر.

أما لجهة الثقافة التي تدعم البنى الاجتماعية عند دوركهايم، يعرفها سعادة قائلاً: “الثّقافة هنا بمعنى Culture وهي مجمل العلوم والفلسفات الّتي تتناول الحياة وما له علاقة بها، وما يحصل من ذلك من مستوى عقليّ واتّجاهات فكريّة واعتقادات مناقبيّة وإدراك للشّؤون النّفسيّة والمادّيّة. والحقيقة أنّ طبيعة الثّقافة عامّة كطبيعة الدّين. وقد مرّ على العالم أدوار ثقافيّة سمّي كلّ دور منها باسم الشّعب الّذي قام به (الاثم الكنعاني) أو اللّغة الّتي كانت واسطته، ليست الثّقافة شيئاً خاصّاً، بل شيئاً عامّاً يتفاوت في الدّرجات بين الأقوام. وجميع الأقوام المتمدّنة يشتركون في ثقافة واحدة عامّة دورها هو الدّور العصريّ. ولكنّ كلّ أمّة من هذه الأمم تحتفظ لنفسها بأسلوبها الأدبيّ أو الفنيّ الخاصّ فيما تعطيه لهذه الّثقافة. ويجوز أن يكون لكلّ أمّة بعض مظاهر ثقافيّة خاصّة. إذن لا تعيّن الثّقافة الأمّة ولكنّ الثّقافة تكون فارقاً بين أمم وأمم. والسّبب في هذا الفارق اقتصاديّ جغرافيّ قبل كلّ شيء، حيثما وجدت المؤهّلات الرّوحيّة”. لمفهوم الثقافة، عند سعادة، مفهوم أعمق بكثير مما لهذا المصطلح من مفاهيم، اذ يقيس به سعادة التطور بمختلف مناحيه، فالثقافة وفق رؤيته، تتخطى مفهوم القناعات السائدة في مجتمع ما، فهذه لا تعبر عن مراحل التطور الاجتماعي لهذا المجتمع أو ذاك بقدر ما تعكسه من نسبة العمل المبذول في منحى ما الى نسبة الزمن والناتج وبالقدر الذي يكون فيه الناتج أكبر بكثير من حيث الجهد والزمن، والثقافة هنا تشكل الفارق بين الأمم من حيث التقدم والرقي وليست مجرد نظام سائد فيه كل الأوهام والخرافات والقناعات الفردية او المجموعية غير القائمة على ما يعني مصلحة المجتمع من حيث هي “كل ما يولد عملا اجتماعيا” وفق سعادة، التي يطالب دوركهايم بالتزام بها قائلا، أن النظام الاجتماعي “نابع من الالتزام، من خلال وجود مجموعة من المعايير المشتركة والقيم المتبعة”. من هنا كان الخلل الاجتماعي الفردي يرجع الى “الأنومي” أي “ضعف أو نقص المعايير التنظيمية” بحيث يُعَدْ “الأنومي” نتيجة العقاب الكامن للمجتمع المعاصر المتنافس، وذلك بدون معايير ضابطة للسلوك، إن الأفراد يظهرون الكثير من الرغبات غير المشروعة والشرهة بالإضافة للرغبات غير المحدودة، وإثارة المشاعر العامة وكذلك عدم الرضا”. أما المجتمع الذي يراه دوركهايم مجتمعا مثاليا فهو المجتمع الذي “تسود فيه الحرية الفردية التي تضمن فقط في وجود مجموعة من المعتقدات والسلوكيات المنظمة والمقبولة من خلال التنشئة الاجتماعية، حيث أن الفرد يخضع وينصاع للمجتمع وهذا الانصياع هو شرط حريته، ذلك أن حرية الأفراد تتكون أساسا في ظل التخلص من الانقياد الأعمى لقوى الجهل المادية، وذلك يتم من خلال معارضة هذه القوى الظالمة الجاهلة باستخدام قوى الذكاء العظيمة المتمثلة في المجتمع والتي يحتمي تحت ظلالها المواطن”. في كل ما تقدم، لا يبين لنا ما هو المقصود بالالتزام، أو تلك المعايير والقيم وكيف تنشأ وكيف تتطور، أو الحرية الفردية ولا حتى المعتقدات والسلوكيات ولماذا هي مقبولة ومشروعة وما هي القوى الظالمة أو قوى الجهل المادية وماذا يقصد بقوى الذكاء ولماذا المطلوب من المواطن ليكون مواطنا أن ينصاع لها. فهذه مجرد مصطلحات عائمة وغائمة وتحتمل كل تأويل.

يختلف سعادة مع دوركهايم في مصطلح “النظام الاجتماعي” ومستتبعاته ـ المعايير والقيم ـ من حيث المفهوم ومن جهة ما يتشكل منه هذا النظام يقول سعادة: “فالنّظام الاجتماعيّ هو دائماً حاصل تفاعل الإنسان والطّبيعة أو البيئة بطريقة معيّنة أو منبعث منه وموافق له، فكما أنّ التّطوّر الإنسانيّ، نشوءاً وارتقاءً، كان وفاقاً لمقتضيات تطوّرات الطّبيعة والبيئة، أي إنّه تطوّر محتّم بالاختيار الطّبيعيّ لا مفضّل بالاختيار العقليّ، كذلك التّطور الاجتماعيّ، نشوءاً وارتقاءً هو وفاق لتطوّر التّفاعل بين الإنسان والبيئة بدافع الحاجة المادّية. فإذا كان العقل نتيجة تطوّرات الدّماغ الفيزيائيّة، فالعقليّة الاجتماعيّة نتيجة تطوّرات التّفاعل الماديّ لتأمين الحياة الاجتماعيّة. وأنه إذا كانت الرّابطة الاقتصاديّة أساس الرّابطة الاجتماعيّة البشريّة، فالعمل ونظامه التعاونيّ مصدر نظام الاجتماع. أنّ النّظام الاجتماعيّ ابتدأ من مرتبة الشيّوعيّة في نظام العشيرة الدّمويّ. (وعند الهنود الحمر) في النّظام الاجتماعيّ الّذي يحدّد جميع العلاقات بالعرف والعادة ولا نرى إقامة ثابتة وبداءة عمران. وترقية النّظام الاجتماعيّ إلى ما يزيد عن إمارة القبيلة وتعيين العلاقات بين السّادة والعبيد أو إقرار هذه العلاقات على الحالة التي توجد فيها. في طور الثّقافة الزّراعيّة الصّناعيّة القائمة بأود المجتمع عن طريق العائلة والتّملّك الشّخصيّ نجد نموّاً في النّظام الاجتماعيّ الاقتصاديّ القائم على طبقات ثلاث: الأشراف، الصّنّاع الأحرار، العبيد. “حيث” تظلّ القرابة الدّمويّة الفاعل الأقوى في النّظام الاجتماعيّ الاقتصاديّ”. هكذا هو النظام الاجتماعي، بناء اجتماعي يعكس ما توصل اليه المجتمع من مرتبة ثقافية في ترتيب وتنظيم شؤون حياته. فالنظام الاجتماعي ليس مجرد معايير وقيم وسلوكيات مقبولة أو مشروعة بقدر ما هو بناء ثقافي له مواصفاته وخصائصه على مستوى التقدم والرقي من حيث مدى الحرية التي يطلق لها العنان لتفسح المجال رحبا لكل تطور وتقدم ورقي، أو يحد ويحول دون ما تقدم، وهكذا تختلف الأمم بأنظمتها المجتمعية المستمد أساسا من وحدة الحياة فيها والاشتراك في النظرة الى الحياة والكون والفن، التي يعكسها بشكل مباشر النظام الاجتماعي القائم.

ويبقى الاختلاف قائما بين القومية الاجتماعية والوظيفية في نظرة الأخيرة للدين من حيث هو اعتقاد أو معتقد يوحد المجتمع أو ما تطلق عليه عبارة “الأشكال الأساسية للحياة الدينية” ومثالها في ذلك “شعب” الأبوريجين القائم في استراليا ومنه وفق التعبير الوظيفي سلالة الأورنتا حيث الطوطم هو “شعار القبيلة، فهو رمز لهذه الشعوب داخل مجتمعهم والذين لا يعيش معه أفراد هذه الشعوب ولكنهم يحسون بالانتماء كأقربائهم، فهم أفراد يجب مساعدتهم ودعمهم عند الضرورة ومن خلال الطوطم، الذي يمثل رمز المجموعة فإن افراد المجموعة يشعرون بالانتماء تجاه بعضهم كما يشعرون بوجودهم. هكذا تكون وظيفة الطوطم هي توحيد للأفراد داخل نظامهم الاجتماعي وذلك من خلال توحيد أجزائه معا وتحديدها والحفاظ عليه كوحدة واحدة. فالطوطم يبقى في هذه الحال وسيلة للتضامن والتماسك بغض النظر عما يعنيه أو يفرضه من طقوس”. الدين، أيا كان، من حيث هو معتقد، لا يختلف عن الطوطم “الأورنتي” يجب أن يكون وسيلة للتضامن والتماسك الاجتماعي، هذه النظرة الساذجة والبدائية للدين “كفلسفة اجتماعية” وفق سعادة، لا تعني شيئا لنظام اجتماعي تتوزعه أديانٌ مختلفة في الطقس وفي مطلقية المعنى المقدس للمعتقد الديني، بحيث يستعدي متَّبعي هذا الطقس أو هذا المطلق المقدس الآخر تلقائيا، حتى ولو لم يُشرْ الى ضرورة ذلك، لكنه من حيث التأويل والاجتهاد يعني ذلك بالمطلق. ما تهتم به الوظيفية من الشأن الديني أنه كمعتقد يبقى موحدا لا مُجزئا للوحدة الاجتماعية، ومهما يكن من أمر العلمانية والالحاد والقانون المدني وحتى تلك المناسبات العامةـ كالأعياد الوطنية والقومية والأعياد العالمية، الأول من أيار، عيد الأم، ـ التي ليس لها علاقة بالإيمان أو بما وراء الطبيعة، فإن الوظيفية تعتبر كل ما تقدم يدخل في معنى الدين طالما أنه معتقد جامع

يبقى أن نشير الى افتقار الوظيفية لأية رؤية اقتصادية، رغم محاولات واحدا من رجالاتها تسديد هذا النقص “مالينوفسكي” عبر مثال “الكولا” الذي يبقى في جوهره لا يمت للاقتصاد بصلة “تعمل لتصبح غنيّا ومن ثم توزع مالك هبات لتصبح كريما”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ـ يمكن للمدقق العودة لما قيل في موضوعي “الدولة ـ المتحد” و”الدولة ـ الأمة “

الدين كـ (فلسفة اجتماعية)، وفق سعادة، وفي مجتمع تتوزعه أديان مختلفة، لا يمكن أن يكون جامعا، بل على العكس من ذلك، سيكون بكل تأكيد، مجزئا للوحدة الاجتماعية، خاصة وأنه يحمل في ذاته تناقضه مع الأديان الأخرى، والذي يجعله دينا متمايزا عن الأديان الأخرى وإلا لما كان دينا، بقدر ما كان مذهبا من مذاهب الأديان الأخرى، يضاف الى ذلك الرؤية الماورائية المستقلة للدين، وتلك الزمنية التي تستهدف الدولة بدستورها وقوانينها وأنظمتها مسخرة إياها لخدمة الدين حيث “لا قيام للدين إلا بقيام دولته” وفق ما ذهب اليه “محمد عبدو وجمال الدين الأفغاني” أو الوهابية التي نادى بها “محمد بن عبد الوهاب” أو تلك التي اجتهد فيها “ابن تيمية” أو المذاهب الأخرى المحمدية منها والمسيحية، هي بيت القصيد الذي حاول سعادة في كتابه “الاسلام في رسالتيه” درء خطرها عن مجتمعه، وفي محاضراته العشر حيث مبدئه الاصلاحي القائل: “فصل الدين عن الدولة” و”ازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب” و”منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين” ذلك أنه في حال كالتي نوهنا عنها، لا يمكن للدين أن يكون كمعتقد، معتقدا جامعا، إلا في إطار الآخذين بواحدٍ من مذاهبه أو اتجاهاته الفلسفية منها والزمنية، وفي حال كهذه يبدو الدين مجزئا أيضا حتى “للملة” الواحدة كالمارونية مقابل الأرثوذكسية أو هذه مقابل الكاثوليكية وهذه أيضا مقابل البروتستانتية، خاصة وأن الدين بطبعه أممي النزعة ووراثي بالدرجة الأولى حيث تُلَقَنُ رؤاه منذ الطفولة و التي لا انفكاك من مؤثراتها على مدى الحياة.

هذا ما يمكن ملاحظته في كتابات ماكس فيبر وتحديدا في كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” والذي أسهب فيه كيف أن هذه الأخلاق كانت وراء نشوء الرأسمالية والتي إليها يعود ما نشهده من رقي وتقدم، حتى أن ماكس فيبر البروتستانتي راح يفاضل بين هذه والكاثوليكية متهما الأخيرة بإعاقة التقدم الذي تكتنز ملامحه “الكاليفانية” مفاضلا أيضا بينها وبين البروتستانتية (1) وبين مختلف المذاهب التي تفرعت عنها وفق مبدأ / تكييف الدين وفق متطلبات حياة الأمم وميراثها الثقافي / الذي نراه متغلغلا في مختلف المذاهب الدينية أياً كانت.

فيبر، في كتابه المنوه عنه، لا يتناول اليهودية أو المحمدية أو حتى الأرثوذكسية، فقط الكاثوليكية بمشتقاتها ويبني عليها مختلف ما جاء في “الأخلاق البروتستانتية وروح الرسمالية”، بخلاف سعادة الذي تناول الأديان الأكثر انتشارا في العالم، محاولا التوفيق بينها بما يضمن مصلحة أمته التي كانت مصدرها. بينما حاول فيبر الاجابة عن تساؤل وفق “ريمون أرون”(2): “إلى أي مدى تؤثر التصورات الدينية عن العالم والوجود في السلوك الاقتصادي؟” مقررا وفق “ريمون أرون” أيضا: “1- أن سلوك الأفراد في مختلف المجتمعات يفهم في إطار تصورهم العام للوجود وتعتبر المعتقدات الدينية وتفسيرها إحدى هذه التصورات للعالم والتي تؤثر في سلوك الأفراد والجماعات بما في ذلك السلوك الاقتصادي. 2- إن التصورات الدينية هي بالفعل إحدى محددات السلوك الاقتصادي ومن ثم فهي تعد من أسباب تغير هذا السلوك”. هذه المسألة لم يتناولها سعادة لأسباب شتى أبرزها بل وأهمها كما يقول: “إن سورية تحيا اليوم ليس في القرن العشرين في حالتنا الحاضرة، إنها تحيا في القرون المتوسطة، فالنظام الاقتصادي فيها لا يزال نظام القرون المتوسطة”. لقد تناول سعادة في كتابه “الاسلام في رسالته” في مقابل فيبر وكتابه “الأخلاق البروتستانتية” ما تعاني منه أمته من انقسام مذهبي، طائفي، مللي. وما قد يستتبع ذلك من انقسام وتجزئة وتشتت يقول: “إننا في الحزب قد بطل أن نكون محمديين أو مسيحيين، أو دروزاً، وصرنا سوريين قوميين اجتماعيين فقط في كل ما يعني الاجتماع والسياسة، وترك الحزب في مبادئه حرية الاعتقاد الفردي الديني لكل عضو فيه ولكل عضو في الدولة القومية الاجتماعية”.

يبقى السؤال الذي يحكم مختلف التراث الفيبري هو: “لماذا ظهرت الحداثة العلمية والتكنولوجية والبيروقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية فقط؟ بمعنى آخر: لماذا تطورت العقلانية في هذه المنطقة من العالم أكثر مما حصل في سواها؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن الحداثة تعني عقلنة العالم: أي دراسة العالم بشكل علمي، موضوعي، عقلاني لا بشكل غيبي، ميتافيزيقي، خرافي. هنا يكمن الفرق بين مجتمعات الحداثة والمجتمعات التقليدية. فهذه الأخيرة تسيطر عليها الرؤيا القديمة المليئة بالخرافات والمعجزات والأساطير. ثم جاءت الحداثة فتبخرت كل هذه الأساطير والخرافات وتم نزع السحر عن العالم وبدا العالم على حقيقته المادية والفيزيائية والبيولوجية” بينما بقي السؤال الرئيس عند سعادة: “ما الذي جلب على أمتي هذا الويل؟” والفرق بيِّن بين السؤالين من حيث المستوى الذي جاءت به كل من الفيبرية والقومية الاجتماعية، ففي كتابيه “مفاهيم أساسية في علم الاجتماع” و”الاقتصاد والمجتمع” أطلق فيبر لنفسه العنان لتمجيد النزعة الفردية باعتبار الفرد مقياس الحقيقة، وإن تكن غير الكاملة أو أن الحقيقة تبقى أشمل حتى مما قد يكتشفه الفرد منها، يرد سعادة على ذلك قائلا أنه إذا كان الفرد مقياس الحقيقة، فلن تكون هناك حقيقة بل حقائق عددها عدد الأفراد، فالحقيقة من حيث هي وجود ومعرفة لا يمكن تجزئتها لعدد لا متناه من الجزئيات الفردية، خاصة اذا ما كانت الحقائق تُعنى بحياة الأمم، وعليه يصب سعادة جام غضبه على النزعة الفردية محذرا منها ومن مضارها على حياة الأمم، مناهضا ما جاء به فيبر الذي أخذ الوجه الحضاري من الفردية والتي هي وفق سعادة تحمل في طياتها كل ما هو تقدمي حيث “العوامل الفاصلة في التاريخ هي العوامل النفسية والفردية”، فيبر يأخذ هذه الوجهة ويبني عليها فلسفته الاجتماعية، يقول: “الفعل الاجتماعي ـ بالتعريف الفيبري صورة للسلوك الإنساني الذي يشتمل على الاتجاه الداخلي أو الخارجي الذي يكون معبراً عنه بواسطة الفعل أو الإحجام عن الفعل، إنه يكون الفعل عندما يخصص الفرد معنى ذاتياً معيناً لسلوكه، والفعل يصبح اجتماعياً عندما يرتبط المعنى الذاتي المعطي لهذا الفعل بواسطة الفرد بسلوك الأفراد الآخرين ويكون موجهاً نحو سلوكهم”. وعليه، فلا بدَّ لفهم السلوك الاجتماعي أو الظواهر الاجتماعية على مستويين الأول على مستوى المعنى للأفراد أنفسهم والثاني على المستوى الجمعي ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة. يتضح أن فيبر أعطى لمفهوم الفعل الاجتماعي معنى واسعاً كل السعة بوصفه الموضوع الأساسي للبحث السوسيولوجي من وجهة نظره فلقد ضمنه كافة أنواع السلوك ما دام الفاعل يخلع عليه معنى. والمعنى هنا، كما أوضحه “ريمون أرون” السلوك في ضوء الغرض والمرمى الذي يسعى إلى تحقيقه الفاعل”. وبالتالي فلا بدَّ من “فهم المعنى الذي يخلعه الإنسان على سلوكه وهذا المعنى الذاتي بالطبع هو المعيار الذي على أساسه يمكن تصنيف الأفعال الإنسانية توطئة لفهم بناء السلوك”، وهذا ما دفع فيبر لتنميط الفعل كما سبق ونوهنا عنه في تناولنا لأعمال ماكس فيبر، لذا كانت. “العلاقة الاجتماعية عند فيبر تعني تبادل الأفعال بين الأفراد على أساس فهم كل منهم للمعاني التي يضيفها كل فرد على سلوكه” هذا الفهم الفيبري للفردية يناقض فهم سعادة لها، ذلك أن سعادة يعتبر أن الفردية شيء يتناقض والمجتمعية من حيث أن المصلحة هي كل ما يولد عملا اجتماعيا وفي هذا السياق تبدو الفردية متعارضة والمصلحة المجتمعية يقول: “من الأول رأينا أن النزعة الفردية والرأي النفعي الفردي الشخصي هما مرض من أعظم الأمراض، وصعوبة من أعظم الصعوبات الداخلية التي يجب أن نتغلب عليها لنواجه العالم الخارجي كوحدة متينة وإرادة واحدة. الشخصية الفردية المنافية لنفسية الأمة وشخصيتها وارتقائها. القضية هي قضية كل المجتمع لا قضية الفرد، لكل فرد منهم قضية تختلف عن قضية الفرد أو الأفراد الآخرين. القضية هي حياة المجتمع وقضية مصير المجتمع. قضية ارتقاء المجموع أو انحطاط المجموع قضية جمال حياة المجتمع لا قضية جمال حياة الفرد. يوجد بعض المجتمعات في العالم لم يمكن أن تصل إلى هذه النقطة من التفكير. وبالنظر لحالة نجاح أو لحالة استقرار واطمئنان وبحبوحة في حياتها، يوجد من يظن أن عدم وصولها لها، ــ إلى هذه النقطة ــ هو الفاعل الرئيسي في نجاحها في حياتها. إن هذه النظرة هي نظرة خاطئة لأنها لا تشبه نظرة شعوب أخرى شددت على الناحية الفردية من الأمور أو لم تجد ما يدفعها على وجوب التشديد على الناحية الاجتماعية، على الناحية المجموعية. إذا أخذنا أميركانية مثلاً نجد أن الأميركان مولعون ولعاً شديداً بالتكلم عن الشخصية الفردية والشعور الفردي وسائر شؤون الفرد. والبعض منا وأعني بهذا البعض الذين لم يدرسوا أسباب الأشياء يظنون أن هذا منتهى درجات الرقي في التمدن والنظرة الاجتماعية الإنسانية. ولكن الواقع هو غير هذا. الواقع هو أن الأميركان لم يكونوا قد وصلوا، ولست أدري بالتدقيق إذا كانوا قد وصلوا إلى هذه الدرجة التي أشرت إليها في مقدمة “نشوء الأمم” ــ درجة الوعي للشخصية الاجتماعية. إنهم شعروا مرة واحدة فقط بنظرة الجماعة وبفرق المجتمع والجماعة. تلك كانت في الوقت الذي احتاج الأميركان إلى إعلان الثورة على “المتروبول”.

بعد أن حققت تلك الثورة ما حققت لم يعد الأميركان يشعرون بنظرة المجموع، بنظرة المجتمع، إلى الكون والحياة لأن أميركانية بعد استقلالها وجدت نفسها جسماً عظيماً جداً كبيراً هائلاً بثروته المادية بغناه، بالحديد بالفحم بالزيوت بالحبوب بالماشية بكل ما يحتاج إليه الإنسان. وهي مع هذا الغنى على بعد كبير عن أي مجموع آخر يمكن أن يكون عدواً مزاحماً على الخيرات والبلاد. كان بعدهم وعظم جثة الوطن الأميركاني من عوامل الاطمئنان مع السعة الداخلية في البلاد، فانصرف الناس إلى الشؤون الداخلية، إلى مسائل التفاعل الداخلية، إلى المصالح الجزئية الداخلية التي بررت وتبرر نظرة الأميركان إلى الكون والفن. لم توجد الولايات المتحدة بحاجة إلى مجهود روحي لكي تصبح عظيمة، لذلك نجد، حتى حروبها، فاقدة المعنى الروحي العظيم ونرى أن دخولها حرب 1914 ــ 1918 كان من باب الدفلوماسية. في الحرب الأخيرة لم نجد مبدأ واحداً اقتصادياً ــ روحياً أو غير ذلك فاعلاً من الناحية الأميركانية يحتاج إليه العالم وتحتاج إليه الإنسانية في سيرها. أما الديمقراطية التي ناضلت أميركانية لأجلها، ليست مبدأ أميركانياً ولم تضف أميركانية إليه شيئاً من ذاتيتها غير هذا التراخي. وهنا فيما يسمونه “الأميركان كوميونتي” نجد أمثالاً كثيرة من التراخي الأميركاني البديع الذي أصاب مرضه بعض المشتغلين معهم أو المتعلمين عندهم أو الأساتذة المشتغلين معهم. أما نحن فمجتمعنا هو غير المجتمع الأميركاني، لذلك وجب أن تكون نظرتنا وجهادنا في نفسنا من أصل الأغراض الأساسية الكبرى التي تتم بواسطة نفسنا. في الكلام على هذين المبدأين، خصوصاً على المبدأ السابع تناولت نواحي نفسية وسياسية. ومن النقاط الأخيرة الهامة التي تناولتها كانت نقطة النظرة الفردية والنظرة المجموعية أو الجماعية وهذه الأخيرة هي وجهة نظرنا نحن. وضربت مثلاً على الأسباب التي تحمل مجتمعات معينة على الأخذ بوجهة نظر أخرى، مما يحمل البعض من غير الدارسين والمنقبين على الظن، أننا نحن هم المتأخرون في طريقة التفكير عما وصلت إليه بعض المجتمعات الراقية وبينت أن المسألة بالعكس تقريباً. ضربت مثلاً أميركانية أو الولايات المتحدة الأميركية من حيث النظرة الفردية إلى الحياة فيما يختص بعلاقة الفرد بالمجتمع وأبنت أن الأسباب التي تحمل مجتمعاً كمجتمع أميركانية على الأخذ بوجهة نظر من هذا النوع هي أسباب ضخامة وكبر أرض الولايات المتحدة الأميركية، الغنية بمواردها الطبيعية من معادن وحبوب وماشية إلى آخره. ومن جهة أخرى بعد تلك الأرض عن أراض متاخمة تقطنها شعوب عدوة للشعب الأميركاني. فكبر البلاد وغناها وبعدها عن أن تكون محاطة بأعداء تحتاج إلى تضامن وثيق للدفاع عن نفسها، جعل طابع الحياة في الولايات المتحدة الأميركية طابع التراخي المجموعي الذي يظهر في هذه النظرة الفردية أو الإفرادية إلى الحياة”. هذا على المستوى الاجتماعي، أما على المستوى الاقتصادي فسعادة يرى ـ وفق الحال التي عليها أمته أن “أن هذه الحالة (الاقطاع) تمثل تأخراً عظيماً من الوجهة الاقتصادية بالمعنى القومي، لأنها تضع مساحات واسعة من الأرض في أيد فردية غير شاعرة بالمصلحة القومية والترابط القومي الاقتصادي، يتصرف الفرد بهذه المساحات من الأرض وفاقاً لنظرة فردية محض، بصرف النظر عن أي فكرة اجتماعية أو معنى أساسي عام. ومن هنا ينشأ إجحاف للبلاد وإجحاف بفئات من الناس تعمل في الأرض تحت سيطرة وسلطة مطلقة من الإقطاعي الذي، وإن لم يكن معترفاً به إقطاعياً قانونياً، فإن الامتيازات التي يتمتع بها تجاه الحكومة وتجاه الشعب تجعله ذا سلطة مطلقة يتصرف بالناس في إقطاعه تصرف المالك في ملكه أو السيد في عبيده”. يضيف قائلا: “يضع هذا المبدأ (يقصد تنظيم الاقتصاد على أساس الانتاج) حداً للتصرف الفردي المطلق في العمل والإنتاج، الذي يجلب أضراراً اجتماعية كبيرة، لأنه ما من عمل أو إنتاج في المجتمع إلا وهو عمل أو إنتاج مشترك أو تعاوني”. ولا يكتفي سعادة في المثال الأمريكاني على ما تحمله النظرة الفردية من مساوئ، بل يضرب مثالا آخر هو فرنسا، يقول: “قد يخطر للبعض أن فرنسة مثلاً، تقرب مثلاً آخر من أمثلة الفردية إلى الحياة، وهذا صحيح. ومثل فرنسة يأتي مثلاً آخر لتأييد وجهة نظرنا في الموضوع. إن فرنسة قد خسرت حربين متتاليتين. وأنا أقول إن تدهور فرنسة من النظرة الفردية إلى الحياة، والنظرة الفردية إلى الحياة هي المسؤول الأول والأوحد عن انكسارها التام وانسحاقها في حربين عظيمتين. إن التراخي الفردي وفقدان الوجدان المجموعي المتين والاتجاه الموحد في الحياة الذي يجمع وحدة الأمة في إرادة واحدة واتجاه واحد هو المسؤول عن عدم تمكن فرنسة من الثبات والنهوض إلى حياة جديدة بعد الانكسار في حربين متتاليتين. ولو ذهبنا ندرس مظاهر التطور النفسي في فرنسة في أواسط الحرب العظمى الأخيرة لوجدنا حالة انحلال غريب في الأمة الفرنسية، ثم لوجدنا كيف تحاول أن تكتشف مبدأ أو نظرة جديدة تنقذها من حالة التضعضع التي وصلت إليها بعامل النظرة الفردية التي تسلطت مدة طويلة من الزمن. بعد الهدنة مع ألمانية وقيام حكومة فيشي، بدأ الفرنسيون يبحثون عن مبادئ أو نظرات في الحياة جديدة يمكن أن ترفع المجموع الفرنسي إلى مرتبة أمة ناهضة مستعيدة لحيويتها، ولكن ذلك كان عبثاً”. المثال الأكثر وضوحا حول النزعة أو النظرة الفردية يطرحها سعادة عن حال أمته يقول: “الفردية، خصوصاً في بلاد كبلادنا، لم تكن لها تربية قومية ولا وعي قومي ولم تتمكن أن توقظ شيئاً قومياً لا في طلبة المدارس ولا في فئة ولا في مجموع. ينشأ الفرد منا في حالة من هذا النوع غير شاعر إلا بمسائل وقضايا محدودة تختص بدائرته هو، مصيره هو، مهما كان مصير مجموع الأمة، مجموع الدولة أو الجماعة الكبرى. فالرسمال الفردي الآخذ في أن يزداد أمام أعيننا في هذه البلاد ويسيطر على مصير هذه البلاد والشعب، هو من أسوأ حالات الرساميل في العالم على الإطلاق. وطبعاً لكي يمكن أن ننظر في حالة العمل والعمال والرسمال يجب أن نصل إلى الطور الصناعي وإنّا بدون شك نرى أنه لا بد للدولة القومية المقبلة من أن تسير في إيجاد حالة صناعية في هذه البلاد تخرج الأمة من حالة الرق للنظام الرسمالي القائم على الصناعة الكبرى في الأمم الكبيرة المتقدمة. إن الأمة التي تبقى في حالة زراعية محض تبقى حتماً مستعبدة للأمة التي هي منظمة صناعياً، تنظيماً عالياً يمكنها من إحداث الآلات الصناعية والحربية لإخضاع أي شعب لا يخضع لأحكامها الاستبدادية. من هذا يعني أننا لا نرمي إلى إبادة الملكية الشخصية كملكية عملية ولا إلى أخذ الرسمال من أيدي الأفراد رأساً ونزع حق التصرف من أيديهم، ولكن يعني أن الأفراد الذي يتصرفون الآن بالرسمال تصرفاً فردياً يتصرفون به تحت إشراف الدولة لضبطه وتوفيقه لأنهم مبدئياً مؤتمنون عليه ائتماناً من قبل المجتمع يبقي لهم قوة الاستنباط والتفنن لإنتاج ما يشعرون بأنفسهم الكفاية لإنتاجه، ويتصرفون بحرية ضمن شروط تضعها الدولة. ولكن يكون من حق الدولة أن تنظم للأفراد وتحدد لهم وتسن القوانين اللازمة لضبط الإنتاج وتقسيم العمل وتوزيع الإنتاج الحاصل من العمل فلا يعود الرسمالي الفردي، من جهة حقوقية، حراً في أن يتصرف تجاه العمال وتجاه الذين يستأجرهم أو يستأجر منهم الأرض أو ما شاكل ويفعل ما تمليه مصلحته الفردية بصرف النظر عن مصالح المشتركين معه في الإنتاج والذين يجب أن يكون لهم حق في نصيب من الإنتاج. وهذا يعني أن الإقطاعات الكبيرة التي تظهر اليوم بمظهر ملك شخصي تحتاج إلى إعادة النظر من قبل الدولة فيها وإلى إعطائها اتجاهاً يحرر جماعة كبيرة من الناس ويعطيها المجال لتتحرر في نفوسها ولتعمل على أساس جديد يساعد على رفع مستوى حياتها والحصول على حياة أليق بالإنسان من الحياة التي يحياها اليوم. وهذا لا بد منه لأنه كما قلنا إن النظام الاقتصادي السيئ الذي يجعل مئات وألوفاً من الفلاحين في حالة من شظف العيش، في حالة من الجهل، في حالة من المرض والبؤس، لا يمكن لدولة عصرية من تثبيت نفسها في تنازع البقاء. إذا احتاجت الدولة إلى هؤلاء الألوف في حالة حرب مثلاً، وجدت أنها لا يمكنها أن تستند إليهم في الحرب فكيف تستند إلى رجل خمدت في نفسه عوامل الحياة وشوهته الأمراض وأقعده الذل ليكون بطلاً يحارب بكل قلبه وكل نفسه من أجل وطنه وأمته اللذين يجد فيهما تحقيقاً للحياة المثلى التي يريد ويطمئن أن يحياها. لذلك نحن لا نقول بالنقابات نظاماً ولكن نقول بالتصنيف الفني للإنتاج، والتصنيف الفني لا يعني النقابات المحاربة لتصل إلى حقوقها، بل يعني إيجاد الأسس الصحيحة التي يصير فيها التوزيع مع حفظ نظر الدولة في المسائل الأساسية. لأنه لا يمكن أن نعني إلغاء الرسمال بالمرة، لا يمكن إلغاء الرسمال كرسمال بالمعنى الجاري، لا يمكن تعطيل الرسمال دون تعطيل المجتمع. إن الرسمال يمكن أن يتحول من حالة إلى حالة ولا يجوز أن يلغى أبداً. وإذا منع التصرف بالرسمال الفردي، فلا يعني ذلك منع الرسمال بل منع الاستبداد بالرسمال من قبل فرد ضد مصلحة المجموع. والأمة الناهضة لا يمكن أن تفكر أبداً بمسألة جنونية كإلغاء الرسمال مثلاً، إن الرسمال ضمان وفي حالة اقتصاد لا قومي لا يلام الرسمال الفردي إذا طلب المزيد من رسماله لأن ليس له العلم بما يحاربه به الزمن. الضمانة الوحيدة للرسمال الفردي هي أن يزداد ويزداد للنهاية. الرسمالي الفردي لا يدري ما يحدث إذا نشبت حرب غداً أو اعتداء من أمة من الأمم يصدر إليها، أو أصدرت تلك الأمة قوانين منعت ما كان يصدره. إنه يحتاج إلى ضمانة من رسماله يواجه بها الأحداث التي لا يعلم متى وبأية كيفية تأتي.

وكذلك الأمة في نضالها وحياتها لا ينتظر أن تستغني عن المحشود الحاصل بمعنى رسمال في أية طريقة من الطرق، في حالة تحتاج فيها كل أمة إلى النظر وإلى الاحتياط للأحداث الأنترنسيونية التي يمكن أن تحدث لها بين لحظة وأخرى، خصوصاً في عصر ارتقت فيه الضربات وارتقت فيه المبادئ، كمبدأ الهجوم الدفاعي مثلاً: نحن نخشى هجوم أمة علينا فنهاجمها من غير سابق إنذار. كالحالة التي نشأت في الحرب. وكالحالة التي حدثت في الحرب الأخيرة، حالة اللامحاربة التي لا يقصد بها الحياد بل التوقف عن الحرب مؤقتاً. وقواعد كثيرة تزداد تراكماً كلما ازدادت البشرية اختباراً.

إن سوء الحالة الاقتصادية ليس من الآلة بل من النظام السيئ تنمّيه النظرة الفردية اللامسؤولة عن المصير القومي في استخدام الآلة الحديثة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ـ البروتستانتية، مذهب أنشأه “مارتن لوثر” الألماني في مرحلة النزاع مع السلطة البابوية في رومة، وهو مذهب يعكس كيف أن الاجتهاد الديني ما هو إلا محاولة لتكييف الدين وفق متطلبات الحياة أمة من الأمم.

(2) ريمون أرون، هو من قام بجمع شتات التراث الفيبري بعد وفاة الأخير وأضاف الكثير عليه وفق ما فهمه من هذا التراث.