#دراسة مقارنة بين القومية الاجتماعية والمادية الديالكتيكية

مدخل:

 

تعرضت الماركسية ( المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية) عبر مسيرتها الطويلة 1840 تاريخ (صدور البيان الشيوعي) و1983 ( بداية انهيار الاتحاد السوفيتي) لكثير من التطورات عبر الاجتهادات الكثيرة التي مارستها الأحزاب الشيوعية(الليلينية، التروتسكية ، الماوية ..) من خلال تجربتها في محاولتها وضع حلول للمشكلات الكثيرة التي واجهتها في التطبيق العملي لنظريتها الفلسفية والتاريخية وحتى التنظيمية، مما دفع بالكثيرين للتقليل من أهميتها في التطورات التي دفعت هي نفسها اليها، والتي يمكن اختصارها بكيفية اعتماد الرأسمالية لمقولات الماركسية دون تسميتها / النقابات، حقوق العمال والفلاحين والنساء والأطفال وحتى البيئة الرخاء الاجتماعي، الشيخوخة الخ.. / في محاولتها صد الاندفاع الشعبي نحو الماركسية الشيوعية، بينما تبنت الماركسية السوفيتية ( اللينينية ) دكتاتورية الدولة، التي اتهمت فيها الدولة الرأسمالية من حيث أنها ( الدولة) أداة قمع أولا وأخير داعية الى تلاشيها في مجتمعها المشاعي الأخير وتحولها في أحسن حالاتها الى ما يشبه مصلحة البريد، بينما مارست في التطبيق السوفيتي للماركسية ـ اللينينية أبشع أنواع القمع ، خاصة في العهد الستاليني وما بعده، وفي محاولتها نشر تعاليمها حول العالم، استهلكت مختلف طاقات الاتحاد السوفيتي مما أوقعها في أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية كثيرة ، مما كان له أثره في الانهيار الأخير للاتحاد السوفيتي، بينما بقيت في الصين ( الماوية) دكتاتورية تنأى بنفسها عن كل القضايا خارج حدودها و تسخر مجمل الجهد الصيني لمنافسة اقتصادات عالمية، فخرجت للعالم كقوة اقتصادية منافسة لأكبر اقتصاد في العالم “الولايات المتحدة الأمريكية”، كما تمكنت كوبا من مقاومة الحصار المفروض عليها غربيا لمدى زمني يزيد على النصف قرن..

نحن هنا نتناول ما انتهت اليه في الاتحاد السوفيتي من الوجهة النظرية أي (الماركسية اللينينية)..

في محاولتنا وضع هذه الدراسة في مستوى الثقافة العامة وبشكل يطرح المفاهيم الفلسفية في أبسط صورها وإشكالياتها سعيا وراء تثبيت جملة من هذه المفاهيم مركزين على بعض النماذج دون أخرى مما يضفى على البحث صفة التكرارية حينا والاستطراد والاسهاب حينا أخر..

يأتي القسم الأول من هذه الدراسة متناولا المقدمات في الفلسفتين ( المصطلحات الفلسفية والتاريخيةـ الاجتماعية) بغية بيان نقاط الالتقاء والاختلاف، على أن نتناول في القسمين الأخرين (الثاني والثالث) المحاور التي تستند اليها كلا الفلسفتين المادية الديالكتيكية والمدرحية من جهة والمادية التاريخية والقومية الاجتماعية من جهة أخرى..

تمهيد:

مواصفات البحث النقدي:

إذا كان للبحث النقدي من مواصفات يتمتع ويتميز بها عن سواه من الأبحاث، فإن هذه المواصفات لتبدو أكثر إلحاحا عند تناول فلسفتين متعارضتين الى هذا الحد أو ذاك، خاصة إذا كان الباحث بذاته منتميا وملتزما بإحداهما دون الأخرى، كما هي الحال هنا، فما هي المواصفات التي عليه الالتزام بها ليأتي البحث في منتهى الدقة والشفافية على الرغم من تشابك هذا وذك لدقة ورهافة وتعقُدِ البحث فلسفيا واجتماعيا؟

الموضوعية:

بمعنى التجرد في الحكم والتنزه والترفع عن كل ما من شأنه أن يودي بصحة وسلامة التأويل والاجتهاد اللذين نعتمدهما ها هنا باعتبارهما السبيل الوحيد للخلوص بنتائج مرضية، لكن الموضوعية متناقضة والالتزام، بشكل عام فما مدى تعارضها مع وضع كالذي نحن به؟

سؤالٌ لا بدَّ من طرحه لنتبين من خلاله مدى التزام الباحث أولا بالفلسفة التي يلتزم بيان مفاهيمها وتاليا مستوى الموضوعية التي يدعي ضرورة اعتمادها منهجا لهذا البحث المقارن!

اذا كانت المدرحية قد اعتمدت مبدأ ” أنه في المبادئ التي تمت الى الانسان الحر بصلة لا يمكن الاستناد الى أي قولٍ استبدادي مطلق لتقرير حقيقة إنسانية أو لها علاقة بالإنسان ـ المجتمع “فمدى التزام الباحث بهذا المبدأ لا بد وأن ينعكس على ما يطرحه من مقارنات بين الفلسفتين موضوع البحث..

المعرفة:

إذ لا معنى للموضوعية في ظل ضيق الأفق أو المعرفة الجزئية أو المجتزأة أو الحرفية القاتلة التي لا ترى أفقا للمفردة أو المصطلح في الإطار العام والتي تأتي عليها أيٌ من الفلسفتين في الوجه الخاص.. خاصة وأن القومية الاجتماعية تنص في إحدى مقولاتها المعرفية على ” أن الوضوح ـ معرفة الأمور والأشياء معرفة صحيحة ـ قاعدة لا بدَّ من اتباعها في أية قضية من قضايا الفكر الإنساني ” وعلى ذلك تؤكد القومية الاجتماعية في مقولتها المعرفية الثانية على ” أنه بعد الاطلاع يمكن تكوين رأي وحينئذٍ لا يبقى مجال لحدوث بلبلة.. وهذا لا يتم إلا بالدرس المنظم والوعي الصحيح لأن الأمور تحتاج الى تفسير وتوضيح بالنسبة للمسائل الكبرى التي تواجهها..”

وحدة القضية:

وحتى يبلغ البحث النقدي مرتجاه، هدفا، لا بدَّ له من قضية يعالجها تكون محور موضوعيته، وهذا ما سنحاول تبيانه في سياق القسم الأول من هذه الدراسة (المصطلحات)، ويشكل بالتالي مرتكزا أساسياً لنا، فعبر وحدة القضية ننتقل للقضايا الفرعية التي تتناولها القضية الأساس، لنصل في نهاية المطاف لماهية تناول إحدى الفلسفتين قضايا لم تتطرق لها الفلسفة الأخرى..

مواصفات خاصة:

إذا كان ما تقدم من مواصفات ملازمة لأي بحث نقدي أيا كان موضوعه، فلا بدَّ لهذا البحث بالذات، من مواصفات خاصة تحول بينه وبين الخروج العقدي عن العقيدة التي التزم بها الباحث، عبر الاجتهاد أو التأويل غير المستند لمرتكزات أساسية في الفكر القومي الاجتماعي، عملا بالقاعدة المعرفية الأولى التي سبق ونوهنا لها والتي تفترض أنه” علينا أن نفهم فلسفة الحركة لندرك كيف تعالج الأمور..”

من جهة أخرى، أنه ” اذا كان شرط اعترافنا بحق أو خير أو جمال في العالم هو أن نرى نحن ذلك الحق وذلك الخير وذلك الجمال أو أن نشترك في رؤيته..” بما يعني أنه إذا كانت لنا نظرة الى الحياة والكون والفن نابعة عن عقيدتنا، فلسنا بهذه الحال مضطرون للاستشهاد بغير هذه النظرة كمقياس للحقائق التي نأخذ بها، فلسنا بأي حال من الأحوال مضطرون للذهاب الى الفلاسفة الغربيين أو الشرقيين للتأكيد على صحة وجهة نظرنا في ما نراه حقا وخيرا وجمالاً،خاصة وأنهم غير متفقون على ما يمكن من خلاله اعتمادهم كمراجع لنظرتنا الخاصة ، وبما لا يعني” أنه لا يمكن لنفسيتنا أن تتفاعل مع النفسيات الأخرى.. بل يفسح المجال لهذا التفاعل..” على قاعدة ” أن الاستقلال الفكري والشعوري والنفسي لا يعني مطلقا الانعزال عن العالم أو الانعزال التفاعل مع العالم “

مواصفات خاصة:

إذا كان ما تقدم من مواصفات ملازمة لأي بحث نقدي أيا كان موضوعه، فلا بدَّ لهذا البحث بالذات، من مواصفات خاصة تحول بينه وبين الخروج العقدي عن العقيدة التي التزم بها الباحث، عبر الاجتهاد أو التأويل غير المستند لمرتكزات أساسية في الفكر القومي الاجتماعي، عملا بالقاعدة المعرفية الأولى التي سبق ونوهنا لها والتي تفترض أنه” علينا أن نفهم فلسفة الحركة لندرك كيف تعالج الأمور..”

من جهة أخرى، أنه ” اذا كان شرط اعترافنا بحق أو خير أو جمال في العالم هو أن نرى نحن ذلك الحق وذلك الخير وذلك الجمال أو أن نشترك في رؤيته..” بما يعني أنه إذا كانت لنا نظرة الى الحياة والكون والفن نابعة عن عقيدتنا، فلسنا بهذه الحال مضطرون للاستشهاد بغير هذه النظرة كمقياس للحقائق التي نأخذ بها، فلسنا بأي حال من الأحوال مضطرون للذهاب الى الفلاسفة الغربيين أو الشرقيين للتأكيد على صحة وجهة نظرنا في ما نراه حقا وخيرا وجمالاً، خاصة وأنهم غير متفقون على ما يمكن من خلاله اعتمادهم كمراجع لنظرتنا الخاصة، وبما لا يعني” أنه لا يمكن لنفسيتنا أن تتفاعل مع النفسيات الأخرى.. بل يفسح المجال لهذا التفاعل..” على قاعدة ” أن الاستقلال الفكري والشعوري والنفسي لا يعني مطلقا الانعزال عن العالم أو الانعزال التفاعل مع العالم “

وعليه يمكننا التقدم لدراسة مقارنة بين الفلسفتين المادية التاريخية والقومية الاجتماعية باعتبارهما التطبيق العملي لموقفين فلسفيين عُرفا بالفلسفة المادية الديالكتيكية والمدرحية..

من حيث المبدأ، لا يمكن المقارنة بين مسألتين، كائنا ما كانتا، إلا إذا تناولتا موضوعا واحدا، فوحدة الموضوع شرط لازم وكافٍ لقيام المقارنة، وإلا فنحن نعبث في موضوعٍ لا علاقة له بالآخر المعني بالمقارنة.

بداية، لا بدَّ لنا من التنويه أن ما يدفعنا لمقارنة الفلسفتين الديالكتيكية والمدرحية، كونهما فلسفتين لهما موضوع واحد هو الكون والحياة الإنسانية، فهما إسقاطان لمقولات كونية على حياة الانسان وصيرورته، بينما اقتصرت باقي الفلسفات على واحدٍ من هذين الموضوعين، مادي، رأى أن الكون وفي مجمله الانسان، ليس بمخلوق وأنه علة ذاته، وأن الانسان، وتحديدا وعيه، ليس مستمدا إلا من ذاته، وأن موضوع وعيهِ هو الكون والحياة، وأن له من القدرات ما يمكنه من النفاذ لجوهر الوجود، ومعرفة كنههِ ومساره في صيرورته، بينما اقتصرت الفلسفات الروحية( المثالية) على مبدأ أنه يستحيل كون الشيء علة ذاته وأن وعيه ليس بأكثر من ظلالٍ للذات الكبرى والأسمى (الله) وأن المعرفة لا تتعدى الظاهر من الأشياء لأن الجوهر غير مدرك بل ويستحيل ادراكه، وبين هذه وتلك ظهرت فلسفات حاولت التوفيق بين الموقفين الآنفي الذكر، واستعارت في محاولتها هذه مقولات ومفاهيم تارة من هنا وتارة أخرى من هناك، فراوحت في ذات الاشكالية المعرفية التي لم تنتهي الى ما كانت عازمة على توضيحه، ميزة المادية الديالكتيكية والمدرحية، أن لهما مقولات ومفاهيم خاصة بكلٍ منهما، رغم وحدة الموضوع، تفترقان هنا وتتحدان في رؤيتهما هناك، فكلا الفلسفتين تقولان بأن الهدف الفلسفي يبقى في كونه اختصارا لجملة القوانين الفاعلة في الكون والحياة، بمعنى أنه يمكن معرفة بداية وصيرورة كليهما وفق قانون واحد أو قانونين أو ثلاثة على الأكثر، وعلى القدر الذي تُختصر فيه مختلف قوانين حركة الصيرورة الكونية والإنسانية، تكون الفلسفة قد بلغت مرتجاها. على سبيل المثال، تختصر الديالكتيكية حركة الوجود والانسان بقانون التناقض، فالتناقض جوهر الأشياء، بينما ترى المدرحية أن التفاعل (خارج إطار المفهوم الكيمائي للمفردة) هو جوهر الأشياء، ذلك أن الوجود والحياة في علاقات تبادلية مع مكوناتهما وأن التناقض ما هو إلا شكل من أشكال التفاعل، وأن الهدف الفلسفي يبقى مقتصرا على محاولة تسخير الوجود لخدمة الحياة بمعرفة مسار صيرورتها والحيلولة دون حركة الحياة ومتجهاتها مع مسار هذه الصيرورة او التناقض معها، وعليه فإن ما تسعى الفلسفة اليه هو تلك القوانين التفسيرية لمختلف الظواهر بهدف تغبرها أو تسخيرها لخدمة الانسان..

التساؤل الذي يطرحه ما تقدم هو: كيف يمكن لهذه القوانين أن تكون تفسيرية وتغيرية بآن؟ وماهية الحقائق التي تأتي بها ومدى صحتها ومقياس ذلك؟ أي كيف تكون الحقائق حقائقا بالفعل؟

تقدم المدرحية أولى شروطها لما سبق، بالقول:” الناموس( القانون أو المقولة) اصطلاح بشري لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة يُقصد به تعين حدوث فعل أو خاصة من أفعال وخواص الحياة أو الطبيعة، لا أن الطبيعة وضعت لكائناتها هذه القوانين وأمرتها بالسير عليها، وفي كل النواميس التي نكتشفها، يجب أن لا ننسى أننا نستخرج النواميس من الحياة فيجب أن لا نجعلها تتضارب والمجرى الطبيعي الذي نعرفه بها، فكوننا اكتشفنا ناموسا أو ناموسين من نواميس الحياة العامة يجب أن لا يحملنا على نسيان الواقع ونواميسه الأخرى، فالنواميس لا تمحو خصائص الأنواع..”( نشوء الأمم ص 129) .

يتضح من هذا التعريف المدرحي للناموس (القانون أو المقولة) أنه:

– 1 صياغة بشرية، أي أنه يحتمل الخطأ والصواب.

– 2 موضوعه الحياة والطبيعة.

– 3 شرط صحته، عدم تضاربه والمجرى الذي نعرفه به.

– 4 ليس هو الناموس المطلق أو الأخير في سلسلة نواميس الحياة أو الطبيعة.

– 5 لا يتعارض وغيره من النواميس العامة أو الخاصة ” فالعام لا يمحو الخاص”

القوانين في المادية الديالكتيكية :

يتجلى الموقف ذاته في المادية الديالكتيكية فهي ترى” أن مقولات الديالكتيك ( التناقض، الجدل) وقوانينه لم تخترع اختراعا بل استخلصت من الطبيعة والحياة الاجتماعية أي أنها تعكس القوانين الموضوعية القائمة بشكل مستقل عن وعي الانسان .. إن أي قانون إنما يشمل ويعبر عن جوهر كمية كبرى من الظواهر، إلا أن كلا من هذه الظواهر يتمتع بخصائص خاصة.. إن العام لا يوجد خارج المحدود الخاص الفردي..” (المادية الديالكتيكية ـ تأليف مجموعة من الأساتذة السوفييت)

هكذا ليس ثمة خلاف بين الفلسفتين، حول كون النواميس أو القوانين أو المقولات مستخرجة من الحياة والطبيعة ومن ثم فهي شأن انساني كذلك عي الشأن العام في الترابط بين مكوناتهما( الحياة والطبيعة) وأنها لم تخترع والعام فيها لا يتعارض والخاص وأن شرط صحة النواميس أو القوانين عدم تضاربه مع غيره عبر الممارسة التي تقول بها كلا الفلسفتين ميدانا أو ساحة لحصة ما تأتيان به.

” تنويه : سوف نعمد الى ااختصار البحث على مصطلح واحد في كل حلقة لتمكين المتابع من استيعاب مجمل حلقات هذا البحث، علما أن لانتقاداتكم أثرها البالغ في توجيهه الوجهة الصحيحة والسليمة للحيلولة دون أي خروج عقدي..”

 

لو لم تكن الحقيقة مضمون، جوهر، الناموس، القانون، المقولة، لم يكن للأخيرة قيمة، فالمقولة (الناموس ـ القانون) هي مظهر، شكل الحقيقة، التي تعمل على تفسير الوجود (ماديا كان أم روحيا) وتالياً، فإننا أمام ضرورة تعريف الحقيقة، مضمونها، تبدياتها، ظهوراتها، مقياسها، كي تكون ما هي عليه، أي كيف للشيء أن يكون حقيقيا، أي مترابطا متماسكا، كيف يمكننا بلوغ مرتبة حقيقة الشيء، جوهره، مضمونه، محتواه، وتاليا أيضا ما علاقة الحقيقة بقطبيها (الوجود والمعرفة)، كيف نعرف؟ وماذا نعرف؟ ولماذا نعرف؟ تساؤلاتٌ لا بدَّ من الإجابة عليها حتى يمكننا القول عن هذا الشيء أنه حقيقي! فليس كل ما نوده أو نعرفه هو بالضرورة حقيقي!!

الحقيقة في المدرحية:

ترى المدرحية أن الحقيقة قيمة نفسية انسانية، ذلك “أن الانسان وحده هو الذي بميز بين الحقيقة والباطل(الوهم) بالمعرفة..”(1) وهكذا فالحقيقة من حيث هي قيمة، هي علاقة الانسان بمحيطه المادي والروحي، هي علاقة بين شرطي قيامها إذ” لا بدَّ لقيام الحقيقة من شرطين: الأول الوجود بذاته، أي أن يكون الشيء موجودا والثاني أن تتمَّ المعرفة لهذا الوجود “(2) مما يعني:

أن الحقيقة من حيث هي قيمة، هي علاقة تنتفي بانتفاء أحد قطبيها (الوجود والمعرفة)، فليس الوجود غير المستند للمعرفة، أي غير المعروف، قيمة، ذلك أن المعرفة هي التي تعطي الوجود لا تكون له بدونها، يضاف لما تقدم ” أنه لا يمكننا تصور وجوا بدون معرفة أو أن نقول لأي وجود مفترض قيم الحقيقة” على أن لا يعني هذا أن الوجود غير المعروف ليس موجودا، إنما ليست له قيمة الحقيقة لأن لا علاقة للإنسان به عبر المعرفة، الوعي، المسألة هنا بالغة الدقة: فالمدرحية لا ترى أن الوجود من حيث هو فاعلية لها خصائصها أو كما يقول انشتاين ” الوجود جملة من العلاقات” لا يمارس هذه الفاعلية بمختلف خصائصها إلا في اللحظة التي عرفه بها الانسان، المدرحية لا تقول أن الجاذبية لم توجد قبل رؤية نيوتن لتفاحته تسقط، بل ترى أن اكتشاف الجاذبية سمح بتفسير الكثير من الظاهرات المبهمة بالنسبة للإنسان، والتي كان يراها أو يتأثر بها، كما سمح بالخروج الى فلك الأرض وكتشاف خبايا الكون، وتسخير كل مكتشفاته التي قامت على مبدأ الجاذبية لصالح الانسان أو بالأحرى لمعرفة الانسان..

ثم أن المدرحية لا ترى في المعرفة غير المستندة لوجود ما، أن لها، أيضا، قيمة الحقيقة، بل تبقى مجرد تخيل، تصور، تهيؤ، مجرد افتراض ينتظر ما يؤكد مضمونه، أو كما تقول “كل مطلق (وجود) غير واضح(معروف) هو نسبي ( مفترض) مهما قيل أنه مطلق غير نسبي، كل مطلق مبهم هو لا شيء، المطلق الذي هو شيء، هو المطلق الواضح فإذا وجدنا أمامنا مطلقا غير واضح، أو افترضنا أي مطلق افتراضا وابتدأنا نحوم حول هذا المطلق ومعرفته فإننا نكون قد عينا مبهما للخروج من جدل لم نصل به للحقيقة ..” المطلق والنسبي هما في المدرحية مفهومان للتمييز بين المعرفة والافتراض، فالمطلق غير الواضح، ومن منطلق “أن الوضوح هو معرفة الأشياء والأمور معرفة صحيحة” هو كل معرفة تحاول أن تؤكد ذاتها دون أن يكون لها أي تأثير في الوجود، في الكون، في الحياة، لذا كان المطلق المبهم هو نسبي أي مجرد افتراض ينتظر الوقائع لتؤكده.

الحقيقة في المادية الديالكتيكية:

ترى المادية الديالكتيكية أن” جوهر الحقيقة قائم في موضوعيتها وبانعدام الموضوعية تنعدم الحقيقة ” لذا كانت ” الحقيقة موضوعية بالضرورة” وكانت “الحقيقة الموضوعية شكل من أشكال المعرفة الإنسانية إذ لا معنى للحديث عن الحقيقة دون الانسان ووعيه، لكنها موضوعية من حيث المضمون” وعليه، تقول المادية الديالكتيكية: “إذا ما عكست المعرفة ما هو موجود في العالم عكسا أميناً(صحيحاً) فإن هذه المعرفة تعتبر حقيقة موضوعية” وهذا ما دفع لينين للقول:” أن تكون ماديا يعني أن تعترف بالحقيقة الموضوعية التي تعرفنا عليها حواسنا..”

فإذا كانت المادة هي مقولة فلسفية للدلالة على الواقع الموضوعي الذي تعرفنا عليه حواسنا ويوجد بشكل مستقل عنها فإن ما تعنيه المادية الديالكتيكية بــ “الموضوعي” هو، كل ما لا يرتبط وجوده بوجود أو معرفة أو وعي أو رغبة الانسان، وتاليا هو كل ما تعرفنا عليه حواسنا.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل “الوجود” في المدرحية هو ما تعبر عنه المادية الديالكتيكية بــ ” الموضوعي”؟ على اعتبار أن الفلسفتين معا تؤكدان المعرفة لقيام الحقيقة؟

ملاحظة:

مصادر البحث هي نشؤ الأمم، المحاضرات العشر، المادية الديالكتيكيةـ تأليف مجموعة من الأساتذة السوفييت

لا بدَّ لنا من تذكير (المتابعين) أن الفلسفة المدرحية من حيث هي فلسفة اجتماعية تدرس الانسان نشؤاً وارتقاءً، عوامل وأسباب ونتائج، أو كما يقول سعادة:” فموضوع فلسفة الزعيم، هو الإنسان والقيم الإنسانية، لا منشأ الكون”،بمعنى آخر، إن الفلسفة المدرحية، ترى الوجود، في وحدته، غير القابل لتشظيات الوعي في محاولة الأخير فهمه، كما وترى أن الوعي في وحدته أيضا، ولا يقبل تشظياته أيضا، بمعنى أن تناقض مختلف الفلسفات بعضها ببعض ونزوعها للكلية في تفسير الظاهرات الكونية والاجتماعية يعكس تشظيات الوعي في فهم الوجود،” لا يمكن أن يتناقض إنسان سعاده في نفسه في صدد هل الريح ساخنة أم باردة متى كانت ساخنة أو باردة..”

بمعنى آخر، إن الوجود الفيزيائي ليس غير الكيميائي لكن بصورة أخرى وكما هذا ليس سوى العضوي بتجلياته في الوعي الإنساني، فالرياضة على سبيل المثال، من حيث هي صياغة الوجود بعلاقات رياضية هي في آن هندسة مستوية وفراغية ومثلثية ووصفية وتفاضلية وتكاملية..وما حاجة مختلف العلوم رغم تفرعاتها الى الرياضة، إلا دليل على هذه الوحدة، هكذا يمكن تطبيق العلاقات الرياضية في مجال الفيزياء والكمياء وأيضا العلاقات الإنسانية، فلولا تلك الوحدة لما أمكننا ذلك، وأن تعدد النظريات ليس بأكثر من تشظيات للوعي، لفهم الوجود، هذا لجهة الوجود أما لجهة الوعي، فليست الفلسفة سوى المنطق وهذا ليس سوى المنهج، والدين ليس سوى هذه الفلسفة منطقا ومنهجا، كذلك العلم ليس سوى تلك الفلسفة وكذلك مختلف أنواع الفنون، موسيقى ورسم وأدب.. وأن مختلف تنوعات ذلك ليست سوى وحدة تتمظهر للوعي في أشكال شتى وإلا فما معنى أن الوجود محتوى الوعي؟!، ليس المضمون سوى شكله وليس المحتوى سوى مظهره كما وليس الجوهر سوى تبدياته، هذه هي المدرحية والتي من خلالها نفهم كيف أن الحقيقة وجوداً ومعرفة، إذ ليست الحقيقة سوى وجود تمظهر معرفة أو مضمونا في شكل معرفة، الحقيقة ليست وجودا بلا معرفة ولا معرفة بلا وجود، هي وجود معرفي..

…………………

سبق لنا وتساءلنا:” هل (الوجود) الذي تقول به المدرحية هو (الموضوعي) الذي تقول به المادية الديالكتيكية؟”

هذا السؤال وما يتفرع عنه من تساؤلات عدة يبقى محورها يدور حول كون (الوجود أو الموضوعي) مستقلاً عن (الوعي) ويوجد خارجه ولا يتعلق بمعرفته أو رغبته وتلعب (الحواس) دور الوسيط بينهما، لكن وقبل الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نعرف المعنى من مصطلح (الاستقلال عن الوعي) وتاليا، ما المقصود (بالوعي)؟ وكيف تلعب (الحواس) دور الوسيط؟

إذا ما فُهم بـ(الاستقلال عن الوعي ـ “الموضوعي”) ديالكتيكيا، كون الشيء موجوداً حتى تتم له المعرفة، بغض النظر عن كون المقصود بالوعي الله او الفرداً أم الطبقةً أم المجتمع، فإن ذلك لا يتعارض مع مفهوم الوجود في المدرحية، باعتبار أنها تؤكد على ضرورة “كون الشيء موجودا بذاته” لتتم له المعرفة(وعيه) أما إذا فُهمَ من (الاستقلال عن الوعي) أن الموضوعي، من حيث هو محتوى الوعي، فإن القوانين التي تسري على الأول تسري على الثاني، فثمة تعارض بين الفلسفتين!

فالمادية الديالكتيكية، ترى أن المجتمع من حيث هو شكل خاص لحركة المادة، فقوانين هذه الحركة (حركة المادة) والتي جوهرها التضاد أو التناقض أو الجدل، لا بدَّ من أن تنطبق على حركة المجتمع( الوعي)، ليس هذا وحسب بل ويجب تطبيقها بإزالة عوائق هذا التطبيق! تقول “إن المجتمع، من حيث هو شكل من أشكال حركة المادة، فإن القوانين الشاملة لحركة المادة تفعل فيه (في المجتمع) على الرغم من أنها تتجلى هنا (في المجتمع) في شكل خاص، ولهذا نجد أن القوانين (الاجتماعية) المكتشفة فيه (في المجتمع) من قبل المادية الديالكتيكية ـ بخلاف قوانين الفيزياء والكمياء وغيرها ـ لا يمكن تعميمها على معرفة الحياة الاجتماعية بل ينبغي فعل هذا التعميم أيضا”

في المدرحية لا يمكن تعميم أو شمول حركة المادة بمختلف صورها وأشكالها على الحياة الاجتماعية أو تلك التي لها علاقة بالإنسان ـ المجتمع، حيث ترى أنه” في المبادئ التي تمت الى الانسان الحر بصلة لا يمكن الاستناد الى أي قول استبدادي مطلق لتقرير حقيقة إنسانية أو لها علاقة بالإنسان ـ المجتمع” و ” لا أن الطبيعة وضعت لكائناتها هذه النواميس وأمرتها بالسير عليها..” بما يتعارض كليا مع المقولة الديالكتيكية (بل ينبغي فعل هذا التعميم أيضا) والسؤال: هل يمكننا تعميم القوانين المادية على الحياة الاجتماعية أم لا؟ بمعنى آخر، هل تسري هذه القوانين كما في المادة على الحياة الاجتماعية؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، هل كون دوران الأرض في فلك الشمس، باعتباره قانونا موضوعيا، يقارب بوجه من الوجوه دوران (فعل ـ عمل) الفرد في فلك المجتمع؟ وتاليا ما يسري على الأرض من قوانين باعتبارها جزء من المجموعة الشمسية، يسري على الفرد باعتباره جزء من المجتمع؟ مما يدفعنا للسؤال عما إذ كانت حتمية دوران الأرض حول الشمس هي حتمية دوران (فعل ـ عمل) الفرد في فلك المجتمع أو حتمية دوران المجتمع في فلك الإنسانية؟

مما لا شك فيه أن العلاقة بين الفرد والمجتمع هي علاقة عضوية لا انفصام في أي من عواملها وأسبابها وحتى بعض نتائجها، بما يفيد وكأنها علاقة حتمية من حيث ان الكائن البشري هو كائن اجتماعي بالضرورة، على اعتبار أن اجتماعية الانسان سابقة لإنسانيته، بل وكون “الاجتماعية صفة (خاصة) موروثة في الإنسانية” على ما تذهب اليه المدرحية، هذه الخاصة، لا تفيد بأن الفرد يتماهى مع القوانين الاجتماعية كما تتماهى الأرض في جملة خصائصها الفيزيائية مع محورها الذي تدور في فلكه كما بقية الكواكب في المجموعة الشمسية وغيرها من المجموعات الشمسية الأخرى كما تتماهى مجمل هذه المجموعات والنجوم في دورانها في فلك مجرتها وهذه أيضا في فلك عناقيدها، أو كما يقول انشتاين ان الكون مجرد علاقات فيزيائية، ففي الاجتماع الإنساني خاصة تميزه عن اجتماعية الحيوان وعن أي نوع من تلك العلاقات الفيزيائية التي تحكم الكون بصرامة متناهية، الخاصة التي تقول بها المدرحية هي” استعداد الفرد لبروز شخصيته” هذه الخاصة مفقودة في بقية التجمعات الحيوانية والفيزيائية، وبها تتمايز العلاقات الإنسانية عن تلك العلاقات التي تحكم التجمعات الأخرى وعلى الرغم من وجود بعض الخصائص التي قد تتشابه بها مختلف التجمعات كخاصة الفعل ورد الفعل في عالم الانسان وعالم الفيزياء، ” تكيف الأرض الانسان وهو يرد الفعل ويكيفها لكنها هي التي تحدد مدى هذا التكيف وشكله ونوعيته ” على ما تذهب المدرحية أيضا، ومع ذلك تبقى الشخصية الفردية هي ميزة للفرد لا تتمتع بها أي من جزئيات المجموعات الأخرى، فعلاقة الجذب والنبذ بين الأرض والشمس هي ذاتها العلاقة بين الأرض والقمر، تختلف فقط من حيث القوة التي تعود فيزيائيا للكتلة المعنية، لكن علاقة الفرد بالمجتمع من حيث هي علاقة جذب ونبذ، لا تخضع لذات قوانين الكتلة، ذلك أن ” العوامل الفاصلة في التاريخ هي العوامل النفسية والفردية” على ما تذهب اليه أيضا المدرحية، إن لكاريزما الفرد، في هذه الحالة من القوة ما يستطيع الفرد من خلالها قيادة كتل بشرية أكبر بكثير من كتلته المادية، ومع ذلك فهي على كبرها وقوتها تتمحور حول أصغرها بل وتدور في فلكه، كماركس الذي ألهم لينين قائد ثورة أكتوبر وماو قائد ثورة الصين و هوشمنه في فيتنام وكاسترو في كوبا..

إن خاصية بروز شخصية الفرد وتاليا كاريزما الفرد لا يمكن ردها الى أي من قوانين المادة التي لا تتمتع بتلك الخصائص التي يتمتع بها الفرد الإنساني كالاختيار والإرادة، فصحيح كل الصحة أن الفرد ملزم بل ومجبر في أحيان كثيرة للعمل والفعل وفق ظروف وأحوال واوضاع مجتمعه، لكنه، بميزة الاختيار يخرج على هذا الإلزام والإجبار، فكما تقول المدرحية” لا يختار الفرد مجتمعه إلا بقدر ما يختار أمه وأبيه، لكنه فد يفضل أمه على أبيه”، بمعنى أن الفرد قد يختار العيش أو الحياة في مجتمع آخر بديلا عن مجتمعه الذي ولد فيه، بمعنى آخر يستطيع الفرد الخروج عن محوره الذي ولد فيه، وبما يعني أيضا انتفاء ذلك في عالم المادة، فالحتمية أيا كانت وبأي شكل وجدت به، لا يمكن تطبيقها بأي من أشكالها على المجتمع حيث الفرد يمتلك من خاصية بروز شخصيته، الاختيار ومن ثم الإرادة، التي تقرر المصلحة من هذا الفعل أو ذاك كما تذهب المدرحية “. وإذا كانت المصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع فواحدهما سلبيّ وهو المصلحة والآخر إيجابي وهو الإرادة، فالمصلحة هي الّتي تقرّر العلاقات جميعها والإرادة هي الّتي تحقّقها. وبديهيّ أنّه لا إرادة حيث لا مصلحة،. فالمصلحة هي طلب حصول ارتياح النفس. وتحقيق ارتياح النّفس هو غرض الإرادة..”

تقرُّ المدرحية في مقولتها الرئيس “أن المادة تعين الشكل ” لكن ليس بمعنى الحتمية، بل بمعنى أن الانسان قادر على التكيف، مع مستلزمات وقوانين المادة، هذه الخاصية مفقودة في مختلف التجمعات الأخرى، الحيوانية والمادية، فإذا كان التضاد في المادية الديالكتيكية يشكل جوهر الأشياء، فهو كما في المادة كذلك في الحياة الاجتماعية، لكنه هنا لا يعني قطعاً أن الانسان يعيش حالة التناقض والتضاد هذه إلا بمسعى خاصية أخرى هي خاصية التكيف ـ الانسجام، مع محيطه، بما يمكن قوله أيضا على علاقة التوازن الكوني بين أجرامه، لكنها في المثال الأخير هي علاقة لا تطور فيها كما في عالم الإنسانية، إن خاصية التكيف، التغير، التطور، هي خاصية إنسانية محضة، مفقودة أيضا في العالم المادي، إن التضاد الذي نجده في عالم المادة، وإن وُجدَ في عالم الانسان ، على شكل “صراع طبقي” أو صراع القديم والجديد” أو صراع الطبقة الكادحة والبرجوازية والرأسمالية والإمبريالية” لكنه هنا على غير النحو الذي نجده في العالم المادي، فالتضاد الذي نجده في الفرد الإنساني هو تضاد فاعل ينحى منحى التغير، التكيف، التطور الذاتي في عالم الانسان فيدفعه هذا التضاد لمناحي أخرى تستهدف التوافق بينه وبين ذاته من جهة ومحيطه من جهة أخرى وبأشكال مختلفة بين فرد وآخر، وبين مجتمع وآخر وما دليلنا على ذلك سوى ما تقرُّه المادية الديالكتيكية ذاتها في تعريفها “للتشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية ” من كونها ” المجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطوره” وتاليا تباين المجتمعات بين بعضها البعض في كون أحدها يعيش حالة الاقطاع بينما يعيش آخر مرحلة البرجوازية وثالث في مرحلة الامبريالية، وفي ذات الوقت، هذا التباين من حيث هو تعبير عن ” التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية” هو ما ينفي عن المجتمعات الإنسانية خاصية الحتمية التي نجدها في العالم المادي، وخير مثال على صحة ما تذهب اليه المدرحية هو في قول المادية الديالكتيكية” أن القوانين (الاجتماعية) المكتشفة فيه (في المجتمع) من قبل المادية الديالكتيكية ـ بخلاف قوانين الفيزياء والكمياء وغيرها ـ لا يمكن تعميمها على معرفة الحياة الاجتماعية بل ينبغي فعل هذا التعميم أيضا ” بما يعني أنه اذا لم تكن القوانين الاجتماعية التي تكشف عنها المادية الديالكتيكية غير قادرة على الفعل التلقائي( الحتمي) فإنه ينبغي على الانسان، فردا كان أم طبقة أم مجتمعا، القيام بذلك، مما يفيد أن الحتمية التي تحكم العالم المادي، بقوانين صارمة، لا تحكم المجتمع الإنساني بذات القوانين من حيث أن الأولى ثابتة غير متحولة أو متكيِّفة او متغيرة كما في العالم الإنساني.

الوعي (المعرفة) في كلتا الفلسفتين:

في المادية الديالكتيكية:

تبقى المقولة الرئيس في المادية الديالكتيكية تتمحور حول تساؤلها ” ما هو الأسبق: الطبيعة، (الوجود، المادة) أم الروح(العقل، الوعي، الفكرة) ؟ ما الذي كان أولا، المادة قبل الوعي، أم بالعكس، الوعي قبل المادة ” ومن البديهي أن ندرك، أن المقصود بهذا التساؤل هو “الله” وتاليا يمكننا صياغة تساؤلها على النحو التالي: هل الفكرة، الله، كائنا ما كان تعريفه، سابق للوجود؟ أي هل الوجود مخلوق؟ ومنه يمكننا اشتقاق التساؤلات المتفرعة من كون الوعي سابق للمادة أم العكس؟

التساؤل المتقدم كان في بدايات ظهور المادية الديالكتيكية (1840) حيث كان الصراع على أشده بين المثالية ( هيغل ، كانت، وسواهما) والمادية، (ماركس، أنغلز، فويرباخ، روزا لوكسنبورغ..) والذي حُسم في نهاية المطاف لصالح المادية الديالكتية، فالعلوم قد أثبتت أن المكان والزمان في وحدتهما قد ولدا معا، فلا أسبقة للزمان على المكان ولا العكس أيضا، فنظرية الانفجار الكبير( اشعاع هوغينغ) التي قال بها “ستيفن هوغينغ” قد أثبتت ما تقدم!! * أو كما يقول انشتاين ” القمر موجود حتى لو لم أنظر اليه..”

كان الطرح المادي الديالكتيكي، بتساؤله عن :”ماهية العلاقة بين الفكر والوجود أو الروح بالطبيعة..هل الوجود، المادة تحدد الوعي، الفكر، أم بالعكس ” ردا على مجمل الفلسفات المثالية التي ترى “الله” خالقا لما نحن فيه ومسيرا لأقدارنا، ورفضا للتواكلية التي تفرضها تلك الفلسفات” توكل على الله” ومن هنا جاءت مقولة لينين الشهيرة “الدين افيون الشعوب” إذ كان لينين واثقا بأن لدى الانسان القدرة على تغير مجرى حياته، بالإرادة والاختيار، ليس ” الوعي سوى خاصة من خواص المادة الرفيعة التطور، بمثابة نتاج لفاعلية الدماغ (المخ والمخيخ والبصلة السيسائية) نتاج المخ، وظيفة المخ، وبالتالي فإن المخ هو عضو التفكير، عضو الوعي،.. إن الوعي هو الحالة الداخلية للمادة، .. ولا يمكن اطلاقا الفصل بين الوعي والمادة المفكرة ولا ينبغي النظر الى الفكرة، الى الوعي ، على أنه مادة، أو شيء مادي.. إن الوعي الفكرة لا تتمتع بخصائص فيزيائية كالتي تتمتع بها الاجسام المادية..” على أن لا يعني ما تقدم “أن الوعي يعود الى عالم ما من من عوالم ما وراء الطبيعة” مؤكدة ما ذهب اليه “بافلوف” أن توافق الديناميكية مع البنية هو أحد أهم المبادئ الأساسية في نظرية النشاط العصبي العلوي”

الوعي في الفلسفة المدرحية:

أسبقية الوجود ـ الطبيعة على الوعي تؤكده المدرحية بقولها :” لم يعد الادراك البشري.. يقنع بالتّعليلات الخياليّة البحتة المعزوّة إلى افتراض وجود شخصيّة وراء نظام الكون تُحْدِثُ النّظام وتَحْدُثُ بلا نظام، إليها ينسب كلّ ما يقف أمامه عقل الطّفل وعقل البالغ المجرّد من العلم حائراً.. فالانسان جزء من الحياة نشأ بالتطور حتى بلغ شكله الحالي..إن التطور الانساني ، نشوءاً وارتقاءً كان وفاقا لمقتضيات تطورات الطبيعة أو البيئة ، أي أنه تطور محتم بالاختيار الطبيعي، لا مفضل بالاختيار العقلي..” أما الوعي، الفكرة، العقل ، فكما في المادية الديالكتيكية ترى المدرحية أنه”..نتيجة تطورات الدماغ الفيزيائية” لكن المدرحية تذهب لأبعد من كون الوعي نتيجة لتطورات الدماغ، فتربط بين ( المادة المفكرة) والفكرة، العقل”إن هناك علاقة وثيقة بين الشكل والروح، بين فراسة الانسان التشريحية الخارجية ونفسيته ومقدرته العقلية .. إن هناك علاقة بين الفيزياء ونفسية الانسان وأشكاليه الفيزيائية ، بين السيكولوجيا والفيزيولوجيا..”وتمضي المدرحية مؤكدة أنه”..لا يمكننا فهم بعض الأفعال والأحداث الشخصية دون أن نعلم فيزيولوجيا الشخص، إن هناك علاقةبين المقدرة العقلية وبين أشكال الانسان الفيزيائية” لكن المدرحية لا تقصر موضوع الوعي على الانسان الفرد، بل تمضي معممة مفهوم الوعي على المجتمع بقولها:” لا يمكننا أن نفهم فهما صحيحا نفسيات الأفراد والجماعات البشرية إلا بفهم فيزيولوجيتها..” على أن لا يعني ما تقدم أن الوعي، العقل، الفكرة، مجرد شيء مادي، بإعلانها:” ليست قيمة الحق ولا قيمة الحقيقة والخير والجمال مادية فهي لا تقاس بالسنتيمترات أأو بالأمتار المكعبة ولا بالأواقي والأرطال ..”هكذا، نجد أنفسنا ثانية في وحدة مفهوم الوعي بين الفلسفتين، لكن الافتراق قائم بينهما عندما تأخذ كلا الفلسفتين مفهوم الوعي من جانب، المادية الديالكتيكية في مفهوم الانسان ـ الفرد، والمدرحية مفهوم الانسان ـ المجتمع، على الرغم من قول المادية الديالكتيكية :” إن المجتمع، من حيث هو شكل من أشكال حركة المادة، فإن القوانين الشاملة لحركة المادة تفعل فيه (في المجتمع) على الرغم من أنها تتجلى هنا (في المجتمع) في شكل خاص ” دونما توضيح مفهوم هذا الشكل الخاص للوعي في المجتمع، تاركة للمدرحية تحديد هذا ( المفهوم الخاص) ،في القول:” فموضوع فلسفة الزعيم، هو الإنسان والقيم الإنسانية، لا منشأ الكون” بما يعني أن الوعي في المدرحية يأخذ بعدا آخر غير البعد الفردي حيث الحس( الحواس) هي صلة الوعي بالوجود من حيث أن هذا الأخير موضوعا محددا للأول، أو كما تذهب المدرحية بقولها :” لا يمكن أن يتناقض انسان سعادة في نفسه في صدد هل الريح ساخنة أم باردة متى كانت ساخنة أو باردة، كما يختلف انسان السفسطائيين بعضهم مع بعض متى كان الواحد حاراً والآخر بارداً فتكون المعرفة على أساس الحس فيختلف الحس بين الحار والبارد وتختلف المعرفة..” المعرفة في المدرحية ليست معرفة فردية تتم عن طريق الحواس وحسب، يقول سعادة:”.. يتَّضح أنّ ما عناه أفروطقورس بالإنسان هو الفرد الإنساني الذي تؤخذ حواسه أساساً ومقياساً للمعرفة. وهو واضح من سؤال سقراط: “ألا يقول (أفروطقورس) إنّ الأشياء هي لك كما تظهر لك، وهي لي كما تظهر لي، وإنني أنا وأنت أناس”؟ وجواب ثياتيطس: “بلى، إنه يقول هكذا”. فتكون المعرفة، بهذه الطريقة، مجزَّأة على الناس، مختلفة ومتناقضة باختلاف أحوالهم بعضهم عن بعض وتناقض إحساسهم حسب عوارض حواسهم. هذه الطريقة توصل إلى الفوضى التي تجعل من كل فرد مقياساً وحكماً لما هو موجود وما هو غير موجود، كالقول المنسوب، على لسان سقراط، إلى أفروطقورس: “إني، لنفسي، َحكَمٌ في ما هو موجود وما ليس موجوداً لي” ..( ويضيف سعادة قائلاً):” إنّ الإنسان، في عُرف السفسطائيين، هو الفرد ـ كل فرد هو لنفسه مقياس الحقيقة شعوراً ومعرفة، فلا تكون هناك حقيقة واحدة بل حقائق عددها عدد الأفراد وعدد الحالات التي يمر بها الأفراد. ” إن وحدة الوجود التي تشكل مفهوما محوريا، بل وجوهريا في الفلسفة المدرحية ، لا بد وأن تتجلى في الوعي ، في وحدة الوعي لا في تشظياته:” فلا تكون هناك حقيقة واحدة بل حقائق عددها عدد الأفراد وعدد الحالات التي يمر بها الأفراد. ” وحدة الوجود ووحدة الوعي إذن هي في كون المعرفة معرفة واحدة طالما أن الوجود موضوع الوعي، واحد، وكما سبق وأشرنا الى أن الحقيقة هي وجود معرفي، والحقيقة بذاتها، من حيث هي “قيمة نفسية انسانية ” ، والحقيقة هي جوهر المعرفة، والمعرفة هي معرفة الاشياء على حقيقتها،وتاليا، القيم الانسانية، هي الحقائق التي يؤمن بصحتها أو حقيقتها الانسان، ولما كانت فلسفة القيم في المدرحية قيما اجتماعية، كانت الحقيقة بحد ذاتها اجتماعية، ومن هنا قول سعادة” فموضوع فلسفة الزعيم، هو الإنسان والقيم الإنسانية، لا منشأ الكون..”وعليه يقول سعادة أيضا:” إنّ الإنسان الحقيقي هو المجتمع لا الفرد، وإنّ الفرد هو مجرد إمكانية إنسانية.. شرط الحق، في الإنسانية، ليكون حقاً، أن لا يعلن نفسه ساعة ويختفي، وأن لا يختزنه العدد الفردي أو المجموعي في نطاقه الخاص فيفنى فيه ـ أن لا يكون حقاً عددياً، بل حقاً اجتماعياً لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به العدد، بل يمتد في المجتمع بلا حدود..”الوعي ـ المعرفة في المدرحية اذن هي معرفة اجتماعية ومن هنا يأخذ الاحساس دوره، كوسيلة تصل الوعي بالوجود، دوره كناقل، فقط دون أن يكون له دور آخر في المعرفة ، وهو بحد ذاته مشكلة في صلة المعرفة ـ الوعي بالوجود لأنه يتعثر كثيرا في بلوغ جوهر الوجود أو حقيقته،وإلا فما حاجة الانسان لتلك الأدوات التي يستخدمها لبلوغ أعماق الكون وتصويرها بدقة متناهية ، لو كانت الحواس هي سبيله الوحيد للمعرفة؟! فتكون المعرفة قاصرة قصور الحواس عن ادراكه ما هية الذرة على سبيل المثال،من هنا يقول سعادة:” إذا غلط امرؤ في استنتاج أو تأويل أو في حس ما فيصلح غلطه باستنتاج أمرىء آخر، أو تأويله أو حسه الصحيح..” بمعنى آخر، إن الوعي هو وعي اجتماعي لا وعي فردي، وكما الاحساس يبقى في حالة الوسيط بين الوعي والوجود ، كذلك الفرد هو مجرد وسيط بين المجتمع ـ أيا كان تعريفه ـ والمعرفة ـ الوعي، وما أدل على ما نذهب اليه سوى تلك الأبحاث التي تخضع لها أية نظرية فتصوب خطأها وتتجه بها باتجاه جعلها حقيقة تؤدي غرضها في الوصول الى حقائق أخرى..أو كما يقول سعادة” كلما صعدنا قمة بدت لنا آفاق قمم أخرى..” المعرفة اذن في المدرحية ليست فردية انها اجتماعية بالضرورة ، فالنطق والذي هو “أبا العقل” كما تأخذ به المدرحية من العالم “لتزيرس كيقر” لم يكن لينشأ لو لم يكن الانسان في حالته الاجتماعية بحاجة لتبادل المعلومات ، أيا كانت، مع الآخر، أيضا أيا كان،يقول سعادة: ” ومهما يكن من أمر تقديرنا نشوء النّطق فلا بدّ لنا من التّسليم بأنّ النّطق وحده كفل تحويل الاكتشافات والاختبارات التّطوريّة الأوّليّة إلى معارف اجتماعيّة وراثيّة (اجتماعيّاً). ..

الوعي ـ المعرفة، يكتسب خاصيته الاجتماعية من كونه تراكم خبرات، ومن حيث كينونته الاجتماعية، يبقى الفرد “مجرد إمكانية”، بمعنى أن الفرد الإنساني يبقى إمكانية تطوير، كشف، ابتكار، للخبرة المتراكمة لديه، فماركس، كما سعادة، “مجرد إمكانية” ابتكرت بناء على ما تراكم لديها من معرفة، نظريتها الفلسفية، فماركس جعل من الديالكتيك الهيغيلي موضوعته الأساسية، كما فعل “انغلز” في ماديته التاريخية أعمال ومكتشفات “مورغان” قاعدة لأبحاثه الاجتماعية مُسقطا المقولات الديالكتيكية عليها، كما سعادة جعل من تحديد “ميكور” للمتحد أساسا لفكرة الأمة من حيث هي ” متحد طبيعي”، أو هي” المتحد الأتم”..

نعود للسؤال الرئيس الذي تفرَّعت عنه مختلف التساؤلات السابقة: هل يلعب “الموضوعي” في المادية الديالكتيكية، دور ” الوجود” في المدرحية؟ فيما إذ كان الوجود “موضوع الوعي” هو المجتمع؟ وكان المجتمع مقياسا للوعي؟ وما هو دور الحس “الحواس” والى ماذا ينحل في حالٍ من هذا النوع؟

وعلى الرغم من أن البحث في إجابات لما تقدم يبقى من خصائص القسم الثاني من هذه الدراسة، / بين المادية التاريخية والقومية الاجتماعية/ فإننا هنا نتناول المجتمع من حيث النظرة الفلسفية وليس من الوجهة التاريخية، لذا نحن معنيون للإجابة على ما تقدم، ببيان ما لذي تعنيه كلتا الفلسفتين بالمجتمع وتاليا الوعي الاجتماعي والحس الاجتماعي، وهل يصحُّ قبل هذا وذاك اعتماد المجتمع مقياسا للوعي؟

المجتمع والوعي الاجتماعي في المادية الديالكتيكية:

ترى المادية الديالكتيكية “أن كل جيل يصادف عندما يلج باب الحياة ظروفا حياتية مادية جاهزة فيدخل في علاقات مادية ضرورية تكون قاعدتها مسرحا لأفعاله ومنطلقا له..” على هذه القاعدة تُسقط المقولات الديالكتيكية على المجتمع فيبدو لها ” أنه على الرغم من أن الناس هم من يصنعون التاريخ، فإن الذي يحدد تطور المجتمع ليست إرادة الناس ورغباتهم وإنما الظروف المادية للحياة الاجتماعية والقوانين المادية التي تعمل في قاعدة الحياة المادية نفسها..” هذه القوانين ” تنشأ وتعمل بصورة مستقلة عن معرفتنا لها، عن رغباتنا، في أن يعمل هذا القانون أو ذاك، بما يعني أن الناس لا يستطيعون تعديل هذه القوانين أو احلالها أو ابطالها، حتى ولا يستطيعون صنع قوانين جديدة وانما يستطيعون اكتشافها فقط..”

أبرز القوانين التي تأخذ بها المادية التاريخية هو قانون تطابق “أو توافق علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج” وتعرِّف قانون التطابق هذا بأنه” علاقة الناس بالطبيعة ومدى سيطرتهم عليها.. أو الناس وخبرتهم في الإنتاج ومهارتهم في العمل..” مضيفة الى ما تقدم موضوع العمل ووسائله، بينما تعرِّف علاقات الإنتاج بأنها ” علاقة الناس بعضهم ببعض أو العلاقات المادية القائمة بين الناس في عملية الإنتاج وتوزع الخبرات المادية ومكان الفئات والطبقات في المجتمع وعلاقات ملكية وسائل الإنتاج..” وتاليا فإن ” علاقات الإنتاج التي قامت على أساس قوى الإنتاج تؤلف أساس الأفكار والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية وهي شكل تطور قوى الإنتاج ومحتوى البنيان الفوقي وتؤلف القاعدة الاقتصادية هذه الأفكار والمؤسسات والعلاقات ومستوى التطور لقوى الإنتاج هو ما يقف وجها لوجه أمام كل جيل بحيث لا يكون لهذا الجيل مفر أو محيد عن الانخراط فيها والعمل من خلالها والتطلع للمستقبل عبرها ووضع الحلول لمشكلاتها وهي بالتالي غير مرتبطة بوجوده أو رغبته وتوجد خارج وعيه، لذا كانت موضوعية بالنسبة له، وكانت من حيث هي الشكل المادي للمجتمع هي الواقع الاجتماعي الذي يواجهه كل جيل..” وعليه “فإن نشاط الناس تحدده القوانين الموضوعية لواقعهم الاجتماعي..” وتخلص المادية التاريخية مما تقدم لتعريف الواقع الاجتماعي بأنه ” علاقة الناس بالطبيعة وعلاقاتهم بعضهم ببعض” لذا كانت هذه العلاقة المزدوجة علاقة موضوعية، ملزم بإقامتها الناس أجمعين ولا مهرب لهم منها، حتى ولا من نتائجها ولا يتجسد المجتمع إلا من خلالها..

يقول لينين ” أن تكون ماديا هو أن تعترف بالحقيقة الموضوعية..” لذا كان المجتمع، ” من حيث هو شكل هذا الواقع الموضوعي، هو وفق المادية الديالكتيكية شكل اجتماعي لحركة المادة، لحركة الواقع الموضوعي لعلاقات الناس بعضهم ببعض، شكل تطابق قوى وعلاقات الإنتاج..”

المجتمع من حيث هو شكل اجتماعي لحركة المادة هو من جهة أخرى ـ وفق المادية الديالكتيكية ـ كواقع اجتماعي ” جزء من الواقع بشكل عام متضمنا للحياة المادية للمجتمع وهو يوجد خارج وعي المجتمع ويحدده..” لذا ” فإن وضع الحدود بين الواقع ككل والواقع الاجتماعي عملية ضرورية جدا لفهم المجتمع كشكل خاص من أشكال حركة المادة وللكشف عن منابع حركته الذاتية..” هذه الحركة الذاتية للمجتمع تتضح من خلال ” كون التأثير المتبادل بين المجتمع والطبيعة ذا طابع ديالكتيكي معقد، فالوسط الجغرافي يخلق إمكانيات معينة لتطور الانتاج لكن استخدام هذه الإمكانيات يرتبط بالمجتمع ذاته وبمتطلباته، وبمستوى تطور الإنتاج وعلاقات الإنتاج ، لهذا فإن الشروط الطبيعية يمكن أن تُستَغل من قبل الناس بأشكال متباينة ويمكن أن تؤثر على تطور المجتمع بأشكال مختلفة أيضا تعود لمستوى التطور الاجتماعي..”

يمكننا تلخيص ما تقدم بأن المادية التاريخية ترى المجتمع هو:” مجتمع تاريخي معين ومشخص، أي أنه المجتمع في مرحلة من مراحل تطوره..” وتاليا هو من حيث التعريف، وكشكل من أشكال حركة المادة:” التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية” المتجسدة في أسلوب انتاج، كوحدة لكل علاقات وقوى الإنتاج.. وتنتهي المادية التاريخية للتحذير من الفهم المغلوط للمجتمع من حيث هو شكل من أشكال حركة المادة بالقول:” إن علاقة الانسان بالطبيعة في عملية النشاط التاريخي، لا ينبغي النظر اليها كعلاقة انسان معين وإنما كعلاقة المجتمع بالطبية ومن هنا فإن “العلاقات الاجتماعية عامل جوهري بالتأثير المتبادل بين المجتمع والطبيعة..”

يتضح جليا أن المقصود بالوعي في المادية التاريخية هو المجتمع، بمعنى أن الوعي اجتماعي وليس فردي، وهو الفاعل الحقيقي في المجتمع، لكن هذا الوعي الاجتماعي يرتبط ديالكتيكيا، بقوى وعلاقات ووسائل الإنتاج أي أنه وعي طبقي محدد بالطبقة التي ينتمي اليها الفرد، من هنا كان الوعي البرجوازي يختلف من حيث المضمون عن الوعي الاقطاعي وهذا عن الوعي المشاعي، وعليه يكون الوعي الطبقي رهن بالحالة الاجتماعية التي يمر بها المجتمع، كشكل من أشكال حركة المادة ، أو وفق “التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية” السائدة والتي هي “المجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطوره” .

المجتمع والوعي الاجتماعي في الفلسفة المدرحية:

يشغل مفهوم المجتمع في الفلسفة المدرحية حيِّزا كبيرا ومهماً بل وجوهريا، فهو المحور النووي الذي تدور حوله مختلف طروحاتها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، فهو الانسان، و”الحقيقة الإنسانية الكبرى” ليس هذا وحسب بل انه “الإنسان ـ المجتمع”. هو” فلسفة الإنسان الجديدة. والشريعة الأساسية للإنسان” وهو فوق كل ما تقدم “معرفة” المجتمع ـ الانسان، هو الأمة، “جسما ومكانا”، فهو “وحدة الشعب المتولدة من تاريخ طويل..”، لا يقتصر مفهوم المجتمع على جيل أو مرحلة، المجتمع في المدرحية هو استمرارية توالد الأجيال وتفاعلها مع مقومات بيئتها، هو واقع اجتماعي، هو “المتحد الأتم”، هو “دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” اليه تعود مختلف القيم، واليه تعود نسبيتها، هو “العقل الذي لا يجوز أن تعطله شريعة أخرى” هو الخروج من ” سفسطة الجزئيات الى فلسفة الكليات” هو الخروج أيضا من “حدود فردية الانسان المنحصرة في إمكاناته الى مطلق اجتماعيته المنفتحة على الكون” لذا فالفلسفة المدرحية ” تنظر إلى الإنسان من زاوية الحقيقة الإنسانية الكبرى ـ حقيقة المجتمع، لا من زاوية الفرد، الذي هو في حد ذاته وضمن ذلك الحد، مجرّد إمكانية إنسانية”.. المجتمع في المدرحية هو” مركب اجتماعي ـ اقتصادي ـ نفسي” هو ” الأمة جسما ومكاناً” وعليه كانت الأمة ” واقعا اجتماعيا بحتاً”..

تقيم المدرحية نظرتها الى المجتمع على قاعدتين، موضوعية وذاتية، موضوعية الوجود الاجتماعي تقوم على المقولة الرئيس في المدرحية “المادة تعين الشكل” من حيث أن “المادة ـ البيئة” هي البوتقة التي ينصهر ويتبلور ويصقل بها “الشكل ـ الوجود الاجتماعي” على مختلف الصعد والمستويات، ذلك “أن التطور الاجتماعي، نشؤا وارتقاءً، هو وفاقا لتطور التفاعل بين الانسان والبيئة بدافع الحاجة المادية..” وعليه تقول المدرحية بأن المجتمع، كنظام وعقلية، هو” حاصل تفاعل الانسان والبيئة بطريقة معينة وموافق له ومنبعث منه..” هذا من حيث النظام، أما العقلية الاجتماعية فهي “نتيجة تطورات التفاعل المادي لتأمين الحياة الاجتماعية..” من منطلق ” أن الاقتصاد هو نقطة الابتداء في بحث حالات الاجتماع البشري..” حيث “التطور الاجتماعي هو دائما على نسبة التطور الاقتصادي..” على اعتبار أن، ” المصلحة الاقتصادية أساسية في كل مجتمع..” هي كذلك ” لأنها تخدم كل مصلحة أخرى حيوية ونفسية..” بناءً على ما تقدم تتمايز المجتمعات بعضها عن بعض “فإذا كانت مصالح الحياة، مصالح كل متحد..” فهذا لا يعني “أن مصالح أي متحد مصالح كل متحد، لأن مصالح المتحد ليست مصالح بيولوجية فقط، بل مصالح نفسية(عقلية) ومصالح حيوية (نوعية).. وجميع هذه المصالح لا تقوم إلا على المصلحة الاقتصادية..” وبما أنه ” لا يمكننا الفصل بين الحياة ومقوماتها..” أبرزت المدرحية الوجهة الذاتية من الوجود الاجتماعي من حيث أن ” المجتمع مركب اجتماعي ـ اقتصادي ـ نفسي” بالقول” إذا كانت الأرض هي الجانب الإيجابي (بمعنى أن الأرض تقدم مختلف إمكاناتها دفعة واحدة والى الأبد) أما الجانب السلبي الفاعل فهو نحن..” (بمعنى أن الانسان هو الذي يختار مما تقدمه الأرض ـ البيئة، من مقومات بما يتناسب وتطلعاته وحاجياته، التي تلهمه إياها تلك الإمكانيات التي تقدمها البيئة،) وعليه، تقف موضوعية البيئة في حدود متطلبات الانسان الحيوية والنفسية ” فالتاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض.. (ذلك) أن العوامل الفاصلة في التاريخ هي العوامل النفسية والفردية..” فالمجتمع من حيث هو “مركب اجتماعي ـ اقتصادي ـ نفسي” يبقى هو ” الكل الذاتي” على أن لا يعني ما تقدم “التجرد الوجودي والاتجاه نحو الغيب وترك محل الكيان الذاتي في الوجود..” كما ولا يعني أننا ” ممن يصرفون نظرهم عن شؤون الوجود الى ما وراء الوجود..” بما يعني ” أننا الفنان الذي يستخدم ما تقدمه الطبيعة من إمكانات..” وأن ” حقيقتنا هي حقيقة النمو الذاتي من داخلنا والتوسع على مدى ما تقدمه الطبيعة وما تستطيعه مقدرتنا..”

هكذا لا تختلف كلٌ من المادية الديالكتيكية والمدرحية في ماهية الاجتماع البشري ومكوناته ومقوماته وخصائصه وميزاته، ويبقى الخلاف بينهما حول كونه، جيل من أجياله أو فرد من أفراده أو هو في مرحلة ما من مراحل تطوره أو هو طبقة تتجسد في ” التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية” أم أنه استمرارية توالد أجياله وتفاعلها على مدى تاريخي طويل وبيئتها الطبيعية وتاليا يتجسد في ” دورة اجتماعية ـ اقتصادية” تختلف في خصائصها وميزاتها عن دورة اجتماعية أخرى لها من الخصائص والميزات ما يُمايزها عن غيرها أيضا، مما يبرر تشكل دورات أجتماعية ـ اقتصادية مختلفة على وجه الأرض، وتاليا أيضا أمما مختلفة اختلاف بيئاتها ومستوى تعاطيها وممكنات تلك البيئات، وليبقى تساؤل كل من الفلسفتين قائماً: هل يتطور الاجتماع البشري الى “تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية” واحدة أم أنه يبقى على حاله كواقع “دورات اجتماعية ـ اقتصادية ” تتقارب مصالحها إذ ما تجاوزت تجزئتها البيئية وأقامت “دوراتها الاجتماعية ـ الاقتصادية”؟

الحس (الحواس) بين الفردي والاجتماعي:

سبق لنا وأشرنا الى دور الحس (الحواس) في المعرفة( الوعي) من حيث أنه الوسيلة الوحيدة للإنسان لبلوغ حقيقة، جوهر، محتوى، مضمون، وعيه (معرفته)، أي وجوده، ونضيف هنا، أن الحواس بصورتها الراهنة، ما هي إلا استجابة عضوية لمؤثرات الطبيعة، فلولا وجود الصوت لما كان هناك سمع، كذلك لولا النور، لما كان هناك بصر، وكذا ما تبقى من حواس، فعلى سبيل المثال لو لم تكن الخاصة الاجتماعية ملازمة للإنسان منذ أن انتصبت قامته وأُطلقت يداه لتأمين مستلزمات حياته، والتي يعتبرها -أي اجتماعية الانسان – سعادة خاصة ملازمة للإنسانية، بل وأكثر من ذلك خاصة (موروثة) فيها، بما يعني أنها أقدم من الإنسانية، وأن هذه الأخيرة إحدى نتائج اجتماعيَّته، لولا هذه الخاصة لما كان النطق، والذي يعتبره( كيكر) ويعتمده سعادة (أبا العقل)، هكذا هي الحواس بمجملها كواسطة أو وسيلة للمعرفة (الوعي)، وهي على المستوى الفيزيولوجي، فردية من حيث آلية عملها، وهي موضوعية من حيث المنشأ، واجتماعية من حيث الكيفية والنتائج، وعليه يمكننا فهم قول سعادة:” إذا غلط امرؤ في استنتاج أو تأويل أو في حس ما فيصلح غلطه باستنتاج أمرئ آخر، أو تأويله أو حسه الصحيح..” الحس، (الحواس) قاصرة من حيث هي وسيلة عن إدراك الجوهر، المضمون، المحتوى، لأي وجود كان، معينها الرئيس هو العقل، (المخ والمخيخ والبصلة السسيائية) في التحليل والتركيب والاستنتاج والتأويل والاجتهاد. الخ وهي بحاجة لأدوات (مجهر، تليسكوب..) لتصحيح وتصويب ما تنقله للعقل، الذي يعكف على مواد معرفته بأدواته، التحليل والتركيب و. الخ، في محاولته الكشف عما تعنيه مواده (معلوماته)، نحن نعرف الوجود وفق الآلية التي يعمل بها العقل، فإذا ما تغيرت هذه الآلية، تغير فهمنا أو معرفتنا للوجود المحيط بنا والذي نحن جزء منه، لذا فنحن باعتمادنا على حواسنا كناقل لما في الوجود الى العقل، ووفق منهجية العقل نعرف ، نعي، وجودنا، تعمل منهجية العقل على تجزئة الوجود، أيا كان، موضوعيا أو اجتماعيا، فوفق هذه المنهجية، الآلية، هناك وجود فيزيائي، كيميائي، عضوي، اجتماعي، فردي. الخ، كما وأن هذه المعرفة قاصرة عن معرفة الوجود معرفة كلية، فهي على سبيل المثال، ترى المكان ذو أبعاد ثلاث مضافا اليها الزمن، لكنما واقع الحال، ليس كذلك، فالوجود، ذو أبعاد قد تصل الى الستة عشرة بعدا، بمعنى أنك في آن واحد تهبط وتعلو، تسير يمينا بينما أنت سائر يسارا، تمضي بخطٍ مستقيم بينما أنت في خط حلزوني تمضي دائريا بينما أنت في حالٍ كروي، كل ما تقدم يجري بآن واحد، كل ما تنقله حواسنا ويعمل في ضوئها عقلنا هو كلٌ متكامل لا تجزئة فيه، الكون كعلاقات فيزيائية، وفق “أنشتاين”، هو بآن واحد علاقات كيميائية، رياضية.. الخ، وكذا الوجود الاجتماعي، ليس فردا ولا جيلا ولا طبقة ولا طائفة ولا مذهبا ولا عرقا ولا أي من هذه أو تلك في تفرعاتها، هو “كلٌ ذاتي” وفق ما تذهب اليه المدرحية، تتداخل مختلف جزئياته، تداخلا عضوياً (سلالياً، عرقيا..) فيزيائياً (ثقافيا، سياسيا، طبقيَّاً..).. بشكل يصعب الفصل بين أيٍ منها فصلاً جوهرياً يُحيلها الى وحدة كاملة متكاملة منعزلة عن سواها مكتفية بذاتها تغرد خارج سربها الاجتماعي، لتبقى في الحال جزء مما حولها تتأثر وتؤثر به، جزء من كلٍ ذاتي، لا يحتمل التجزئة وفق منهجية عقلٍ علمي، علماني، طائفي، طبقي، عنصري، جنسي (ذكوري أو انثوي) ثقافي، سياسي..

بناءً على ما تقدم، يمكننا فهم ما ترمي اليه المادية الديالكتيكية في اسقاطاتها الاجتماعية من قولها:” إن نظرات الناس وميولهم لا يمكن أن تصبح موضوعا للبحث المادي التاريخي إلا عندما تتجسد بهذه الوسيلة أو تلك..” من منطلق” أن الأفكار والميول والعواطف والآلام عندما تبقى ذاتية محضة، ولا تخرج الى الواقع أو تتجسد في كلام شفهي أو مكتوب أو أفعال أو انتاج فني أو غيره، آنئذٍ لا تبلغ الناس الآخرين وبالتالي لا يمكن أن يكون لها تأثير في المجتمع..” إذن، وحتى يصبح للأفكار تأثير في المجتمع، لا بدَّ لها من القول أو الفعل.. وهذه هي صيغ حسية..” فالكلمة لا يمكن أن تكون كذلك لو لم تُنطَق، أي تتجسد ماديا، لتُنقل عبر الحس الى العقل ليتخذ منها موقفا..” هكذا، وفق المادية التاريخية، يبقى الحس صلة وصلٍ بين الوعي وموضوعه.

لا تفصل المدرحية بين الحس والشؤن النفسية الأخرى، فهي تعتبر” أن عمل الإحساس والفكر كلٌ نفسي لا يمكن أن يُزال العقل منه..” منطلق المدرحية في ما تذهب اليه، ليس نفيا للحس كصلة وصل بين الوعي وموضوعه، بقدر ما هو تنبيه الى أننا في دراستنا للحس لا يجب علينا أن نراه عملا فيزيولوجيا بحتا، اذ لا تُحدث الكلمة، ذات الأثر في فردين، كالأثر الذي يتركه التيار الكهربائي مثلا، الكلمة هنا لها مدلول مصلحي، بمعنى أن الكلمة المنطوقة تطرح، بمجرد نُطْقِها، سؤالاً أين مصلحتي في هذا، والسؤال هنا قد يكون مُوعى أو غير مُوعى، لكنه سؤالٌ يجسد موقفا، يختلف من شخص لآخر، وهذا ما نجد تفسيره في نسبية القيم بين الأفراد من جهة والمجتمعات تاليا من جهة أخرى، فالحس في المدرحية ينحل الى المصلحة التي هي” طلب حصول ارتياح النفس” وهي أيضا غير المنفعة، المصلحة في المدرحية هي ” كل ما يولد عملا اجتماعيا..” ولكونها كذلك، كان الحس اجتماعيا، أو كلٌ نفسي لا يمكن أن يُزال العقل منه..”

هكذا تختلف المادية الديالكتيكية عن المدرحية باعتبارها الحس أو ( الحواس) مجرد فعل فيزيولوجي بينما هو في واقع الحال انعكاس للمصلحة والتي هي ـ كما سبق وذكرـ “كل ما يولد عملا اجتماعيا” بمعنى آخر كل ما يشارك بإنتاجه الكل الاجتماعي. وعليه قول المدرحية بأن الحس (الحواس) إنما هي تنحل في نهاية الأمر الى حسٍ اجتماعي يتطلب من الفرد أن ” يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعوره بشخصيّة جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسّية متّحده الاجتماعيّ وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتمّ به ويودّ خيره، كما يودّ الخير لنفسه..”