دراسة نقدية لكتاب ” العروبة بين دعاتها ومعارضيها” #ساطع الحصري (3ـ3)

نقد أفكار أنطون سعادة السياسية:

يقحم الحصري نفسه في عوالم لا يعرف عنها شيئا، فكما في علم الاجتماع، كذلك في علم السياسة، وهو ليس بعالم اجتماع ولا بمشتق هذا العلم ونقصد علم السياسة، فتحت عنوان “نقد الأفكار السياسية عند سعادة” يدرج المبادئ الأساسية والاصلاحية معتبرا أن هذه المبادئ تدخل في علم السياسة، وهي في الأساس مبادئ تلخص فكر سعادة في علم الاجتماع، ذلك أن السياسة هي علم بالوقائع الآنية، الظرفية، المرحلية، علم في المتغيرات على أرض الواقع، علم وفن اقتناص الفرص في الزمان والمكان المناسبين، وهو علم يبحث في وقائع رمال متحركة، متغيرة آنيا، لحظيا، وفق بيانات تتقاطع المعلومات فيه، حيث يلعب هذا التقاطع دوره كركن أساسي من أركان القرار الصائب المحقق للغرض القومي وكيفية تحققه على أرض الواقع بما يضمن تحقيق الغاية منه، رغم الظروف المتموضعة على الأرض، وفق القاعدة الجوهرية في علم السياسة والقائلة” بقدر ما تمتلك من المعلومات بقدر ما يكون القرار صائبا في الزمان والمكان” المبادئ الأساسية هي حقائق تاريخية كما مرَّ معنا في علم السياسة وركائزه، هي خلاصة علم الاجتماع بما يتعلق بالأمة السورية، نجد جذورها في مؤلف سعادة “نشؤ الأمم” فهي مبادئ في علم الاجتماع، لا تتغير بتغير الظروف والمناسبات، هي حقائق تموضعت تاريخيا كما يتضح من المبدأ:” الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي” الأمة عند سعادة هي وحدة الشعب ، ليست الشعب، إنها وحدته التي ما انفكت تجبله جبلا في أي شأن من شؤون حياته، لكن شرطها الجوهري، “الوطن السوري هو البيئة التي نشأت فيها الأمة السورية..” الوطن هو الوجه الايجابي بينما الأمة هي الوجه السلبي الذي لا يقبل بالأمر المفعول الذي تقدمه البيئة في حدود إمكانتها، لأنها بطبيعة الحال لا تقدم من حيث الامكانات سوى المحدود منها بينما الأمة ذات حاجات غير محدودة، بين المحدود واللامحدود فارق كبير، علم الاجتماع يقدم الممكن، بينما السياسة تعمل على سد النقص في هذا الممكن، منطلق السياسة في تحديد الغرض والغاية منه وتحققه، هي المبادئ بشقيها الأساسية والاصلاحية التي تبقى هي هي، على مرِّ الزمان، فلا محيد عنها في أي غرض من أغراض الأمة، هي البوصلة التي تحدد الاتجاه( الغرض والغاية وكيفية تحققه) أي غرض ومهما تكن مبرراته، ليس بالغرض القومي اذ ما تغافل هذه المبادئ بشقيها، تحقيق أي غرض، كائنٌ ما كان، وكائنة ما كانت مبرراته لا يمكن أن يكون على حساب هذه المبادئ، كل ما يتعارض والمبادئ الأساسية والاصلاحية، ليس بالغرض القومي، يقول سعادة بصدد الفارق بين العقيدة والسياسة:” “لتفعل إدارتكم العليا كل ما تقدر عليه في ميدان السياسة والدبلوماسية فذلك من خصائصها. أما أنتم فإياكم من صرف عقولكم وقلوبكم إلى السياسة والدبلوماسية واحذروا من اختلاط السياسة والدبلوماسية  وأغراضهما بعقيدتكم وإيمانكم وعناصر حيويتكم الأساسية لئلا تكون العاقبة وخيمة..  هكذا نرى أن هذه المبادئ ليست أقوالاً جامدة أو كلمات ميتة أو حروفاً متناسقة، بل قوة حية فاعلة تتولد فيها مقررات مبدئية أساسية هامة وتبنى عليها خطط في السياسة المصلحية وفي السياسة الأخلاقية وفي السياسة الفكرية أيضاً في السياسة النظامية، في السياسة التي تتجه إلى تقرير الاتجاه والاعتناء بالقيم الهامّة، الأساسية الجوهرية، السامية التي هي جوهر القضية السورية القومية الاجتماعية وجوهر النظام القومي الاجتماعي.. السياسة عندنا وسيلة لا غاية، وسيلة لبلوغ الأغراض القومية بأقرب الطرق وأقل التكاليف. وليست السياسة سياسة لنفسها ومهنة خاصة يحترفها بعض الأفراد ويحتكرون بواسطتها النفوذ وتقرير مصير الشعب.. في نظام غير نظامنا نجد حالات أليمة. يتجه الفرد الذكي في بلادنا أول ما يتجه إلى ناحية السياسة. نحن أكثر أمة في العالم اشتغالاً في السياسة. والسياسة هي أساس العقلية الأخلاقية القديمة في هذه البلاد. تكاد لا تخاطب واحداً ذكياً في هذه البلاد إلا وتحس أنه يخاطبك بمهارة سياسية فائقة. تحس كأنه دبلوماسي جاء من بلاد الانكليز، وتحس أن السياسة تبعده عنك بقدر ما هو بعيد الانكليزي عنك.

مفقود من بيننا التصارح الفكري الخالي من السياسة، مفقود من بيننا الشعور بأنه يجب حين يخاطب واحد منا الآخر أن يضع السياسة في خزانة ويقفل عليها بالمفتاح، لأنه حين نبتدئ نخاطب بعضنا بعضاً بالسياسة فقد قطعنا من بيننا الروابط القومية الصحيحة، لا يجوز في الإخاء القومي الصحيح أن نتكلم في السياسة. السياسة يجب أن تترك للمتخصصين في السياسة أما القومي فيجب أن يكون قومياً صحيحاً مجرداً من السياسة في كل مجتمع وفي كل حديث مع كل مواطن من أمته..”

بعد استعراضه لكل من المبادئ الأساسية والإصلاحية ينتهي الحصري للقول:” يتبين من تعاليم أنطون سعادة وشروحها أن أُسَّ الأساس الذي قام عليه حزبه، هو الدعوة الى التمسك بالقومية السورية، واعتبار هذه القومية مستقلة كل الاستقلال عن القومية العربية تمام الاستقلال، مع ادخال العراق في حدود سورية الطبيعية واعتبار العراقيين سوريين.

لا مجال للشك في أن هذه النظرة الغريبة الى مفهوم تعبير (سورية الطبيعية) نشأت عن ظروف تفكير أنطون سعادة الخاصة ونزعاته السياسية.

كل شيء يدل على أن مبادئ الحزب السوري القومي، كانت تبلورت في ذهن أنطون سعادة، عندما كان في المهجر أو عقب عودته الى أرض الوطن، ذلك في الوقت الذي ما كان يعرف عن البلاد العربية شيئا يذكر ، غير أحوال سورية ولبنان.

ولهذا أسس حزبه على أساس محاربة الانعزالية الطائفية في سورية ولبنان والدعوة الى توحيد هذين القطرين.

لكنه عندما لاحظ الأمور عن قرب وأمعن النظر في حقائق الأحوال أدرك الوشائج المتينة التي تربط السوريين بالعراقيين وفهم أنه لا محال منطقيا لفصل سورية عن العراق، من الوجهة القومية وراح يزعم أن العراق جزء من سورية الطبيعية وأخذ يطبق مبادئ حزبه على العراق دون أن يذكر اسمه،

في الواقع أن أنطون سعادة نفسه ينكر وقوع هذا التطور، لأنه، عندما وجه اليه أحد الصحفيين سؤالا في هذا الموضوع صرَّحَ بأنه كان بهذا الرأي، منذ بداية الأمر.

إلا أني وجدت في طبعتي كتاب نشؤ الأمم دلائل قاطعة على أن أنطون سعادة لم يكن مخلصا في تصريحه هذا، بل كان يخادع مخاطبيه، وربما كان يخادع نفسه أيضا..”

يفسر الحصري الماء بعد الجهد بالماء عندما يقول:” هذه القومية مستقلة كل الاستقلال عن القومية العربية تمام الاستقلال..” أما قوله:” مع ادخال العراق في حدود سورية..” فبالعودة لمؤلف سعادة “نشؤ الأمم” يذكر سعادة العراق بمرادفاته، سومر وبابل وأكاد ..الخ ولا يدخله في حدود سورية الطبيعية قسريا ودون سابق انذار، أما ما يتعلق بنشأة ( هذه النظرة الغريبة) الى مفهوم ( سورية الطبيعية) فالمسألة لا تتعلق بنزعات سعادة الشخصية إنما بالصيرورة التاريخية التي أوردها في نشؤ الأمم مفصلة، مستخلصا من هذه الصيرورة (الوشائج المتينة التي تربط السوريين بالعراقيين..)، أما أنه أسس حزبه لمحاربة (الانعزالية الطائفية)ليس في لبنان وسورية، بل في كامل بقاع الأمة، يقول سعادة في هذا السياق:” ولما كانت دروسي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وقد أوصلتني إلى تعيين أمتي تعييناً مضبوطاً بالعلوم المتقدمة وغيرها، وهو حجر الزاوية للبناء القومي، وإلى تعيين مصلحة أمتي الاجتماعية والسياسية من حيث حالاتها الداخلية ومشاكلها الداخلية والخارجية وجدت أن لا بد لي من إيجاد وسائل تؤمن حماية النهضة القومية الاجتماعية الجديدة في سيرها. ومن هنا نشأت فيَّ فكرة إنشاء حزب سري يجمع في الدرجة الأولى عنصر الشباب النزيه البعيد عن مفاسد السياسة المنحطة. فأسست الحزب السوري القومي الاجتماعي ووحدت فيه العقائد القومية في عقيدة واحدة هي “سورية للسوريين والسوريون أمة تامة” ووضعت مبادئ الجهة الإصلاحية كفصل الدين عن الدولة وجعل الإنتاج أساس توزيع الثروة والعمل وإيجاد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن واتخذت الصفة السرية للحزب صيانة له من هجمات الفئات التي تخشى نشؤه ونموه ومن السلطات التي قد لا ترغب في وجوده. وجعلت نظامه فردياً في الدرجة الأولى مركزياً متسلسلاً (Hierarchique) منعاً للفوضى في داخله واتقاء نشوء المنافسات والخصومات والتحزبات والمماحكات وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية، وتسهيلاً لتنمية فضائل النظام والواجب. ولقد وضعت كل ذلك وأسست الحزب بصرف النظر عن وجود الانتداب أو عدم وجوده. فالحزب لم ينشأ خصيصاً لأن الانتداب موجود بل لجعل الأمة السورية موحدة وصاحبة السيادة على نفسها والإرادة في تقرير مصيرها. ولما كان الانتداب أمراً عارضاً فإن النظر في موقفه وموقف الحزب منه يأتي في الدرجة الثانية ” أما قوله عن سعادة بأن(  أنطون سعادة نفسه ينكر وقوع هذا التطور..) فإن إلقاء نظرة سريعة على ما ورد في نشؤ الأمم نتبين أن سعادة قد أتى على ذكر العراق كما سبق وأشرنا بمترادفاته( أكاد، بابل، سومر، أشور..) وهكذا، وعلى عكس ما يدعيه الحصري من أن سعادة(لم يكن مخلصا في تصريحه هذا، بل كان يخادع مخاطبيه، وربما كان يخادع نفسه أيضا) فسعادة وبجرأته العلمية لم يكن يخادع نفسه أو غيره، فما قاله:” بأنه كان بهذا الرأي، منذ بداية الأمر.” فصحيح كل الصحة وما دليل مصداقية سعادة سوى ما جاء به في مؤلفه الرائع “نشؤ الأمم” ولم يكن سعادة يعلم أن الجهل كان قد بلغ بالبعض ومنهم الحصري هذا المبلغ الذي لا يستطيع أي قارئ أن يُقرن العراق ببابل أو آكاد أو أشور،

أما قول الحصري أن سعادة:” ، ذلك في الوقت الذي ما كان يعرف عن البلاد العربية شيئا يذكر ، غير أحوال سورية ولبنان.” فقول سبق ونوهنا اليه في ما كتبه سعادة في بداية عشرينيات القرن الماضي، كفيل بالرد على هذا الادعاء، حول قضايا عدة كمقاله عن عبد العزيز وكيفية استيلائه على بلاد الحجاز أو عن المؤتمر الفلسطيني المنعقد في القاهرة أو عن قضية مراكش وغيرها الكثير من المقالات التي تدل دلالة واضحة على أن سعادة كان على دراية بأدق تفاصيل البلاد العربية وقبل أن يتنطح الحصري للدفاع عن أية قضية عربية بعد أن خلع جلبابه العثماني ليتلبس عباءة الأمير الهاشمي المهزوم أمام عبد العزيز بن سعود، ولقد نبه سعادة في مؤلفه نشؤ الأمم من خطورة النزعة الوهابية قبل أي مفكر آخر ، في العالم العربي وفي العالم أجمع يقول:” ونحن نرى في نشوء الدّولة الوهّابيّة العامّة في القرن الماضي وعودتها الآن إلى الوجود بعد أن كانت قد قضت عليها الدّولة العثمانيّة مصداقاً لقول ابن خلدون المذكور آنفاً.”

يتابع الحصري محاولته في “نقد أفكار أنطون سعادة السياسية” فيقول:” عندما قارنت بين الطبعة الأولى، والطبعة الثانية مقارنة دقيقة علمت أن التنقيحات كانت طفيفة، لا تخرج عن نطاق تبديل بعض الكلمات وبعض العبارات، إلا أن جميع هذه الكلمات والعبارات كانت ذات أهمية خاصة، تدل على تطور هام في تفكير المؤلف عن حدود سورية ومفهوم القومية السورية..”

من جهة أولى أن يكون هناك / تطور هام في تفكير المؤلف عن حدود سورية ومفهوم القومية السورية/ فهذه مسألة لا تدين سعادة بقدر ما تعلي من مكانته في البحث العلمي، والذي يتطلب بالدرجة الأولى تمتع صاحبه بالجرأة الأدبية ـ العلمية، هذا على افتراض صحة ما يدعيه الحصري، لكن ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من اعتراف الحصري/ أن التنقيحات كانت طفيفة..(لكنها) كانت ذات أهمية خاصة../ فإن سعاد كان قد ألمح الى أنه قد فرغ ” من تأليف الكتاب الأوّل وأنا في السّجن، بين أوائل شباط وأوائل أيّار 1936 وكنت قد كتبت الفصول الأولى الثلاثة قبل دخول السّجن.

وكنت أودّ أن أعود إلى مراجعة هذا الكتاب في متّسع من الوقت ليجيء أكمل في الشّكل ويكون أكثر إسهاباً في بعض المواضع ولكنّ تعاقب السّجون والظّروف السّياسيّة الصعبة الّتي وجدتني فيها بعد سجني الأوّل جعلت العودة إلى هذا الموضوع العلميّ أمراً مستحيلاً. ولمّا كانت حاجة النّهضة القوميّة إلى هذا الأساس العلميّ ماسّة رأيت أن أدفع المخطوطة الوحيدة إلى المطبعة وهي في حالتها الأصليّة، كما خرجت من السّجن..”

مما يعني أن سعادة على علم بأن مخطوطته بحاجة الى تنقيح وتصويب في بعض ما جاءت به، لكنه لم يكن لديه متسع من الوقت لمراجعة ما يحتاج الى تصويب، فهي والحال مجرد مخطوطة، أي أنها غير مكتملة في بعض جوانبها التي يمكن لقارئها أن يستنتج ما يغالط مضمونها فتأت النتائج على غير ما هي عليه. 

ثم أن التاريخ لم يُقرئنا أن هناك عالم اجتماع قد وضع مؤلفه الأول وهو في السجن، بدئا من ابن خلدون مرورا بـ دوركهايم وماركس وانغلز وماكس فيبر، وهم من كبار علماء الاجتماع منذ أن وجد هذا العلم، فالظروف التي وضع فيها سعادة مؤلفه كانت ظروفا استثنائية، السجن والمحاكمات وادارة حزب من داخل السجن والرد على مختلف التساؤلات التي كان عليه مواجهتها والرد المباشر عليها، لذا كان تلميحه الى أنه ارتأ” دفع المخطوطة الوحيدة إلى المطبعة وهي في حالتها الأصليّة، كما خرجت من السّجن..” مع تلميحه أيضا الى ” وكنت أودّ أن أعود إلى مراجعة هذا الكتاب في متّسع من الوقت ليجيء أكمل في الشّكل ويكون أكثر إسهاباً في بعض المواضع ولكنّ تعاقب السّجون والظّروف السّياسيّة الصعبة الّتي وجدتني فيها بعد سجني الأوّل جعلت العودة إلى هذا الموضوع العلميّ أمراً مستحيلاً..” هذه الاستحالة في العودة لمخطوطة مؤلفه الأولى، كانت السبب المباشر في أنه عندما بوشر في طباعة الطبعة الثانية كان لزاما على سعادة العودة لمخطوطته لتصويب بعض ما جاء فيها أكان من الوجهة العلمية أو من وجهة مختلف التساؤلات حول تلك المخطوطة والتي طرحت من قبل رفقائه أو ممن اطلعوا عليها،

 وعلى وجه العموم فإن مختلف المؤلفات كانت تخضع لتصويبات مختلفة في مختلف مناحي العلم، فالتصويب ليس عاهة أو مذمة، إنه من طبيعة الأمور في ما يتعلق بأي علم، وعلى سبيل المثال، فإن مؤلف كارل ماركس ـ رأس المال( 813 ص)  ـ والذي يعتبر من أكبر المؤلفات الاقتصادية وأشهرها في القرن التاسع عشر، قد خضع للكثير من التصويبات التي عرضها في مقدماته الأربع التي طبع بها مؤلفه المذكور وفي مقدماته في اللغة الألمانية والفرنسية والانكليزية التي صدر بها الكتاب. حيث يأتي في مقدمة الطبعة الثانية ما يلي:” يجب عليَّ بادئ ذي بدء أن أطلع قراء الطبعة الأولى على التغيرات التي أجريت في الطبعة الثانية ..” وفي مقدمة الطبعة الفرنسية يقول ماركس:”.. وقد جرى ادخال هذه التعديلات على قدر صدور أجزاء الكتاب وليس بدقة متساوية ..ولكنني اذ شرعت بالعمل في المراجعة، وجدت نفسي مضطرا لتعميمها على النص الأساسي للأصل أيضا ( الطبعة الألمانية الثانية) بغية تبسيط بعض المواضيع وتوسيع غيرها واعطاء مواد اضافية تاريخية أو احصائية واضافة ملاحظات انتقادية,,” وتأتي مقدمة الطبعة الثالثة بقلم أنجلز الذي يقول:” ..كان ماركس يعتزم في البداية إعادة تحرير القسم الأكبر من نص المجلد الأول ، وأن يصوغ على نحو أوضح بعض الأحكام النظرية ويضيف أحكاما جديدة ، ويستكمل المواد التاريخية والاحصائية بمعطيات جديدة لتشمل الوقت الراهن ..وجرى الاقتصار على التعديلات الأكثر ضرورة وادخال تلك الاضافات.. وبين الكتب التي تركها ماركس، عثرنا على نسخة ألمانية ل (رأس المال) تتضمن في بعض مواضيعها تعديلات واستشهادات في الطبعة الفرنسية، كما عثرنا على نسخة فرنسية أشير بها بكل دقة الى جميع المواضع التي كان ماركس يود استخدامها في الطبعة الجديدة، وتقتصر بعض هذه التعديلات والاضافات، ما عدا بعض الاستثناءات، على الجزء الأخير من الكتاب.. وأن نص هذا القسم لم يتعرض حتى الآن سوى لأقل التعديلات بالمقارنة مع المسودة الأولى للكتاب، بينما جرت بصورة جذرية إعادة تحرير نص الأقسام السابقة له..” في مقدمة الطبعة الإنكليزية يقول أنجلز:” ..وكان عليَّ من جانبي، أن أقارن المخطوطة مع الأصل وأن أدخل التعديلات التي أراها ضرورية.. إن الطبعة الألمانية الثالثة، التي اتخذت أساسا لمجمل عملنا، كنت قد أعددتها في عام 1883 وقد استخدمت عند اعدادها الملاحظات التي تركها المؤلف والتي أشار فيها الى أجزاء من نص الطبعة الثانية ينبغي استبدالها بمقاطع من النص الفرنسي .. إذن، إن التعديلات التي اقترحها ماركس نفسه في عدد من تعليماته الكتابية من أجل الترجمة الانكليزية ..” يضيف أنجلز:” ولكن ثمة صعوبة لم نستطع تجنيب القارئ إياها، وهي استخدام بعض الاصطلاحات بمعنى يختلف عن المعنى الذي تنطوي عليه، ليس في الحياة اليومية وحسب، بل أيضا في الاقتصاد السياسي العادي، بيد أنه لا مفر من ذلك، ففي العلم تستبع كل وجهة نظر جديدة ثورة في اصطلاحاته التكتيكية..” في مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب رأس المال، يكتب أنجلز :” لقد رأيت من أجل الطبعة الرابعة، أنه لا بد من اقرار صياغة نهائية قدر الامكان سواء للنص أو الملاحظات، وأبين فيما يلي بإيجاز كيف نفذت هذه الطبعة ..”  

عندما قلنا أن الحصري يحاول خلع جلباب بائع متجول ليتلبس ثوب محام لا يفقه من القانون شيء، فإن قولنا هذا قد أنصفه كل الانصاف، ذلك أنه لم يدرس علم يقحم نفسه به دون سابق انذار، فلو كان كما يدعي لما عاب على سعادة / بعض التنقيحات الطفيفة/ ..

فحول موضوعة العراق تحديدا يقول سعادة موضحا لما كان سببا في ضمه العراق( فقط كسمة تعبر عن بلاد ما بين النهرين) تمَّ تعريبها عن لغة فارس يقول:” ومن البحر السوري في الغرب.. إلى قوس الصحراء العربية وخليج العجم (الخليج العربي) في الشرق.” أما الحدود الشمالية الشرقية فشملت “.. وجبال البختياري في الشمال الشرقي.” هذا التوضيح المح اليه سعادة في توطئة الطبعة الرابعة بقوله:” إنّ هذا التنقيح كان قد جرى من قبل في أحاديث وخطب تعليمية بعضها دوّن وبعضها لم يدوّن، خصوصاً ما تعلّق بالمنطقة الشمالية الشرقية من سورية، منطقة ما بين النهرين (العراق)، التي كانت داخلة من الأول ضمن تحديد الوطن السوري، ولكن حدودها وتخومها لم تكن معيّنة كلها لأن بعضها كان لا يزال تحت التحقيق التاريخي والإتني والجغرافي. ولي في هذا الصدد، تصريح واضح يعود إلى سنة 1936، إذ قلت، جواباً على سؤال في محل العراق في قضيتنا: “إنّ العراق، أو ما بين النهرين، هو جزء متمم للأمة السورية والوطن السوري، وكان يشكّل جزءاً من الدولة السورية الموحدة في العهد السلوقي ويجب أن يعود إلى الوحدة القومية التي تشمله، حتى ولو اقتضى الأمر تعديل إسم سورية وجعله سوراقية ”.فالعراق الذي ذكره سعادة في مؤلفه “نشوء الأمم” بصفته بلاد ما بين النهرين أو بابل وآكاد وسومر كجزء من الأمة السورية، جاء في التعديل أو التنقيح أو التصويب، سمها ما شئت، باسم العراق وحدوده الطبيعية التي وفق “أنجلز” هي معلومة توضيحية في جوهرها، ،( ففي العلم تستبع كل وجهة نظر جديدة ثورة في اصطلاحاته التكتيكية)  

   ومع كل ما تقدم، علينا أن نتساءل ما هي تلك /التنقيحات الطفيفة.. ذات الأهمية الخاصة” التي انتهى اليها الحصري بعد /مقارنته الدقيقة/ يقول:” قال المؤلف في الطبعة الأولى من كتابه “تمسكت سورية بالسنة لكي لا تذوب في العراق وبلاد فارس مما يدل دلالة قاطعة على أنه كان يعتبر العراق منفصلا عن سورية، كما أنه كان يزعم أن سورية كانت معرضة لخطر الذوبان في العراق وبلاد فارس لولم تتمسك بمذهب السنة، لكنه ـ في الطبعة الثانية ـ بعد أن قطع شوطا بعيدا في اعتبار العراق جزءا من سورية الطبيعية وبعد أن قال بوحدة سورية والعراق من الوجهة القومية ـ رأى أن يحذف كلمة العراق من هذا النص فقال تمسكت سورية بالسنة لكي لا تخضع للفرس..”

ينتزع الحصري النص أعلاه من سياقه، مما يدل أنه يحاول الاصطياد بالمياه العكرة، ونقصد لمن لم يقرؤوا سعادة، مستغلا ذلك الجهل بسعادة وعقيدته لترسيخ آرائه في “القومية العربية” فالبحث هو بحث في الدين وصراعاته وليس في القومية، أو بالأحرى صراع على السلطة السياسية ـ الروحية المتلبسة للدين مبررا لها في مختلف مناحي اجتهاداتها لأسطرة الدين ليتوافق وطموحاتها القومية، يقول سعادة:” إنّ الدّين واحد ولكنّ الأمم متعدّدة. وفي احتكاك الأمم بالأمم تتمسّك كلّ واحدة بكلّ عقيدة أو بأية عقيدة، سواء أكانت دينيّة أو غير دينيّة، لتحافظ على استقلالها الرّوحيّ فلا تخضع لأمّة أخرى بواسطة السّلطة الرّوحيّة الدّينيّة ولذلك ظلّت إسكتلندا كاثوليكيّة لكي تحتفظ بشخصيّتها القوميّة فلا تذوب في إنجلترا، وما يقال في إسكتلندا يقال في إيرلندا. وهكذا لجأ الفرس إلى الشيعة ليحدثوا انقساماً يتخلّصون فيه من سيطرة سورية الأمويّة وليستعيدوا استقلالهم ونفوذهم الرّوحيّين والماديّين، لتصبح السّيطرة فيهم، وتمسّكت سورية بالسّنة لكي لا تخضع للفرس.. ”

بداية، ليست السنة أو الشيعة سوى محصلة صراع على السلطة الروحية، كما أشرنا آنفاً، فمن الوجهة السياسية  كانت بلاد فارس وكذلك العراق، من حيث التبعية السياسية، ملحقتين بدمشق كعاصمة للخلافة، ولم يكن هناك انفصال ليتم ضم العراق الى سورية، ولم تكن التبعية المذهبية، (سنة وشيعة)، قد أخذت أبعادها الحالية، بعد موقعة “صفين” التي كثر فيها اللغط ونسجت حولها الكثير من القصص التي بلغت ما يقارب المئة وثمان وثلاثون رواية لكن حقيقة الأمر أنها كانت خديعة، خدع بها أبو موسى الأشعري ـ الذي لعبت حياديته دورا سلبيا في التحكيم ـ من قبل عمر بن العاص عندما اتفق الطرفان على ازاحة علي ومعاوية عن الخلافة وانتخاب خليفة آخر، وتاليا في تحويل الصراع من صراع ديني الى صراع سياسي على السلطة.

 أنَّ اختيار أبي موسى الأشعريِّ أحدث نقلةً نوعيَّةً سلبيةً في الصراع، حيث تم تجاهل القضية الأساسية التي ارتكز عليها صراع عليٍّ ومعاوية ، وهي القصاص من قتلة عثمان بن عفان، ويبدو أنَّ معاوية نجح في تحويل المسألة إلى قضيَّةٍ سياسيةٍ بينه وبين عليٍّ في الصراع على السلطة، وعلى هذا النحو تطور التحكيم.(*)

، فقوله (سعادة):”  تمسكت سورية بالسنة لكي لا تذوب في العراق وبلاد فارس..” يأتي على أساس ديني مذهبي مما يتفق وسياق البحث، وقوله الآنف الذكر، يأتي تأكيدا على قوله:” وفي احتكاك الأمم بالأمم تتمسّك كلّ واحدة بكلّ عقيدة أو بأية عقيدة، سواء أكانت دينيّة أو غير دينيّة، لتحافظ على استقلالها الرّوحيّ فلا تخضع لأمّة أخرى بواسطة السّلطة الرّوحيّة الدّينيّة..” مما يعني أن الصراع السياسي المتلبس بالدين يدفع بأية أمة للتمسك بجملة من أساطيرها وادخالها في الدين ليكتسب الدين صفته القومية، هكذا البروتستانتية في ألمانية وهكذا الشيعة في بلاد فارس وهكذا تتولى المرأة في باكستان وبنجلادش أرفع مستويات المسؤولية السياسية بينما تحول الوهابية دون السماح للمرأة من قيادة السيارة، فإخراج العراق جاء على خلفية أن علياً قد اتخذ من الكوفة مقرا له بعد موقعة صفين، حيث لم يكن العراق حينها شيعيا ولم تكن مشايعة علي قد اتخذت صورتها الحالية، لكن ايران تبنت ما ثبت أنه خديعة وأبقت على عليٍ خليفة للمسلمين، أي أنها لم تعترف بمعاوية “أميرا للمؤمنين”  لكي لا تذوب في سورية السنية الأموية، فسعادة عندما يلصق صفة “السنية الأموية” في سورية يحدد الفترة الزمنية التي يصح فيها قوله ” لكي لا تذوب في بلاد فارس الشيعية، بمعنى لكي تنفي عنها اعتراف فارس في خلافة علي، وليس على أي اساس آخر  ..

إن التباس مصطلحات سعادة في فهم الحصري لها قاده لمزالق فكرية كثيرة، هذا الالتباس الذي يدل دلالة واضحة على أن الحصري لم يكن أكثر من ناقدٍ صحفي، أقحم نفسه بعلوم لم يفقه حتى تلك المصطلحات التي تتداولها تلك العلوم( علم الاجتماع وعلم السياسة) وهذا بالذات ما يظهر واضحا في قوله:” أما فداحة الشذوذ الذي أظهره أنطون سعادة باعتبار العراق جزئا من ـ سورية الطبيعية ـ فتظهر بكل وضوح تام لكل من يرجع الى حقائق الجغرافية الطبيعية..”  لكنه لا يبين لنا ما هي تلك ( الحقائق الجغرافية الطبيعية) حتى نعود اليها لنتبين (شذوذ) سعادة الفكري، علما أنه كان قد المح الى “الوشائج الوثيقة بين العراق وسورية” والتي كانت من الصعوبة بمكان يصعب فيه الفصل بينهما وفق ما ذهب اليه الحصري ،  لكنه راح يردها الى عاملي اللغة والتاريخ الذي لم ينبئنا بما يعنيه هذا المصطلح (اللغوي التاريخي)، الذي لو أنه أعتمد في علم الاجتماع، لكان علينا أن نقرَّ بأن الأشوريين أمة، فلهم لغتهم ـ الأقدم من العربية ـ التي ما تزال مستخدمة بينهم حتى اليوم، ولهم تاريخهم الذي أسطرته حكاياتهم عن الإمبراطورية الآشورية ، وكان علينا أن نقرَّ أيضا بقومية الأكراد الذين ما زالوا يتداولون لغتهم الشفهية حتى وقت قريب حيث تمت كتابتها أو وضع حروفها الأبجدية قبيل نهاية النصف الأول من القرن المنصرم، أضف الى ذلك أن تاريخهم يثبت بما لا يقبل الجدل صراعهم المرير مع مختلف الدول الاسلامية المتعاقبة* ورفضهم أن يكونوا جزئا من الدولة المحمدية أموية كانت أم عباسية أم تلك التي قامت إثر تفكك الدولة العباسية، هذا إذا استثنينا اليهود الذين لهم لغتهم وتاريخهم الطويل في التشرد بين أمم الأرض، وفق ما يدعون، وفي مختلف الأمثلة الواردة أعلاه، كان التاريخ واللغة أقدم بكثير من اللغة و التاريخ العربي الذي لا يمتد سوى مئة ونيف من السنين الذي مثلته الامبراطورية الأموية والعباسية، فما بعدهما لا تاريخ يجمع أي من صراعات الدويلات سوى الدين بلغته العربية .

يتابع نقده “لأفكار سعادة السياسية” قائلاً:” أقول بكل جزم وتأكيد، ما من ملاحظة جغرافية تستطيع أن تربط اللاذقية ـ مثلا ـ بالبصرة، أو سهول حلب بأهوار العمارة، أو الموصل بنابلس أو يافا.. إن الرابطة التي تربط هذه البلاد التي اعتبرها سعادة نفسه قطرا واحدا هي رابطة اللغة والتاريخ، لا رابطة البيئة والمناخ والطبيعة..”

سبق وأكدنا مرارا وتكرارا، بأن الحصري، ليس بأكثر من ناقد صحفي ليس له من الإلمام بما يفي ولوجه لموضوع آخر كعلم الاجتماع وعلم السياسة، ونزيد في توضيح ما سبق وكررناه، وما يؤكد ذلك، أن الحصري بقوله:” إن الرابطة التي تربط هذه البلاد.. هي رابطة اللغة والتاريخ، لا رابطة البيئة والمناخ والطبيعة..”

يبدو أن الحصري ينسى أن النسيج السوري هو تراكم أكثر من تسعة آلاف عام تحمل في طياتها الكثير من الاساطير الدينية منها والتاريخية التي ارتبطت فيها ما يمكن تجاوزا اطلاق توصيف( أقليات) اثنية عليه، تاليا فإن اللغة والتاريخ( العربي) هما مصطلحان لا يمكن أن يجمعا هذه الاثنيات التاريخية التي يطلق عليها سعادة مصطلح “المزيج السلالي” الذي يعود وفق تصنيف سعادة “لما قبل الزمن التاريخي الجلي” حتى ولو استثنينا ما  تقدم، فإن الحصري يتجاهل “أقليات” حديثة دخلت النسيج السوري ولا يجمعها مع ( اللغة والتاريخ العربي) شيء، فقلد سبق وأشرنا الى الآشوريين والأكراد وغيرهم من الاثنيات التاريخية التي لا تشترك بلغة الحصري وتاريخه الذي يبتدئ حسب زعمه بــ( الثورة العربية الكبرى) نزيد على ذلك الأرمن والشركس والتركمان.. وكل من هذه الهجرات الحديثة الى سورية لا تتكلم العربية إلا في التعاملات الرسمية بينما يبقى لها تاريخها التي تؤطره في حكايات عما دفع بها للهجرة، فما هو الرابط الذي يجمع كل ما تقدم إذا كان لا لغة وتاريخا يدفعها للدخول في النسيج السوري؟ سوى الأرض ـ البيئة التي تجبلها جبلا مع غيرها من الاثنيات الأخرى! إن المزيج السلالي السوري في حقيقته وجوهره هو السداة الذي تشكل البيئة الطبيعية لحمته..

 وما تتصف به سورية تتصف به مختلف الدول العربية اللسان والدين! فهل تشمل رابطة الدين بلغته وتاريخه، على سبيل المثال جنوب السودان الذي انتهى الى الانفصال عن جمهورية السودان بسبب تطبيق الشريعة المحمدية ولغتها العربية عام2011 أثناء حكم جعفر النميري عام 1983 ، وما يقال عن الجنوب السوداني يقال عن شماله الغربي (دارفور) التي تعتبر الخلفية السياسية لتشاد.. وما يقال عن السودان يصدق على المغرب حيث تختلط اللغة الأمازيغية بالعربية على الرغم من أن أكثرية الأمازيغ هم مسلمون لكنهم راحوا يتحولون الى ديانات أخرى تتفق وميولهم العرقية ـ الأفريقية بعد أن اعتبروا العروبة لغة وتاريخا لا تمت لهم بصلة، دون أن يعني ذلك أننا نؤيد مختلف الحركات الانفصالية عن كياناتها الطبيعية، بل إن كل ما نعنيه أن لغة الحصري وتاريخه لم يحولا دون تلك الحركات، بل على العكس كانا سببا مباشرا في دفع تلك الحركات الى بلوغ مستوى من التعاون مع ألد الأعداء دعما لمقولات انفصاليتهم ..

هذا من جهة أولى، من جهة أخرى ، يخلط الحصري بين مصطلحات علم الاجتماع، الذي يتطلب بالدرجة الأولى تحديد مفهوم المصطلحات التي يتناولها، فالبيئة هي غير المناخ كما أن هذه وتلك ليست الطبيعة، يوضح لنا سعادة من خلال شرطه/ التعين شرط الوضوح/ الفرق بين هذه المصطلحات يقول:” قلنا إنّ الأرض مقسّمة بحسب تكوّنها إلى أقاليم وبيئات ولكلّ إقليم خصائص تختلف عن خصائص الإقليم الآخر.. تحدّد البيئة الجماعة من عدّة وجوه، أوّلها: حدود الإقليم الجغرافيّة. ثانيها: طبيعة الإقليم من حيث نوع تربته ومعدّل درجة حرارته ورطوبته. ثالثها: شكل الإقليم (طبّغرافيته) من حيث سهوله وجباله وأنهاره.. وطبيعة الإقليم تميّز الجماعة بما تكسبها من لون وشكل وبما تمدّها به من الموادّ الخام لسدّ حاجاتها الحيويّة من غذاء وكساء وبناء وأدوات. فمدنيّة الجماعة المستقلّة مستمدّة من بيئتها لأنّ الاستنباط والتّكييف يجب أن يكونا ملازمين لخصائص البيئة الطّبيعيّة، موافقين لها. فلا يمكن، مثلاً، أن تكون العجلة التي كان اختراعها خطوة كبيرة في ارتقاء التمدن, قد استنبطت في الصّحراء، لأنّ استنباطها يقتضي وجود أخشاب صلبة كالسّنديان وغيره ممّا لا وجود له في الصّحراء. وهي لا يمكن أن تنتشر بجميع أشكالها في الصّحراء، لأنّها لا توافق خصائص رمالها.. ولشكل الإقليم تأثير عظيم في تمييز الجماعات بخصائص مادّيّة ومعنويّة. فليس المناخ وطبيعة الجوّ فقط العامل الوحيد في تكييف الإنسان، فالتّربة وشكل الإقليم، أشكال الأديم فضلاً عن ترابط اليابسة والماء ــ هكذا البيئة الّتي تؤثّر على الإنسان(50) فالبيئة الجغرافيّة المؤلّفة من سهل منبسط فسيح تكسب جماعتها تجانساً قويّاً يختلف في نوعه عن تجانس أهل البيئة المؤلّفة من جبال. والتّجانس في هاتين البيئتين يختلف اختلافاً قويّاً عن التّجانس الّذي أسميّه [التّجانس التّنوّعيّ] الناتج عن بيئة جغرافيّة متنوّعة الأديم من سهل وجبل وساحل.. تبدو لنا صحة قول فن ايرن [الأرض هي القوم] وقول رنان في كيف تتكوّن الأمّة ((أنظر قول رنان )) والفرق الواضح بين المجتمع الطّبيعيّ القوميّ والمجتمع المصطنع السّياسيّ. وويدال دلابلاش الّذي أشرت مراراً إلى مؤلّفه الهامّ في الجغرافية الإنسانية. يقول(231) [إنّ الظواهر الجغرافية الإنسانيّة (توزيع البشر) تنسب إلى الوحدة الأرضيّة الّتي لا يمكن تعليل تلك الظّواهر بدونها. إنّها (الظّواهر) تعزى، في كلّ مكان، إلى البيئة الّتي هي بدورها وليدة توافق حالات فيزيائيّة] وهو يوافق [لواصور] في أنّ سكّان أيّة بقعة كانت، يتألّفون من عدد معيّن من النّوى المذرورة المحاطة بمناطق مشتركة المركز تقلّ كثافتها في ابتعادها عن مركزها(232). فكلّ متّحد له مراكز تجمّع مشتركة تضعف عوامل الحياة وظواهرها وتقلّ كثافة السّكان كلّما ابتعدت عنها، فهي الكتل المغنطيسيّة الّتي تجذب ما حولها إليها.

ما أصدق هذا القول على سورية فهو يصدق عليها كما يصدق على فرنسا وعلى أيّ بلاد أخرى. خذ النّوى المذرورة في سورية، في التّاريخ القديم، تجد أنّها قد أصبحت كتلاً مغنطيسيّة قويّة كدمشق وبغداد [بابل] وأورفة (اديسه) وحمس وحلب وبيروت والقدس. ألا تقلّ كثافة السّكان ومظاهر الحياة كلّما ابتعدت عن القدس جنوباً وعن دمشق شرقاً وجنوباً حتّى تكاد تنعدم، ثمّ ألا تقلّ عن حلب شمالاً وشرقاً وماذا غرب بيروت ونطاق بغداد أليست حوافيه رقيقة ؟ أو ليست سورية كلّها تجمّعات صغيرة حول كتل مغنطيسيّة كبيرة ؟ ولو كانت القاهرة واقعة بين القدس ودمشق، مثلاً، أو بين القدس وقناة السّويس، وقرى مصر ومزارعها واقعة في شبه جزيرة سيناء وما حولهما بحيث يكون هنالك عمران واحد في بيئة واحدة، هي بيئة القطر السّوريّ، أكان في الإمكان حينئذ التّكلّم عن القطرين سورية ومصر ؟ وإنّ جفاف الإقليم بسبب محق الحرجات والغابات، الّذي ساعد الصّحراء على اقتحام التّخوم السّوريّة الجنوبيّة، وتجويف الصّحراء السّوريّة كاد يفصل بين الشّام والعراق أو بين شرق سورية وغربها لولا النّهران السّوريان العظيمان الفرات ودجلة اللّذان حفظا استمرار العمران السّوريّ وإمكانية تكاثره وتوثيق الحياة القوميّة ضمنه..” ما سبق لسعادة وأكده، اثبتته دراسات كثيرة قام به علماء اجتماع وطوبوغرافيون في ما بعد (*)

يبرر الحصري خلافه مع سعادة في البيئة والمناخ والجغرافية فيقول:” لكن مؤسس الحزب السوري القومي، لم يشأ الاعتراف بأهمية رابطة اللغة والتاريخ، لأنه شعر بأن الاعتراف بهذه الرابطة، قد يضطره الى توسيع نطاق القومية التي يدعو إليها، لذلك راح يحاول أن يخلق روابط جغرافية، ليبرر نزعته السياسية التي ترمي الى ربط العراق بسورية دون ربطه بسائر الدول العربية، هذا هو بنظري، السبب الأصلي في تخبط أنطون سعادة هذا التخبط الغريب في أمر تقرير حدود سورية الطبيعية وتحديد مفهوم القومية السورية، ولذلك أقول: إن زعيم الحزب السوري القومي، لم يستنبط نظرياته السياسية من الأبحاث العلمية، بل على العكس من ذلك، أراد أن يسخر الأبحاث العلمية لخدمة نزعاته السياسية.”

يطلق الحصري أحكامه اعتباطا أو كيفما اتفق بل وخبط عشواء دون أن تكون له دراية بما يحاول نفيه او اثباته، فقوله:” إن مؤسس الحزب السوري القومي لم يشأ الاعتراف بأهمية اللغة والتاريخ..” ينافي واقع الحال، فسعادة لم يعترف بتاريخ الحصري لأنه تاريخ مجزوء من التاريخ العام خاصة وان الحصري يعترف بان تاريخه وتحديدا تاريخ “القومية العربية” يبتدئ “بالثورة العربية الكبرى” وعلى افتراض ان التاريخ العربي يبتدئ بالفتح العربي لسورية، فهو ايضا تاريخ مجزوء لأنه تاريخ مقتطع من تسعة آلاف عام ويزيد من تاريخ سورية الطبيعية، فكيف لمن يدعي المعرفة اختصار هذا التاريخ بألف وخمسمائة عام ، هذا ايضا اذا اعترفنا ان هذه الألف وخمسمائة عام هي سلسلة مترابطة الحلقات لا جامع بينها سوى الدين الذي بقي محافظا على اللغة التي جاء بها؟ فما الذي يجمع الدولة الأموية بالدولة العباسية التي نبشت قبور الأموين ونثرت عظامهم كي تمحو من التاريخ أي اثر لهم ولم تكتفِ بذلك بل ارتكبت مجزرة تطهير قبلي بقتل جميع الأمراء الأمويين، حين دعى الخليفة العباسي الأول  من تبقى من الأمراء الأمويين وأمر بذبحهم أمام عينيه ثم غطى جثثهم ببساط ودعا بطعام وأخذ يأكل ويشرب بينما لا يزالون يتحركون فى النزع الأخير، وهكذا انفصلت عنها كليا دولة الأمويين فى الأندلس، والتي خرجت على المألوف في التراث الاسلامي بزواجها غير المعلن بثقافة الغرب وخاصة التراث الاسباني ، وسرعان ما نشأت الدويلات فى شمال إفريقية. كما في بقية أجزاء الدولة، وقد تسببت هذه الدول فى ضعف الدولة العباسية وانحلالها؛ ذلك لأنَّ علاقة هذه الدويلات بالدولة العباسية كانت مختلفة اختلافًا كبيرًا، فقد انفصل بعضها عن الدولة انفصالا تامّا، ونافسها بعضها على تولى الخلافة نفسها، كما ظل قسم آخر على علاقة اسمية بالدولة، فيكفى الخليفة أن يذكر اسمه على المنابر، ويصك اسمه على العملة، وفى حقيقة الأمر أنها دولة مستقلة تمامًا لا تخضع له في شيء. وهناك دويلات ظلت على صلة متغيرة بالدولة، تقوى حينًا، وتضعف حينًا آخر تبعًا لتغير الأحوال، وفيما يلى نذكر هذه الدول والإمارات، التي انفصلت عن دولة الخلافة العباسية، وهى: أولا: الإمارة الأموية فى الأندلس ثانيًا: الدول في بلاد المغرب وهى:1- الدولة الرستمية.2- دولة الأدارسة.3- دولة الأغالبة، ثالثًا: الدول في بلاد الشرق، وهى:1- الدولة الطاهرية.2- الدولة الصفارية.3- الدولة السامانية.4- الدولة الغزنوية، رابعًا: الدول في مصر والشام، وهى:1- الدولة الطولونية.2- الدولة الإخشيدية.3- الدولة الحمدانية.4- الدولة الفاطمية.5- الدولة الأيوبية.6- الدولة المملوكية..

أغلب هذه الدويلات لم تكن تتحدث العربية وتحديدا في الشرق كان كل ما يجمعها بالخلافة العباسية الدين بلغته والذي بدوره خضع للكثير من التطورات الاثنية ليتوافق مع اساطير البلد المعني، خير مثال لما ندعيه، أن البخاري صاحب مؤلف ” صحيح بخاري ومسلم” والذي أورد آلاف الأحاديث عن الرسول العربي، لم يكن يعرف العربية اضافة لكونه كفيفا( أعمى)..

فإذا أضفنا تاريخ الاحتلال العثماني الذي دام أربعة قرون باسم الدين، فما الذي يبقى من تاريخ الفتح العربي لسورية؟ إلا إذا كان الحصري يرى أن تاريخ هذه الدول بما فيها امبراطورية بني  عثمان، هو تاريخ عربي،  هذا ما لا يعترف به سعادة كتاريخ، ومع ذلك يبقى هذا التاريخ حلقة من التاريخ السوري ترك آثارا مدمرة فيه، ما تزال فاعلة حتى يومنا هذا، وتحديدا في البعد الديني، حيث جزأ البنية الاجتماعية السورية الى فئات وطوائف ومذاهب وملل واحزاب وطرق..

على الرغم من اننا سبق وناقشنا لغة الحصري التي يقول بها سببا من اسباب الاجتماع وعاملا من عوامله، من وجهات عدة مما يدعيه، فإننا نعود لمناقشتها من حيث اهميتها بالنسبة لسعادة التي يدعي أن سعادة لم يولها الاهمية التي تتطلبها، لأسباب شتى أهمها برأي الحصري أن سعادة:” لم يشأ الاعتراف بأهمية رابطة اللغة والتاريخ، لأنه شعر بأن الاعتراف بهذه الرابطة، قد يضطره الى توسيع نطاق القومية التي يدعو إليها، لذلك راح يحاول أن يخلق روابط جغرافية، ليبرر نزعته السياسية التي ترمي الى ربط العراق بسورية دون ربطه بسائر الدول العربية..”

يتجنى هذا الحصري على سعادة كثيرا، فجهله بسعادة كما جهل الآخرين، قاده لإطلاق أحكام لا تتصف بالموضوعية التي تتطلبها أبحاث علم الاجتماع والسياسة، فسعادة من الوجهة المسلكية كان من عشاق اللغة العربية، ذلك أن المعروف عن سعادة أنه لم يقرأ مراجعه العلمية إلا في لغاتها الاصلية التي كتبت بها، مما يعني أنه كان يتقن لغات عدة اضافة لإلمامه بلغات أخرى، لكننا لم نجد في مختلف ما تركه مقالا واحدا بلغة غير لغته العربية، ثم أنه في المحكمة المختلطة كان له موقفا أربك المحكمة منذ بدايتها، فعندما ناداه القاضي باسم ” أنطوان سعادة” لم يقف ولم يجب بل بقي ساكنا لم ينبث ببنت شفة، وعندما ناداه للمرة الثانية والثالثة، بذات الاسم، بقي على وضعه السابق، مما دفع القاضي للسؤال هل المدعى عليه موجود أم لا ؟ أجيب بأنه حاضرٌ! فلما سئل لماذا لم يجب على نداء القاضي أجاب أنه نادى على ” أنطوان سعادة” وأنا اسمي “أنطون سعادة” مما اضطر القاضي لإعادة ندائه” أنطون سعادة” فوقف قائلا: حاضر، هذا الموقف لا يعني سوى أن سعادة لم يكن يقبل إلا مناداته باسمه العربي وليس الفرنسي، ثم أن إحدى بناته ـ وأعتقد أنها “اليسار” ـ قالت: لم يكن والدي يحدثنا إلا بالغة العربية الفصحى، هذه السلوكية لا تعني سوى أن سعادة كان يولى لغته العربية كل الأهمية في حياته العامة والخاصة.

من جهة أخرى، لم يكن سعادة على نقيض ومقولات علم الاجتماع والسياسة، فكان يولي اللغة أهميتها في سياقهما، نقطة الخلاف والمفصل الرئيس في اختلاف سعادة ومختلف علماء الاجتماع الذين تناولوا موضوعة اللغة كان تمييز سعادة بين السبب ونتيجته، بين أيهما السابق وايهما اللاحق، بين الثابت والمتحول والتابع اضافة لجهل الكثيرين منهم للفارق بين أن يكون هذا سببا وذاك نتيجة، اللغة بالنسبة لسعادة تبقى وسيلة مهمة وضرورية لأي اجتماع انساني وحتى الحيواني، فظاهرة الاجتماع أوجدت اللغة، وهكذا تبقى اللغة كغيرها من النتائج الاجتماعية، الفلسفة، العلوم على اختلافها، الدين بعاداته وتقاليده حتى الموسيقى ومختلف الفنون الأخرى، الأدب بأنواعه، اللغة واحدة من هذه النتائج ولا تتعداها لكونها سببا من أسباب الاجتماع، يقول” كلّ ميزة من ميزات الأمّة أو صفة من صفاتها تابعة لمبدأ الاتّحاد في الحياة الّذي منه تنشأ التّقاليد والعادات واللّغة والأدب والدّين والتّاريخ.. . فالأمّة من حيث هي متّحد اجتماعيّ ذو نوع من الحياة خاصّ به في بيئته لا بدّ لها من لغة واحدة تسهّل الحياة الواحدة وتؤمّن انتشار روحيّة واحدة تجمع آدابها وفنونها وعواملها النّفسيّة وأهدافها ومثلها العليا. ولا فرق بين أن تكون اللّغة الواحدة مختصّة بالأمّة الواحدة أو مشتركة بين عدد من الأمم، لأنّ الهامّ للأمّة في اللّغة هو ما تحمله من صور حياتها وحاجاتها النّفسية والماديّة وما هو من خصوصيّاتها، لا أشكال ألفاظها القاموسيّة.. أنّ اللّغة وسيلة من وسائل قيام الاجتماع لا سبباً من أسبابه، إنّها أمر حادث بالاجتماع في الأصل لا إنّ الاجتماع أمر حادث باللّغة..

تحت عنوان( مفهوم العروبة ) يقول الحصري:” إن الآراء السياسية التي سردها أنطون سعادة في تعاليمه الأساسية عن البلاد العربية، تبدو للوهلة الأولى كخطة متوسطة بين النزعة الاقليمية الضيقة وبين فكرة القومية الشاملة .. إن فكرة الجبهة العربية ..لا تترك هوة عميقة بين القائلين بالقومية السورية والقائلين بالقومية العربية .. إني أعتقد أن أسباب ذلك كله تعود الى “سوء فهم” أنطون سعادة للمعاني من كلمات العرب، العروبة، والقومية العربية.. إن مدلول كلمتي العرب والعروبة في ذهن أنطون سعادة، يرتبط ويختلط على الدوام مع مدلول البدو والبداوة الصحراوية.. يخلط أنطون سعادة في كتاباته بين العروبة وبين الاسلامية ويعتبر فكرة القومية العربية ضربا من “الحزبية المحمدية” .. إن الأخطاء الفاحشة التي يقع فيها أنطون سعادة، في تحديد مدلول كلمات العرب والعروبة والقومية العربية، لا تحتاج الى شرح طويل.. إن مدلول كلمة عرب.. يشمل جميع الناطقين بالضاد من بدو وحض ومن سكان المدن والأرياف والصحاري والجبال..”

سعادة لا يخلط بين المفاهيم التي تأخذ مدلولاتها مما يفرضه علم الاجتماع، وهو يحدد على مبدأ” التعين شرط الوضوح” مجمل ما يطرحه من مصطلحات لها مفاهيمها ومدلولاتها العلمية، خاصة بما يتعلق بالعروبة والعرب والقومية، ولقد أشرنا لذلك مرارا، وها نحن على خطى الحصري، نعود الى مفهوم العروبة كما يطرحه الحصري، لا كما طرحه سعادة، فإذا كان العربي هو الناطق بالضاد وكفى، فهذه مسألة تتعارض كليا ومختلف مفاهيم علم الاجتماع، لجهة أن الحصري يستثني من مفهوم عروبته أقواما شتى نزلت في سورية أو غيرها من الأمم، ويقدم سعادة مثلا على ذلك سويسرا، التي ليست لها لغة مشتركة بين المنضوين تحت لواء المملكة، ومع ذلك تبدو هذه الدولة الصغيرة متفوقة على غيرها من الأمم الأوروبية بل ومكتفية ذاتيا الى حدٍ كبير، لكن ماذا نقول عن بريطانيا وأمريكا واستراليا وكندا ودول الكومنولث، فهي ناطقة بلغة واحدة ولا يجمعها رابط سوى هذه اللغة المتداولة فيها وفي غيرها من الأمم، ما يصدق على بريطانيا يصدق أيضا على فرنسا والبرتغال واسبانيا، فإذا ما اعتمدنا تعريف الحصري للعربي، علينا أن نقول أن الانكليزي هو كل الناطقين بالغة الانكليزية أو الفرنسية أو البرتغالية وهذا ما ينافي واقع الحال، فلكل من هذه الأمم الناطقة بلغة واحدة ما يميزها عن غيرها، فما هو السبب في ذلك يا ترى، إذا كنا ندرس علم الاجتماع ونستخلص من ذلك جملة من القوانين التي تسري على مختلف شعوب الأرض، فأية مقولة في هذا العلم عليها، لتثبت صحتها، أن تكون شاملة المجموع الذي تعنيه، لا أن تقتصر على فئة من المجتمعات دون أخرى، حينها لا يكون العلم هو علم اجتماع بل على العكس تماما، هو نوعٌ من الهراء، بل وأكثر من ذلك، هو علم يحاول أن يصبغ البشرية جمعاء بصبغته، على نحوٍ من مختلف النظريات الشمولية أو تلك التي صنَّفت البشرية تصنيفات ثبت أنها مجرد تهيوآت وتأملات ووهم سيطر فترات متباعدة على البشرية، والأكثر من ذلك أننا بمفهوم العروبة الذي يقدمه لنا الحصري، يمكننا القول بالأمة المسيحية أو المحمدية أو حتى اليهودية والسيخية والهندوسية.. طالما أن هناك عنصرا محددا في تقارب عادات وتقاليد دينية راسخة في عقول وقلوب الآخذين بهذه الديانة أو تلك، فليس الاشتراك في لغة واحدة أو دين أو طبقة أو حتى ثقافة واحدة، هو ما يجعل بالضرورة والحتم ان تكون الأمة الآخذة بها أو بكليتها أو أحدها، أمة واحدة، اللغة كمنتج اجتماعي، هي كغيرها من تلك المنتجات الاجتماعية، تبقى في حدود كونها وسيلة من وسائل قيام المجتمع وحاجة من حاجاته، هذا اذا افترضا أن اللغة منتجا اجتماعيا وليست منتجا تاريخيا واقعٌ بضغط من قوة عسكرية ( العالم الروماني) أو دينية ( العالم الاسلامي) أو ثقافية ( العالم السوفيتي ـ الشيوعي أو المشاعي).

أما أن يكون مؤتمر بيت مري 1947، الذي يستشهد به الحصري، قد انتهى الى أن “إن العروبة لم تكن في الماضي ولا في الحاضر مقصورة على طائفة من الطوائف أو دين من الأديان، وأن التعاون بين المواطنين العرب ـ على تفاوت أديانهم ـ كان قويا في الماضي كما كان كذلك في النهضة العربية الحديثة ـ ولم يفرق اختلاف الأديان بين العرب، إلا في العصور التي سادها الحكم الأجنبي، لهذا ينبغي العناية ببث روح التضامن والتعاون بين مختلف الطوائف، وإشعارهم بأنهم إخوة، وأن من واجبهم أن يضعوا الأهداف القومية فوق الاعتبارات الطائفية ” فهذه مسألة لا تعني سوى أن هذا المؤتمر قد زاد في الطين بلة عندما يستشهد به الحصري لدحض ما يأتي به سعادة من شواهد تؤكد ان العروبة ليست سوى محض افتراء تاريخي لم يجد أسانيده في أي من الأحداث التاريخية، فالمؤتمر على ما يبدو من استشهاد الحصري بإحدى فقراته جاء ليؤكد على أن العروبة دين ولغة وإن يكن لم يأتي على ذكر الأخيرة، وإنما اقتصر على موضوعة الأديان وعلى أن هذه لم تفرق بين العرب إلا في العصور التي سادها الحكم الأجنبي، لكن المؤتمر ولا الحصري جاء على ذكر تلك الفترات التي سادها الحكم الأجنبي، هل هي المرحلة التي تفككت بها الخلافة العباسية أم المرحلة الصليبية أم العثمانية أم مرحلة الانتداب، وفي كلٍ من هذه المراحل، لم يكن سوى الدين القاسم المشترك بين دويلات انسلخت لعوامل شتى سياسية واجتماعية عن  الخلافة، فأتاحت لفترات زمنية قيام دويلات دينية على شاكلة الهجمة الصليبية أو الاحتلال العثماني وحتى الانتدابين الفرنسي والانكليزي، وفي مختلف هذه المراحل ـ على افتراض أنها المقصودة في فقرة المؤتمر الذي يستشهد به الحصري ـ لم يكن الأمد ليطول أكثر من ستمائة عام شغل ثلثاها حكم بني عثمان الذي كان الدين العامل الأساسي والمباشر في تثبيت الحكم على مدى أربعمئة عام، هكذا يدحض الحصري ما جاء به سعادة، دون أن يتنبه الحصري نفسه لما كان قد أعلنه على الملأ من أن مسيحيي المشرق لم يكن لهم الفضل في بث ( الاثم السوري ـ العروبي) على امتداد العالم العربي، إذ لم يأتِ على ذكر العروبة قبل السوريين أيٍ من المفكرين في مختلف أنحاء العالم العربي، لكن مفكري العالم العربي بعد أن راح السوريون يبثون إثمهم العربي، تبنوا هذا الإثم، إضافة لما تقدم، لم يقدم لنا التاريخ الحديث أيا من مفكري هذا العالم قد سبق الكواكبي او ناصيف اليازجي، في توصيف العروبة التي جاءت كرد على الطورانية او التتريك بشكل مباشر ودون أي تمحيص من قبل القائلين بها آنذاك، حتى أن الحصري لم يُشر الى أي من تلك الأحزاب الداعية للعروبة بقوميتها الزائفة سوى تلك الأحزاب السورية التي نشأت على التتابع في سورية الطبيعية، وكان الحصري ( السوري) أبرز دعاتها.

تحت عنوان (مسألة الهلال الخصيب) يقدم لنا الحصري مزيدا من النقاط حول عدم إلمامه بما يتنطح للدفاع عنه ونقصد” القومية العربية” في نقده لأفكار سعادة حيث يقول:” ظن(سعادة) في بادئ الأمر أنها من وضع العرب، حيث قال: ولقد تنبه العرب في دقة ملاحظتهم السطحية، الى وحدة هذه البلاد الجغرافية، فسموها “الهلال الخصيب” وكرر ذلك مرات عديدة في مناسبات متنوعة، إلا أنه اطلع أخيرا على حقيقة الأمر في هذه التسمية فقال ” لعل العالم التاريخي ـ برستد ـ هو الذي أطلق تعبير “الهلال الخصيب” وعلى كل حال تبنى أنطون سعادة هذه التسمية وثبتها في نصوص تعاليمه.. ولكن.. من الغريب، أن انطون سعادة بعد أن تبنى بهذه الصورة الصريحة اسم ـ الهلال الخصيب ـ للدلالة على ما سماه، سورية الطبيعية.. فاجأ قُرَّاءه في أواخر أيام نضاله بمقالة نارية تحت عنوان “نحن سوريون لا هللخصيبيون” حمل فيها على فكرة توحيد بلاد الهلال الخصيب حملة شعواء وتهكم بدعاة هذه الفكرة تهكما لاذعاً.. ثم تذكر أن الهلال يعتبر في أوروبا وفي بعض البلاد الشرقية رمزا للإسلام، فتوهم أن دعاة اتحاد الهلال الخصيب، إنما مالوا  لهذه الفكرة تحت تأثير التعصب الديني والحزبية المحمدية! ولذلك حمل على من سماهم ” الهللخصيبيون” ..

يستنسخ الحصري ما انتقد به فايز صايغ سعادة، ويعيد ما سبق وقدمه فايز صايغ من دلائل على انتقاداته لسعادة ومن بينها تعديل الحدود الطبيعية الواردة في نص التعاليم الأول، فهو يقول”

إن الشخص( ويقصد سعادة) الذي كتب العبارات التهكمية حول كلمات الهلال الخصيب، نسي تماما، بأنه كان قد سمى سورية الطبيعية بهذا الاسم حتى في نصوص تعاليمه الأساسية وشروحها.. وعن أساس هذه المزاعم المسرودة في هذه الفقرات، فأقول (الحصري) أولا أن الهلال لم يكن رمزا لٌلإسلام عند العرب في يوم من الأيام، ولم ترتبط فكرة العروبة بالهلال في وقت من الأوقات، والدول العربية التي نشأت بعد الثورة العربية الحديثة، لم ترسم الهلال لا في أعلامها ولا في شعاراتها،.. لذلك نستطيع أن نجزم ونؤكد بأن زعم أنطون سعادة بأن الساسة .. الذين تلقفوا تعبير ( الهلال الخصيب) لأن الهلال محبوب من قبل النايورجعية العربية، ما هو إلا من الأوهام الباطلة من أساسها..”

سوف نبدأ في تسفيه ما جاء به الحصري، مما انتهى اليه في قوله:”  أن الهلال لم يكن رمزا لٌلإسلام عند العرب في يوم من الأيام، ولم ترتبط فكرة العروبة بالهلال في وقت من الأوقات، والدول العربية التي نشأت بعد الثورة العربية الحديثة، لم ترسم الهلال لا في أعلامها ولا في شعاراتها،..”

يبدو أن ما يتهم به الحصري سعادة، ما هو إلا قراءة ذاتية لذاته، ذلك أنه حين وضع كتابه( العروبة بين دعاتها ومعارضيها) كان الهلال رمزا لبؤرة الوهابية (إمارة الدرعية) التي نشأت في وسط شبه جزيرة العرب على يد آل سعود عام 1818، كما ينسى أو يتناسى أو يستغبي قراءه، أن علم مصر كان هلالاً ونجمات ثلاث، كذلك كان علم تونس والجزائر قد اتخذ من الهلال رمزا لدولتهما، ومن ثم كل من جزر القمر وموريتانيا كانت قد اتخذت من الهلال شعارا لدولتها..

أما قوله:” ..إلا أنه اطلع أخيرا على حقيقة الأمر في هذه التسمية فقال ” لعل العالم التاريخي ـ برستد ـ هو الذي أطلق تعبير “الهلال الخصيب”..” فقول لا يدين سعادة بقدر ما يوحي من أن الحصري يحاول أن ينال من سعادة بشتى الطرق والوسائل ذلك أن بين المحاضرة الرابعة الذي قال فيها سعادة:” عرفت تاريخياً باسم سورية وسماها العرب “الهلال الخصيب” لفظاً جغرافياً طبيعياً محض لا علاقة له بالتاريخ ولا بالأمة وشخصيتها..”   والخامسة التي جاء بها قوله:” . وقد تنبه العرب، في دقة ملاحظتهم السطحية إلى وحدتها الجغرافية الطبيعية، وسمى هذه الوحدة أحد العلماء، ولعله بريستد، “الهلال الخصيب”..” خمسة عشر يوما، فهل كانت هذه الفترة الزمنية كافية ليتبحر سعادة ويدقق ويفصل في من أطلق هذه التسمية على سورية التاريخية، هذا إذا لم يكن برستد قد استند الى التسمية العربية لبلاد الشام والعراق، وهو عالم قد اختص بالمصريات، لكنه أولى بعض اهتمامه لسورية الطبيعية من حيث الصلة التاريخية بين سورية ومصر، وتنبه أيضا لما تتميز به سورية الطبيعية من ميزات فكان تحديده لها شاملا العراق،

من جهة أخرى، فإن الحصري يخلط بين مصطلحات “سورية الكبرى” والهلال الخصيب” والهلال السوري الخصيب” فهذه المصطلحات ليست مترادفات إنها مشاريع استعمارية تبناها الاستعمار ليصرف أبناء شعبنا عن وحدته ذات الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية الواحدة، على نحو ما تنبه له حافظ الأسد بعد مضي نصف قرن أو أكثر من نشوء فكرة القومية العربية، ففي المؤتمر القومي الثاني عشر لحزب البعث المنعقد في تموز 1975 يقول:” كان لمشروع الهلال الخصيب مكان في استراتيجيات الدول العظمى في الخمسينيات وفي وقت آخر خططت لأن تحقق مشروع وحدة تسمى سورية الكبرى، هذه التسمية، بطبيعة الحال ليست اختراعا، بل إن تحقيق هذا المشروع ( قيام وحدة سورية الكبرى) هو عودة الشيء الى أصله، على الرغم من ذلك عارضنا بشدة هذه المشاريع، لأن للدول الاستعمارية آنذاك مصلحة في تحقيقها، دون النظر الى مصلحتنا في ذلك.. دعونا نذهب الى الوراء قليلا، ونتصور تلك المرحلة، ما الذي كان يمنع أن تقوم وحدة تسمى الهلال الخصيب أو الهلال المجدب؟ تصوروا أيها الرفاق أن الوحدة بيننا وبين العراق قائمة منذ عشرين أو ثلاثين سنة، هل يعقل أن يكون هذا الانجاز لمصلحة الانكليز أو الفرنسيين؟ طبعا لا، بل إن الأمر كان سيختلف تماما بما يتعلق بإسرائيل، هذا إذا كانت إسرائيل قد قامت أصلاً.. لا يجوز أن ندمر مصلحة لنا، لا سيما مصلحة أساسية ومصيرية، من أجل أن ندمر مصلحة صغيرة للأجنبي، هذا ما حدث في الماضي، بعض المشاريع كان للأجنبي مصلحة في تحقيقها، لكنها أصغر بكثير من مصالحنا، ليتنا الآن نعيش في سورية الكبرى، ليتنا الآن نعيش دولة الهلال الخصيب، اذن لكانت قدراتنا أكبر، واستطعنا أن نواجه الاستعمار واسرائيل بشكل أفضل، لأنه لا يمكن أن نُعِدَّ قيام دولة تضم فلسطين والاردن وسورية ولبنان، إن صح أن نسميها وحدة، لأن هذه المناطق شكلت دولة واحدة موجودة في الماضي لا يمكن أن نُعِدَّ ذلك مصلحة بريطانية، بل إنها مصلحة أساسية لنا، إن صراعنا مع اسرائيل هو صراع الى الأبد، وهو صراع مصيري، ولا بدَّ لأحدنا أن يزول، وبطبيعة الحال لن  نزول نحن وستزول اسرائيل..”

سورية الطبيعية هو المصطلح الذي اعتمده سعادة في التعريف بالأمة السورية، أما ما جاء على ذكره في المحاضرات العشر من مصطلحات، فهذه مسألة تتعلق بشرح المبادئ التي قامت على ما جاء به سعادة في مؤلفه العظيم “نشؤ الأمم” حيث لم يتناول أي من هذه المصطلحات فيه، في مؤلفه المذكور، لا يشير سعادة الى الهلال أكان خصيبا أم سوريا خصيبا أو سورية الكبرى، في المبدأ الرابع الذي يشير فيه الى “..عرفت تاريخيا باسم سوريا وسماها العرب الهلال الخصيب..” لا يعني أنه يعترف بالتسمية العربية، وفي المبدأ الخامس الذي يأتي به على ذكر الوطن السوري “.. يعبر عنها بلفظ عام: الهلال السوري الخصيب” فإضافة السوري الى الهلال الخصيب، هي اضافة من سعادة وليست اضافة من غيره، وفي مختلف الأحوال، فإن مسألة الهلال الخصيب لم تكن معتمدة من سعادة حتى وإن وردت في صلب التوسع في شرح المبادئ، التسمية التي اعتمدها سعادة كانت سورية الطبيعية كما أشرنا أعلاه، وهي التي تشمل كل من سورية بما فيها لواء اسكندرون وسفوح جبال زاغروس ولبنان وفلسطين بما فيها شرقي الأردن وسيناء ( فلسطين التاريخية) والعراق بما فيه الكويت وسفوح جبال البختياري وقبرص التي تشملها الخريطة التاريخية لسورية والتي تعود لعام 1794 ..” وهي أقدم خريطة للساحل السوري..

أما أن يكون سعادة وفق الحصري :” .. توهم أن دعاة هذه السياسة ، وأخذوا عنه فكرة “اتحاد سورية والعراق” ولكنهم غمطو حقه، وأنكروا فضله في التفكير بذلك لأول مرة فغضب لذلك غضبة شديدة..”

أن يكون ” توهم أن دعاة هذه السياسة..” فسعادة لم يتوهم، لا لشيء، إنما لكونه غير مؤمن بما دعى اليه” دعاة هذه السياسة..” فسعادة لم يدعو لوحدة سورية والعراق سياسيا، حتى ولا تاريخيا ولا لغويا ولا أي من تلك “المقومات” التي كانت تجوب مخيلة أولئك الدعاة، سعادة وبناء على مقولته الرائدة في علم الاجتماع “دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” دعى لوحدة سورية الطبيعية ذات الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية الواحدة، البعيدة كل البعد عن تقولات القائلين بوحدة سورية والعراق ( المؤتمر السوري) أو الذين تبنوا وحدة( سورية الكبرى) او المنادون بوحدة (الهلال الخصيب) كبديل عن وحدة سورية الطبيعية، والتي كانت تلك الدعوات بطبيعتها مشاريع استعمارية لتأليب الرأي العام على فكرة الوحدة الطبيعية كما جاء في تحليل حافظ الأسد، لقد نجحت السياسة الاستعمارية في ذلك، حيث تبنت بشكل أو بآخر مقولات “القومية العربية” ونجحت في إيصالها للحكم وجنت من ذلك مكاسب جمة ، أبرزها هذا الوضع المذري والمخزي الذي نحياه اليوم حيث انساقت مصر الى كامب ديفيد والاردن الى وادي عربة والفلسطينيون الى اسلو.. ودول الخليج العربي الى “صفقة القرن” والحبل على الجرار..

يعود الحصري لموضوع سبق وتطرقنا اليه في هذه الدراسة النقدية وهو موضوع اللغة أم البيئة تأتي أولا، فتحت عنوان / اللغة والأرض في تكوين القومية/ يقول:” نحن لم نقل “أبدا أن النفسية والفكر لا قيمة لهما توازي قيمة اللغة..” لأننا أولا نعتقد بجواز فصل اللغة عن النفسية والفكر، وذلك لأننا نعلم أن اللغة هي أداة تفكير، كما أنها أهم وسائل التعبير عن خلجات النفس، ثم أننا نعتقد في الوقت نفسه بأن اللغة واسطة اتصال الأجيال الجديدة بالأجيال القديمة، وواسطة انتقال المكتسبات الفكرية من جيل الى جيل، ولذلك نقول : إن وحدة اللغة هي أهم وأمتن الروابط التي تربط بين الأفراد بعضهم ببعض، وهي أفعل العوامل التي تؤثر في تكون شخصيات الأمم. إننا لم نقل “إن النفسية والفكر ليس لهما قيمة توازي قيمة اللغة ولكننا قلنا ولا نزال نقول ” إن الأرض والبيئة ليس لهما قيمة توازي قيمة اللغة  “

إن أبرز وأهم ما يمكن استخلاصه من الفقرة المتقدمة، هو أن الحصري يؤكد على أن اللغة تبقى في مختلف حالاتها “أداة، واسطة، وسيلة، ..” وأنه يمكن “فصل اللغة عن النفسية والفكر” بما يعني أنه يمكن الفصل بين الفكر وأداته حيث تكمن العقدة التي يحاول الحصري فكَّ بعض اشكالياتها في نقده لسعادة..

وحتى لا يكون تعليقنا على ما تقدم، تكرارا لما سبق وأفردناه في موضوع اللغة، فإننا سنتناول طرح الحصري من زوايا أربع هي على التوالي:

1 ـ فلسفة اللغة :”  حيث المعنى هو الأهم في مختلف المناحي التي تدرسها هذه الفلسفة، والتي تركز على النحو و الدلالة اللغوية وعلم المقامية أو الذرائعية ، لكن أهم ما في الفلسفة اللغوية هو المعنى ..”

2 ـ علم اجتماع اللغة: ” وهو العلم الذي يبحث في تأثير المجتمع في اللغة..”

3 ـ علم اللغة الاجتماعي : “وهو العلم الذي يبحث في تأثير اللغة على المجتمع..”

4 ـ الفصحى والعامية: حيث اللكنة أو اللهجة المحلية تطوّع اللغة لما يتناسب وحاجاتها اليومية.

عندما نقول أن سعادة كان رائدا في علم الاجتماع، فليس في هذا القول، ما ينافي الواقع، فسعادة قبل ظهور فلسفة اللغة ومشتقيها علم اجتماع اللغة وعلم اللغة الاجتماعي، حدد لهذه الفلسفة ومشتقاتها ركائزها التي اكتشفها علماء اللغة والاجتماع بعده بثلاثين عاما، ذلك أن سعادة، وفي مؤلفه الرائع “نشوء الأمم” يبتدئ مع اللغة من نقطة الصفر، يقول:”  ولا شكّ في أنّ النّار قوّت الرّابطة الاجتماعيّة في الإنسان السّابق ومهّدت له كثيراً إظهار استعداده للارتقاء فساعدت كثيراً على نشوء النّطق الّذي يعدّه لتزرس قيقر(83) أبا العقل. ومهما يكن من أمر تقديرنا نشوء النّطق فلا بدّ لنا من التّسليم بأنّ النّطق وحده كفل تحويل الاكتشافات والاختبارات التّطوريّة الأوّليّة إلى معارف اجتماعيّة وراثيّة (اجتماعيّاً).. وفي مجرى هذين العصرين الحجريّين اللاّحق والمتأخّر تمّ نطق الإنسان وارتقى إلى مرتبة لغة وارتقت أحوال معاشه بتدجين الحيوان والتّنبه لطبائع المادّة ولكنّها ظلّت على مستوى سدّ الحاجة مباشرة، الأخذ ممّا تقدّمه الأرض من حيوان ونبات بريّ، وفوقها قليلاً إذ نرى ابتداء النّسيج وصناعة الخزف. والرّابطة الاجتماعيّة هي الرّابطة الدّمويّة، رابطة القبيلة. ” اذن، فالنطق، حالة اجتماعية، بمعنى آخر،  لولم يكن الانسان اجتماعيا بالفطرة لما كانت له امكانية نشؤ النطق “اللغة” وإن كان هذا، مجرد أصوات، أو شارات صوتية ـ يشاركه فيها حتى العالم الحيواني ـ حيث يمكن للمجتمعين حول النار تناقل بعض من أفكارهم مع الآخرين، هذا بداية، وفي التطور اللاحق للغة، راح الانسان يرسم على جدران الكهوف، بعضا من صور حياته اليومية لنقلها الى الآخرين، فكانت اللغة الهيروغليفية، لغة يمكن أن تنقل برسمٍ موجز بعضا من هذه الأفكار المتداولة، أيضا من الحياة اليومية، بعدها تتطور اللغة الى اللغة المسمارية المقطعية والتي مهدت لظهور الأبجديات حيث تمكن الانسان في هذا عصر، من تدوين مختلف الأفكار ليتم توارثها اجتماعيا وتتحول الى معارف اجتماعية، وحيث أن هذه مواكبة للحالة الاجتماعية التي بلغها الانسان، كان لا بدَّ من اختراع الأرقام التي ساهمت بشكل أو بآخر على التطور الاقتصادي ذي المنشأ الاجتماعي، أيضا، فالحالة الاجتماعية، هي البوتقة التي تفاعلت فيها مختلف تطورات الانسانية على اختلافها.

وعندما نقول أن سعادة قد حدد لعلوم اللغة ما بلغته في ستينيات القرن العشرين، فلا يأتي قولنا عبثا، بل لما يقوله سعادة في مؤلفه نشوء الأمم:” الهامّ للأمّة في اللّغة هو ما تحمله من صور حياتها وحاجاتها النّفسية والماديّة وما هو من خصوصيّاتها، لا أشكال ألفاظها القاموسيّة..” بما يعني أن فلسفة اللغة عندما تقرُّ مبدأ أن أهم ما في الفلسفة اللغوية هو المعنى، فإن هذا المعنى يأخذ بعدا قيميا يحمل قيم المجتمع المتجلية في صور الحياة اليومية التي تأتي اللغة كوسيلة للتعبير عنها..

وهكذا، فالمشكلة التي يعاني منها أصحاب الدعوات اللغوية مع سعادة، تكمن في العلاقة بين الثابت والمتحول والتابع، عند سعادة يبقى الثابت هو البيئة التي تمدُّ الانسان بعناصر استمراريته والتي منها صور حياته اليومية والتي تختلف من بيئة طبيعية الى أخرى، فلا شك، على سبيل المثال، أن حياة العرب، التي فرضتها مقومات البيئة الصحراوية القاسية، لعبت دورا مهما في مختلف آدابهم شعرا كانت أم نثرا، لهذا نجد الشعر العربي ـ والذي هو الوسيلة الوحيدة التي تداولها العرب حتى تاريخ بدء الدعوة المحمدية،  ينقل لنا صورا من تلك الحياة التي كان يحياها العرب في شبه جزيرتهم، والتي كانت تتمحور حول الغزو والمدح والهجاء والارتحال والحب العذري والجمل والخيام والطلول.. الخ، أيضا على سبيل المثال، كانت مختلف الموضوعات التي تناولها الشعراء العرب، تبتدئ بالوقوف على الأطلال كتمهيد للدخول في موضوع القصيدة، على سبيل المثال أيضا وأيضا، أشهر قصائد العرب، “اليتيمة” والتي مطلعها:

 “هـل بالطُلــــــُول لسـائلٍ رَدُّ        أَو هَلْ لها بتكلُّمٍ عَهــــْدُ

دَرَسَ الجديــد جديـدَ مَعْهــدها        فكأنَّما هي رَيْطة ٌ جَـرْدُ

من طُولِ ما يبكي الغَمام على       عرَصاتِها ويُقَهْقِه الرَّعْدُ

وتُلـــــِثُّ ســـــــارية وغـادِية ٌ        وَيكُرُّ نَحْسٌ خلْفَه سَــعْدُ..”

فالوقوف على الاطلال، في حياة دائمة الارتحال، كان هو مصدر الوحي الشعري الذي لم تعرف شبه جزيرة العرب سواه من الآداب، قبل الدعوة المحمدية، والذي خضع بدوره لكثير من المتغيرات بعد انتشار الدعوة في سورية الطبيعية، وقد سبق ونوهنا لهذا الموضوع في بحثنا للغة آنفا،

قبل (500 – 540 م ) أول شعراء العرب  “امرئ القيس” أو “الملك الضليل” أو “ذو القروح” لم يكن هناك نصا مكتوبا بلغة العرب الأولى ـ وقد ألمحنا لهذا الموضوع سابقا ـ ولاحقا بلغة قريش..

 قبل ذلك بزمن طويل، كان الشعر السومري قد قطع شوطا بعيدا في رسم معالم الحياة اليومية، حيث لا أطلال ولا هجو ومدح و..  ففي قصائد “حب سومرية” نقرأ:

“..هوَ التقى بي، هوَ التقى بي.

الرّبّ وضعَ يدهُ في يدي.

 عانقني وضمّني إلى صدرِه (أي دوموزي).

كيفَ أحتالُ بالقولِ على أمّي؟

دعيني أخبركِ بما تسوقهُ البناتُ من معاذيرَ:

قولي لقد صحبتني صديقتي إلى السّاحةِ العامّة،

حيثُ تسلّينا بالرّقصِ والموسيقا،

أنشَدَتْ لي أحلى وأعذبَ الألحانِ،

وفي بهجةٍ غامرةٍ أمضينا الوقتَ هناكَ.

بهذهِ الأكذوبةِ تأتينَ إلى أمّك.

فدعينا نطلقُ العنانَ لأنفسنا في ضوءِ القمرِ.

سأُعدُّ لكِ سريراً نقيّاً وهنيّاً.

فنقضي الوقتَ في لهوٍ ومتعةٍ..”

وهكذا تعكس اللغة مظاهر مختلفة من الحياة اليومية للمجتمعات الانسانية..

بين الثابت والمتحول والتابع، تبقى المشكلة بين سعادة والحصري، فإذا كان الثابت هو البيئة، فالمتحول هو المجتمع، وسعادة كعالم اجتماع آخذٌ بعلم “اجتماع اللغة” ـ قبل وجود هذا العلم، وأخيه علم لغة الاجتماع ـ حيث يعكس في تناوله لهذا لعلم تغيرات وتطورات اللغة كتابع لمختلف تحولات الحياة المجتمعية، يقول:”.. كلّ مجتمع يجب أن يكون له وسيلة أو وسائل، لغة أو لغات، لهجة أو لهجات يتخاطب بها أفراده ويتفاهمون ويتفاعل تفكيرهم وتزداد ثروتهم العلميّة. وهكذا نرى أنّ اللّغة وسيلة من وسائل قيام الاجتماع لا سبباً من أسبابه، إنّها أمر حادث بالاجتماع في الأصل لا إنّ الاجتماع أمر حادث باللّغة.. ثمّ إنّ اللّغة متى صارت لغة جماعة أو جماعات معيّنة أصبحت حاملة الميراث الأدبيّ الثّقافيّ لهذه الجماعة أو هذه الجماعات. وفي هذه الحقيقة يكمن سرّ أنّ اللّغة عنصر من عناصر الأمّة. فالأمّة من حيث هي متّحد اجتماعيّ ذو نوع من الحياة خاصّ به في بيئته لا بدّ لها من لغة واحدة تسهّل الحياة الواحدة وتؤمّن انتشار روحيّة واحدة تجمع آدابها وفنونها وعواملها النّفسيّة وأهدافها ومثلها العليا. ولا فرق بين أن تكون اللّغة الواحدة مختصّة بالأمّة الواحدة أو مشتركة بين عدد من الأمم.. وحيث تكون النّفسيّات الدّاخلية في لغة جديدة قويّة فإنّها تفعل في اللّغة وتكسبها من نفسيّاتها وتوجّهها في التّعبير عن احتياجاتها ومثلها العليا شأن السّوريّين في اللّغة العربيّة فإنّهم أخذوها من الفاتحين العرب ولكنهم نقلوا إلى هذه اللّغة علومهم وأدبهم ومجاري فكرهم فأصبحت اللّغة العربيّة لغتهم القوميّة تسيطر نفسيّتهم ومواهبهم فيها في بيئتهم وتجاوزها. وإنّ من الأسئلة الّتي تنبّه الفكر إلى هذه الحقيقة: ماذا كانت تكون الثّقافة العربيّة لولا ما نقله السّوريّون من السّريانيّة واليونانيّة إلى اللّغة العربيّة ؟.

فإذا تكلّمنا عن الثّقافة السّوريّة عنينا بها الدّور الذّي قام به السّوريون في ترقية الثّقافة العامّة وهو دور الجمع بين الزّرع والغرس وسلك البحار والتّجارة وإنشاء الحروف الهجائيّة والدّولة المدنيّة وخصوصاً العناصر الأربعة الأخيرة، كما تقدّم معنا آنفاً. وإذا تكلّمنا عن الثّقافة الإغريقيّة عنينا بها الفلسفة والفنّ اللّذين أنشأهما الإغريق وأعطوهما للعالم. وإذا تكلّمنا عن الثّقافة العربيّة عنينا بها ترقية العلوم التي اشتركت فيها العناصر الداخلة في نطاق اللغة العربية، كالحساب والهندسة والطّبّ والكيمياء. وإذا تكلمنا عن الثقافة الحيّة كلّها مع الاحتفاظ بالألوان أو الصبغات القومية لبعض نواحي الثّقافة.. إنّ وحدة اللّغة لا تقرّر الأمّة ولكنّها ضروريّة لتماسك الأمّة. وحيث تتّخذ اللّغة أساساً للقوميّة يكون القصد من ذلك التّعبير عن حاجة التّوسع والامتداد، كما هي الحال في ألمانيا الّتي يلجأ مفكّروها أحياناً إلى وحدة السّلالة وأحياناً إلى وحدة اللّغة(236) لسدّ حاجاتها إلى التّوسّع ولضمّ أقليّاتها الدّاخلة في أمم أخرى تعمل على إذابتها.. إنّه ضروريّ أن تتكلّم الأمّة لغة واحدة وليس ضروريّاً أن تنفرد بهذه اللّغة. على أنّ أهمّ ما في اللّغة للأمّة الأدب الّذي تنشئه هذه الأمّة ليعبّر عن روحيّتها ويحفظ روحيّتها ومثلها العليا..”

هكذا هي اللغة ، أياً كانت، عند سعادة، تبقى حاملا لفكر الأمة، في شتى مجالات الحياة، لكن، وعندما تعجز اللغة عن حمل هذا الفكر، نرى الفكر يجهد لإيجاد ما يفي بمخزونه، لذا نراه يلجأ الى فنون (لغات) أخرى تحمل ما في دواخله من عواطف ومواقف وتجليات كالموسيقى والرسم والنحت، فالسنفونية الخامسة لبيتهوفن (ضربة قدر) هي فكر خالص أراد بيتهوفن التعبير بها عن الوضع المادي المذري الذي كان يحياه حيث صاحب الغرفة التي يقطنها الذي راح يطرق عليه الباب لمطالبته بإيجار الغرفة، وللهرب من وقع طرقات الباب ، يلجأ الى البيانو مرددا تلك الطرقات بأجمل ما أبدعه في عالم الموسيقى، كذلك نجد في تمثال ( المفكر) “لأوغوست رودان” الذي أراد به التعبير عن مشكلة الفلسفة بأولي أعماله ( بوابات الجحيم) حيث الحقيقة العارية تظهر في تمثال المفكر كرجل عار مسند ذقنه الى يده مغرقا في التفكير.. كذلك لوحة ” الموناليزا” الشهيرة والتي أثارت الكثير من الجدل حول ما ترمز اليه، فهل هي خائفة أم سعيدة أم متشائمة أم حزينة..

واللغة من جهة أخرى “ديموقراطية” تتقبل الآخر، الترجمة والإضافة باعتبارها حاملا للفكر الذي يصوغها تبعا لتجلياته، فعندما يجد الفكر نفسه في “قفص الاتهام” بالقصور عن التعبير عن مكنوناته، يبحث عما يمكنه إخراجه من قفص الاتهام هذا، فيأتي بمفردات أو مصطلحات جديدة، كما ويسقط أخرى لأنها لم تعد تفي بأغراضه، مثال ذلك مفردة(عرنين) والتي تعني بلغة العصر ( الأنف) تلك المفردة من النادر تداولها حتى في أرقى المدونات اللغوية العصرية، وكما تسقط مفردات، تنهض في اللغة مفردات أخرى، وفي هذه تتجلى “ديموقراطية” اللغة، في تقبلها للترجمة والإضافة، للآخر، من اللغات، كمفردة (بنطال) فهي غير موجودة في مفردات اللغة العربية (لغة قريش القرآنية) أو(ياقة) “الكرافات” التي لم تعرفها اللغة العربية إلا منذ أمد قصير،        

بين الثابت( البيئة) والمتحول(المجتمع) والتابع(اللغة) هكذا إذن يكمن الخلاف بين سعادة، ومجموع القائلين أن اللغة سببا وعاملا من عوامل قيام المجتمع، ومن بينهم الحصري الذي يحاول دسَّ أنفه في علم لا يفقه منه شيئا، فسعادة يدقق في طبيعة اللغة الاجتماعية، على صعيد فلسفة علم اللغة، وفي الفرق بين علمي/ اجتماع اللغة وبين علم اللغة الاجتماعي/ ، يقول سعادة بهذا الخصوص:” ولفقر اللّغة العربيّة في المؤلّفات الاجتماعية نجدها فقيرة في المصطلحات الاجتماعيّة العلميّة. فوضعت في هذا الكتاب مصطلحات جديدة أرجو أن أكون قد توفّقت في اختيارها للدّلالة على الصّفة المعيّنة، كقولي: [الواقع الاجتماعيّ] و [المتّحد الاجتماعيّ] و [المناقب] و [المناقبية] (للمورال)..”

ولأنّ المعنى في فلسفة اللغة هو موضوع قيمي، تتبع المفردة فيه مفاهيم المجتمع السائدة، المستمدة من حياتها اليومية أو من دورة حياتها الاجتماعية ـ الاقتصادية عبر تتالي أجيالها، المعنى في سياق الجملة أو البحث، على سبيل المثال، لم نجد في الشعر العربي تعبير أو صورة أو كناية وما الى هنالك من أدوات شعرية أو أدبية، تعبير مثل ( رائحة الدراق) أو (أريج الجوري) أو (روائح الليمون) أو صورة للكرز، على نحو :

” شفتاك عنقودان من كرز… من ذاق غيري طيب طعمهما”

 جل ما نقله الشعر في شبه جزيرة العرب هو الجمل والترحال والسيف والغزو والواحة والخيام والحب العذري..  

 اللغة كأداة تعبير عن احتياجات الفرد تجاه الآخر قد تتخذ أنماطا غير صوتية، أي بلغة الاشارة كالشارة التي يتداولها الصم والبكم،  وقد يكون ذا لغة جسدية ، على سبيل المثال إن حركة الرأس يمنة ويسارا تعني في لغة الشرق الأوسط الرفض أو التشكيك في صحة ما يقال، بينما تعني في لغة الهند القبول، اللغة كأداة أو واسطة أو وسيلة، تختلف من مجتمع للآخر، كما تختلف من مدينة لأخرى، فاللغة الدارجة في حلب هي غيرها في دمشق أو بيروت أو القاهرة، كذلك لا يمكن فهم اللهجة السودانية مثلا عند السوري، او اللهجة التونسية والجزائرية عند البيروتي أو البغدادي والعكس صحيح، من هنا يمكننا القول أن اللغة تتكيف اجتماعيا، وتاليا ظرفيا أو زمانيا وفق الحالة الاجتماعية السائدة، فكثير من مصطلحات اللغة تسقط تاريخيا، لتنهض مفردات ومصطلحات أخرى هكذا تتبع اللغة التطور الاجتماعي..

لم يتح الزمن لسعادة توضيح ما غمض من أفكاره، كما لم يكن التلامذة على مستوى ما قدمه من أفكار، واكتفوا بترديد ببغائي لتلك الأفكار التي دونها في مداه الزمني القصير، لم يدقق أحد علميا في مختلف ما طرحه سعادة في مؤلفه “نشؤ الأمم” أو في بقية ما تركه من خطب أو مقالات أو دراسات..

سأكتفي، تأكيدا على أن سعادة كان سابقا لعصره، بمقدمة رسالة الدكتوراه التي قدمها الدكتور ( زيدان علي الجاسم) تحت عنوان / في علم اللغة الاجتماعي/ بحث صوتي لغوي اجتماعي في اللهجات العربية الشامية مقارنة مع الانكليزية وغيرها، وسأقتطف منها بعضا مما يتناسب وختام هذا البحث ( اللغة أم البيئة)

يقول الدكتور زيدان على الجاسم في مقدمة رسالته لنيل درجة الدكتوراه ما يلي:” إن الموضوع العام لهذا الكتاب هو من أطرف الموضوعات وامتعها في علم اللغة الحديث، فهو يقع في ما سمي بعلم اللغة الاجتماعي الذي يبحث في الصلات والعلائق التي تربط بين اللغة والمجتمع، وبعبارة أوضح يقوم هذا العلم بدراسة الأسباب والعوامل الاجتماعية التي يؤثر فيها المجتمع على شكل اللغة ووظيفتها، ومن أبرز موضوعات هذا العلم هو اختلاف اللهجات في اللغة الواحدة ومسألة تغيرها وتماسها واختلاطها وموتها وفنائها واندثارها أو تشعبها وتفرعها، فلماذا يختلف كلام الناس فيما بينهم؟ لماذا يتحدث الكبار على نحو يختلف عن الصغار؟ ولماذا يختلف حديث النساء عن الرجال؟ ولماذا يتغير كلام الناس في لندن عن كلامهم في واشطن أو في الشام عن بيروت أو في القاهرة عن بغداد؟ أو لماذا يختلف كلام الأطفال عن المراهقين وهؤلاء عن الراشدين أو البالغين ؟ فما هو دور العمر والجنس والطبقة والقبيلة والطائفة والمنطقة والاقليم في اختلاف اللهجات أو اللغات وتغيرها وتحولها؟ فكل هذه قوانين عامة تنطبق على كافة لغات أهل الأرض وألسنتهم من عرب وعجم وأبيض وأسود وأصفر.. الخ، أي سواء كانت اللغة إنكليزية أم عربية أم ملاوية أم يابانية، الخ

ومما لا شك فيه أن هذه اللغات تتفاوت فيما بينها في استجابتها وتأثيرها بهذه العوامل والأسباب، ولكن هذا التفاوت لا ينفي حقيقة الاختلاف والتغيير فهي ثابتة وواضحة في كل لغة مهما كانت، زيقوم هذا الكتاب بدراسة ظاهرة الاختلاف قي اللغة وتغبرها والعوامل التي تتحكم فيها وذلك من خلال دراسة بعض اللهجات العربية الشامية في دمشق والمناطق المحيطة بها ومفارنتها مع أحوال اللغات الانكليزية ولهجاتها في أمريكا واستراليا واللغات العالمية الأخرى واللهجات العربية أيضا.

وعلى الرغم من أن لعلم اللغة الاجتماعي اتجاهات ومدارس متعددة لسنا بصدد الحديث عنها هاهنا، فإن المدرسة التي التزمنا بها أصلا هي نظرية الاختلاف التي جاء بها العالم اللغوي الأمريكي ” وليم لابوف في أوائل الستينات ولا تزال هذه النظرية أكثر النظريات اللغوية رواجا ودرسا وتطويرا لدى الدارسين والباحثين في مختلف أنحاء العالم ..”

هذا جزء من مقدمة طويلة يبين لنا كيف أن اللغة خاضعة بالتأكيد لجملة عوامل يوجزها سعادة في ثلاثينيات القرن الماضي محددا عواملها وأسبابها بما كانت تسمح به ظروف سجنه وحزبه، بما يلي:

”  ولكنّنا كلّنا نعلم أنّ السّوريّ الّذي يهاجر إلى أميركا لا يلبث، إذا أقام، أن تتبدّل صفاته الخاصّة ويكتسب صفات المتّحد الأميركانيّ الخاصّة. فكيف زالت صفاته الأولى الثّابتة الّتي كانت تميّزه عن الأميركان، ومن أين جاءته الصّفات الأميركانيّة الّتي أصبحت تميّزه عن السّوريّين ؟ أليس في هذا الواقع برهان مفحم على أنّ الصّفات ليست أساس المتّحد وأنّ أساس المتّحد والصّفات هو الاشتراك في الحياة الواحدة ؟ بلى. فحيثما اجتمع جمهور كبير من السّوريّين في أميركا وقلّ اختلاطهم مع الأميركان وظلّوا محافظين على اشتراكهم في حياتهم، في متّحدهم، فهم يكتسبون كثيراً من طابع البيئة ولكنّهم يظلّون متّحداً متميّزاً عن الأميركان بنسبة إقلالهم من الاشتراك في الحياة الأميركانيّة وعكفهم على حياتهم السّوريّة. وكلّما قلّ تعاشرهم فيما بينهم وازداد اشتراكهم في الحياة الأميركانيّة ازداد تخلّقهم بأخلاق الأميركان واكتسابهم صفاتهم. وإذا كانت أميركا بعيدة على القارئ في سورية فلنأخذ مصر مثلاً. ألسنا نرى اشتراك السّوريّين المقيمين في مصر في الحياة المصريّة يكسبهم، تدريجاً، صفات مصريّة فيعود واحدهم إلى سورية يخاطبك بلهجة [ازيّك] بدلاً من [كيف حالك] و[خبر إيه ؟] بدلاً من [شو صار] الخ. أو ليس عدم حصول هذه الصّفات لهم إلاّ بعد إقامتهم في مصر دليل على أنّ صفات المتّحد قائمة على أساس الاشتراك في الحياة، لا أنّ الاشتراك في الحياة قائم على أساس الصّفات ؟..”

في ختام نقده / لأفكار سعادة العلمية والسياسية/ وتحت عنوان “غرور الزعامة” يحاول الحصري النيل من شخص سعادة، فيقول:” من أهم ما يلفت النظر في كتابات أنطون سعادة وأعماله، هو ايمانه العميق بمبادئ حزبه، ونشاطه الكبير في سبيل نشر دعوته وتنظيم حزبه، واعتداده الشديد بنفسه، اعتدادا يصل به  أحيانا الى درجة الزهو والخيلاء، إنه يعتبر نفسه صاحب رسالة، وهاديا للناس، ويزعم أن ظهور حزبه سيغير وجه التاريخ، بل بدأ يغير وجه الشرق.. من المعلوم أن الاعتداد بالنفس، يغذي العزم، ويحمل على النشاط غير أنه إذا وصل الى هذا الحد من الشدة، تحول الى الزهو والخيلاء، وأضاع على صاحبه سلامة التفكير واصابة العمل، في كثير من الأحيان، وأظن أن هذا ما حصل فعلا، في حياة أنطون سعادة.”

يسهو الحصري عما قدم له في نقده المشار اليه أعلاه، حين قال:” لم يظهر في العالم العربي حتى الآن، حزب يضاهي الحزب السوري القومي، في الاهتمام في الدعاية المنظمة التي تخاطب العقل والعاطفة معا، وفي التنظيم الحزبي الذي يعمل بلا انقطاع في السر والعلن..”

ويسهو عن سؤال يأتي كنتيجة لهذا التقديم، سؤالٌ يقول: ولما هذا الحزب على النحو الذي يصفه به؟ لا أن يطرح سؤلا تنبئيا :” عن حظه ( الحزب ) في النجاح والصلاح ؟ “

أما عن حظ الحزب في النجاح في ما دعى اليه، فقضية يأتي تاريخ الحزب ليفك بعضا من اشكالياتها التي تجاهلها الحصري في ردها لـ (غرور الزعامة)!! فكما لم يظهر في العالم العربي حزب يضاهي الحزب السوري القومي الاجتماعي، كذلك لم يتعرض حزب لمثل ما تعرض له هذا الحزب من تآمرٍ عالمي على قضيته رعته بكل جدية الصهيونية العالمية وعملت على تمزيقه وتشتيته والقضاء عليه، تعاونها في مسعاها هذا قوى عالمية لا يستهان بقوتها المادية والمعنوية كأمريكا وبريطانيا وفرنسا بأدوات نصبتّها حكاما على مصر والسعودية ولبنان، قوى بذلت كل ما فيها للحيلولة دون الحزب وقضيته، وتعاونت مع دعاة “القومية العربية” على اجهاض أية محاولة له للنهوض بأمته، فاغتالت بقوانينها زعيمه بعد أن نبه لخطورة الحركة الصهيونية والهجمة اليهودية على فلسطين ودعى لخطة نظامية تقف في وجه خطة مدعومة عالميا تستهدف امته بكاملها ولم يميز بين الصهيوني واليهودي، فكل يهودي هو صهيوني بالضرورة لأنه يؤمن بأن فلسطين “أرض ميعاده” ، هذا إذا لم يكن الوحيد من بين  زعماء ( الثورة العربية الكبرى) الذين لم    يعني لهم (وعد بلفور) شيئا مهما بقدر ما عنى لسعادة  فكتب رسالة تحذيرية للويد جورج رئيس وزراء بريطانيا في حينه جاء في ختامها قوله” 

فإن أموراً عظيمة – أموراً عظيمة جداً- ستترتب على هذه المحاولة الأثيمة التي لم يعرف التاريخ محاولة أخرى تضاهيها في الإثم. وإني أطمئنكم بأن نتائجها لا تقتصر على فلسطين بل ستتناول العالم أجمع، وإن عظتها البالغة لن تكون لبني إسرائيل فقط بل لجميع بني الإنسان!. ومن يعش ير.

دمشق في 18 آذار 1931 “

      وكان أول من نبه لسلاح البترول في مقالته التي حتّمت ضرورة اغتياله وهي المقالة التي جاءت تحت عنوان / البترول سلاح انترنسيوني لم يستخدم بعد/ في الوقت الذي لم يكن قد تنبه اليه أيٌ من دعاة “القومية العربية” لهكذا قضية، واللاهثون وراء استثمارات الغرب الأمريكي لذهبهم الأسود، وأتبعت اغتيال زعيمه باغتيال حزبه بأكبر مؤامرة عرفها التاريخ السياسي بإلصاق تهمة اغتيال المالكي به، فاستباحت أعضاءه قتلا واغتيالا وتعذيبا وتشريدا وتجويعا وافقارا وتهميشا، حتى اذا ما غادروا الحزب رفعت من شأنهم الاجتماعي دون السياسي، حزب لو تعرضت لما تعرض له أكبر الدول، لكانت قد انهارت واندثرت وعفى عليها الزمن، حزب عصي على الموت، ولا يرضى له قبرا تحت الشمس، لذا كان لا بدَّ لهذه القوى التآمرية أن تزرع في جسده الكثير من عملائها الذين عملوا على تفتيته من الداخل بدئا من عام 1957 وانتهاء بعام 1985..

وكما يسهو الحصري عن تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، كذلك يسهو عن معنى الزعامة حيث ينعت سعادة (بالغرور)، فسعادة لم يغتر بنفسه بقدر ما اغترَّ بأمته وبتاريخها الثقافي السياسي القومي، الذي قدم للعالم أجمع ركائز علومه على اختلافها، على الرغم أنه من حقِّ سعادة في ذلك، فهو الذي أنشأ حزبه مكتمل الأركان عقيدة ودستورا ونظاما، منذ اللحظة الأولى لخروجه للعلن، وهو الذي أقام حزبه على مبدأ التعاقد، مبدأ لم يشهد التاريخ لأي حركة سياسية أن قامت عليه، في التاريخ السياسي العالمي، تعاقد بين صاحب الدعوة والمقبلين على دعوته، تعاقد شخصي، بين العضو وزعيمه، تعاقد لا تلغيه مؤسسة حزبية كانت أم غير حزبية، تعاقد لا يحله منه سوى الشارع صاحب الدعوة

وعندما نقول أن من حق سعادة أن يحتل المكانة التي له في صدور معتنقي عقيدته، فلأنه كان الضامن والكافل لحقيقة عقيدته، وهذا ما يغفل عنه الحصري في معنى الزعامة، فالزعيم هو الضامن والكفيل والرئيس في مختلف معاجم اللغة العربية من حيث المعنى والتعريف، الذي كان أولى بالحصري معرفة معناها قبل أن يحاول النيل من سعادة، خاصة وأن الحصري يعتبر اللغة من أهم عوامل قيام الأمة، كان عليه أن يفقه معنى الزعامة قبل أن يتجنى على سعادة بــ (غرور الزعامة)

ليس ما تقدم وحسب، فمن حق سعادة أن يعتز بنفسه كعالم اجتماع وضع لهذا العلم فلسفته وقواعده التي لم يجاريه بها أي من علماء الاجتماع والسياسة، فهو الذي أوصل الفلسفة الى ما تبتغيه، وضع مقولة يمكنها تفسير كل ما في الوجود المادي والانساني، بعد أن حدد أحد أهم قوانينها ( الناموس كاصطلاح لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة..) والذي بنى عليه مقولته لم يسبقه اليها أحد، مقولة ( أن المادة تعين الشكل)، والتي يمكن من خلالها فهم مختلف العلاقات بين الوجود والفكر الانساني، وفي تطبيق هذه المقولة على الواقع الانساني، كانت البيئة هي المادة التي عينت شكل المجتمع الانساني بكل مواصفاته وخصائصه، والتي، بدورها قادته لوضع مقولته في الأمة على نحو “دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” والتي اشتقَّ منها مبادئ حزبه الأساسية والاصلاحية، وهو الذي صاغ لعلم السياسة اسطورته السياسية ( الاثم الكنعاني) وفكرته ( القومية) ونظريته ( القومية الاجتماعية) وفلسفته ( الانسان ــ المجتمع).