دراسة نقدية لكتاب ” العروبة بين دعاتها ومعارضيها” #ساطع الحصري (2ـ3)

 

يتابع الحصري نقده لأفكار أنطون سعادة العلمية قائلا:” إن أمثال هذه الأفكار الاعتباطية كثيرة في كتابات أنطون سعادة، إنها جرته غير مرة الى نقض نفسه بنفسه أيضا، وها إني أذكر فيما يلي ، مثالا بارزا على التناقض الصريح: إنه يشير، في إحدى المحاضرات التي القاها لشرح تعاليم حزبه، الى الفرق الذي يظهر في التاريخ بين كيفية فتح السوريين الكنعانيين ـ أي الفينيقيين ـ لأفريقيا واستعمارهم لها ، وكيفية فتح العرب واستعمارهم لها،

الكنعانيون( الفينيقيون) استعمروا الشاطئ الشمالي الأفريقي، ولكنهم لم يساووا في الحقوق بينهم وبين شعوب شمال أفريقيا الذين أخضعوهم، وكانوا من سلالة أحط من سلالتهم، فاحتفظ السوريون الكنعانيون بسلامة فطرتهم، وبقيت لهم النفسية المتوارثة الموجودة في طريقة عنصرهم دون أي تعديل، واحتفظوا بسيادتهم على الأفريقيين ، وبقوتهم، ولذلك أمكن أن ينشئوا إمبراطورية عظيمة، كادت تسحق روما، ولم تسقط تلك الامبراطورية السورية الغربية ـ امبراطورية قرطاجنة، إلا في حرب مع الرومان الذين هم قوم من سلالة نظير السلالة المتفوقة التي ينتمي اليها السوريون الكنعانيون ، أما العرب، فعلى عكس السوريين، فإنهم اختلطوا بأقوام من سلالات الزنوج، فدخل في المزيج العربي عرق من سلالات منحطة، ولولا أن العدنانيين منهم ، الذين هم من الأرومة الكنعانية، حافظوا ـ بعامل البداوة ـ على مجموع عرقي جيد الفطرة لما أمكن العرب القيام بنهضة الفتح المحمدي، وقد أجاز العرب، بعامل الشرع الديني الامتزاج الدموي الواسع بلا فرق بين سلالات راقية وسلالات منحطة، فلما افتتحوا شمال أفريقيا الذي كان قد افتتحه السوريون قبلهم، أجازوا الاختلاط الدموي اللامحدود مع الأقوام الأفريقية، فلم يمكن أن ينشأ من المزيج الذي تولد من اختلاط العرب والبربر وغيرهم من أهل المغرب أية نهضة يمكن أن تُحْدِثْ تمدنا أو عظمة سياسية أو فنية من أي وجه أو شكل .. لم يمكن أن تنشأ قرطاجنة ثانية على الشاطئ الأفريقي، لأن امتزاج العرب ومن سار معهم من فعلى أساس المساواة المدنية، بعامل المبدأ الديني المحمدي المساوي مساواة مدنية كلية بين المؤمنين، أفقد العرب حيويتهم وأضاف الى حيوية الافريقيين شيئا، ولكن بين رفع الأدنى وانزال الأعلى ، حصل متوسط أقرب الى الانحطاط منه الى الارتقاء..

أنا لا أود هنا، أن أنتقد هذه الآراء، وأتحرى مبلغ موافقتها للحقائق الراهنة، ولا أن أناقش، بوجه خاص، القول القائل أن العرب لم يوجدوا في الساحل الأفريقي، تمدنا وعظمة فنية من أي وجه وشكل، إنما أود أن أسجل الآراء المسطورة هنا وأقارنها مع ما جاء في عنها في كتاب نشؤ الأمم:

في هذه المحاضرة تكلم أنطون سعادة عن السلالات الراقية والسلالات المنحطة وجزم بأن الاختلاط مع السلالات المنحطة بوجه عام ومع الزنوج بوجه خاص، يؤدي الى انحطاط السلالة ويحول دون قيام نهضة حقيقية وتقدم هام..

في حين أنه في كتاب نشؤ الأمم ادعى عكس ذلك تماما: لقد فند هناك نظرية تفاضل السلالات تفنيدا قويا ودحض دعايات نقاوة السلالة صراحة..

وها إني أنقل فيما يلي، ما كتبه حول الموضوع:

” يجب أن لا يستنتج من المميزات النفسية أو العقلية، أن هناك سلالة خاصة مكتسبة من الشكل السلالي، ومتوارثة فيها لأن الواقع قد برهن على غير ذلك: فحيث امتزجت السلالات قديما، كانت المدنية أرقى، وأن اسبراطة كانت تمنع الاختلاط مع الأجانب محافظة على نقاوة دمها، ولكنها في المدينة دون أثينا، التي كان يكثر فيها الاختلاط الدموي بمراحل، وأن ارسطو طاليس كان يعد المقدونيين المحافظين برابرة، والاسكندر نفسه كان يرى أنه يمكن أن يحسب الهيلينيون أنصف آلهة، بالنسبة الى رجاله المقدونيين..

وإن الأدلة على عدم صحة القول بتفوق إحدى السلالات الراقية في المواهب العقلية على أخرى لمتوفرة، فإذا أخذنا الوجهة الفردية، ودرسنا تسلسل بعض النوابغ، وجدنا أن لا عبرة بنقاوة السلالة، فالشاعر الكبير الكسندر بوشكين، المبدع في الأدب الروسي، كان ذا عرق زنجي، فقد كان لبطرس الأكبر قائد زنجي رفعته درجة زكائه الى مرتبة مهندس المدفعية العام، وصيرته ذا أملاك واسعة وتزوج من سيدة روسية من الأشراف وحفيد هذا الزنجي، هو بوشكين، أعظم شعراء روسيا، والكاتبان الفرنسيان دوماس الأب والأبن كانا ذوي عرق زنجي.”

إن نظرية ضرورة نقاوة السلالة شرطا للارتقاء العقلي وانشاء المدنيات واطراد التقدم قد أصبحت واهية جدا، اذا لم نقل فاسدة بالمرة، تجد المعلومات العلمية الحديثة، خصوصا ما يتعلق منها بالمدنيات الأولى، فمدينة بابل التي يعدها العلماء أو جمهورهم أولى المدنيات التي أثرت على سير التمدن العام نحو الارتقاء لم تكن عمل سلالة واحدة أو قوم أصفياء، كما كان الظن القديم، بل نتيجة احتكاك واختلاط الشمرين بالساميين..”

يلاحظ أن الآراء المسرودة هنا، تناقض المزاعم المسطورة في المحاضرة التي ذكرتها آنفا، مناقضة تماما. في المحاضرة، تبنى الرجل نظرية تفاضل السلالات، وقال بضرورة نقاوة السلالة لتقدم الحضارة، في حين أنه ـ في الكتاب ـ كان قرر أن هذه النظرية واهية جدا..

 إذا كان الحصري لا يود”  أنا لا أود هنا، أن أنتقد هذه الآراء..” فنحن نود أن ننتقد الأحكام الاعتباطية التي أوردها بما أسماه ” المزاعم الاعتباطية..” أو “تناقض سعادة نفسه بنفسه” فنقول بداية أن الحصري لم يفهم الفارق بين “المزيج السلالي” الذي يقول به سعادة، و”نقاوة السلالة” التي يقول فيها أنها “نظرية واهية جدا..” فالمزيج السلالي هو النقيض التام لنقاوة السلالة، فعندما يقول سعادة:”  الكنعانيون( الفينيقيون) استعمروا الشاطئ الشمالي الأفريقي، ولكنهم لم يساووا في الحقوق بينهم وبين شعوب شمال أفريقيا الذين أخضعوهم وكانوا من سلالة أحط من سلالتهم، فاحتفظ السوريون الكنعانيون بسلامة فطرتهم، وبقيت لهم النفسية المتوارثة الموجودة في طريقة عنصرهم دون أي تعديل،..” يعني أن عدم المساواة في الحقوق حالت دون الاختلاط بينهم وبين الأفارقة، لكنه لم يعنِ أن القرطاجيون لم يختلطوا بشعوب أخرى كالمصريين والرومانيين اليونانيين، بعامل الاتجار بالحد الأدنى حيث كان البحر الأبيض المتوسط هو العامل الرئيس في الحروب القرطاجية ـ الرومانية حول السيطرة على طرق التجارة فيه، وباقي العناصر الأوروبية وتحديدا الإسبانية، فزوجة هاني بعل كانت اسبانية، على سبيل المثال، لكن العرب بعامل التساوي في الحقوق الدينية كان اختلاطهم بالأفارقة دون حدود مما حال دون نشؤ قرطاجة ثانية على الساحل الشمالي لأفريقية، فكما يقول :” بين خفض الأعلى ورفع الأدنى، حصل متوسط أقرب الى الانحطاط منه الى الارتقاء.. “فلماذا يقول سعادة بالمتوسط الذي هو أقرب للانحطاط منه الى الارتقاء، ذلك أن العرب حين الفتح المحمدي لشمال أفريقيا كانوا قلة بالنسبة للسكان المحليين، كما يحدث في المحصلة في كل الفتوحات العسكرية على وجه العموم عادة، لذلك كان تأثير الأفارقة في العرب أكثر من تأثير العرب بهم، ولما لم تكن  أفريقيا قد ساهمت بشيء في الثقافة العالمية ، فهي بمختلف ثقافاتها منحطة..

  هنا لا بد لنا من العودة الى ما سبق ونوهنا اليه، أي الى علم الوراثة، مرورا بما يسميه سعادة بـ ” الثقافة” وما يعنيه بـ “السلالة” وما يقصده بـ “المزيج”..

الثقافة عند سعادة هي:” :” فإذا تكلّمنا عن الثّقافة السّوريّة عنينا بها الدّور الذّي قام به السّوريون في ترقية الثّقافة العامّة ..” أي الثقافة العالمية بمصطلحات اليوم، فإذا كان الحصري بقوله” ولا أود أن أناقش، بوجه خاص، القول القائل أن العرب لم يوجدوا في الساحل الأفريقي، تمدنا وعظمة فنية من أي وجه وشكل..” فهو يتهرب عن ذكر ما قدمه العرب في شمالي أفريقيا، ذلك أنه لا يجد ما يرد به على عدم ظهور قرطاجنة ثانية ـ “عربية” في الشمال الإفريقي.. وسعادة عندما يدحض مرتكزات “نقاء السلالة” بنظرية “المزيج السلالي” فهو لا يعني بأي وجه من الوجوه اعترافه بسلالة ذات صفات وخصائص تميزها عن غيرها، فالسلالة عند سعادة لا معنى لها إلا في العلوم الطبيعية للتمييز بين الأنواع والأجناس وما الى ذلك، أما في العلوم الاجتماعية فلا معنى لها، بل هي أكثر من خرافة إذا ما دلت على الأصل الواحد، أو ما يسمى “بعلم” الأنساب، مؤكدا ما ذهب اليه ابن خلدون في مقدمته بقوله:” النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر”..

إن التمايز في الخصائص والصفات الانسانية، كما في عالم الحوان والنبات، يعود الى تلك الموروثات التي اكتسبتها العضوية( أيا كانت انسانية ، حيوانية، نباتية) نتيجة تكيفها مع البيئات الطبيعية، وقبل أن يتمكن الانسان تحديدا من التحوط حيال مؤثرات الطبيعة التي ما كانت قد استقرت على وضعها الراهن، فسعادة يرى أنه ما أن بلغت الطبيعة حالة الاستقرار، التي هي عليها الآن، حتى كانت مؤثراتها قد توضعت مورثات في العضوية التي لها حدودا في مقدرتها على ذاك التكيف، لكن وبعامل الارتحال، أيا كانت أسبابه وعوامله، قد أدى بطبيعة الحال الى التمازج بين البشر وتاليا ظهرت نتائج هذا التمازج على الظاهرة الانسانية عموما على شاكلة ما قاد “ماندل” للقول بنظرية الوراثة عندما وجد أن الورود البيض المزروعة الى جانب الورود الحمر، تعطي على نسب متفاوتة وردا أحمر وآخر أبيض، وثالث هو الهجين الناتج عن التلاقح بين الأبيض والأحمر أي وردا وردي اللون.. فإذا ما تلاقح اللون الوردي بعضه مع بعض، ظهرت في الأجيال اللاحقة نسبا مختلفة بعضها عن بعض في اللون الأحمر والأبيض والوردي حيث يؤدي هذا التلاقح على اختفاء أحد اللونين الأبيض او الأحمر نتيجة تنازع البقاء بين الأحمر والأبيض أو الصفة القاهرة والمقهورة، يضاف الى ما تقدم، أن بعض الطفرات قد تتوضع كمورثات في الأجيال اللاحقة أيضا ، على الرغم من كونها حالات طارئة، لكنها قد تكون مورثات قاهرة فتتوضع على الصبغيات قاهرة تلك المورثات الضعيفة فتظهر مع مرور الزمن كمورثات تتناقلها الأجيال التي تلي كخصائص وصفات..، فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار تأثير البيئة الطبيعية ـ  بخصائصها التي تتميز بها عن بيئات أخرى ـ الدائم على العضوية ظهرت لنا نتائج وراثية يمكن أن نطلق عليها ما يسمى اليوم بــ( جغرافيا الدم) والتي تعني أن هناك خصائص ( أو مورثات) مرتبطة ارتباطا وثيقا بنوعية وصفات العضوية، بمعنى آخر، إن جغرافيا الدم تعني أن هناك أمراضا ـ على سبيل المثال لا الحصرـ تصيب مزيجاً معينا من البشر دون المزيج الآخر، تبعا للميزات والخصائص والصفات التي تكتسبها العضوية من تأثير البيئة الطبيعية من جهة ونسبة الاختلاط بين بعضها البعض تارة وبينها وبين الشعوب الأخرى طورا آخر، وهكذا يتضح لنا ما يعنيه سعادة من مثالي اسبرطة وأثينا، فليس هناك تناقض بين ما يقوله سعادة عن التمازج أو الاختلاط الذي كان في احدى المدينتين مميزا لها عن الأخرى، وما أدل على صحة ما يذهب اليه سعادة من انقراض الأسرة الرابعة الفرعونية نتيجة التزاوج بين الآباء والإخوة والأخوات، إذ شكل هذا العرف الفرعوني نوعا من التمازج المنغلق بتناقله ذات المورثات مما زاد في تشوهات العضوية وحال دون امكانية تكيفها مع مرور الزمن مع بيئتها، متوارثة لصفات قاهرة راحت تضيق وتضيق احتمالات قدرتها على التكيف مع ما يحيط بها من تطورات بيولوجية حتى انقرضت قاهرة ذاتها بذاتها وعلى ذات السياق الذي أشرنا اليه آنفا ، حيث يختفي أحد اللونين في تلاقح اللون الوردي ..

 لكن كيف يُناقض سعادة نفسه بنفسه وفق وجهة نظر الحصري الذي يقول: “في هذه المحاضرة تكلم أنطون سعادة عن السلالات الراقية والسلالات المنحطة وجزم بأن الاختلاط مع السلالات المنحطة بوجه عام ومع الزنوج بوجه خاص، يؤدي الى انحطاط السلالة ويحول دون قيام نهضة حقيقية وتقدم هام..

في حين أنه في كتاب نشؤ الأمم ادعى عكس ذلك تماما: لقد فند هناك نظرية تفاضل السلالات تفنيدا قويا ودحض دعايات نقاوة السلالة صراحة..”                 

أولا، لا يأتي سعادة على ذكر الزنوج في تفضيله سلالة على اخرى وتحديدا بما يتعلق بالفتح العربي لشمال أفريقيا ، بل على العكس تماما، فإنه قد اعتبر بوشكين ذا الجذور الزنجية من أعظم شعراء روسيا:” فقد كان لبطرس الأكبر قائد زنجي رفعته درجة ذكائه الى مرتبة مهندس المدفعية العام، وصيرته ذا أملاك واسعة وتزوج من سيدة روسية من الأشراف وحفيد هذا الزنجي، هو بوشكين، أعظم شعراء روسيا، والكاتبان الفرنسيان دوماس الأب والأبن كانا ذوي عرق زنجي.” هذا المثال يورده الحصري عن لسان سعادة ، لكنه يحمل سعادة ما لم يقله بل ويحاول أن يظهر سعادة بمظهر المتناقض مع ذاته في رفضه نظرية نقاوة السلالة وعودته لإقرارها في ما يتعلق بالقرطاجيين وعدم اختلاطهم بالبرابرة، وقد نوهنا في حينه لهذه المسألة التي تدل دلالة واضحة على أن الحصري يخلط بين رؤية سعادة لنقاء السلالة والمزيج السلالي وقد يكون قد تعمد ذلك في ما يسوقه من أمثلة لتأكيد وجهة نظره، فسعادة لا يفاضل بين سلالة وأخرى إنما يفاضل بين مزيج سلالي وآخر ليس من منطلق دموي أو سلالي إنما  على قدر ما قدمه هذا أو ذاك من اسهامات في اضطراد الثقافة العالمية..

 الزنوج ليسوا( عرقا واحدا أو سلالة واحدة) إنما هم مزيج من جملة خصائص وصفات توضعت على مدى زمني طويل فاضحت موروثات يتميزون بها عن مزيج آخر، كالبنية القوية والتي تبدع في مختلف النشاطات الرياضية على سبيل المثال، وإن كانت لهم بعض الصفات الخاصة بهم كالأنف الأفطس واللون والشعر المجعد، فما ذلك إلا  نتيجة تأثير البيئة المستمر عليهم، فارتفاع درجة الحرارة أدى الى تمدد الهواء وأصبح عليهم استنشاق أكبر قدر منه لتوفير كميات الأوكسجين اللازمة لاستمرار العضوية بنشاطها، فبدت فنحات أنوفهم أوسع وأكبر مما عداهم من شعوب أخرى أو تمازجات أخرى، فالشعوب القاطنة في البيئات الباردة( الأسكيمو)مثلا، تمتاز بفتحات أنف ضيقة جدا نتيجة كثافة الهواء وتاليا كمية الأكسجين اللازمة لحياة العضوية،

ينهي الحصري نقده للأفكار أو الآراء العلمية عند سعادة بقوله:” كيف ولماذا انجرف أنطون سعادة الى مثل هذا التناقض الكبير؟ ويلوح لي أن السبب في ذلك هو تغلب نزعته السياسية على نزعته العلمية ، في الكتاب  يقصد (نشؤ الأمم) قد سجل حكم العلم الحديث في هذه النظرية دون أن يهدف من وراء ذلك ـ الى غاية سياسية يكون وراء ذلك، وأما في المحاضرة ( المحاضرات العشر) فإنه كان يسير وراء هدف سياسي ، فتحيز الى النظرية التي تساعد على بلوغ الهدف المذكور، دون أن يتذكر بأنه فندها تفنيدا علميا وقال عنها أنها واهية جدا..”

هذا التقدير الذي يبرر به (انجراف أنطون سعادة الى مثل هذا التناقض الكبير..) لم يكن تقديرا صائبا، ذلك أن سعادة لم يقع قط في تناقض ذاتي كما يدعي الحصري، بل هو تقدير ناتج عن خلط الحصري بين مصطلحات ومفاهيم ما يقول به سعادة وما فهمه هو منها، وخير مثال على ما نحن ذاهبون اليه خلطه بين السلالة كمصطلح ومفهوم والمزيج السلالي كمصطلح ومفهوم أيضا، فقد أشرنا أعلاه الى أن سعادة لم يُقدم على نفي السلالة إلا من حيث هي النقيض المباشر لمصطلح ومفهوم المزيج السلالي، كما أن سعادة لا يفاضل بين سلالة وأخرى كما فهمها الحصري، إنما يفاضل بين مزيج سلالي وآخر وعلى قاعدة لا علاقة لها بالدم أكان أزرقا أم أحمرا وإنما على أساس ما قدمه هذا المزيج أو ذاك، الى الحضارة العالمية التي يعتبرها نتاج شعوب دون أخرى، وهي مقياس سعادة في المفاضلة بين مزيج سلالي وآخر ، إذ أن السلالة كمصطلح ومفهوم متداول بين العامة والعلماء على حدٍ سواء، لاوجود لها، من وجهة نظر سعادة، إلا في العلوم الطبيعية، وأيضا كمصطلح ومفهوم، يراد به فرز الكائنات بعضها عن بعض وفق أسسٍ لها وقائعها على أرض الواقع، لكنها(السلالة) لا يمكن الأخذ بها في عالم الانسان وتحديدا في علم الاجتماع، الذي له خصائصه وميزاته العقلية على عكس ما هو في عالم الحيوان، حيث الخصائص والميزات غرائزية بشكل مطلق، هذا من جهة، أما من الوجهة الأخرى، فالحصري يخلط ــ كما تبينا آنفا ــ بين الشأن السياسي والشأن الاجتماعي، وإن كان لا يمكننا الفصل بينهما، فيصنف المبادئ بنوعيها على أنها سياسية، بينما هي في واقع الحال شرح وتفصيل لما جاء في نشؤ الأمم من منطلقات وقواعد وأسس، كانت لها نتائجها التي رتبها سعادة وفق منهج تحليلي وتركيبي بآن ومنهج وصفي ومعياري في آن آخر، فلا يمكن الفصل بأي حال من الأحوال بين المبادئ وغايتها وبين ما جاء في نشؤ الأمم..

ففي محصلة ما أنتهى اليه نشؤ الأمم من حيث أن الأمة واقع اجتماعي بحت والدولة، من حيث هي شأن ثقافي، هي في آن نسبة الحقوق الى الواجبات، أو هي شأن ثقافي “بقدر ما تنطوي عليه من حقوق” كما يقول سعادة، تأتي المبادئ كلٌ مشتقٌّ من الآخر، فالمحصلة أو النتيجة النهائية لما جاء في نشؤ الأمم تأتي في مقدمة المبادئ وفق منهج تحليلي / سورية للسوريين والسوريون أمة تامة / ومن ثم يُشتَقُّ منها المبدأ التالي، لأنه إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يعنيه؟ فإذا كان السوريون أمة تامة فما يترتب على ذلك من قضايا أو مسائل أو حقائق، تجيب المبادئ بأن القضية التي تعني السوريين والسوريون فقط، هي / أن القضية السورية هي قضية قومية قائمة بنفسها و مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى/ فإذا كان الأمر كذلك أيضا، فما هي هذه القضية التي تعني السوريين دون سواهم ؟ هي/ قضية الأمة السورية والوطن السوري/ لكن ماذا تعني هذه الثنائية، الأمة والوطن؟ / الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي / أما الوطن فهو/ البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية../ ووفق منهج تركيبي، يبني سعادة المبدأ السادس / الأمة السورية مجتمع واحد/ وعلى هذا المبدأ، يقوم مبدأ الاستقلال النفسي فلا تتداخل القضايا بعضها ببعض لذا / تستمد النهضة القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي/ وعليه تأتي في قمة المبادئ / مصلحة سورية فوق كل مصلحة/ حيث يجمع هذا المبدأ كل ما تقدم من مبادئ، كما وتأتي المبادئ الاصلاحية متممة وقائمة على هذا المبدأ، ومحورها المبدأ السادس والقائل / الأمة السورية مجتمع واحد / وحتى تكون مصلحة سورية فوق كل مصلحة، يجب ـــ وفق منهج معياري ــ أن تكون مجتمعا موحد المصير موحد الاتجاه موحد الحياة، وكل ما هو متعارض مع كون مصلحة سورية فوق كل مصلحة، يجب / معيارياً/ ازالة كل عوائق تطبيق هذا المبدأ، وأبرز هذه العوائق كان الدين الذي يجب فصل مقتضياته في دولة مدنية ديموقراطية علمانية يقول بها سعادة، وتاليا منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين، بما يعني ازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، أي رفض تجزئة المجتمع الى طوائف ومذاهب تحول دون كونه مجتمعا واحدا، وحتى يكون كذلك، لا بدَّ من تنظيم الاقتصاد على أساس الانتاج، بمعنى أن على المجتمع بكليته أن يدخل في عملية الانتاج، بمعنى آخر، أن تنتفي البطالة من أي نوع كانت، مع الأخذ بعين الاعتبار انصاف العمل، بمختلف جوانبه، ففي الاقتصاد القومي الاجتماعي نمايز بين المساواة في الحقوق وبين العدالة في توزيع المنتج القومي الذي يأخذ بعين الاعتبار أيضا مصلحة الأمة والدولة، فصيانة مصلحتهما تأتي في صلب المبادئ، بناء على أن مصلحة الدولة في استمرارية قيامها بوظيفتها المدنية الديموقراطية العلمانية، وبحث لا يجير الانتاج بكليته لهذه المصالح، بل للأمة الحق في أخذ نصيبها من الانتاج بما يكفل الرخاء والرفاه لمختلف أبناء الأمة دون تمييز أو تفريق، بمعنى أخر، إن صيانة مصلحة الأمة تتضح أكثر فأكثر بمتوسط عمر أعضائها أفرادا وجماعات ..وللحفاظ على مختلف جوانب ما تقدم، ومن منطلق مبدأ تنازع البقاء، يأتي مبدأ انشاء جيش قوي يكون قادرا على الحفاظ على مختلف ما تقدم من انجازات .

قبل الولوج الى نقد ساطع الحصري لأفكار سعادة السياسية، لا بدَّ لنا من تحديد مفاهيم المصطلحات التي نتناولها في ردنا على مختلف انتقادات ساطع الحصري، تبعا لمنهجية سعادة في أن / التعين شرط الوضوح/..

على خلاف النظريات التي تتناول علم السياسة بالتعريف، يقدم سعادة تعريفا مقتضبا لهذا العلم، يقول:” السياسة فن بلوغ الأغراض القومية وتحقيق الغايات القومية التي يجب على كل فرد أن يرتبط فيها لأنها رابطة المجتمع. السياسة عندنا وسيلة لا غاية، وسيلة لبلوغ الأغراض القومية بأقرب الطرق وأقل التكاليف.” الغرض والغاية منه، هو ميدان علم السياسة عند سعادة، فلا بدَّ إذن من تحديد أو تعيين الغرض القومي أولا وتاليا تحديد الغاية القومية المتوخاة منه، ومن ثم تحديد الوسيلة أو الكيفية التي يجب أن تضمن تحقيق الغاية من الغرض وبأقل التكاليف، على أن يتوفر في كل ما تقدم عنصر المتاح من الممكنات والوسائل، وكيفية توظيف هذه وتلك بما يضمن تحقيق الغاية من الغرض وليس الغرض بذاته، ذلك ما يعنيه سعادة بقوله:” التي يجب على كل فرد أن يرتبط فيها لأنها رابطة المجتمع..” أي أن لا يقتصر الغرض وغايته على فئة دون أخرى، بل كل ما في المجتمع من فئات وشرائح ومؤسسات.. الخ، بمعنى أن الغاية من الغرض هي فائدة المجموع المجتمعي، وبما يعني أن ليس غرضا قوميا ما يقتصر نفعه على شريحة دون أخرى      

1 ـالأسطورة السياسية:

ونبدأ في ما يقوم عليه علم السياسة / الأسطورة السياسية/ والتي هي بالتعريف :”سردية مختومة إيديولوجيًا بغرض خلق سردية متماسكة لتفسير مجموعة من الأحداث السياسية الماضية، أو الحالية، أو المتوقعة، والتي يتم قبولها باعتبارها حقيقية في جوهرها من قبل مجموعة اجتماعية”. وفق ما ذهب اليه (كريستوفر جي) في تعريفه العلمي لماهية الأسطورة السياسية، ومن أبرز الأساطير السياسية كتاب / صراع الحضارات /  “لصموئيل هنتنغتون” ومختلف ما بنيت عليه الأساطير القومية ومثالنا في هذا الموضوع ما قيل في “القومية العربية” أو “القومية اللبنانية” أو القومية السورية، كما ويمكننا أن نضيف لهذه الأساطير “الأممية الاسلامية”( العالم الاسلامي) أو “الأممية المشاعية” لمختلف كتابات ماركس وانغلز في الماركسية..

ما يهمنا هو الأسطورة السياسية لسعادة، فكيف بنى سعادة على أسطورته السياسية القومية السورية ماضيا وحاضرا ومستقبلاً؟

 يقول سعادة في شرحه لأسطورته السياسية :” تستمد النهضة السورية القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي/ يقول:” يتضح من هذا المبدأ وهذا الكلام أن الاستقلال الروحي شيء واضح جداً ومبدأ فاعل له فاعلية عظيمة في حركة الحزب السوري القومي الاجتماعي. هو يوجه الفكر والشعور إلى الحقيقة الداخلية. إلى حقيقة هذه الذات الفاعلة التي هي المجتمع السوري بكل طبيعته بكل مواهبه بكل مثله وأمانيه. وقد قلت في حديث سابق وفي الاجتماع الأخير أيضاً إن النفسية السورية، إن هذه الحركة التي تميز وتعبر عن هذه النفسية هي الناحية الذاتية من هذا الوجود، الناحية الفاعلة فيما هو وضع وفيما هو كون.

نحن نكون الناحية السلبية، والأرض، وهذا الكون الذي أمامها هو الناحية الإيجابية لنا. ومن هذا يقتضي أن يكون لنا استقلال روحي، وفي خطاب قديم عبرت، أنه استقلال فكري أيضاً.

إنه استقلال روحي فكري، أي إنه استقلال نفسي بكل معنى الكلمة. ولست أدري كيف أن وجود مبدأ مثل هذا المبدأ، المبين في تعاليم الحركة السورية القومية الاجتماعية، لم يكن كافياً للمفكرين والأدباء في هذه البلاد ليدركوا أن حركة تقول بمبدأ من هذا النوع ليست بالحركة التي يمكن أن تخضع أو تسخر لأغراض غريبة عن ذاتيتها أو مقاصدها في الحياة والفن.

لقد جاء في شرح المبدأ: “والحقيقة أن من أهم عوامل فقدان الوجدان السوري القومي، أو من عوامل ضعفه، إهمال نفسية الأمة السورية، الحقيقية، الظاهرة في إنتاج رجالها الفكري والعملي، وفي مآثرها الثقافية، كاختراع الأحرف الهجائية، التي هي أعظم ثورة فكرية ثقافية حدثت في العالم، وإنشاء الشرائع التمدنية الأولى، ناهيك بآثار الاستعمار والثقافة السورية المادية ــ الروحية والطابع العمراني، الذي نشرته سورية في البحر السوري المعروف في الجغرافية بالمتوسط، وبما خلده سوريون عظام كزينون وبار صليبي ويوحنا فم الذهب وافرام والمعري وديك الجن الحمصي والكواكبي وجبران وطائفة كبيرة من مشاهير الأعلام قديماً وحديثاً.

أضف إلى ذلك قوادها ومحاربيها الخالدين من سرجون الكبير إلى أسرحدون وسنحاريب ونبوخذ نصر وأشور باني بال وتقلاط فلاصر إلى حنون الكبير إلى هاني بعل أعظم نابغة حربي في كل العصور وكل الأمم إلى يوسف العظمة الثاوي في ميسلون”.

إذا تأملنا في هذا الشرح وجدنا منه خصائص ومزايا للنفس السورية التي قلت إنها ليست شرقية كما يظن وكما لا يزال يتكرر في الصحف والكتب في مجتمعنا.

من النظر في مآثر هذه الأمة، من النظر في أعمالها، من النظر في سيرها، في أدبها، في مكتشفاتها، يتضح جلياً أن هذه الأمة ليست شرقية بالمعنى النفسي. هي ليست ذات نفسية شرقية لأن من خصائص النفسية الشرقية المعروفة والمعرفة بهذا التعريف، إن من خصائص هذه النفسية ليس الاتجاه إلى المستقبل وليس النظر في الكون وطبائعه بقصد معرفته وبقصد تسليط العقل عليه بل هي نفسية منصرفة إلى الشؤون الخفية من الاتجاهات النفسية. هذه النفسية لها نقطة ارتكاز أساسية هي ما يسمونه باللغات الفرنجية Mysticism إنها تجنح بكليتها إلى الخفاء إلى التعاليل الخفية للوجود وأغراض الوجود وتنتهي في الأخير في الغيب وفي الاعتناق الغيبي للمفترض الغيبي الذي تتجه إليه النفس وتنتهي أخيراً فيما يسمونه باللغة الهندية “النرفانا”.

نحن لسنا نرفانيين. إن الاتجاه إلى اختراع الحروف الهجائية يدل على أن لنا ناحية عملية قديمة في الحياة. إن الاستعمار وتنظيم المستعمرات وسلك البحار وإنشاء المستعمرات وتنظيم التجارة والمعاملات، درس طبائع الأشياء، والاتجاه إلى الاختراع، والاتجاه نحو الفتوحات الحربية والفكرية، تستر نظرة ذاتية مسيطرة طالبة التفوق وإخضاع المادة لأغراضها وذاتيتها. هذه حقيقة قوية تختلف كل الاختلاف عن حقيقة التجرد الوجودي والاتجاه نحو الغيب وترك محل الكيان الذاتي في الوجود.

في هذا المبدأ يتضح أننا لسنا من الذين يصرفون نظرهم عن شؤون الوجود إلى ما وراء الوجود. لسنا من الذين ينصرفون إلى ما وراء الوجود بل من الذين يرمون بطبيعة وجودهم إلى تحقيق وجود سام جميل في هذه الحياة وإلى استمرار هذه الحياة سامية جميلة.

إذا قلت إن سورية هي التي نشرت الطابع العمراني في البحر المتوسط الذي صار أساساً للتمدن الغربي الحديث، فإني أقول ذلك بأدلة وثيقة حتى من التاريخ الذي كتبه مؤرخون هم من تلامذة المدرسة الاقريكية ــ الرومانية، بعد انقراض المدرسة السورية للتاريخ.

وعندما أقول تلامذة المدرسة الاقريكية ــ الرومانية للتاريخ أعني مدرسة التاريخ التي رمت إلى تشنيع كل صفة للشعب السوري بعامل العداوة بين السوريين والاقريك أولاً ثم بين السوريين والرومان أخيراً.

ففي الصراع العنيف على السيادة البحرية في المتوسط بين السوريين والاقريك أولاً ثم بين السوريين والرومان نشأ صراع قوي جداً بين أدب الاقريك وأدب السوريين وبين أدب السوريين وأدب الرومانيين. وقد أتيت بلمحة صغيرة في حديثي الماضي عن كيفية تشويه الحقائق التاريخية مثلاً ما رواه “النبع” المصدر التاريخي للحروب الفينيقية المعروفة بالتسمية (بونِك) تحريف الفينيقية عن الاقريك. فوليبيو هو المصدر الأساسي لكل من يريد أن يكتب في تاريخ الحروب الفينيقية الثلاثة التي نشبت بين قرطاضة ورومية. ففي رواية فوليبيو عن كيفية قطع هاني بعل لجبال الألب والبيرانيز قصد تشويه هذه الحملة التي لم يسبق لها مثيل ولم تصل إلى عظمتها أية محاولة شبيهة بها من قبلها أو من بعدها. قال مخطئاً الذين يرون في هذا القطع لأعظم جبال أوروبه عملاً عظيماً ــ قال إنه سبق لجماعات بشرية أن قطعت جبال الألب، وعنى بالذين عبروا تلك الجبال جماعات متوحشة من الجلالقة أو غيرهم وأراد أن يقارن بين انتشار جماعات متوحشة بغير قصد تدفعها في ارتحالها عوامل عمياء أو اضطرار قاهر، وبين حملة عسكرية مرتبة منظمة في الدماغ من قبل، مهيأة بترتيب ومجهّزة بقصد واضح وترتيب للقيام بها مع تقدير لكل خطورتها وبقصد، ليس فقط اجتياز هذه الجبال، بل إخضاع العدو.

إن تصميماً عظيماً من هذا النوع لا يمكن أن يمثل بجماعات متوحشة يمكن أن تصعد وتنزل في الجبال. إن فرقاً عظيماً بين هذين. مع ذلك فلم يجد فوليبيو أي فرق ولم يرد أن يجد أي فرق لأنه قصد في روايته لها أن يحقر كل عمل قام من الناحية السورية.

هذا مثل واحد، وهنالك أمثال عديدة من هذا النوع تدل على كيفية رمي المدرسة الاقريكية ــ الرومانية التاريخية إلى تشويه الحقيقة السورية وعدم الاعتراف بأي فضل لها أو بأية قيمة. ولما كان لم يسلم، لا من حريق صور بعد فتح الاسكندر ولا من حريق قرطاضة بعد فتح سيبيو كتب عن التاريخ السوري أصبح التاريخ السوري وتأويل التاريخ ورواية التاريخ وقفاً على اتجاه المدرسة الاقريكية ــ الرومانية التي بخست السوريين حقهم في الإنشاء والإبداع والعمران.

أعود إلى الشرح: “إننا نستمد مثلنا العليا من نفسيتنا ونعلن أن في النفس السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم … إذا لم تقو النفسية السورية وتنزه عن العوامل الخارجية وسيطرة النفسيات الغريبة فإن سورية تبقى فاقدة عنصر الاستقلال الحقيقي، فاقدة المثل العليا لحياتها”.

في حديث سابق ذكرت لكم شيئاً، مع شيء من التعليق عن طبيعة الشعب السوري وعن مزيجه السلالي الممتاز وعن نوعية هذا المزيج وأهميته وعن أهمية الانتباه إليه لمعرفة الحقيقة السورية. وما أقصد بالقول: “في النفس السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم”ليس أي شيء منساق مع فكرة تصل إلى نفي العقل تقريباً. وليس شيئاً مجارياً لبعض نظريات برقسون تقريباً، أو للمنطق الذي صار في الأخير، من جملة دعائم الحركات التي لها المزايا العمياء من الناحية النفسية، كحركات النقابات التي تقوم على ناحية ليست فلسفية من الـ Intuition ولا في الانسياق مع استنتاجات من هذا النوع، تقوم أيضاً وتنتقل في الاتجاهات الروحية القائلة باستقلال الروح عن المادة واستقلال مصدرها المطلق واستمرار العوامل الخفية في كل المقاصد الروحية والتسليم إليها بتنزه عن العقل والقوى العقلية والمنطق العقلي. ولا شيء يذهب مع بعض المدارس الناشئة حديثاً، أي أنه مع الإقرار بوجود العقل والفكر يجب أن يظل الفرد شاعراً بحرية عن العقل والفكر، بل قصدت أن العقل والشعور، أن عمل الإحساس والفكر، هو كل نفسي لا يمكن أن يزال العقل منه، وقصدت أن النفسية السورية قد برهنت وتبرهن اليوم بالبرهان التشريحي والعملي على أنها عظيمة المقدرة مستكملة شروط الوعي الصحيح والإدراك الصحيح وأن لها مقدرة على إدراك واستيعاب كل ما يمكن النفس أن تستوعبه وتدركه في هذا الوجود.

إنها نفس تقدر في ذاتها على المعرفة والإدراك وتمييز القصد وتصور أسمى صور الجمال في الحياة. إنها نفس بوعي ولها كل مؤهلات الإدراك الشامل العام لشؤون الحياة والكون والفن.”

2 ـ الفكرة السياسية:

هي بالتعريف “منظومة فكرية تؤسس عليها مجمل العلاقات السياسية” بين الفرد والمجتمع وبالعكس بين المجتمع والدولة وبالعكس وبين الدولة والدول الأخرى وبالعكس، أوهي الإجابة على سؤال: ما العوامل والأسباب التي بلغنا من خلالها الواقع السياسي الحالي وما هي العوامل والأسباب الواجب توفرها للتغير في مختلف العلاقات السياسية الى ما يجب أن يكون.

يقدم سعادة لفكرته السياسية قائلاً:” ما دمنا قد بلغنا حدّ الوجدان القوميّ الّذي هو أبرز الظّواهر الاجتماعيّة العامّة العصريّة فقد بلغنا هذا الدّين الاجتماعيّ الخصوصيّ الّذي أعطى الكنعانيّون فكرته الأساسيّة للعالم ونعت في بعض الظّروف بالخديعة الكنعانيّة(238) أو الإثم الكنعانيّ.

ومن الهامّ جداً للعلم الاجتماعيّ أن نستقصي سبب نسبة الرّابطة القوميّة المؤسّسة على فكرة الوطن إلى السّوريّين الكنعانيّين، لأنّ هذا الاستقصاء يساعدنا على فهم هذه الرّابطة الرّوحيّة المتينة. ولا بدّ لنا من الاعتراف بأنّنا لم نقف في ما طالعناه من كتب التّاريخ والاجتماع على سوى هذه الإشارة السّريعة إلى أصل الوطنيّة الكنعانيّ ومع ذلك فلن يصعب علينا اكتشاف السّبب بدرس أحوال الكنعانيّين الاجتماعيّة والسّياسيّة.

إنّ الكنعانيّين، من بين جميع شعوب التّاريخ القديم، كانوا أوّل شعب تمشّى على قاعدة محبّة الوطن والارتباط الاجتماعيّ وفاقاً للوجدان القوميّ، للشّعور بوحدة الحياة ووحدة المصير، فارتحلت جماعة منهم من حوالي البحر الميت إلى الشّمال الغربيّ ونزلت على السّاحل أمام لبنان وعرفت في التّاريخ باسم الفينيقيّين(239) الذي أصبح أشهر من اسم كنعان ولكنّها ظلّت محافظة على نسبها الكنعانيّ فظلّ الفينيقيّون يسمّون أنفسهم كنعانيّين.

أنشأ الفينيقيّون (الكنعانيّون) الدّولة المدنيّة فكانت طرازاً جرى عليه الإغريق والرّومان. ومع ما نشأ عندهم من الدّول فإنّهم لم يتحاربوا وظلّوا محافظين على صفة الشّعب الواحد المتضامن في الحياة وكانت زعامة فينيقية تنتقل من مدينة إلى مدينة، من دولة إلى دولة بعامل التّقدّم والكبر وازدياد المصالح والنّفوذ كانتقال الزّعامة من مدينة صيدا إلى مدينة صور الّتي أسّست أوّل إمبراطورية بحريّة في التّاريخ.

وباكراً أسّس الفينيقيّون الملكيّة الانتخابيّة وجعلوا الملك منتخباً لمدّة الحياة فسبقوا كلّ الشّعوب والدّول التاريخيّة إلى تأسيس الدّولة الدّيمقراطيّة. وما الدّولة الدّيمقراطيّة سوى دولة الشّعب أو دولة الأمّة. هي الدّولة القوميّة المنبثقة من إرادة المجتمع الشّاعر بوجوده وكيانه.

وإنّ المحافظة على الرّباط الوطنيّ القوميّ عند الفينيقيّين ظلّ ملازماً لهم في انتشارهم في طول البحر السّوريّ وعرضه وفي المستعمرات والإمبراطوريات الّتي أنشأوها فظلّت الحقوق المدنيّة في الزّواج والاختلاط وجميع المظاهر الاجتماعيّة والثّقافيّة واحدة لهم جميعاً ولم يكن هنالك استثناء إلاّ في الحقوق السّياسيّة.

ومع أنّ الفينيقيّين (الكنعانيّين) أنشأوا الإمبراطورية البحريّة فإنّ انتشارهم كان انتشاراً قوميّاً بإنشاء جاليات استعماريّة تظلّ مرتبطة بالأرض الأمّ وتتضامن معها في السّرّاء والضّرّاء. كان انتشارهم انتشار قوم أكثر منه اتّساع دولة. وإنّ هذا الانتشار مع بقاء الاشتراك في الحياة بالرّوابط الوطنيّة والدّمويّة والاجتماعيّة كان الظّاهرة القوميّة الأولى في العالم الّتي إليها يعود الفضل في نشر المدنيّة في البحر السّوريّ والّتي خبت نارها قبل أن تكتمل بما هبّ عليها من حملات البرابرة الإغريق والرومان. ومن دلائل هذه الظاهرة الّتي امتاز بها الكنعانيّون أنّهم لم يدخلوا الأقوام الغريبة الّتي أخضعوها بالفتح كاللّيبيين والإسبان القدماء (الأيبريين) في نظام حقوقهم المدنيّة والسّياسيّة. ومع أنّ ذلك كان من مصادر ضعفهم تجاه تقدّم رومة فإنّه كان دليلاً على روحهم القوميّة ومحافظتهم على وحدة مجتمعهم.

القوميّة، إذن، هي يقظة الأمّة وتنبّهها لوحدة حياتها ولشخصيّتها ومميّزاتها ولوحدة مصيرها. إنّها عصبيّة الأمّة. وقد تلتبس أحياناً بالوطنيّة الّتي هي محبّة الوطن، لأنّ الوطنيّة من القوميّة ولأن الوطن أقوى عامل من عوامل نشوء الأمّة وأهمّ عنصر من عناصرها. إنّها الوجدان العميق الحيّ الفاهم الخير العامّ، المولّد محبّة الوطن والتّعاون الدّاخليّ بالنّظر لدفع الأخطار الّتي قد تحدق بالأمّة ولتوسيع مواردها، الموجد الشّعور بوحدة المصالح الحيويّة والنّفسيّة، المريد استمرار الحياة واستجادة الحياة بالتّعصّب لهذه الحياة الجامعة الّتي يعني فلاحها فلاح المجموع وخذلانها خذلانه.

القوميّة هي الرّوحيّة الواحدة أو الشّعور الواحد المنبثق من الأمّة، من وحدة الحياة في مجرى الزّمان. ليست القوميّة مجرّد عصبيّة هوجاء أو نعرة متولّدة من اعتقادات أوّليّة أو دينيّة. إنّها ليست نوعاً من الطّوطميّة، أو نعرة دمويّة سلاليّة، بل شعور خفيّ صادق وعواطف حيّة وحنوّ وثيق على الحياة التي عهدها الإنسان. إنّها عوامل نفسيّة منبثقة من روابط الحياة الاجتماعيّة الموروثة والمعهودة، قد تطغي عليها، في ضعف تنبّهها، زعازع الدّعاوات والاعتقادات السّياسيّة، ولكنّها لا تلبث أن تستيقظ في سكون اللّيل وساعات التّأمل والنّجوى أو في خطرات الإنسان في بريّة وطنه أو متى تذكّر برّيّة وطنه.

وإنّ الوطن وبريّته، حيث فتح المرء عينيه للنّور وورث مزاج الطّبيعة وتعلّقت حياته بأسبابها، هما أقوى عناصر هذه الظّاهرة النّفسيّة الاجتماعيّة الّتي هي القوميّة. ماذا تعني القوميّة للسّويسريّ إذا أزيلت جبال الألب وبحيراتها ؟ وماذا تعني القوميّة للفرنسيّ إذا اختفت سهول فرنسا وتحوّلت أنهرها عن مجاريها ؟.

والسّوريّ هل يخفق قلبه لجبال الألب أو لصحاري بلاد العرب على ما فيها من مشاهد جميلة ؟ أليست سورية هي الّتي ترتاح إليها نفسه ويحنّ إليها فؤاده إذا غاب عنها ؟.

إنّ شاعراً سورياً مهاجراً ظنّ أنّه قد وجد قوميّته في الدّعوة السّياسيّة ــ الدّينيّة إلى الإمبراطورية العربيّة أو الوحدة العربيّة أو إعادة مجد العرب. ولكنّه، في ساعة سعيدة من ساعات يقظته النّفسيّة، تنبّه شعوره الدّاخليّ المجرّد عن العوامل السّياسيّة فأدركه الحنين إلى الوطن. على أنّ هذا الحنين لم يكن إلى وطن لا عهد له به، إلى الصّحراء أو مصر أو المغرب، بل إلى سورية. هو الشّاعر الياس فرحات فانظر كيف تتدفّق عواطفه الصّادقة وشعوره السّليم الفطريّ:

عُدْ بي الى حمص ولو حشو الكفن …

 واصرخ أتيت بعاثر مرود ..

واجعلْ ضريحي من حجار سود .

إنّ الإثم الكنعانيّ لا يزال فاعلاً فينا وقد أصبح فاعلاً في العالم كلّه.”

ويضيف قائلا:” إنّ الوجدان القوميّ هو أعظم ظاهرة اجتماعيّة في عصرنا، وهي الظّاهرة الّتي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدّرجة العالية من التّمدن. ولقد كان ظهور شخصيّة الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النّفسية البشريّة وتطوّر الاجتماع الإنسانيّ. أمّا ظهور شخصيّة الجماعة فأعظم حوادث التّطوّر البشريّ شأناً وأبعدها نتيجة وأكثرها دقة ولطافة وأشدّها تعقّداً، إذ إنّ هذه الشّخصيّة مركّب اجتماعي ــ اقتصاديّ ــ نفسانيّ يتطلّب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعوره بشخصيّة جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسّية متّحده الاجتماعيّ وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتمّ به ويودّ خيره، كما يودّ الخير لنفسه.

كلّ جماعة ترتقي إلى مرتبة الوجدان القوميّ، الشّعور بشخصيّة الجماعة، لا بدّ لإفرادها من فهم الواقع الاجتماعيّ وظروفه وطبيعة العلاقات النّاتجة عنه. وهي هذه العلاقات الّتي تعيّن مقدار حيويّة الجماعة ومؤهّلاتها للبقاء والارتقاء، فبقاؤها غامضة يوجد صعوبات كثيرة تؤدّي إلى إساءة الفهم وتقوية عوامل التّصادم في المجتمع فيعرقل بعضه بعضاً ويضيّع جزءاً غير يسير من فاعليّة وحدته الحيويّة ويضعف فيه التّنّبه لمصالحه وما يحيط بها من أخطار من الخارج.”

إذن، الفكرة السياسية عند سعادة تتلخص بالقومية التي تؤسس عليها مختلف العلاقات السياسية، ففي أي مجال من مجالات الحياة المجتمعية، يجب أن لا تغيب عن أذهاننا القاعدة التي ننشئ عليها مختلف علاقاتنا السياسية والتي هي بالضرورة اجتماعية بحتة، كما سيلي في بحثنا للنظرية السياسية عند سعادة، لا يجب أن يغرب عن وعينا أن كل ما نسعى اليه هو قومي اجتماعي بالضرورة، بالقوة والفعل، يقول:”  إن حزبنا في سيره، في عمله، في نضاله، يمثل ويعمل ويصارع في سبيل أساس أفضل لحياة الإنسان ــ المجتمع.

إن هذه الحقيقة التي لأجلها نجابه كل الأخطار من كل نوع هي حقيقة أن قضيتنا فيها كل الخير وكل الحق وكل الجمال وكل الحقيقة وكل العدل للمجتمع الإنساني. من اجل هذا الإيمان يذهب مئات وألوف إلى السجون ويتعرضون لشتى صنوف الويلات وتذوب جسومهم يوماً فيوماً ولا يئنون ولا يستنجدون.

هذا الحزب يشكل قضية خطيرة جداً وهامة هي قضية الآفاق للمجتمع الإنساني الذي نحن منه والذي نكون مجموعه

بديهي إذاً أن لا نتمكن من فهم قضية الحزب السوري القومي الاجتماعي كلها بكامل أجزائها وفروعها وما تتكشف عنه من مناقب وأهداف سامية.. إلا بالدرس والتأمل الطويل.. ، ويستمر الفكر يتغذى منها ويتفتح على شؤون العالم مطلقاً، ويظل مجتمعنا يجد في هذا التفتح وهذا الاستمرار مراقي إلى ذروة الحياة الجيدة التي تليق بالإنسان الراقي ويليق الإنسان الراقي بها ..

، نحن مستعدون كلنا للتضحية لكن الذين يسقطون يظلون جزءاً من الكل يسقط في سبيل الكل، حتى إذا تحقق خير الكل وجد الكل في هذا التحقيق ما يرضي القيم الإنسانية العليا التي يفيض خيرها على مجموع الشعب تحقيقاً لما يتمنى المرء في نفسه لأمته أولاً ولنفسه ثانياً، وليس لنفسه أولاً ولأمته ثانياً.. . قال الدكتور خليل سعاده: “ليست الحياة وسيلة لتشريف الدين، بل الدين وسيلة لتشريف الحياة”. فقيمة المبادئ للأمة هي بمقدار ما تعني وتعمل لحياة الإنسان الجيدة لا بقدر ما هي خيالات جيدة في أدمغة بعض المفكرين

. إن نظامنا يرمي إلى صهر التقاليد المنافية لوحدة الأمة. والتقاليد كما أوضحت في “نشوء الأمم” ليست شكلية، سطحية، بل لها مساس بالاقتناعات العميقة في نفس الإنسان، وهي تختلف عن العادات، فالعادات هي التي يمكن أن تتغير بسهولة لأنها تتعلق بسطحيات الحياة أما التقاليد فلها علاقة بالاقتناعات النفسية العميقة.

كل هذا يعني أن قواعد الفكر التي نشأت عليها هذه النهضة القومية وينمو بها الحزب السوري القومي الاجتماعي هي قواعد فلسفة عميقة تتناول المسائل الأساسية غير التي ترتبط بوقت معين تمضي بمضيه أو بشكل من الأشكال الجزئية، بل هي عامة ثابتة، أو بالمعنى الفلسفي المطلق، ليست منسوبة إلى وقت أو حالة معينة وقتية تزول بزوال تلك الحالة”.

3 ـ النظرية السياسية عند سعادة:

يختلف علماء الاجتماع على تعريف النظرية السياسية، فالبعض يقول أنها / بناء تصوري يبنيه الفكر ليربط بين مبادئ ونتائج معينة/ بينما يعرف أخرون النظرية السياسية بأنها / مجموعة من الحقائق العلمية التي يبنى عليها نسق علمي مترابط/ أو أنها / تفسير لظاهرة معينة من خلال نسق استنباطي/ أو هي / عبارة عن مجموعة مرتبطة من المفاهيم والتعريفات والقضايا والتي تكون رؤية منظمة للظواهر عن طريق تحديدها للعلاقات بين المتغيرات بهدف تفسير الظواهر والتنبؤ بها/ أما “أرنولد روس” فيعرفها على أنها/ بناء متكامل يضم مجموعة تعريفات وافتراضات وقضايا عامة تتعلق بظاهرة معينة بحيث يمكن أن يستنبط منها منطقيا مجموعة من الفروض القابلة للاختبار/

لكن وعلى الرغم من كثرة التعريفات للنظرية السياسية، فإن سعادة يعيد نظريته السياسية الى جذورها فيربط بين ما تقدمه الأسطورة السياسية والفكرة السياسية لتشكيل نظريته السياسية، القائلة ب(القومية الاجتماعية) إذ لا يمكننا الحديث عن أي شأن انساني ما لم يكن المجتمع مصدره وتاليا غايته، فمجمل ما يتوق اليه الانسان يبقى المجتمع مصدره بل وغايته أيضا، كذلك القومية بحد ذاتها إن لم تنصب بكليتها على رحمها الذي تكونت و نشأت به ـ المجتمع، تبقى مجرد عاطفة لا تقدم ولا تؤخر في مسيرة من تمثلهم أو من يشعرون بأن ما من مصلحة سوى مصلحتهم وليس من خطر يهددهم إلا ما يهدد مجتمعهم بالزوال، من هنا نجد سعادة يشدد على وحدة الحياة التي يمثلها المجتمع دون سواه، فالأمة التي ينادي بها هي / وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي/ لذا كانت الأمة في النظرية السياسية لديه هي / مجتمع واحد، يقول:

”  الأمة السورية مجتمع واحد” فلنتتبع نص الشرح:

“إلى هذا المبدأ الأساسي تعود بعض المبادئ الإصلاحية التي سيرد ذكرها وتفصيلها. عن الدولة، إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب ــ وهذا المبدأ هو من أهم المبادئ التي يجب أن تبقى حاضرة في ذهن كل سوري. فهو أساس الوحدة القومية الحقيقي ودليل الوجدان القومي. والضمان لحياة الشخصية السورية واستمرارها. أمة واحدة ــ مجتمع واحد. فوحدة المجتمع هي قاعدة وحدة المصالح ووحدة المصالح هي وحدة الحياة. وعدم الوحدة الاجتماعية ينفي المصلحة العامة الواحدة التي لا يمكن التعويض عنها بأية ترضيات وقتية”.

إن قاعدة الأمة الواحدة في المجتمع الواحد هي القاعدة الصحيحة للوجود القومي. لا يمكن أن تكون أمة واحدة إذا لم يكن هنالك مجتمع واحد، أي إذا لم تكن الهيئة الاجتماعية واحدة. فإذا حصلت تجزئة في المجتمع تعرضت الأمة لخطر الانحلال النهائي والاضمحلال. فصحة الأمة وتقدمها لا يكونان إلا في مجتمع واحد. فالحركة القومية الاجتماعية تقيم بهذا المبدأ وما يتعلق به حرباً عنيفة مميتة على عوامل تجزئة المجتمع إلى مجتمعات والأمة إلى أمم ــ هذه العوامل التي تجعل من كل طائفة دينية ومن كل عشيرة أو طبقة مجتمعاً قائماً بنفسه وأمة منفصلة عن الطوائف والعشائر أو الطبقات الأخرى.

لا يمكن للأمة الواحدة أن تتجه في التاريخ اتجاهاً واحداً بعقليات متعددة. متباينة أو متنافرة. هذا أمر مستحيل. وجميع البهلوانيين السياسيين الذين يقومون بضروب كثيرة من البهلوانية في شؤون التاريخ والسياسة والاجتماع ويحاولون التوفيق بين تناقض المجتمع في كيانه والوحدة القومية يمكنهم أن ينجحوا في إنشاء الأحزاب التي تفيدهم هم شخصياً أو في اكتساب مكانة ومنفعة عن طريق استغلال الحالة الراهنة ولكنهم لن يستطيعوا النجاح في إنقاذ المجتمع من مصير الفناء الذي يصير إليه أو من إكسابه قوة الوحدة والانطلاق. الأمة في أساسها الحقيقي هي وحدة حياة فإذا لم تكن وحدة لم تكن أمة حقيقية.

متى كانت المصالح مصالح محمديين ومصالح مسيحيين ومصالح دورز، أو مصالح سنيين ومصالح شيعيين ومصالح علويين ومصالح اسماعيليين، أو مصالح موارنة ومصالح روم كاثوليك ومصالح أرثوذكس ومصالح افروتسطنت الخ، لم تكن هنالك مصالح قومية واحدة. ولا يمكن توحيد شعور الشعب واندفاعه وراء أية حملة باسم الأمة أو الوطن تقوم بها طائفة واحدة، مهما كانت كبيرة، فلم يمكن قط تحويل أية حركة استقلالية قامت بها طائفة معينة إلى حركة شعبية في طول البلاد وعرضها. الثورة الدرزية سنة 1925 التي سميت “الثورة السورية الكبرى” لم يمكن أن تتحول إلى ثورة سورية عامة، لأنها لم تنشأ بإرادة عامة موحدة. وكم من الناس قالوا: “خلي الدروز يتفزروا مع الفرنسيين” ! وليس بالإمكان جعل مجموعة مصالح الطوائف مصالح عامة واحدة، لأن ذلك يكون مخالفاً لطبيعتها.

النص: “في الوحدة الاجتماعية تضمحل العصبيات المتنافرة والعلاقات السلبية وتنشأ العصبية القومية الصحيحة، التي تتكفل بإنهاض الأمة.

وفي الوحدة الاجتماعية تزول الحزبيات الدينية وآثارها السيئة وتضمحل الأحقاد وتحل المحبة والتسامح القوميان محلها ويفسح المجال للتعاون الاقتصادي والشعور القومي الموحد وتنتفي مسهلات دخول الإرادات الأجنبية في شؤون أمتنا الداخلية.

إن الاستقلال الصحيح والسيادة الحقيقية لا يتمان ويستمران إلا على أساس وحدة اجتماعية صحيحة. وعلى أساس هذه الوحدة فقط يمكن إنشاء دولة قومية صحيحة وتشريع قومي اجتماعي مدني صحيح، ففيه أساس عضوية الدولة الصحيحة وفيه يؤمن تساوي الحقوق لأبناء الأمة”.

إن التساوي في الحقوق والتوحيد القضائي هما أمران ضروريان لنفسية صحيحة موحدة. فبدون هذا التساوي تظل العقليات المختلفة التي كونتها الشرائع المختلفة معضلة تمنع الأمة من الاضطلاع بقضاياها. فالمجتمعات المتعددة المستقلة بشرائعها وأنظمتها الحقوقية تجزئ الأمة الواحدة وتمنعها من التقدم.

وإن لنا اختباراً عملياً هاماً في تطبيق الحكم الوطني في لبنان والشام بموجب المعاهدة سنة 1936 بين هاتين الدولتين والدولة الفرنسية. فما كاد الوطنيون يتسلمون الحكم في دمشق حتى طبق نظام جعل مناطق عديدة كجبل حوران (جبل الدروز) ومنطقة اللاذقية ومنطقة الجزيرة تتحرك طالبة الانفصال عن المركز. ونزاع المجتمعات الدينية في لبنان ليس أقل منه في الدول الأخرى.

لا إنقاذ للأمة من مصير التضعضع والهلاك إلا بحركة أصلية تقيم مجتمعاً جديداً واحداً وعقلية جديدة وشعوراً واحداً. وإن هذه الحركة قد وجدت وإن عملية الإنقاذ تجري ولكنها عملية طويلة شاقة. فلا نكن لجوجين بل لنعمل مؤمنين بقوة الحركة القومية الاجتماعية ومقدرتها على التغلب على كل صعوبة.

4 ـ الفلسفة السياسية:

يمكن تعريف الفلسفة السياسية على أنها البحث في أسس الاجتماع والسلوك السياسي لدى البشر،  والمبادئ العامة لتنظيم المجتمعات وتوزيع السلطة داخلها، وتبرير أو نقد أشكال الحكومة والمؤسسات المُختلفة بناء على إجابات تُقدمها الفلسفة (ويختلف الفلاسفة حولها) بشأن ما هو حق، وعادل، وخيّر.

تتضمن تلك الإجابات عادة افتراضات حول الطبيعة البشرية، وطبيعة السلطة، ونوعية الحياة الجيدة، وأفضل شكل مُمكن لعلاقة الإنسان بالآخرين

في مجمل ما كتب في علم السياسة، لم نجد ذاك التكامل الذي نجده عند سعادة، من حيث أركان علم السياسة، فمجل ما كتب كان أعرجا تغافل عن قصد أو غير قصد واحدة أو اثنتين مما يقوم عليه هذا العلم، عند سعادة تستغرق الأسطورة السياسية بالفكرة السياسية وكلتاهما في النظرية السياسية، حيث نجد مجمل هذه الأركان مجتمعة في فلسفته السياسية، ذلك أن سعادة في مختلف ما كتب وتحدث به كان المجتمع هو البؤرة أو النواة أو البوتقة التي ينصهر بها كل ما هو انساني، فالمجتمع  عند سعادة هو الرحم الذي تتكون به وتنشأ مختلف نشاطات الانسان، لذا نجد أن فلسفته السياسية تتمحور حول فكرة المجتمع من حيث هو الوجود الإنساني الكامل الذي تعود اليه مختلف قيم الانسانية، لذا جاءت فلسفته لتقول بــ/الإنسان ـ المجتمع/ بقاعدته الذهبية القائلة/ بأنه في المبادئ التي تمت للإنسان الحر بصلة لا يمكن الاستناد الى أي قولٍ استبداديٍ مطلق لتقرير حقيقة انسانية أو لها علاقة بالإنسان  ـ المجتمع/ وتاليا نسبية الحقائق الانسانية بما تتضمنه من قيم مجتمعية، هذه النسبية يبقى المجتمع مصدرها ومآلها وتاليا اختلاف المجتمعات بعضها عن بعض من حيث ظروف وعوامل نشأتها وما تعرضت له تاريخيا من أحداث جبلتها على مر العصور والأزمنة وشكلت منها مجتمعا له خصائصه وميزاته ومواصفاته التي وإن تشابهت مع أخرى، تبقى لها رائحتها ونكهتها الخاصة، في فلسفة سعادة السياسية نجد /الإنسان ـ المجتمع/ والذي هو ديمومة الحياة على أرض ( بيئة) واحدة صبغته وطبعته بطابعها الخاص. وعليه جاء تعريفه للأمة ” بأنها وحدة الحياة ” أو هي “وحدة الشعب المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي” كذلك نجد أن “الوطن هو البيئة التي نشأت فيها الأمة..” وهكذا باستغراق كلٍ منهما بالآخر يطالعنا سعادة بمقولته السياسية ـ الفلسفية / الانسان ـ المجتمع/ لكن ما هو هذا الانسان المجتمع الذي يقول به سعادة؟

للإجابة على السؤال المتقدم، أقتبس ما ورد في دراستنا / فلسفة أنطون سعادة الاجتماعية/*

“… يُقدم سعادة ، مقولة أخرى ، هي الوجه المعياري لمقولته الأولى ، ونقصد ( الانسان ـ المجتمع ) والتي هي أعلى مراتب الوحدة الاجتماعية ، مقابل الطبقة التي قدمها ماركس على نحو ديكتاتورية البروليتاريا ، مقاربا ـ سعادة ـ في ذلك ” جان جاك روسو ” في كتابه ( العقد الاجتماعي ) مع بعض التمايز الذي يعود لتخصيص سعادة مقولته بالمجتمع القومي بينما يتحدث روسو عن (الدولة ـ المجتمع ) من الوجهة السياسية في كتابه الآنف الذكر ..

“الانسان ـ المجتمع ” ـ ” الدولة”  الذي أراد سعادة أن تبلغه أمته، هو المرتبة الثقافية المثلى التي يطمح لخدمتها الاقتصاد ، من حيث كونه الرابطة الاجتماعية الأولى التي يقوم عليها الاجتماع ، وهي المرتبة التي تلقي على الاقتصاد أعباء عليه القيام بها وتأمينها وفق مبدأ ” أقل جهد وزمن مقابل أقصى كم نوعي من الانتاج “، وبما يضمن مصلحة الأمة والدولة في توالد أجيالها ، فكما “الانسان ـ المجتمع” ـ ” الدولة”  ، هو المجتمع الذي تنتفي فيه الفوارق الطبقية والطائفية والعنصرية والعرقية والجنسية والثقافية.. الخ ،كذلك المجتمع بأجياله ،أي عدم تمايز جيل عن آخر ،فلا يحق لجيل ، مثلاً ، من أجيال الأمة أن يحتكر لمصلحته مصالح الأجيال التي لم تولد بعد ،

عند سعادة” ليست الدّولة في ذاتها مقياساً للثّقافة العقليّة بل بما تنطوي عليه من حقوق. ” و ” الدولة وجدت لتبقى ” بأي معنى أُخذت به ، ومن حيث هي دولة قومية ، مصلحة الدولة التي يتحدث عنها سعادة تبقى في استمراريتها في تأمين استمرارية مجتمعها القائمة على خدمته وتقدمه ورقيه ، دون ذلك أيُ معنى للدولة ليس له من مبرر ، الدولة القومية هي حكما عند سعادة ، دولة ديموقراطية ، الديموقراطية ليست ديموقراطية انتخابية ، أو صندوق اقتراع ، إنها نسق حياة ، طريقة واسلوب وكيفية تفكير ، إنها تربية ، نفسية ، نهج ، سلوك ، يومي ، تجد “الأنا ” ذاتها في ” النحن ” كذلك هذه الـ”نحن” في الأنا، إنها بهذا المعنى تعبيرية ، تعبير عن المرتبة الثقافية التي بلغها المجتمع ، الأمة ، الدولة ، ديموقراطية تعبيرية ، التعبيرية هنا ، هي المسلكية العامة لمجموع الشعب ، الشعب هنا أيضا وأيضا ، ليس مجموعا عدديّاً ، إنه وحدة حياة ، بمعنى أنه يعي مهماته في مصلحة المجموع ، المصلحة الفردية هي مصلحة عابرة ،تتلاشى ” كتساقط أوراق الخريف ” يميز سعادة هنا بين المصلحة والمنفعة ، المصلحة مركبة ، عامة وفردية ، بينما تأتي المنفعة في حدود الفردية فقط ، الفردية هنا ، هي المنفعة على حساب المجموع القومي ، الرأسمال الفردي ، هو ملك عام ، لا يجوز التصرف به بما لا يتوافق والمصلحة العامة ، ذلك أن الافراد مؤتمنون عليه لا أكثر ولا أقل ، عند سعادة ، ما من انتاج إلاّ وهو انتاج جمعي ، مجتمعي ، من هنا كان على ” كل عضو في الدولة أن يكون منتجا بطريقة من الطرق ” بما يفيد انتفاء البطالة من المجتمع الذي أراد سعادة قيامه ، بمعنى آخر ، على الدولة مهمة توليد فرص عمل مكافئة لقوى الانتاج المنخرطة حديثا في سوق العمل ، ” أن يكون ” منتجا .. تعني انتفاء أية مبررات تقدمها الدولة او حكومتها لتحييد ، لتجميد ، لإبعاد ،لإهمال ، للتغاضي ، عن جزء ما ، كائن ما كان ، من الطاقة الانتاجية تحت أيٍّ مُسمى أو مبرر ، بما يعني، في الحال المعاكسة ، تقصيرا من الدولة تحاسب عليه ، قيمة الدولة ، عند سعادة ، بمدى قيامها بالموكل لها من مهام ، بالواجبات الملقاة على عاتقها ، ذلك أن مسؤولياتها ليست وظيفية بمعنى ما من المعاني ، هي انتاجية ويقاس نجاحها بمدى ما تنتجه وفق المقولة العامة للإنتاج ، أقل جهد و زمن ، الدولة عند سعادة مؤسسة انتاجية ، لا وظيفية استهلاكية ، لا يمكن للدولة أن تكون عبئاً على المجتمع ـ الأمة ، تشاركه بما ينتجه ، عليها أن تنتج مقومات استمراريتها من حيث أنها وجدت لتبقى ، الدولة هي الابن العاق للمجتمع ، لم تكن لتكون بدونه ، ولدت في رحمه ، وتطورت في سياقه ، وتنكرت له عندما احتاج إليها في تدبر أموره ، سخَّرَتْهُ لخدمتها وتطاولت عليه وتحولت لأداة قمع لكل ما من شأنه النيل من سلطتها وطغيانها ، هنا سعادة ، في مقولته ” الانسان المجتمع ”  ـ “الدولة” يعيدها لبيت الطاعة ، لخدمة مَنْ أوجدها ، ونمت وكبرت في أحضانه ، في “صيانة مصلحة الأمة والدولة” ، يضع سعادة حجر الأساس لماهية الدولة والأمة ،المصطلح ” صيانة ” يحمل توجهات عدة ،من حيث معناه ، تأمين ، حماية ،الحفاظ على مصلحة الأمة والدولة ، هنا ، يقدم سعادة الأمة على الدولة ، ويؤكد على ضرورة اصلاح (الوجه الآخر لمصطلح صيانة ) ما هي عليه في سياق عملية الانتاج ، الهدف ـ حماية ، حفظ ، استمرارية الدولة في قيامها بمهامها ، ومن الوجهة الأخرى تعديل ، تكييف ، تغيير ، تبديل ، تطوير تشريعاتها بما يتناسب والمهام الموكلة لها ، على مبدأ ” الدين لتشريف الحياة وليست الحياة لتشريف الدين ” القانون في خدمة الانسان وليس الانسان في خدمة القانون ، في الدولة ، عند سعادة ، لا تشريعات سرمدية ، مقدسة ، إلاهية ، لم تهبط التشريعات والدساتير والقوانين بأنظمتها ، من السماء ، هي من صنع الانسان لخدمته وتأمين مصالحه ،يقول : / في المبادئ التي تمت للإنسان الحر بصلة ، لا يمكن الاستناد لأي قول استبدادي مطلق لتقرير حقيقة انسانية أو لها علاقة بالانسان ـ المجتمع . / بما يعني أيضاً ، أنه لا يمكن ، في ما يتعلق بالإنسان ـ المجتمع ـ ” الدولة”  إخضاعه لجملة مبررات تراها الدولة محقة ويراها المجتمع غير ذلك لكونها تمسُّ بشكل أو بآخر بحقوقه التي اكتسبها في عمليته الانتاجية ، كل ما تراه الدولة محِقاً ليس بالضرورة أن يكون كذلك بالنسبة للمجتمع ، ذلك أن التقرير هنا ليس مجرد قرار إنه مصلحة الأمة والدولة ،كل ما له علاقة بالانسان خاضع لمقولته في كون ” العقل شرعاً أعلى ” لا يعلى عليه ، في العقل ، لا ارتجال ، كل ما يمت للعقل بصلة خاضع للدرس، للاختبار والتجريب ، على أن يكون مستمدا من الخبرة ، الخبرة هنا، تراكم معرفي في العمل ، كإنتاج ، وليست مجرد تراكم زمني على حساب الأمة والدولة ،العقل له مواصفات الحقيقة من حيث هي ” وجود ومعرفة ” على سبيل المثال لا الحصر ، في التشريع ، تشريع الحلول للقضايا المطروحة ، القانون ياتي كحل منطقي ، عقلي ،موضوعي لما هي عليه القضية في صيرورتها أنيا ومرحليا ، العقل أيضا هنا ، وعي ، فهم ، ادراك ، متابعة ، ملاحقة لكل كبيرة وصغيرة بكل ما يتعلق بمصلحة الأمة والدولة ، وعي مجتمعي ، حتى لا يؤخذ المجتمع على حين غرة ويُضلل من قبل الدولة ، وعي القضية في صيرورتها أنيا، مرحليا ، مستقبليا ،يعني أن على المجتمع تتبع الدولة في طروحات مشروعها حل القضية قانونيا ، حقوقيّاً ، والقانون ـ الحل ، خاضع بدوره للعقل ، العقل هنا ليس بمعناه البيلوجي أو الفيزيولوجي أو حتى السيكولوجي ، إنه مصلحة الأمة والدولة ، في استمرارية قيامها بمهامها ،في خدمتها للمجتمع ـ الأمة والمتمثلة في أكبر انتاج كما نوعيا ، في تناهي الجهد والزمن الى أقل ما يمكن ، العقل هنا يكمن في مدى نجاعة الحلول المطروحة ، لا في مدى منطقيته أو صوابية حلوله النظرية غير القابلة للتطبيق ، في مقدار سده الاحتياجات غير المحدودة للمجتمع ـ الأمة ، من الموارد المحدودة ، هذه الأخيرة ، لا يمكن لها أن تحدد احتياجات الأمة ـ المجتمع بمحدوديتها ، لا يمكن قياس وتفصيل احتياجات الأمة وفق مقاسات موارد الدولة المحدودة ، العقل ، هنا ، هو في ابتداع الطرق والوسائل التي تحقق جمال حياة المجتمع ، هنا الجمال ليس صورة ، إنه وفق معادلة الانتاج ، مدى تمتع المواطن بحياته ، في إطالة متوسط عمره ، في زمن الراحة التي يقضيها في حياته ، في نسبة الحريرات المصروفة بالعمل المنتج الى نسبة الحريرات التي يقدمها الانتاج لأفراد الأمة ، فإذا كان قد صرف ، على سبيل المثال ، ثلاثين حريرة مقابل ثلاثين أخرى كمردود انتاجي ،فالحالة الثقافية للمجتمع تكون في حالة ركود ، ثلاثين حريرة طاقة انتاجية ، تقابلها ، مثلاً ، ستون أو سبعون أو حتى ثمانون وكلما ازدادت هذه النسبة كانت الدولة ناجحة في إطالة متوسط عمر مواطنيها ، أو في استمتاعهم في الحياة هذا ما يعنيه أقل جهد مقابل أكبر انتاج، العقل هو معرفة الكيفية والوسيلة لتحقيق الغاية ، و لأن ” المجتمع معرفة والمعرفة قوة ..” كان الانتاج ” غلالاً وصناعةً وفكراً ” في حده الأعظم ،هو المعيار الوحيد للمعرفة ، لمصداقية المعرفة ، لصحة المعرفة ، لسلامتها ،والأخيرة تعني خروج المعرفة على مفهوم المنفعة ، الفردية ، الطبقية ، المذهبية ، العرقية ، العنصرية ، الثقافية ، السياسية ، الجنسية ،.. لعموم المجموع المجتمعي ، دون ذلك لا يمكن تحقيق المساواة والعدالة في التوزيع للمنتج القومي ، أو في المصطلحات الاقتصادية ـ متوسط دخل الفرد ـ بين مجموع أعضاء الدولة ، المواطنين ، مع ضرورة التمييز بين المساواة و العدالة ، ليست كل مساواة عدالة وليست كل عدالة مساواة ، التمايز بين هذه وتلك ، لا يمكن أن يمسّ الحقوق كما لا يعفي من الواجبات ، والمعادلة هنا بالغة الصعوبة ، على الدولة بما هي تشريع وتنفيذ أن تخضع في مطلق ما تعنيه ، للقضاء ، حيث القضاء هو ما تقتضيه مصلحة الأمة والدولة ،لم يكن سعادة من المؤمنين بـ ( إن الأعمال بالنيات ) وإنما بـ ( إن النيات بالأعمال ) بما يعني ، أن العمل يفصح من تلقاء ذاته عن ماهيته ، دون تبرير لمنتجه ، سلبا أو إيجاباً ، أن على الهدف أن يتحقق في المنطلق عبر الوسيلة ، ليس هناك من تبرير لأي عمل بالغاية المرجوة منه ، العمل هو المقياس ، التبرير مرفوض مهما تكن عوامله ومسبباته وما شاكل ، يبقى التبرير فكرة ناقصة ، لا هي تقنع ولا يقتنع بها أحد ، طالما أنها لم تؤدِ للمرجوِ منها ، والقضاء هنا ليس مجرد مؤسسة قانونية ، إنه أيضا مؤسسة انتاجية ، الواجبات كما الحقوق إحدى مهماته ، على القضاء أن ينتج من الحقوق الحدَّ الأعظم مقابل الحد الأدنى من الواجبات ، على الحقوق أن تطغى على الواجبات ، انتاجية القضاء تقاس بمدى ما ينتجه من حقوق لكافة أفراد الشعب ،نعيد ونكرر ، القضاء ليس مجرد مؤسسة قانونية ، إنه مؤسسة انتاج حقوقي ، ومن حيث هي كذلك ، كان عليها أن تنتج من الحقوق كما نوعيا ، وليس مجرد كمٍ نظري ، بما يعني أن القضاء كمؤسسة انتاجية يتضمن في ما يتضمنه مؤسسات أخرى ، اقتصادية ثقافية ، سياسية ، اجتماعية ..الخ ، كلٌ منها تُعنى باختصاصها ، وتقدم مبرراتها لهذا الاقتضاء ومسبباته ووسائله وغاياته ، وهذه هي القوة التي تعنيها المعرفة ، القوة ليست قوة عسكرية وحسب ، هي كذلك في مدى صيانتها لمصلحة الأمة والدولة ، داخليا وخارجيا ،داخليا من حيث هي تحقيق واستمرارية ، ديمومة الحق والخير والجمال الدي تنعم به الأمة ـ المجتمع ،خارجيا في مدى تأمينها موارد الدولة المحدودة لتحقيق حاجات المجتمع غير المحدودة ، ندخل هنا في سياق السياسة الخارجية التي على الدولة انتهاجها في محاولتها استكمال مواردها المحدودة بما يلبي احتياجات المجتمع غير المحدودة ، في السياسة الخارجية ، يترك سعادة تقرير ما يمكن أن يكون عليه العالم لكيفية تطوره بتساؤله : ” هل يصبح العالم أمة واحدة ؟ يجيب : مَنْ يدري .”وعليه فهو لا يرى العالم إلاّ على نحو ما هو عليه الآن ، تنازع بقاء ، ليس بالضرورة انتفاء الآخر بقدر ما هو بقاء الأصلح والأقدر على الحياة بتأمين مقوماتها ، يطرح سعادة وفق رؤيته ، أن العالم ، من حيث هو متعدد البيئات الطبيعية ، فهو بطبيعة الحال ، متعدد في أممه وتاليا في إمكاناته ، وعليه ، في حالٍ كهذه ، أن يوجد المخرج لتنازع بقائه مع الآخر ، المخرج الذي يقدمه سعادة هو في قيام أمم الأرض على مبدأ وحدة بيئاتها ، لا يرى مثلا في ” عصبة الأمم ” حلاً لمشاكل العالم ، من منطلق أن الدولة ككيان سياسي لا تشكل أمة ، كما يدل عليه مصطلح ” عصبة الأمم ” أو في ما بعد ” الأمم المتحدة ” هذه الدول التي أوجدتها مطامع استعمارية لا تمثل أمة ، الدول ذات “السيادة ” هي الدول القومية القائمة على أساس وحدة بيئتها الطبيعية باعتراف العالم بها ،الدول المصطنعة ( او وفق مصطلحات علم السياسة ، الدول الحديثة ) ، ليست دولا بالمعنى الحقيقي للدولة ،ذلك أنها نشأت وفق مخططات الدول الاستعمارية لنهب خيراتها ، وسيادتها مجرد وهم تعيش به شعوبها ، طالما أنها لم تمتلك زمام انتاج حياتها ، الدولة ذات السيادة عند سعادة ، هي الدولة القومية ، والدولة القومية هي الدولة التي تجتمع في كامل بيئتها ، فإذا ما كان العالم على هذا النحو أمكن إيجاد حلول لمشاكله المتعلقة بوجوده ،الدول الحديثة أو الدول ككيان سياسي تجزيئي للبيئة الطبيعية تنتج في الغالب مشاكل وجودها ، هي في نزاع داخلي أولاً وقبل أي شأن آخر وهي في نزاع مع جوارها ، في هذا النزاع المزدوج ، تهدر البقية الباقية من عوامل استمرارية الدولة ككيان سياسي لتبقى تتخبط في تبعات هذا الشذوذ التاريخي ، يقدم سعادة النموذج اللبناني مثالا على ذلك ، في مشكلاته الداخلية وفي مشكلاته الخارجية وتحديدا الجمهورية الشامية ـ والتي نشأت على غراره ، والتي لعلة في ذاتها ، أحاطت به من كل جانب فبات مطالبا بالتوفيق بين حتمية العلاقة مع الشام واستقلاليته غير الممكنة في أية قرارات اقتصادية خارجة أو متعارضة مع الدولة المجاورة له ، هذه الحال يمكن تعميمها على مختلف الدول في العالم التي جُزئت بيئتها فتنازعت بقاءها مع من سلخت عنهم وتاليا ، باتت ، كل منها تجد ضالتها في الدول التي أوجدتها ، وهذا ما كلفها استقلاليتها الموهومة وانخراطها في سياسة الأحلاف والتبعية للحفاظ على كيانها السياسي وباتت أيضا عرضة للانهيار في أي وقت تتعرض فيه لأزمة مصيرية قد تعصف بها .. سعادة يقدم مشروعه العالمي ، كحلٍ لمشكلات العالم ، من الوجهة السياسية والاقتصادية وكذلك الاجتماعية والثقافية ، حيث يرى أن الحالة الاستعمارية التي سبقت قيام هذه الدول وجشع الدول الاستعمارية واعتمادها سياسات الهيمنة وتقسيم العالم وفق احتياجات مواردها الاقتصادية ، هو الذي يدفع بالعالم نحو الهاوية ويزيد من مشكلاته ويشكل العامل الأول والأخير لانهيار الدول الحديثة والعظمى معا ويعرض العالم للفناء