المدرحية:نقدٌ على نقد(9)

 

مدرحية هشام الشرابي :

لا أعتقد أن الأمين حيدر كان منصفا بحق كل من تناوله في مؤلفه/ الفلسفة المادية ـ الروحية عند سعادة / بالنقد، والذي تناول فيه مجمل ما كتبه تلامذة سعادة في موضوع الفلسفة المدرحية وفق رؤية الأمين حيدر، مع العلم أن الكثير من تلك الدراسات، لم يكن موضوعها أو محورها الأساس ، هو الفلسفة المدرحية، فقد أتت الكثير منها على الاشارة اليها في معرض الحديث عن فلسفة سعادة القومية الاجتماعية ، إن لجهة خصائصها أو صفاتها أو مواصفاتها، أو في أحيان نادرة تعريفها من وجهة نظر اجتماعية أو قومية أو في معرض الحديث عن اليسار أو اليمين أو الليبرالية ..الخ، وقد تعامل معها وكأنها بحث فلسفي في المدرحية،  فراح يُخرج النص عن سياقه أو ينتقي منه ما يفيد رؤيته هو في ذات الموضوع، وأقصد الفلسفة المدرحية، بحيث يأتي نقده مبخسا حق كاتب المقالة أو الدراسة أو المحاضرة في ما تذهب اليه دراسته أو مقالته أو محاضرته، وخير مثال نقدمه، لتأكيد هذا الاتجاه، هو ما جاء عليه نقده لمقالة أو دراسة كلٍ من ( لبيب زويا وأنيس فاخوري وكامل المقدم،) على الرغم من أن سعادة كان موجها ومصوبا لما جاء فيها من أفكار، وقد أشرنا سابقا أن كلاً منها ، قدَّمَ له سعادة، بتصدير يُبرز فيه مُتَّجَه الدراسة أو المقالة، مثنياً عليها بطريقة ما، تتناسب والموضوع الذي تثيره، وقد تجاهل الأمين حيدر هذا التصدير..

يظهر بوضوح الاتجاه المنوه عنه أعلاه في نقده لدراسة هشام الشرابي والتي جاءت تحت عنوان / فلسفة جديدة / وفيها يشرح هشام شرابي بعضا من مفردات هذه الفلسفة مُسقطا إياها على بعض الأحداث التي عاصرها، وتحديدا نظرة فايز صايغ دون الإشارة اليه ولرهطه بالاسم، بمعنى آخر، ليست الدراسة بحثاً في المدرحية بقدر ما هي إسقاطٌ لبعض مفاهيمها على وقائع حية عايشها الشرابي ورأى في تلك الوقائع انحرافا عن مفاهيم تلك الفلسفة، فراح يستمد من تلك الفلسفة ما يصوب متجهات مسلكية رفقائه من  القوميين، وتاليا لا يمكن القول أن الدراسة بحد ذاتها ذات اتجاه فلسفي، هي في صلبها تصويب مسلكي، لا أكثر ولا أقل .. 

يمكننا اختصار ما جاءت به دراسة هشام الشرابي بما ختمها به قائلا :”.. إن قضية هذا الجيل من القوميين الاجتماعيين هي قضية نفسية في المكان الأول وليست قضية فكرية مجردة، فهذا الجيل هو جيل قلق معذب وهو يعاني نوعين عميقين من الألم: الم التحقق وألم العجز الذي يجابهه في التحقيق، وليس أقسى على الذي شعَّ في قلبه نور المثل العليا، من أن يتعثر في تحقيق ما آمن به، اذ أنه هو الذي يحكم على نفسه عندما يتعثر قبل أن يحكم عليه الآخرون، وأقسى الأحكام هي التي نحكم بها على أنفسنا.. إن واجب القومي الاجتماعي الأول، اليوم وفي كل يوم هو تركيز وتثبيت حقيقة النهضة القومية الاجتماعية في قلبه وروحه وعقله، وهذه الحقيقة واضحة الأسس والمعنى لا تحتاج الى عقل يتفلسف، بل الى نفسية متفوقة وإرادة منتصرة، بدون الاستيعاب العميق للمبادئ الأساسية للعقيدة القومية الاجتماعية لا يمكن رد الميعان الذي يسيطر على أفراد هذا الجيل ولا يمكن للقومي الاجتماعي الاحتفاظ بالروحية الصراعية التي يتطلبها عمله الجبار ، إن الفلسفة القومية الاجتماعية هي القوميون الاجتماعيون وما يحققون، اذ أنها في المضمار الأخير ليست إلا التجسيد الفعلي للحقيقة العظمى ألا وهي حقيقة الأمة السورية وقدرتها على أن تكون أمة عظيمة متفوقة.”

يتضح من المقطع الوارد أعلاه المُتَجَه الذي جاءت الدراسة لشرحه وبيان أسسه، فلننظر الآن كيف عالج الأمين حيدر هذه الدراسة التي يقول أنها نشرت لأكثر من مرة: ” إن مرادنا هو اظهار مبلغ الأهمية التي أعطيت لتلك المحاضرة( المقالة ) في أواسط المفكرين من تلامذة سعادة، وذلك عندما نعرف أن وسائل نشر الفكر القومي الاجتماعي قد عممتها لثلاث مرات، لذلك سنجد أنفسنا مهتمين بها: أولا، لأنها ما زالت تحتل مركزا في الأوساط الفكرية داخل الحزب، ثانيا لأننا لم نقرأ للرفيق الدكتور أي بحث سواها حول المدرحية وأخيرا لنرى مقدار نسبتها الى فكر سعادة الفلسفي .”

 وعلى الرغم من اعتقادنا، أن وسائل نشر الفكر القومي الاجتماعي، لم تكن في يوم ــ هي الأخرى ــ منصفة لكل ما كُتب في الحزب فكرا وممارسة لأسباب شتى أبرزها تسلط السلطة الحزبية القائمة عليها، وعلى ما يبدو، فإن إعادة نشر هذه المقالة كان بسبب ادراك القيادات الحزبية ، على امتداد تاريخ تسلطها على الصف الحزبي ومؤسساته، أن الصف الحزبي كان متهالكا ومتساقطا تساقط أورق الخريف، نتيجة الضعف في اداء المؤسسات الحزبية عموما ، والانخراط في الحدث السياسي، يضاف الى ما تقدم ضعف أداءها الثقافي من حيث هو اللبنة الأولى في تماسك هذا الصف وتراصه في وجه العقبات التي تواجهه، كما يشير اليه هشام الشرابي، على اعتبار أنها مقالة توجيهية، لا مقالة فلسفية، كما يراها  الأمين حيدر، ولأنها، من جهة أخرى، اقترنت باسم شخصية عاصرت سعادة، وكانت مقربة منه أكثر من غيرها، ولم تمسها أية شائعات مغرضة مارستها السلطات الحزبية على مدى تاريخها ضد مفكريها، حتى قيل ” كيف لحزب يلفظ مفكريه أن ينتصر؟!! ولأنها مارست على مدى تقلباتها قاعدة ” اذا أردت أن تقتل انسانا فلا تطلق عليه رصاصة بل اطلق اشاعة” لهذه الأسباب، ولغيرها ، البعيدة منها والقريبة، كانت إعادة نشر هذه المقالة ملحة..

يحدد هشام الشرابي متجهات مقالته بالنقاط التالية، معتبرا إياها ( النقاط ) دليلا له في شرح ومعالجة ما هو بصدده يقول:

 1 ـ “اجتماعية الفلسفة القومية الاجتماعية، هي كذلك لأنها تبدأ في المجتمع وتنتهي فيه، وكل ما هو خارج نطاق حياة المجتمع وشؤونه ليس من اختصاصها..

2 ـ عقلية الفلسفة القومية الاجتماعية، والميزة الكبرى الثانية      

هي وضعها العقل المقياس والواسطة والمرجع الأخير، لجميع المسائل التي تواجهها ..

3 ـ مناقبية الفلسفة القومية الاجتماعية، الصفة الثالثة للعقيدة القومية الاجتماعية هي رسالتها المناقبية..

4 ـ الفلسفة القومية الاجتماعية قاعدة انطلاق، أما الصفة الرابعة الكبرى للعقيدة القومية الاجتماعية، هي أن فلسفتها، ليست فلسفة وقوف وتحجر بل فلسفة حركة ونمو وانطلاق..

يعلق الأمين حيدر على النقاط الأربع أعلاه، قائلا:” يضعنا الدكتور الشرابي أمام العقيدة القومية الاجتماعية وفلسفة العقيدة القومية الاجتماعية، ولكنه لا يشرح لنا العلاقة بينهما.. يجيئ أول تعريف عمومي له للفلسفة الاجتماعية مجرد تشبيه لها بالكائنات الحية أما تعريفه العمومي الثاني فيأتي غامضا في قوله إن الفلسفة القومية الاجتماعية تعبر عن فكر حركة فاعلة محققة، والتعريف العمومي الثالث، فيأتي، كتشبيه هندسي مركب، خط واتجاه وشعاع وقاعدة انطلاق.. أما خطته ( اي هشام شرابي)، في بحثه فيقول عنها “أنها تتناول بعض الصفات البارزة للفلسفة الجديدة.. فهو( الشرابي) لن يبحث في ماهية الفلسفة القومية الاجتماعية ( المدرحية: الفلسفة الجديدة ) بل في صفاتها البارزة

لا تأتي المقالة على نعت الفلسفة القومية الاجتماعية بالمدرحية، سوى في قول الباحث:” يعتقد البعض أن فلسفة الحركة ـــ التي تسمى عرضا( الفلسفة المدرحية)، هي عدد من النظريات الفلسفية ..” ولا حتى في أي من مواصفاتها المشار اليها، ولا حتى في شروحها، هذا أولا، ثانيا، يصيب الأمين حيدر بقوله:” إذن الباحث لن يبحث في ماهية الفلسفة القومية الاجتماعية ..” فالبحث بحد ذاته غير معني بالفلسفة المدرحية من حيث هي كذلك، يقول الشرابي:” العقيدة القومية الاجتماعية، تقدم فلسفة مناقبية جديدة، ولكنها لا تقدم بحثا في فلسفة الأخلاق.. إن القومي الاجتماعي لا يحتاج لأن يفلسف القيم المناقبية التي تتطلبها منه النهضة.. ليس إلا المتفزلكين المتمخرقين والسطحيين والمعدومي الارادة( من يطالبون بأن تكون للحزب فلسفة) وهم لا يعترفون وهم يشككون بأن للحزب فلسفة.. إن الحركة القومية الاجتماعية ترفض أمثال هؤلاء وليس لديها ما تقدمه لهم..”    لكن البحث معني بميزاتها أو صفاتها أو خصائصها أو سماتها.. الخ، التي يمكن لها أن تفيد غايتها( المقالة) وهي معالجة بعض القضايا المثارة، الدين، الفردية، الأخلاق، الفلسفة..   

 

في نقده لقول هشام الشرابي بأن الفلسفة القومية الاجتماعية، فلسفة اجتماعية ، كونها تبدأ في المجتمع وتنتهي به ولا علاقة لها بشؤون تخرج عن نطاق المجتمع، يتساءل الأمين حيدر :” ماهي الفلسفة القومية الاجتماعية، يجيبنا الباحث هي شيء له صفة اجتماعية، لكن ما هو هذا الشيء الذي له صفة اجتماعية ؟يجيبنا الباحث، إنه الفلسفة القومية الاجتماعية ..”من وجهة نظرنا، لا غبار على قول هشام الشرابي بأن الفلسفة القومية الاجتماعية هي فلسفة اجتماعية بمعنى اختصاصها بمجمل أطروحاتها بالمجتمع الانساني بكل ما يعنيه من أمم تتجاذب أطراف القوة لتثبيت حقها في الحياة.. فالمدرحية، ما هي إلا فلسفة اجتماعية تدرس التطور الانساني، نشؤاً وارتقاء من حيث العوامل و الأسباب والنتائج، التي قامت عليها حضارة اليوم، وتضع لهذا الصراع الأممي مخرجا له من مأزقه المعرفي، بوحدة الدول على أساس وحدة بيئاتها الطبيعية، حيث يكون التكامل البيئي أساسا لتعاون أكثر سلمية، ولأننا ننتج في الاتفاق أكثر بكثير من إنتاجنا في الخصام والصراع واحتكار القوة لفرض مصلحة مجتمع ما على بقية مصالح المجتمعات الأخرى..

هي اجتماعية لأن غايتها الأولى والأخيرة كانت وما تزال المجتمع بأبعاده السياسية والثقافية والاقتصادية..  الخ، فالشرابي لا يجانب الحقيقة في قوله باجتماعية الفلسفة المدرحية، فهي كما يذهب الشرابي، بقوله:” الدين والقضايا الدينية المثيولوجية، هي خارج محور اهتمام العقيدة القومية الاجتماعية إلا حيث يظهر الدين كعامل مباشر في حياة المجتمع من الوجهة الاجتماعية السياسية، ففي هذا النطاق، قول التعاليم القومية الاجتماعية واضح جدا، فهو يدعو الى فصل الدين عن الدولة ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون القضاء والسياسة القوميين، والتي هي من اختصاص الدولة وحدها ..” بحيث تذهب المقالة بعيدا في شرح هذا الموقف، من وجهات نظر مختلفة، الايمان الديني، رجال الدين، الى أن يقول في خاتمة شرحه لموقف الحركة من الدين:” نحن القوميين الاجتماعيين لم نتخلى عن الدين وعن رسالة الدين الحقيقية، بل اخترنا أن نرفع هذه الرسالة من الحضيض الطائفي الذي أوصلتنا اليه قرون عهود الانحطاط والتدخل الأجنبي وأن نعيدها الى مكانها اللائق إن حرية الإيمان مصونة في الحركة القومية الاجتماعية..”

لما كانت مقالة هشام الشرابي، ليست بحثا فلسفيا في المدرحية، بل في ما تعنيه حيال مجموعة من القضايا المثارة حينها والتي يتطلب الواجب المعرفي وضع حد لها لما فيه تراص ووحدة الصف الحزبي والحيلولة دون بروز تيارات فكرية تشتت وحدة الاتجاه، ولما فيه ضمان صيرورة الحركة القومية الاجتماعية منطلقا ووسيلة وغاية، فإن بحثنا سيتناول تساؤلات الأمين حيدر حولها لجلاء حقيقة ما يستهدفه من سبغ صفة المدرحية عليها ..

فعلى الرغم من قول الأمين حيدر واعترافه بأن “.. الباحث لن يبحث في ماهية الفلسفة القومية الاجتماعية ( المدرحية: الفلسفة الجديدة ) بل في صفاتها البارزة..” يقول:” فالبحث بدايته نهايته وأن نهايته بدايته، ذلك أن استعراض الشيء لا يساوي علما بما هو الشيء..” يصر على أنها بحثٌ في الفلسفة المدرحية ويتساءل: “ما هي الفلسفة القومية الاجتماعية التي صفاتها كذا وكذا..” وقبل ذلك طرح السؤال التالي: ” يضعنا الدكتور الشرابي أمام العقيدة القومية الاجتماعية وفلسفة العقيدة القومية الاجتماعية، لكنه لا يشرح لنا العلاقة بينهما..” 

بما أن الكاتب( هشام الشرابي) قد أكد أن مقالته لن تبحث في ماهية الفلسفة القومية الاجتماعية( المدرحية) فلا مجال لسؤاله: لماذا لا تبحث في الفلسفة القومية الاجتماعية وتبين لنا العلاقة بين العقيدة والفلسفة؟!، حتى أنه لا يحق لنا طرح تساؤلاتنا عن ( ما هي الفلسفة القومية الاجتماعية التي صفاتها كذا وكذا..) فللمقالة متجه محدد، وأي بحث في مثل هكذا تساؤلات، يخرجه عن محوره، فالاستطراد يشتت ذهن القارئ عن القصد الذي جاءت المقالة لتوضيحه، وحيث أن المقالة تستهدف حدثا معينا ومعاشا، فهي تأخذ ما يفيد في شرح هذا الحدث وبيان أسبابه ونتائجه وحتى وسائله، بإسقاط بعض الصفات أو الميزات التي تتناسب والحدث المعني، وليس كل الصفات والميزات، فالهدف يحدد المنطلق والوسيلة، فان حادت المقالة عن أي منهما، أضاعت هدفها، وهذا ما حدا بكاتب المقالة لأن يختار بعضا من ميزات الفلسفة القومية الاجتماعية وبما يتناسب وهدفه المعلن من الدين والفردية والأخلاق والفلسفة..      

وتعليقا على قول هشام الشرابي : ” ليس للحزب فلسفة كالفلسفة التي يريدها هؤلاء، إن الحركة القومية الاجتماعية ترفض أمثال هؤلاء وليس لديها ما تقدمه لهم، إن المتهكم على الحق بنار الحق يحرق..” يعلق قائلاً:” هل نحن مع فكر أم أمام سلطة إدارية !!”

يأتي هذا القول لهشام الشرابي تحت عنوان مناقبية الفلسفة القومية الاجتماعية، وفي سياق “أن القومي الاجتماعي لا يحتاج لأن يُفلسف القيم المناقبية التي تتطلبها منه النهضة وأن أوضح الأشياء في العقيدة هي هذه المناقب.. في كتابات سعادة لا نجد المطولات في هذه الناحية أو تلك من قضية حالتنا المناقبية بل نجد ومضات كاسحة من النور تُظهر بقوة البرق طريق المناقب ومعنى القيم في الصراع من أجل الحياة الجديدة، انني أجد في كلمات قليلة ما لا أجده في مجلد من الشرح، ــ إنكم ملاقون أعظم انتصار لأعظم صبر في التاريخ ، إن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ، إن الحياة وقفة عزٍ فقط  ــ (كلمات) تحرك في الأعماق تيارا هائلا يحمل الى كل نفس كل معاني قيم الصبر والقوة والبطولة والعز والكرامة والتضحية، وفي الارادة الشدَّة وفي العقل الوعي..”

ثم يأتي كلامه الوارد أعلاه والذي اتخذه الأمين حيدر سلاحا تهكميا مسلطا على هشام شرابي، وهو في حقيقته، إشارة   لفايز صايغ ورهطه ممن أثاروا فتنة التشكيك بمقولات سعادة الفكرية، وتحديدا “قضية الفرد غاية المجتمع” و”الكيان اللبناني“..     

تعقيبا على قول هشام الشرابي:” إن المناقب القومية الاجتماعية اليوم هي حقيقة واقعة أكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى ومسألة موقفنا منها ليست معرفتها فلسفيا بل تجسيدها في عملنا الصامت المستمر..” يقول الأمين حيدر مستغربا:” هذا كلام خطير جدا ..مناقب الفلسفة القومية الاجتماعية التي يعرف الباحث كيف يفك الغازها هي، العمل الصامت بدون معرفة، هي العمل وفقا لمناقب لا  نعرف ما هي ولسنا نستطيع أن نعرف ما هي، ذلك لأن مسألة موقف الباحث تجاهها ليست معرفتها فلسفيا ..”

يأتي  هذا القول لهشام الشرابي ليس بالمعنى الذي أراده له الأمين حيدر، ولا حتى في سياق ما أشار اليه، إنه يأتي وفق الشرابي في سياق أنه” عندما وقعت الحوادث سنة 1949 ( الثورة القومية الاجتماعية الأولى ولجوء سعادة للكيان الشامي وتسليمه للسلطات اللبنانية ومحاكمته واعدامه خلال 24 ساعة أو أقل) وجوبه القوميون الاجتماعيون بالمسؤولية الفعلية التي وضعتها القضية على عواتقهم، صُدم بعضهم صدمة نفسية وصلت الى أعمق أعماقهم، فسقط منهم القليل واستمر الباقون في السير وقد أسخنت الجراح نفوسهم وبعضها لم يندمل، لقد أحدثت هذه التجربة ثورة سيكولوجية عنيفة في صفوف الحركة وكان من أهم نتائجها النضوج المناقبي الذي انبثق ثمرة لهذه التجربة في الآلاف من القوميين الاجتماعيين وليس مثل الألم مطهرا للنفوس أو قاتلا لها فالحديد الأقوى هو الحديد المصهور، لقد أصبح القومي الاجتماعي الصحيح اليوم يدرك تماما معنى كونه قوميا  اجتماعيا ، إنه يدرك الآن ما عناه  سعادة بقوله / إن قضيتنا قضية خطيرة تساوي وجودنا والقضية القومية الاجتماعية لم تعد مجرد تحية فيها كبر ونظاما عسكريا يثير الاعجاب ..” ثم يأتي ما أورده الأمين حيدر، ليدلل على أن التجربة التي عايشها القوميون الاجتماعيون صهرت  نفوسهم فأطاحت بالخبث و الحِيلة , والخَدِيعَة , والخِدَاع , والغَدْر , والغِشّ , والمكر، لتحل محله البَساطَة , وسَلامَة الطَّوِيَّة , والصَّراحَة , والأَمَانَةٌ , والإِخْلاصٌ , والاستقامَةٌ , والصِدْقٌ , والنَزَاهَةٌ , والوَفاءٌ.. ويتابع هشام الشرابي القول:” فالقومي الاجتماعي الصحيح أصبح يعرف معنى التواضع الفخور وقيمة العمل الصامت المستمر فقد صُهر في الم التجربة وعمد بدم الشهادة ..” بهذا المعنى جاءت اشارته الى” ان المناقب القومية الاجتماعية هي حقيقة واقعية .. ومسألة موقفنا منها ليست معرفتها بل تجسيدها في عملنا الصامت المستمر ..”

يعلق الأمين حيدر حاج اسماعيل على قول الرفيق هشام شرابي :” يعتقد البعض أن فلسفة الحركة ــ التي تسمى عرضا( الفلسفة المدرحية) هي عدد من النظريات الفلسفية التي تؤلف بمجموعها سيستيما فلسفيا كاملا وأنها تقدم الجواب لكل سؤال فلسفي يخطر في البال، إن هذا الاعتقاد خاطئ..” قائلا:” إن وصف الفلسفة القومية الاجتماعية ب ( الفلسفة المدرحية) هو مجرد عرض، لكنه لا يشرح لنا ماذا يقصد بهذا القول: كيف هي عرض ؟ وما سبب الوصف المدرحي ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا استخدم سعادة تسميتها ( المدرحية ) أصلاً ؟

سبق وأشرنا الى أن مصطلح( مدرحية) جاء للمرة الأولى في كتاب سعادة “جنون الخلود” وتحت عنوان” بين “الجمود والارتقاء” ونصه :”.. ومن استعارات رشيد الخوري قوله في الرسالة المحمدية “الدين الإسلامي” إنها “مدرحية” أي “مادي روحي معاً”. فقد يظنّ القارئ غير المطلع أن هذا القول هو فكرة جديدة فلسفية للخوري، والحقيقة أنه مأخوذ من كتابي “نشوء الأمم” ومن شرحي لمبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي. فهو فكرة فلسفية اجتماعية أبديتها في مناسبات عديدة.. أخذ رشيد الخوري هذه الفكرة الفلسفية العظيمة التي لا يطيق عقله إدراك عمقها وأهمية القضايا الاجتماعية التي تشتمل عليها، فمسخها وجعلها مجرد كلام سطحي بسيط يقصد به إيجاد مقابلة استبدادية بين “الأديان” الثلاثة المسيحي والمحمدي واليهودي؛ فقال “فالدين المسيحي دين تصوّري لا ينفع الدنيا لانفصاله عنها، ولا الآخرة لعدم حاجتها إليه. وهو نقيض الدين اليهودي الذي هو ماديّ صرف. أما الدين الإسلامي “فمدرحي” إذا صح النحت والتركيب، أي مادي وروحي معاً“.

فمصطلح ((مدرحي)) لم يستخدمه سعادة في نعت فلسفته المادية ـ الروحية، إلا بعد أن تداوله القوميون الاجتماعيون وكان أول استخدام له من قبل سعادة في رسالته المؤرخة في 10/1/1947 يقول:” داعية الأمم إلى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده وعقيدة تفسيره، من الجهة الأخرى، بالمبدأ ‏‏المادي وحده، والاقلاع عن اعتبار العالم ضرورة، عالم حرب مُهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، وإلى التسليم معنا بأن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس روحي – مادي (مدرحي) وأنّ الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه. ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها..” ونلاحظ أن المصطلح يضعه سعادة بين قوسين، بما يفيد استخدامه بتحفظ، لكنه بعد ذلك أطلقه من قوسيه معتمدا إياه في مختلف خطبه ومقالاته وإشارته لفلسفته بهذا المصطلح، من هنا جاءت إشارة الرفيق الشرابي لعرضية المصطلح، على الرغم من عدم إشارته لأسباب ذلك، فالشرابي كان من أكثر القوميين الاجتماعيين التصاقا بسعادة وكان سعادة يميزه عن بقية الرفقاء بكثير من المواقف، وتأكيدا على هذا الاتجاه لم يستخدم سعادة مصطلح ” مدرحي ” طوال الفترة الممتدة بين  1942 و1947،فعرضية المصطلح عند الشرابي تقوم على واقعة ادراكه أنه ليس من نحت سعادة .        

يتابع حيدر تعليقه قائلا: ” بعد ذلك يؤكد لنا الكاتب ما يلي:(عندما نقول أن الحركة تقدم نظرة شاملة الى الحياة والكون والفن، لا نعني أن لدى الحركة نصوصا فلسفية تقدمها الى كل من يسألنا عن نظرتنا الى الفن والكون والحياة..) هاهاها هناك نظرة وليس هناك نظرة، كيف يحكم الكاتب أن للحركة نظرة فكرية دون أن يكون قد اطلع عليها في نصوص وكتابات وضعها سعادة، اللهمَّ إلا إذا كانت النظرة غير فكرية ، تدرك بالحس!

الفقرة التي أوردها الأمين حيدر متهكما، تأتي في سياق مقالة الشرابي على النحو التالي، يقول:” العقيدة القومية الاجتماعية، تقدم فلسفة مناقبية جديدة، لكنها لا تقدم بحثا في الأخلاق.. في كتابات سعادة لا نجد المطولات في هذه الناحية او تلك من قضية حالتنا المناقبية بل نجد ومضات كاسحة من نور..”  

يختم الأمين حيدر تساؤلاته بالقول:” هذا كلام عجيب: كيف تكون هناك حركة، تسمى حركة قومية اجتماعية، دون أن تكون قد تأسست على فلسفة قومية اجتماعية وضعها مؤسس الحركة..” ويضيف :” يمضي الكاتب متابعا حنقه على السائلين الطالبين للمعرفة، ومتابعا عناده وإحجامه عن ذكر ما يعرف عن ماهية الفلسفة القومية الاجتماعية فيقول ( إن شؤون الفلسفة وقضاياها ليست من اختصاص الجميع، الحركة القومية الاجتماعية ليست جمعية فلسفية ترحب بكل من أراد أن يتلذذ بترداد ما تعلمه من مصادر غربية أو ما توصل اليه من قراءة بعض الكتب..)

منذ البداية، يؤكد الشرابي أنه لن يبحث ماهية الفلسفة القومية الاجتماعية، فهذه المسألة لا تختص بها مقالته التي أفردها منذ البداية، كما سبق وأشرنا، لبعض المسائل والقضايا التي يعتبرها تشتيتا للفكر العام في الصف الحزبي لذلك هو يعرض عن بحثها في سياق مقالته..

غدا ننشر صورا لمقالة الشرابي وأخرى للأمين حيدر عسى أن يستفيد منها من أراد التمحيص في ما جئنا به أعلاه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ