فايزصايغ” الى أين”

# فايز صايغ ـ الى أين

مما لا شك فيه، أن مختلف المنتمين للحزب السوري القومي الاجتماعي، يشكلون بمجموعهم طاقة الحزب الإنتاجية على مختلف الأصعدة والمستويات التي يعملون فيها، الحزبية منها وغير الحزبية، وأن خسارة أي منتمي هي خسارة في هذه الطاقة التي تعمل لنهضة الأمة، ومن حيث هي كذلك كان على المؤسسة الحزبية الحفاظ عليها مهما بلغت شدة الخلاف الشخصي ـ الفردي، وتباينت الآراء حول مختلف الطروحات التي تنتهجها المؤسسة أو الأفراد، ففي الحوار يمكن أن تُحل مختلف الإشكاليات المثارة حول تلك الطروحات، في ما اعتُمدت الموضوعية قاعدة له، إلا في حالة التعنت المؤسسي أو الشخصي، أو الخروج المؤسسي أو الشخصي عن الفكر القومي الاجتماعي أو نهجه أو نظامه، الذي يجب أن يصب في مصلحة الحزب، على الدوام، وفي الحال المعاكسة، علينا البحث في الأسباب التي تحول دون الوصول الى نتائج مرضية من كل حوار أو موقف او قضية، هذه الأسباب قد نجدها في المتكرر من الأحداث التي مرَّ بها الحزب، سياسيا وتنظيميا، من هنا كانت دراسة التاريخ الحزبي ذات أهمية بالغة في حلِّ مختلف الإشكاليات المطروحة، لأنه سجل التكرارية التي نحن بأشدِّ الحاجة الى قوننتها في اطار دستوري فلا تبقى التجربة مجرد تجربة فردية وتبقى الأخطاء مجرد أخطاء فردية يحاكم في ضوئها العضو ويُقَرَر مصيره في العمل الحزبي بطريقة اعتباطية أو حتى عشوائية تلعب فيها المواقف والآراء الشخصية دور الدستور وحتى لا يتحول أي تعديل دستوري الى “لعب في الدستور من الدستور على الدستور” كما جرت العادة في أية حلول من هذا النوع في ما قد يعترضنا من قضايا ومعضلات حزبية وغير حزبية، وقد يكون من المفيد جدا، تناول تاريخ الأحزاب الأخرى بالنقد والتحليل الموضوعي للاستفادة من تجارب الآخرين، وبالتحديد اذا كانت بأقلام من عاصروا تلك الأحزاب ودبجوا معاناتهم فيها وقضاياها والحلول التي طُرحت لمجمل الإشكاليات التي واجهتهم، ونحن إذ نشدد على مثل هكذا دراسات فلأننا نعتقد أن مجمل الأحزاب السورية عانت مما عاناه أي حزب من أحزابها، من منطلق أن الشريحة الاجتماعية التي تعاطت معها تلك الأحزاب، بما فيها الحزب السوري القومي الاجتماعي، هي ذاتها بكل خلفياتها الفكرية والثقافية، الاجتماعية منها والسياسية والدينية و.. الخ، فنحن في هذا السياق شعب لم تنضج بعد تجربته السياسية بكل ما تحمله من معاني قانونية وثقافية، ما تعانيه الأحزاب تعانيه أيضا الحكومات الوطنية بمختلف شعاراتها المطروحة بكل ظرف وحالة ووضع، فهي حكومات ناشئة لدول “حديثة” كانت تجزئتها الاجتماعية والسياسية سببا جوهريا في كل ما تعانيه، فقد جُزئت عائلاتها وطوائفها وطبقاتها وعرقياتها وكل ما يمت لهذه أو تلك بصلة، وبمجرد شطحة قلم من سايكس وبيكو بما يتفق ومصلحة كلٍ منهما، حيث أقيمت دولٌ ليس لها معنى في التاريخ وتفتقر كما تفتقر سواها للوحدة وهي تدرك في مختلف قضاياها هذه الحاجة للوحدة لكنها تبقى كما أحزابها عاجزة عن تحقيقها لأنها تفتقر لتلك التربية الاجتماعية والسياسية التي تتطلبها جرأة الوحدة وموضوعيتها وليس هذا وحسب، بل لأنها كما أحزابها خاضعة للهيمنة الخارجية بكل ما تعنيه الهيمنة من معنى، فما نعانيه اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، دولاً وأحزاباً، نعانيه على مستوى شخصي، فأيٌ منا يعاني من تناقض ذاتي، أو بالأحرى من انفصام في الشخصية، بين طموحاته وامكاناته من جهة، و بين انتمائه الديني والاجتماعي، بين انتماءه الديني والثقافي، بين انتمائه الطبقي والجنسي( الذكوري والأنثوي) بين انتمائه السياسي وانتمائه الوطني والقومي وحتى الإنساني ، فمجتمعنا ما هو إلا انعكاس صادق لما نعانيه من تجزئة ذاتية، نفسية، على مختلف الأصعدة والمستويات، نحن بأشد الحاجة لإعادة قراءة تاريخنا الشخصي بموضوعية وجرأة، بديموقراطية فذَّة، تنقذنا مما نحن فيه من بلاء فرديتنا وشخصانيتنا أفراداً وأحزاباً وحكومات ..فلا “نهرب من دبٍّ إلا لنقع في جب” نُنَظر في ما يجب أن يكون، ونحن غافلون عما نحن به؟!!

نحن، وفي مختلف انتماءاتنا السياسية والثقافية، وبكل ما يتفرع عن هذه وتلك، نعاني من إرثٍ “عثماني” عانى منه مختلف من اتخذوا على عاتقهم قيام أحزابٍ، في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، هذا الاُرث الذي استغله الغرب في جميع محاولاته للحيلولة دون نهضتنا من جمود تاريخي في براد عثماني حال دون نضوج تجربتنا السياسية على مدى أربعة قرون متتالية تحت غطاء وهمي ديني تنامت فيه نزعات ليس لها من الدين شيء، كصحيح بخاري ومسلم وابن تيمية و… انتهاءً بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو حيث طغت مقولة “لا قيام للدين إلا بقيام دولته”، أو “الحل في الإسلام” فكانت “الكتاتيب” مدرسة كل من عاصروا تلك المرحلة، أو تخرجوا من بعثات تبشيرية تدعي غير ما تضمر، فاضمحلت استقلالية الذات القومية وتوسعت آفات الأنانية والشخصانية والانتهازية والوصولية تارة بلبوس الدين وأخرى بلبوس التحرر وثالثة بلبوس الاقطاعية والبرجوازية و..

تخلفت الأنا عن النحن، وكذا النحن عن الأنا، وبات كلٌ من طرفي هذه الثنائية يدعي ما ليس هو منه، وهذا ما بدا واضحاً في مختلف القضايا التي واجهت الأحزاب السورية، أهمها كان طوباوية المنتمين اليها، ذاتية التواكل والاستكانة والترهل والإغفاء على تاريخٍ اندثر تدريجيا لكنه بقيَ مجرد شعورٍ بغربة لم تفقه من متطلبات التحرر سوى إعادة إحيائه بأشكل عدة حملت معها عنصريتها وتطرفها وعصبيتها وجهلها بأن ” التاريخ لا يسجل الآمال والأقوال إنما الأفعال والأعمال” فبدت هنا عروبية وهناك كردية وأشورية أو سريانية وسنية وشيعية ومارونية وكاثوليكية وارثوذكسية وطبقية اقطاعية واشتراكية تلبست لبوس الوطنية والقومية والانسانية في كثير من مساعيها لتأكيد مرحلة من مراحل هذا التاريخ الطويل من النكسات على مدى ألفي عام ..

كانت الكتاتيب والمدارس التبشيرية متكأ مختلف مثقفي مرحلة ما بين الحربين، هذا المتكأ هو الذي تآكلت فيه مختلف القضايا الملحَّة التي واجهت الأحزاب على اختلافها، فغدت الأحزاب مجرد تجمع يحمل في طياته مختلف ما ذُكرْ، فتصارعت بين بعضها البعض وتقاتلت فكانت السطلة لها بالمرصاد، استفادت من صراع الأحزاب في الوصول للسلطة، فقضت على كلٍ منها منفردا، ولم تدرك تلك الأحزاب بعد أن المثل القائل “أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض” كان المقصلة التي ذهب بين سندانها وسكينها آلاف من الضحاياـ الشهداء، لم تستطع مختلف الأحزاب أن تجد القاسم المشترك في ما بينها فتتوحد على العموميات من أهدافها وتتشارك في تحقيق أهدافها، على سبيل المثال لا الحصر ، لم يستطع البعث تقبل وحدة سورية الطبيعية كمرحلة من مراحل وحدته العربية من المحيط الى الخليج، فكأن سورية الطبيعية تقع خارج هذا المحيط والخليج ، لم يستطع البعث أن يرى في اشتراكيته عاملا من عوامل قيام دولة الطبقة الكادحة فيبادر للتعاون مع الحزب الشيوعي، والذي كان من واجبه التعاون مع الأحزاب الأخرى وتنمية نزوعها اليساري، وكذلك الحزب السوري القومي الاجتماعي لم يألف اشتراكية البعث ولا حتى الشيوعي في مبدأه الاقتصادي إلغاء الاقطاع ..، تنافرت الأحزاب في ظل هيمنة الكتاتيب والمدارس التبشيرية، فكان المستفيد الأكبر الغرب الاستعماري وما ساهم في قيام دولة العدو، ..

فايز صايغ والرهط الذي أقصاه سعادة عن قيادة الحزب، لم يكن سوى خليط متنافر مما تقدم، وإلا كيف نفسر تغيير علم الزوبعة ومنشور الواقع اللبناني، وإدخال أعضاء للمجلس الأعلى لم يسمهم الدستور، بل والأنكى من كل ما تقدم محاولة طرح تحديد صلاحيات سلطة الزعامة من قبل بعض من رأوا في سلطته قيدا يحول دون تفردهم بقرارات هي في الأصل من سلطة الزعامة؟ هذه تساؤلات كان على فايز صايغ طرحها والإجابة عليها قبل أن يدبج أطروحته/ بحث تحليلي نقدي في موقف الحزب السوري القومي الاجتماعي من الفكر والدين وحريتهما / ويثير في توطئة هذا البحث قضيتين : الأولى، قضية حقوقية شرعية، أما الثانية فهي قضية روحية فكرية، أما الوجه الأول من القضية الأولى، فيحدده قائلا:” يتناول هذا الوجه، بالحقيقة، أساس التعاقد الذي يتم بين الأعضاء في الحزب وبين زعيمهم، ويُقوُّم عمل الزعيم بالحقيقة، على مبدأ خطر، هو مبدأ عدم ارتباط الزعيم تجاه أعضائه بأية التزامات حقوقية وشرعية وارتباط الأعضاء تجاه زعيمهم ارتباطا مطلقا غير مقيد، هذا المبدأ ينافي كل أساس حقوقي للتعاقد ويبطل الدستور القائم على هذا التعاقد ويحول العضوية في الحزب الى استعباد مطلق، والزعامة في الحزب الى استعباد مطلق، ويجعل” قسم العضوية” صك استسلام نهائي في كل شأن من شؤون الحياة، الشخصية والاجتماعية في الضمير والعقل والقلب والإرادة، ويجعل من “قسم الزعامة” من الجهة الثانية قسما شكليا صوريا، لا يربط الزعيم بشيء، لا تجاه المبادئ ولا تجاه الأعضاء ولا يجعله مسؤولا سوى تجاه نفسه و تطورات احساساتها واعتقادها ورغباتها.

هذا المبدأ الذي يفترضه الزعيم في اجراءاته الأخيرة ومعناه أن الدستور فوق التعاقد لا ضمن التعاقد ، وأن زعامة الزعيم ليست مقيدة بالقضية التي من أجلها رضي الأعضاء بالزعامة بل هي زعامة مطلقة فوق القضية وأسمى من القضية ، هذا المبدأ يجعل ” الحزب السوري القومي ” محلولا حلا نهائيا ، ويجعل الأعضاء الذين ارتضوا لأنفسهم أن يتحولوا من ” الحزب السوري القومي” الى “الحزب السوري القومي الاجتماعي” المستحدث قابلين ضمنا وراضين بالوضع الجديد الوضع اللاحقوقي، الوضع الذي يقيدهم في كل زاوية من زوايا نفوسهم، في ضمائرهم وقلوبهم وعقولهم واحساساتهم وارادتهم ، في نظرتهم الى ” الحياة والكون والفن ” في معتقداتهم الدينية والفكرية والفلسفية ونشاطهم الفكري والفني، برغبات الزعيم وارادته ولا يقيده هو بشيء تجاههم. “

يقع فايز صايغ من خلال استعراضه لصلاحيات الزعامة في تناقض ذاتي من جهة وتناقض موضوعي من جهة أخرى..

أما الذاتي، فهو في كيفية قبوله بتغيير علم الحزب وتأييده للواقع اللبناني وتسلم رفقاء مسؤوليات في المجلس الأعلى وقد نصَّ الدستور على حصر عضويته بالأمناء في الحزب، واعتراضه على تغير اسم الحزب ، بل والأحرى تعديل اسم الحزب من قبل مصدر السلطتين كما نصَّ الدستور، واعتباره منحلاً لمجرد أن سعادة أضاف خاصة ( الاجتماعي) للاسم موضحا بذلك ما يعنيه البعد القومي من جهة وتأسيس المبادئ الإصلاحية على الخاصة الاجتماعية للحزب، سعادة لم يخالف النص الدستوري الذي يجعل منه كصاحب للدعوة ومصدر السلطتين ـ دستور الحزب، بإضافة (الاجتماعي) الى الاسم الذي عُرِفَ به الحزب منذ نشأته، بينما تغيير علم الحزب هو تعديل دستوري لم ينص الدستور على منحه للمجلس الأعلى بالمرسوم الذي أنشأه فهو( المجلس الأعلى) مجرد هيئة استشارية للزعيم في حال حيلولة أي مانع طبيعي دائم ( الاغتراب القسري) من ممارسة الزعيم لصلاحياته، أما الواقع اللبناني، فهو تغيير فعلي في العقيدة بل وخروجٌ عنها بأي مفهوم أخذ به “الواقع اللبناني” فهو بداية، ودون الخوض في تفصيلاته ، اعتراف بالتجزئة التي جاء الحزب نقيضا لها، كما وأن عضوية رفقاء للمجلس الأعلى يبقى مخالفة دستورية فاضحة لتجاوز المجلس الأعلى صلاحياته الممنوحة له من صاحب الدعوة ومصدر السلطتين..

أما الجانب الموضوعي، والذي يُبرز التناقض في ما تضمنته توطئة فايز صايغ، فينحصر في ماهية مبدأ التعاقد، فعضوية الحزب هي عقدٌ أبرمه طرفي العقد، الأول هو صاحب الدعوة والثاني المُقبل على الدعوة، ” تأسس الحزب السوري القومي بموجب تعاقد بين الشارع صاحب الدعوة إلى القومية السورية وبين المقبلين على الدعوة، على أن يكون واضع أسس النهضة السورية القومية زعيم الحزب مدى حياته، وعلى أن يكونه معتنقو دعوته ومبادئه أعضاءً في الحزب يدافعون عن قضيته ويؤيدون الزعيم تأييداً مطلقاً في كل تشريعاته وإدارته الدستورية،” ( وضع بتاريخ 21/11/1934 وصنف بتاريخ 20/1/1937) يتضح من نص مقدمة الدستور وتاريخها، أن فايز صايغ قد انتمى للحزب السوري القومي بموجب العقد المبرم بينه وبين الشارع صاحب الدعوة، وأن مبدأ التعاقد تضمن ” التأييد المطلق للزعيم في كل تشريعاته وادارته الدستورية” وتالياً، فالرجوع عما تضمنه العقد أو أيٍ من فقراته ، هو حنث بالقسم الذي أداه فايز صايغ نفسه حينما انتمى للحزب ” “أنا… أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي على أنني أنتمي إلى الحزب السوري القومي بكل إخلاص وكل عزيمة صادقة وأن أتخذ مبادئه القومية إيماناً لي ولعائلتي وشعاراً لبيتي، وأن أحتفظ بأسراره فلا أبوح بها لا بالقول ولا بالكتابة ولا بالرسم ولا بالحفر ولا بأي طريقة أو وسيلة أخرى، لا تطوعاً ولا تحت أي نوع من أنواع الضغط. وأن أحفظ قوانينه ونظاماته وأخضع لها، وأن أحترم قراراته وأطيعها، وأن أنفذ جميع ما يعهد به إليَّ بكل أمانة ودقة، وأن أسهر على مصلحته وأؤيد زعيمه وسلطته، وأن لا أخون الحزب ولا أي فرع من فروعه ولا أفراده، وأن أقدم كل مساعدة أتمكن منها إلى أي عضو عامل من أعضاء الحزب متى كان محتاجاً إليها، وأن أفعل واجباتي نحو الحزب بالضبط. على كل هذا أقسم أنا …؟ وتحديدا في الفقرة التي تنص على” وأؤيد الزعيم وسلطته..”

وعليه فإن التبرير الذي يقدمه فايز صايغ لاعتباره الحزب” القومي السوري” منحلا لمجرد أن سعادة أوضح مدلوله القومي وأسس لمبادئه الإصلاحية تبريرا يناقض وبصورة مطلقة ” تأييده للزعيم وسلطته” المحددة في الدستور في مادته الرابعة والتي تنص وتؤكد على سلطة الزعامة “إنّ زعيم الحزب هو قائد قواته الأعلى ومصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية. “

ما يثيره فايز صايغ في توطئة كتيِّبه ” الى أين” حول ما أسماه ب ” مبدأ خطر، هو مبدأ عدم ارتباط الزعيم تجاه أعضائه بأية التزامات حقوقية وشرعية وارتباط الأعضاء تجاه زعيمهم ارتباطا مطلقا غير مقيد..” ليس له أي سند قانوني، فسعادة ملزم تجاه القضية التي دعى اليها المقبلين على دعوته، وليس تجاههم كما جاء في قسم الزعامة “أنا أنطون سعادة، أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي، على أني أقف نفسي على أمتي السورية ووطني سورية، عاملاً لحياتهما ورقيّهما، وعلى أن أكون أميناً للمبادئ التي وضعتها وأصبحت تكوّن قضية الحزب السوري القومي، ولغاية الحزب وأهدافه، وأن أتول زعامة الحزب السوري القومي وأستعمل سلطة الزعامة وقوّتها وصلاحياتها في سبيل فلاح الحزب وتحقيق قضيته، وأن لا أستعمل سلطة الزعامة إلا من أجل القضية القومية ومصلحة الأمة، على كل هذا أقسم أنا أنطون سعادة”؟ قسم الزعامة هذا، يبين لنا ما أقسم عليه فايز صايغ والذي يشكل جوهر قبوله بسعادة زعيما وقائدا ومعلما وأنه قَبِلَ بعدم مشاركة المقبلين على الدعوة صلاحيات الزعامة، وتاليا، فإن ادعاء فايز صايغ بأن “هذا المبدأ ينافي كل أساس حقوقي للتعاقد ويبطل الدستور القائم على هذا التعاقد ويحول العضوية في الحزب الى استعباد مطلق، والزعامة في الحزب الى استعباد مطلق..” يتنافى مع كل ما أقسم عليه فايز صايغ نفسه قبل التعديل الذي يعتبره خروجا على العقيدة والنظام والدستور الذي أُنشئ عليه الحزب، فنشأة الحزب التي قامت على تعاقد بين طرفين تلزم الطرف الأول بقسم الزعامة وتلزم الطرف الآخر بقسم العضوية، والذي يشكل الأساس الحقوقي لكلٍ من طرفي العقد، وليس من أساس حقوقي آخر يقوم عليه ادعاء الصايغ..

ما قبل التوقيع على العقد، يختلف عما بعده( قسم العضوية) في الحال الأولى يحق لكل مقبل على الدعوة مناقشة أي بند من بنودها، عقديا ودستوريا ونظاميا، ما بعد القسم ليس من حق العضو سوى العمل وفق ما أقرَّه الدستور والنظام الذي قَبِلَ العمل وفقه ولذات الغاية التي حددها أيٌ منهما، فايز صايغ وبعد سنين عشر من انخراطه في العمل الحزبي وتقلده مسؤوليات فيه وممارسة الصلاحيات التي منحه إياها الدستور والنظام، وبعد أن وجد في نفسه القدرة الثقافية التي اكتسبها من الحزب وفي الحزب، ينقلب عليهما، ويعود عما أقسم عليه أن يكونه!!وليكتشف بعد سنواته الطوال تلك ” أن الدستور فوق التعاقد لا ضمن التعاقد ، وأن زعامة الزعيم ليست مقيدة بالقضية التي من أجلها رضي الأعضاء بالزعامة بل هي زعامة مطلقة فوق القضية وأسمى من القضية..”

لجهة “أن الدستور فوق التعاقد لا ضمن التعاقد” فهذا أمر بديهي أن يكون الدستور فوق التعاقد لا ضمنه، وفي كلا الحالين لا فرق بين أن يكون هذا فوق أو متضمنا ذاك، فمفهوم التعاقد هو القبول بما تضمنه التعاقد، خاصة وأن قسم العضوية والذي يعتبر تصريحا شخصيا (أنا … اقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي) بقبول ما تضمنه ويتطلبه الدستور والنظام (أن أحفظ قوانينه ونظاماته وأخضع لها، وأن أحترم قراراته وأطيعها، وأن أنفذ جميع ما يعهد به إليَّ بكل أمانة ودقة، وأن أسهر على مصلحته…) هذا الإقرار بالخضوع والطاعة والتنفيذ بكل دقة وأمانة والسهر على مصلحة الحزب.. شرط أساسي بل وجوهري في عضوية الحزب وإلاَّ فالأمر متروكٌ على الغارب، فأخضع وأطيع وأنفذ وأسهر متى توافق ذلك مع قناعاتي وآرائي، ودون هذا التوافق، فلا أطيع ولا أخضع ولا أنفذ، المسألة إذن مزاجية أو كيفية وتوافقية، فأي حزب هو ذلك الحزب الذي تعمل قوانينه ونظاماته وقراراته وفق مزاجية أعضائه وقناعاتهم؟!! خاصة وأن الحزب يبقى في أقصى درجات وعيه مجرد وسيلة لبلوغ الغايات التي يعمل على تجسيدها في المجتمع تقاليد وعادات وأعراف تنسخ ما سبقها وتقيمُ مجتمعا جديدا بكل معنى الجدة، والتي اعترف فيها خصومه ومعارضيه وحتى أعداءه، من كونه الحزب المتماسك والمكتمل منذ نشأته، عقيدة ونظاما، وأنه أبرز الأحزاب التي نشأت في ثلاثينيات القرن المنصرم( راجع مذكرات أكرم الحوراني وساطع الحصري في ” العروبة بين دعاتها ومعارضيها” ) وما جاء في اعلام العدو اليهودي، أن يكون الدستور فوق التعاقد فمسألة كما سبق وذكر من بديهيات العضوية، أما سلطة الزعامة، فهي المسألة التي تعود في جوهرها لما نشأ عليه الحزب ” تأسس الحزب السوري القومي بموجب تعاقد بين الشارع صاحب الدعوة إلى القومية السورية وبين المقبلين على الدعوة، على أن يكون واضع أسس النهضة السورية القومية زعيم الحزب مدى حياته، وعلى أن يكونه معتنقو دعوته ومبادئه أعضاءً في الحزب يدافعون عن قضيته ويؤيدون الزعيم تأييداً مطلقاً في كل تشريعاته وإدارته الدستورية،” التأييد المطلق لسعادة في كل تشريعاته وإدارته الدستورية شرطٌ لازمٌ لقيام الحزب وكافٍ من الوجهة المنطقية، اذ كيف يمكن أن يعمل الحزب لتحقيق غايات تساوي وجود أعضائه متى كان انصياع أعضائه لتشريعاته وادارته مزاجيا أو قابلا للنقاش والحوار والتداول، فما يعجبني أنفذه وما لا يعجبني أرفضه بل ويمكن لي أن أحاربه وأعمل ضده!!! كما في الحالة الموصوفة (فايز صايغ) أو في حالة أكرم الحوراني باعتباره شريكا في التخطيط لجريمة اغتيال عدنان المالكي والصاقها بالحزب كصك براءة له من موروث انتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي وقس على ذلك جميع الذين خرجوا من الحزب أو بالأحرى تخرجوا، أو كما وصفهم مقال في احدى المجلات اللبنانية ( خريجون أم خوارج)..

فيما يقدمه فايز صايغ من مبررات اعتباره “الحزب السوري القومي” منحلا، نلمح كيفية تعاطي القوميين الاجتماعيين الأوائل مع قضية تساوي وجودهم، وكيفية فهمهم للعمل المؤسساتي فكرا ونهجا ونظاما، كما ونلمح ما كان يكابده سعادة من مشقة في إفهام أعضاء الحزب لواجباتهم تجاه الحزب وتجاه الزعامة، يكفي أن نشير في هذا المجال لما سيرد تفصيله لاحقا وعلى لسان فايز صايغ نفسه لحوار بينه وبين سعادة دام ست ساعات متتالية، هذه الساعات الطوال إذا لم تكن تنم عن رحابة صدر سعادة فعلى ماذا تنم؟!! وكيف يمكن لنا فهم قول فايز صايغ “أن العضوية استعباد والزعامة استعباد” وهو يمُضي ست ساعات في حوار مع سعادة، وهل في الاستعباد حوار حول قضايا فكرية وروحية كما يدعي مدبج التوطئة؟!! فسعادة المطلق الصلاحية في إدارة حزبه، وعلى الرغم من أن ما قبل قسم العضوية يفسح المجال رحبا لمناقشة أية قضية فكرية ـ عقدية، هو غير ما بعده، نرى سعادة يحاور فايز صايغ في العقيدة وصلاحيات الزعامة، وكان من حق سعادة، فيما لو كانت الزعامة استعباد أن لا يحاوره، لكنه يقضي ساعات وساعات في حوار معه ومع غيره عبر الرسائل التي كان يخطها في خضم مشاكل الحزب داخليا وخارجيا، موجها رفقاءه مسددا أخطاءهم مرشدا لما تقتضيه عضوية الحزب، يخط الرسائل ويحاور ويكتب المقالات ويوجه مسؤولي الحزب ويقوم بزيارات وحدات الحزب الإدارية ويواجه الحكومة في مخططاتها السياسية وقضايا الوطن القومية، كيف يمكن له أن يكون مستعبِداً لأعضاء حزبه؟!! وهم يتأمرون عليه وعلى سلطاته وعلى القضية التي نذر بقسم الزعامة نفسه لصيانتها وتحققها وتذليل مختلف العقبات التي تقف في طريقها واولى هذه العقبات كيفية فهم الأعضاء لزعامته وللقضية التي نذروا أنفسهم لخدمتها؟!!

مشكلة سعادة الرئيس، بل ومعاناته، كانت في أنه جاء برسالة لم يفقه منها مناصروه سوى ما تواتر اليهم من أفكاره وما قيل أنهم فهموه منها، وكان يدرك ان انتماءهم ليس بأكثر من عاطفة جياشة مندهشة بكاريزما لها خصائص قيادية فذَّة لم تلهب حماستهم وحسب، بل جيشتهم بعاطفة بلغت في سموِّها درجة الفداء، كان يدرك أنهم لا يفقهون من الفلسفة ولا التاريخ ولا علم الاجتماع ولا علم السياسة والاقتصاد سوى ما تناهى لهم من أسمائها، وما قد اختلط فيها من بقايا ثقافة عثمانية وثقافة غربية فراوحوا بين الاثنتين وما برحوا حتى اللحظة هذه المراوحة، أما معاصروه فلا يختلفون عن مناصريه بشيء سوى أن لهم طموحاتهم التي اختلطت على قاعدة الثقافة العثمانية بالثقافة الغربية ولعل أبرز أمثلة هؤلاء هو ساطع الحصري، والذي تزعم حركة المناهضة لما جاء به سعادة معترفا:” وإذا أردت أن الخص رأي في أنطون سعادة وفي حزبه بعد هذه الدراسة المستفيضة، قلت، بلا تردد: لا يسعني إلا أن أعلن إعجابي بنشاط الرجل واندفاعه، وتحبيذي لمعظم مبادئه الإصلاحية التي يذكرها في تعاليمه، كما لا يسعني إلا أن أقدر سعيه وراء دعم آرائه السياسية والاجتماعية بنظريات علمية ..”* علما أن انتقادات ساطع الحصري لسعادة تأخذ ذات السياق الذي اعتمده فايز صايغ في كتيبه” الى أين”.

كما سبق وأشرنا الى أن فايز صايغ يثير، في توطئته، وجهان لما يعتقد أنه كفيل بإثبات وجهة نظره حول الإجراءات التي اتخذها سعادة ودفعت به لاعتبار أن “الحزب القومي السوري” منحلاً، يقول: “الوجه الثاني للقضية التي أثرتُها، وهو متمم للأول، فيجعل ” الحزب السوري القومي الاجتماعي” المستحدث والقائم بصورة لا حقوقية مؤسسة تختلف في غايتها اختلافا أساسيا عن ” الحزب السوري القومي” المنحل.. (معتبراً أنه ) في حين كان هذا الحزب مؤسسة قومية ذات عقيدة معينة محددة، يطلع عليها العضو فيقتنع بها، فيعتنقها، فيقسم القسم على أساسها، ..أصبح “الحزب السوري القومي الاجتماعي” المستحدث ..دون أي تعاقد جديد ودون نوال موافقة الأعضاء مقسمي القسم “للحزب القومي السوري” المنحل، وبموجب مرسوم لا دستوري، مؤسسة اجتماعية سياسية كلية لها فلسفة خاصة “كلية” تشتمل على نظرة كاملة الى “الحياة والكون والفن” هي نظرة الاستاذ سعادة نفسه، غير الخاضعة للنقد أو المناقشة، وغير القابلة للاعتراض، وغير السامحة بتنوع أو التشعب وغير المعروفة حتى الآن لدى الأعضاء!.. “

يبدو واضحا أن صاحب التوطئة، يحاول جاهدا بيان ما دفع به لرفض الإجراءات التي اتخذها سعادة فهو أولاً يعتبر أن تلك الإجراءات بحاجة الى ” تعاقد جديد..” وأنها أبرمتْ “ودون نوال موافقة الأعضاء مقسمي القسم “للحزب القومي السوري” وبموجب مرسوم لا دستوري..” هذا من جهة أولى، أما الوجه الآخر لمحاولة صاحب التوطئة إثبات وجهة نظره في كون النظرة التي “استحدثها” سعادة تتطلب نقدا ومناقشة يقول: ” غير الخاضعة للنقد أو المناقشة، وغير القابلة للاعتراض، وغير السامحة بتنوع أو التشعب..”

لم يصل فايز صايغ الى هذه النتيجة، لو أنه تمعَّن، ولو قليلا، فيما نصَّت عليه مقدمة الدستور، والتي هي جزء لا يتجزأ منه، أو تبحر ولو قليلاً أيضا فيما تعنيه عبارة” مصدر السلطتين..” ” تأسس الحزب السوري القومي بموجب تعاقد بين الشارع صاحب الدعوة إلى القومية السورية وبين المقبلين على الدعوة، على أن يكون واضع أسس النهضة السورية القومية زعيم الحزب مدى حياته، وعلى أن يكونه معتنقو دعوته ومبادئه أعضاءً في الحزب يدافعون عن قضيته ويؤيدون الزعيم تأييداً مطلقاً في كل تشريعاته وإدارته الدستورية،” وفي المادة الرابعة من الدستور “إنّ زعيم الحزب هو قائد قواته الأعلى ومصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية. ” وهو لو تَفَكَرَ قليلا لما قال” والقائم بصورة لا حقوقية..” وهو بهذا القول يعترف بأنه ينقصه الكثير من الجانب الحقوقي ـ القانوني لتقرير ما سبقت الإشارة اليه!؟

ما نعتقده، أن الحالة الموصوفة أعلاه، لم تقتصر على فايز صايغ بل كانت حالة عامة، فمجموع المقبلين على دعوة سعادة، لم يدققوا كثيرا في معاني ما يورده الدستورـ أكان في مقدمته أو في مواده ـ وتحديدا من عاصروا سعادة، لم يتمعنوا في مختلف القضايا التي دعاهم سعادة اليها، وهذا بالذات ما عانى منه سعادة واستنزف جلَّ وقته، ففايز اذن يقدم لنا في توطئته صورة عن مجمل القوميين الاجتماعيين الذين عاصروه..

سنتناول في اجابتنا على طروحات فايز صايغ الجانب الحقوقي ـ القانوني الذي يدفع بصاحب التوطئة لاعتبار إجراءات سعادة “قائمة بصورة لا حقوقية” لنؤكد عكس ما تفضل به، ولنثبت أنها من الوجهة الحقوقية ـ القانونية، لم تخرج عن الدستور مقدمةً ومواداً:

أن يكون سعادة مصدرا للسلطتين التشريعية والتنفيذية، يعني من الوجهة الحقوقية ـ القانونية أنه:

أولاً: مصدر، بمعنى أن لا قبله شيء وما بعده متفرع عنه أو منه واليه مرجعه، فعندما نقول الكون مصدر طاقته، فهذا يعني أن لا طاقة دون هذا الكون، لغويا، المفردة “مصدر” تعني السبب، الأصل، المنبع، فالنبع يحدد مجراه، النهر مجر النبع وكذا ما يتفرع عنه من جداول، ففي حال نضوب النبع، لا نهر ولا جداول، مجرد أخدود ليس ما يميزه عن سواه وما جاوره من أرض، ويمكننا حرثه بل وزراعته أيضا، أن يكون سعادة، مصدراً فهذا يعني أنه السبب، الأصل، النبع الذي نستقي منه فلا شيء قبله وما بعده متفرع عنه، ومنه، واليه مرجعه..

ثانيا: معنى مفردة سلطة، هي بالتعريف: “قوة فيزيائية تُخضع وترهب” كما يُعرفها سعادة، السلطة من التسلط، والتسلط هو الحكم، والحكم بمعنى الخضوع، الإجبار، الإكراه، القبول بما لا تقبله، الاعتراف بما لا تعترف به، شئتَ أم أبيتَ هو كذلك، لا قرار ولا رأي لك به، بمعنى الإلزام، أنت مُلزم بهذا دون ذاك، كرهت هذا أو أحببتَ ذاك..

ثالثا: شرع، شرعية، تشريعية، الشرع هو المشروع، المقبول، المتفق عليه، غير المتعارض مع الكل، كائنا ما كان هذا الكل، التشريع، خلق، سنُّ القوانين، أي جعلها واجبة التطبيق، الشارع، ما يقرره دون سواه، “الشارع صاحب الدعوة” مشرِّعُها، واضع أسسها، محدد اتجاهاتها، طريقها، متجهها، السلطة التشريعية، هي التي تسنُّ القوانين وتُلزم تطبيقها، تنفيذا وقضاءً، تقضي في ضوئها، وفقها، بموجبها، بما تفيده وتعنيه، ولا يخرج التنفيذ عما تقدم، فالسلطة التنفيذية هي التي تعمل على ما يفرضه، بقوة القانون، الشارع، تُلزمُ به ، وتعمل في ضوء ما تضمنته شروطه، نفَّذَ ينفذُ تنفيذاً، فهو نافذٌ أي واقعٌ لا محالة. ودونما أي اعتراض..

يتضح مما تقدم، أن سعادة لم يخرج على الدستور قيد انملة، كما وأنه ليس مطالب، دستوريا، بما يذهب اليه صاحب التوطئة:”.. دون أي تعاقد جديد ودون نوال موافقة الأعضاء مقسمي القسم “للحزب القومي السوري” المنحل، وبموجب مرسوم لا دستوري..”

تأتي توطئة فايز صايغ، لفصول ثلاث ضمنها شرحا مسهبا لبيانه المنشور في جريدة النهار العدد 3755، والذي انتهى فيه للقول:” إن هذا التعديل الجوهري في اسم الحزب وغايته وخطته ومبدئه الخامس قد جرى من قبل طرف واحد من الطرفين المتعاقدين وحاول هذا الطرف استعمال صلاحياته الدستورية لفرض هذا التعديل على الطرف الآخر بمرسوم غير دستوري (كما مرَّ بنا سابقا في الفقرة الرابعة أعلاه)” … وتأتي الفقرة الرابعة المشار اليها لتوضِّحَ كيف بات المرسوم غير دستوري “لقد نشرتم في 1 أكتوبر 1947 طبعة جديدة هي الطبعة الرابعة للمبادئ بعنوان “كتاب التعاليم السورية القومية الاجتماعية” وأرفقتموه بمرسوم بتاريخ 27 أكتوبر 1947 وصفته “نشرة عمدة الإذاعة” في عددها التاسع من المجلد الثالث بقولها: إنه مرسوم يقضي باعتبار هذه الطبعة [ هي] الرسمية في الحركة القومية الاجتماعية، وبإلغاء الطبعات السابقة” ولو كانت هذه الطبعة الجديدة، الرابعة، تكتفي بالتعديل في الشرح وفي التفاصيل، لكان مرسومكم هذا مرسوما دستوريا لا اعتراض عليه، أما وهذه الطبعة، الرابعة، هي طبعة مصححة ومنقحة بقلم الزعيم، كما ورد في ” نشرة عمدة الإذاعة في عددها التاسع المجلد الثالث” فقد بات مرسومكم مرسوما غير دستوري لأنكم تخطيتم في صلاحيات الزعيم الدستورية اذ أنه لا يحق للزعيم تصحيح المبادئ التي أقسم عليها هو وأقسم عليها الأعضاء .”

يبدو أن فايز صايغ يسهو عما يكتبه فقوله:” ولو كانت هذه الطبعة الجديدة، الرابعة، تكتفي بالتعديل في الشرح وفي التفاصيل، لكان مرسومكم هذا مرسوما دستوريا لا اعتراض عليه..” ذلك أنه لم يدقق فيما يطرحه سعادة في تلك الطبعة التي يعتبرها ” مصححة ومنقحة بقلم الزعيم..” فالتصحيح والتنقيح لا يخرج عن التعديل في الشرح وفي التفاصيل، فسعادة قد صحح في المبدأ الخامس، ولم يعدل فيه، بل وشرح ما كان غامضا فيه، أكثر من ذلك، أنه أوضح تفاصيل ما كان مبهما فيه، فطبعة 1936 تنص على ” الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية، وهي ذات حدود جغرافية تميّزها عما سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال إلى قناة السويس في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب إلى الصحراء في الشرق حتى الالتقاء بدجلة..” بينما تأتي الطبعة الرابعة على النحو التالي:” المبدأ الخامس – الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية. وهي ذات حدود جغرافية تميّزها عن سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي، وجبال البختياري في الشمال الشرقي، إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب، شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربية وخليج العجم في الشرق، ويُعبّر عنها بلفظ عام: الهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص..” من البحر السوري في الغرب الى الصحراء في الشرق حتى التقاء دجلة.. هذا التحديد المبهم للحدود الشرقية، كان بسبب جملة من الأحداث العاصفة التي مرَّبها الحزب في شخص سعادة المعَوَّل عليه توضيح ما يعنيه في ” الى الصحراء في الشرق حتى التقاء دجلة..” فالصحراء تقع في جنوب سورية وليس في شرقها حيث المقصود بها “شبه جزيرة العرب” بينما يقع في الشرق دجلة فالعبارة “حتى التقاء دجلة” بقيت عبارة مبهمة، فــ “التقاء دجلة” يقتضي توضيحا “بمن يلتقي دجلة؟!” هذا التوضيح جاء في الطبعة الرابعة على النحو التالي:” ومن البحر السوري في الغرب.. إلى قوس الصحراء العربية وخليج العجم (الخليج العربي) في الشرق.” أما الحدود الشمالية الشرقية فشملت “.. وجبال البختياري في الشمال الشرقي.” هذا التوضيح المح اليه سعادة في توطئة الطبعة الرابعة بقوله:” إنّ هذا التنقيح كان قد جرى من قبل في أحاديث وخطب تعليمية بعضها دوّن وبعضها لم يدوّن، خصوصاً ما تعلّق بالمنطقة الشمالية الشرقية من سورية، منطقة ما بين النهرين (العراق)، التي كانت داخلة من الأول ضمن تحديد الوطن السوري، ولكن حدودها وتخومها لم تكن معيّنة كلها لأن بعضها كان لا يزال تحت التحقيق التاريخي والإتني والجغرافي. ولي في هذا الصدد، تصريح واضح يعود إلى سنة 1936، إذ قلت، جواباً على سؤال في محل العراق في قضيتنا: “إنّ العراق، أو ما بين النهرين، هو جزء متمم للأمة السورية والوطن السوري، وكان يشكّل جزءاً من الدولة السورية الموحدة في العهد السلوقي ويجب أن يعود إلى الوحدة القومية التي تشمله، حتى ولو اقتضى الأمر تعديل إسم سورية وجعله سوراقية”. إذن، فسعادة ألمح لما تضمنته الفقرة المتعلقة بالحدود الشرقية منذ عام 1936 فهو ليس بالجديد كما وليس بالتعديل إنما هو شرح وتفصيل في ما يعنيه “التقاء دجلة”..

في كتابه الرائع “نشؤ الأمم” يؤكد سعادة أن ما تبناه في المبدأ الخامس وفق كتاب التعاليم القومية الاجتماعية، لا يخرج في أيٍ من جزئياته عما أورده مؤلفه نشؤ الأمم، يقول:”.. وتجويف الصّحراء السّوريّة كاد يفصل بين الشّام والعراق أو بين شرق سورية وغربها لولا النّهران السّوريان العظيمان الفرات ودجلة اللّذان حفظا استمرار العمران السّوريّ وإمكانية تكاثره وتوثيق الحياة القوميّة ضمنه..” ويقول أيضا:” ولا بدّ لنا هنا من الإلماع إلى أنّ المزايا الثّقافيّة الّتي كانت للكنعانيّين كانت عظيمة وقد رأينا إبداعها في اختراع الأحرف الهجائيّة. والشّعوب الأخرى الآريّة كالحثيين والمتنيّ وغيرهم والساميّة كالأمّوريّين والأكّادّيين والكلدانيّين والأشّوريّين والأراميّين كانت أيضاً ذات مزايا ثقافيّة عالية..” فهو، هنا يؤكد أن الشعوب التي سكنت العراق هي شعوب سورية في الجوهر، تاريخيا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا، يضيف في موضع آخر من مؤلفه الفريد “نشؤ الأمم” قائلاً:” بهذه الطّريقة البديعة أمّنت صور سلامة إمبراطوريتها من أخطار الإمبراطورية السّوريّة البرّيّة [البابليّة والأشّوريّة] ..” ويضيف:”جرت الدّولة على خطّة الاتساع الأرضيّ فسيطرت على شعوب متعدّدة وبقاع واسعة فقد قامت بابل ثمّ سقطت وقامت أشّور الّتي جرت على الأسلوب نفسه ثم عادت الدّولة البابليّة الجديدة على سواعد الكلدان الّذين هم فرع من الآراميّين فكسرت شوكة الأشّوريّين وبسطت سلطانها عليهم. وحمورابي نفسه كان سوريّاً أموريّ الأصل.. وكما أوجدت الآلهة المملكة المصريّة كذلك أسّست الآلهة مملكة حمورابي وأسلافه فهي لا تزول حتّى تزول السماء والأرض، كما يقول الملك نفسه.. فمع أنّ حمورابي لبّى دعوة الآلهة ليقيم القسطاس في النّاس فإن شريعته الشّهيرة الّتي خلّدت ذكره كلّها أحكام زمنيّة دنيويّة، وليس في بابل، لسلك الكهنة، الشأن الّذي كان له في مصر في الدّولة الجديدة حيث شغل الكهنة وظائف الدّولة.. وكانت الدّولة السّوريّة في عهد حمورابي تمتاز على الدّولة المصريّة بتنظيم الجيش في أيام السّلم والحرب. ففي شريعة حمورابي كان استئجار الجند يعاقب بالإعدام.. إنّ سورية أيضاً ساهمت في الدّولة البرّيّة حيث ساعدت الظّروف كما في الشّرق حيث نشأت الإمبراطورية الأكّاديّة والإمبراطورية الكلدانيّة وكما في الشّمال حيث نشأت الإمبراطورية الأشّوريّة والحثّيّة..” وهكذا نجد أن سعادة لم يعدل في مبادئه وخاصة المبدأ الخامس، فالعراق جزء من سورية كما هو وارد في مؤلفه “نشؤ الأمم”

وعملا بما تقدم، جاءت الطبعة الرابعة من كتاب التعاليم القومية الاجتماعية / مصححة ومنقحة/ وليست معدلة أو مغايرة لما جاء به سعادة، وكان على فايز صايغ أن يعيد قراءته لكتاب نشؤ الأمم لتتضح له الحقيقة التي أعمته عنها ثقافته الغربية..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتبع

 

كتاب التعاليم السورية القومية الاجتماعية – مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وغايته – مشروحة بقلم الزعيم

إيضاح

 

توطئة للطبعة الرابعة

 

منذأن انهار، بعامل الفتح الرومي (الروماني) النظام السوري السياسي والاجتماعي والحربي، الذي تطورت الحياة السورية نحوه منذ القدم وتجلى في الدولة السورية السلوقية التي صارت إمبراطروية عظيمة، بعد توحدات سياسية سابقة أقل متانة وأسرع عطباً، تعرّض مصير سورية لتقلبات كثيرة في أجيال عديدة كان الفاعل الأقوى فيها دائماً أرادة الفاتح الجديد وسياسته، فجزئت البلاد ثم وحدت ثم جزئت حتى ضاعت حقيقتها وخرجت دورة حياتها عن محورها وتراكمت على شخصيتها طبقات التاريخ السياسي كما تراكمت على مخلفاتها طبقات الأرض، وصار الباحث عن حقيقتها يحتاج إلى تنقيب دقيق واسع وإلى تحرٍّ للتركيب الإتني والنفسي والوضع الجغرافي والتسلسل التاريخي وإلى تحرير التآويل المتعددة من الأغلاط التي بعدت عن الحقيقة وغرضها. وهذا العمل، لعمري، أشبه شيء بإنشاء الأمة السورية إنشاءً جديداً لأنه يعني بعثها من مدافن التاريخ وتأسيس حقيقتها تأسيساً واضحاً كاملاً لا يعود يشذّ عنها وعيها ولا يقوم على غيرها وجدانها. وهذه مهمة جبارة، فإذا وافق هذا الغرض إنشاء نهضة تعبّر عن حقيقة الأمة وشخصيتها وتغيّر مجرى تاريخها ومصيرها ازدادت المهمة ضخامة ومشقة وخطورة.

 

بوعي كامل للصعوبات العظيمة الملازمة لطبيعة العمل أخذت على عاتقي هذه المهمة العظمى، وحالما وضحت لي الحقيقة في خطوطها الكبرى العريضة وطدت عزيمتي على إنشاء النهضة السورية القومية الاجتماعية التي جعلت غايتها إحياء حقيقة الأمة السورية وشق طريق وجودها وارتقائها وإقامة نظام اجتماعي جديد فيها. فوضعت هذه المبادئ التي عيّنت فيها حقيقة الأمة السورية وحقيقة الوطن السوري وحقيقة النفسية السورية، وباشرت الدعوة إليها وتعليمها في أحاديث وخطب ومحاضرات لم يُدوّن إلا النزر اليسير منها. وفي الوقت عينه كنت أتابع التنقيب والتمحيص والتحرّي لإكمال الحقيقة. ولكن عملي، بطبيعته المعقدة، لم يستمر في جو هادئ مطمئن، فحالاً نشأت حاجات الحركة الإدارية والتوجيهية في مواضيع عديدة متشعبة، وحالاً تعرّض العمل لأخطار الجاسوسية الأجنبية. وبينما أنا أعد، إلى جانب العمل التأسيسي، الاجتماعي، السياسي، المواد لإعادة تركيب كيان الأمة وتقرير جميع تفاصيلها في كتاب خاص، فوجئت بالاعتقالات الأولى التي كشفت أمر الحركة الناشئة وأوجدتها، في لحظة واحدة، تجاه الإرادات الأجنبية والاعتقادات الداخلية التي اجتمعت على محاربتها قبل أن تستكمل استعدادها. فتعرضت الحركة والقضية لأزمة كان يجب التغلب عليها بسرعة. هذه الحاجة الملحّة جعلتني أهتم، في السجن، بإكمال الكتاب الأول من نشوء الأمم، الذي كنت بدأته قبل الاعتقال والسجن ليس المكان الصالح لمتابعة التحقيقات الإتنية والجغرافية والتاريخية، إنه لا يُمكِّن من زيارة المكتبات العلمية والوقوف على المكتشفات الأخيرة واكتشاف حقائق ضائعة. فاضطررت للاقتصادر على ما كنت بلغته قبل السجن فاستعنت به لإنجاز الكتاب الأول من نشوء الأمم في مدة نحو شهرين ونصف. وقد دفعت المخطوطة، كما ذكرت في مقدمة الكتاب، إلى الطبع من غير إعادة نظر وتنقيح، إذ لم يتسنَّ لي ذلك. فبقيت بعض النقاط، من جراء ذلك، غير كاملة التحقيق، خصوصاً ما تعلّق بالدولة السورية البرية البابلية والأشورية والحثية، وبالوضع الأرضي في تجويف الهلال السوري الخصيب وأسباب عمق التجويف في الأزمنة الانحطاطية، الأمر الذي تداركته في ما كنت أعددته للكتاب الثاني من نشوء الأمم المختص بنشوء الأمة السورية، ولكن سرقت الملاحظات الأولى من دار القضاء من جراءالاعتقال الثاني، فأعود الآن إلى الاهتمام بإعداده.

 

ولما ازداد الإلحاح على وجوب وضع التعاليم السورية القومية الاجتماعية في نص يحفظ حقيقتها وجوهرها وضعت في أثناء الاعتقال الثاني، الذي جرى ولم يمضِ على انتهاء الاعتقال الأول سوى نحو شهر ونصف، شرح المبادئ وأرسلته من السجن ليطبع ولتعتمده الحركة في ردّ تهجمات المعتقدات الدينية الاجتماعية في القومية، ولوضع حقيقة الأمة والقضية القومية الاجتماعية في نص واضح يحفظ بقاءها واستمرارها. فكان الشرح مستعجلاً وكانت الظروف التي وضع فيها عنيفة وضغط العراك عنيفاً. ومع أنّ الشرح في نصه الأول، قد أدى الغرض فإنه تعرّض للنقص عينه الذي تعرّض له الكتاب الأول من نشوء الأمم، إذ لم أكن قد بلغت التحقيقات الأخيرة للكتاب الثاني.

 

ولما كانت القضية قد أصبحت تقتضي اكتمال كليتها بسرعة كي لا تبقى أية ناحية من نواحيها ناقصة أو غير واضحة كل الوضوح، انتهزت سانحة إعادة طبع التعاليم (المبادئ والشرح) للمرة الرابعة لأنقحها وأكملها على اساس الطبعة الثالثة المنقحة في الأرجنتين. وقد اشتمل التنقيح على:

 

1 – إكمال توضيح الحدود الشرقية للوطن السوري، التي كانت متروكة مفتوحة في متطرفها الشرقي.

 

2 – إكمال توضيح الحدود الشمالية الغربية التي تشمل جزيرة قبرص التي هي جزءمن الأرض السورية.

 

1 – تصحيح النظرة إلى تجويف الهلال السوري الخصيب وأسباب عمقه.

 

4 – تعديل النظر إلى الحروب السورية الداخلية بين الدول الجزئية التي رمت كل دولة منها إلى توحيد البلاد تحت سيادتها كالدولة البابلية الأولى والثانية، والدولة الأشورية خاصة، والدولة الحثية.

 

كل مقابلة بين النص المنقّح والنص الأول تُري أنّ القضية القومية الاجتماعية وتعاليمها بقيت هي هي، وأنّ التنقيح أكمل الحقيقة وخلّصها من بعض الشوائب الجزئية التي لم تسلم منها في الطبعتين الأوليين بسبب العجلة وضغط الظروف، من غير أي تبديل لها أو لأصولها.

 

ولا بد من القول إنّ هذا التنقيح كان قد جرى من قبل في أحاديث وخطب تعليمية بعضها دوّن وبعضها لم يدوّن، خصوصاً ما تعلّق بالمنطقة الشمالية الشرقية من سورية، منطقة ما بين النهرين (العراق)، التي كانت داخلة من الأول ضمن تحديد الوطن السوري، ولكن حدودها وتخومها لم تكن معيّنة كلها لأن بعضها كان لا يزال تحت التحقيق التاريخي والإتني والجغرافي. ولي في هذا الصدد، تصريح واضح يعود إلى سنة 1936، إذ قلت، جواباً على سؤال في محل العراق في قضيتنا: “إنّ العراق، أو ما بين النهرين، هو جزء متمم للأمة السورية والوطن السوري، وكان يشكّل جزءاً من الدولة السورية الموحدة في العهد السلوقي ويجب أن يعود إلى الوحدة القومية التي تشمله، حتى ولو اقتضى الأمر تعديل إسم سورية وجعله سوراقية”.

 

إنّ تعبير “الالتقاء بدجلة” في المبدأ الأساسي الخامس الذي ينص على حدود الوطن السوري، الذي ابدل في الطبعة الثالثة بتعبير “ضفاف دجلة” شمل، في الصحيح، المقصود بمنطقة ما بين النهرين (العراق)، من غير تعيين دقيق لحدود المنطقة. وقد رأيت أنّ تركها غير محددة نهائيًّا يفسح مجالاً للشك ولذلك قررت إكمال تحديد حدود وطننا القومي في هذه البقعة، إكمالاً لجميع تفاصيل القضية السورية القومية الاجتماعية. وقد رأيت أن أفعل مثل ذلك في تفاصيل الحدود الغربية وأن أصرّح بأن جزيرة قبرص هي جزء من الوطن السوري في الماء، حتى لا يبقى أي شك في ما نعنيه “بالبحر السوري في الغرب”.

 

لذلك يجب القول بصراحة لا تقبل الشك إنّ التنقيح تناول الضبط فقط في الحدود والتفاصيل وتثبيت الأساس وزيادة إيضاحه. وإنّ من المؤسف ان لا تكون الظروف قد سمحت لي بإكمال تفاصيل القضية السورية القومية الاجتماعية في الشرح الأول أو قبل اغترابي فمرّت مدة طويلة والناس يتداولون الشرح غير المضبوط الذي أنشئ بسرعة شديدة في السجن.

 

إنّ هذه التعاليم المضبوطة في هذه الطبعة الرابعة هي الكاملة والتي يجب أن تعتمد.

المقر في18 سبتمبر/أيلول 1947

الزعيم

إن مجمل ما كتبه سعادة من شروحات وخطب ورسائل يمكن اعتباره شرحا لما جاء في “نشؤ الأمم” أو تفصيلاً فيه، فلا غنى لمن يقرأ سعادة ولفهم ما دونه في حياته، ومهما كان موضوعه، من اسناده لنشؤ الأمم، على الرغم مما شاب هذا المؤلف الرائع من غموض يرجع لكونه وُضع في ظروف غير عادية، فالسجن ليس مكانا للإبداع، خاصة وأن سعادة كان يواجه في سجنه قضية تتطلب منه مواجهة حاسمة مع دولة محتلة لوطنه بقوة القانون الدولي ، ويواجه في أن واحد ضعف وانهيار بعض أركان حزبه الذين ما كانوا في مستوى القضية التي تحملوا مسؤولية تحققها مدركا أن من عوامل هذا الضعف عدم وضوح القضية القومية مسددا في مؤلفه بعض تلك العوامل .. وعلى الرغم من أن هذا المؤلف بقي في خطوطه العامة مستوفيا الفكرة التي أراد إيضاح معالمها، فإنه بقي مبهما لكثير ممن حاولوا درس سعادة نقدا ونقضا، ذلك أن ثقافتهم لم تكن في مستوى استيعاب ما جاء به، بل إن أكثرهم لم يتمعنوا أو يُدققوا فيما أورده من خلاصات فلسفية وتاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية.. فلقد حذى ساطع لحصري حذوى فايز صايغ في انتقاداته وتحليلاته لشروحات سعادة وشخصيته وتحديدا قول سعادة:” «آمنتم بي معلماً وهادياً للأمة والناس، محققاً وبانياً للمجتمع، وقائداً للقوات الجديدة الزاحفة بالمثل العليا الى النصر، وآمنت بكم أمة مثالية معلمة وهادية للأمم، بناءة للمجتمع الانساني الجديد، قائدة لقوات التجدّد الإنساني بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحيية وضياءها المنير الى الأمم جميعاً». الذي لم يعن لهم سوى غرور سعادة وجعل ذاته في مستوى الأنبياء، وعلى الرغم من مختلف انتقاداتهما لسعادة لم يفتهما الاعجاب بشخصيته التي طبعت الحزب السوري القومي الاجتماعي بطابعها منذ التأسيس حتى اليوم، ففايز صايغ يكبر بسعادة جرأته العلمية لكنه يشترط قبول أعضاء الحزب بهذه الجرأة العلمية يقول:”.. ولئن أكبرت فيه هذه الروح العلمية الجريئة، فإني لا أستطيع أن أكبر في أعضاء الحزب قبولهم بهذا التطور في نظرية الزعيم دون درس واقتناع من قبلهم..” على الرغم من قناعته بأن الظروف المحيطة بسعادة والتي كانت تأخذ جل وقته، كانت تحول بين سعادة وإيلاء فكرته بعضاً من ذلك الوقت، كذلك كان موقف ساطع الحصري بقوله الآنف الذكر: “:” وإذا أردت أن الخص رأي في أنطون سعادة وفي حزبه بعد هذه الدراسة المستفيضة، قلت، بلا تردد: لا يسعني إلا أن أعلن إعجابي بنشاط الرجل واندفاعه، وتحبيذي لمعظم مبادئه الإصلاحية التي يذكرها في تعاليمه، كما لا يسعني إلا أن أقدر سعيه وراء دعم آرائه السياسية والاجتماعية بنظريات علمية..” مقدما لهذه الخلاصة من انتقاداته بقوله:” لم يظهر في العالم العربي الى الآن، حزبٌ يضاهي الحزب السوري القومي، في الاهتمام بالدعاية المنظمة التي تخاطب العقل والعاطفة معا، وفي التنظيم الحزبي الذي يعمل بلا انقطاع في السر والعلن..”

سعادة، وإن كان تلكؤ قيادة الحزب في مراسلته ووضعه في صورة ما يواجه الحزب على مختلف الأصعدة، قد أتاح له بعض الوقت لمراجعة ما يجب ايضاحه من فكرته الاجتماعية، لم يجد غضاضة في بيان ذلك النقص الذي كان يشوب مؤلفه الرائع نشؤ الأمم، فشرح في مراسلاته كما لا يستهان به من فكرته، ووجد بنتيجة ما كان رفقاءه يتساءلون حوله، أنه لا بد من العودة للمبادئ التي أطرت ولخصت فكرته، بشرحها من جديد بغية إيفائها حقها من الوضوح بحيث لا تترك مجالاً لأي نوع من الالتباس في فهمها، ومنعاً لأي اجتهاد قد يودي بهدفها، فأضاف الخاصة الاجتماعية للقومية، على اعتبار أن لا معنى للقومية إذا لم تحمل حلولا لمشاكل مجتمعه على اختلاف اشكالياتها، فإيضاح المدلول الاجتماعي لمعنى القومية لم يكن بــ( التطور) كما ينعته فايز صايغ، كان في جوهره اجابة لسؤال : ولما هذه المبادئ الإصلاحية؟! إن لم تعنِ القومية بعداً اجتماعياً، هذا من جهة مبدئية، سعادة أدرك مثلاً أن حدود امته التي جاءت كما في طبعة 1934ـ 1936 سائبة في الشرق، كما هي مبهمة في الغرب، فتعبير ” البحر السوري” لم يكن يعني حدودا إقليمية، كان تعبيرا سائبا أيضاً ويترك مجالاً للالتباس في السؤال: لماذا هو بحر سوري؟ إذا لم يكن لهذا الطابع ” السوري ” من مدلول مادي! فجاء الشرح ” شاملاً جزيرة قبرص..” التي لا تبعد عن الساحل السوري سوى ستين كيلو مترا حددته القوانين الدولية بقانون البحار والذي يصنف الحدود البحرية على النحو التالي ( الحدود الاقليمية = 12 ميلا = 22,224 كيلو مترا عن أخر نقطة في اليابسة تنحسر فيها المياه من أراضي الدولة المعنية بحيث تطبق عليها كامل السيادة الوطنية فهي أرضٌ تابعة للدولة بكل ما في الكلمة من معنى، يضاف اليها 12 ميلا =22,224 كيلو مترا وتسمى المنطقة الواقعة في هذا المجال بالمنطقة “المتاخمة” وتمارس فيها الدول حق الضرائب والجمارك والهجرة ومكافحة التلوث، يلي المنطقة المتاخمة ما يسمى وفق القانون الدولي بالمنطقة “الاقتصادية الخالصة”، وتمتد لمئتي(200) ميل من خط الأساس = 370,4 كيلو متر بحيث يحق للدولة استغلال الثروات البحرية والباطنية فيها والصيد والتنقيب واستخراج المعادن والنفط و..) فيكون مجموع ما تمارس عليه الدولة حقوقها وإن كانت متفاوتة النسب في الحقوق هو 414,848 كيلو مترا ) وهكذا يبدو واضحا كل الوضوح كيف أن جزيرة قبرص تدخل في حدود الأمة السورية، البحرية من جهة وكيف يكون البحر المتوسط هو بحر سوري يمتد من الشاطئ السوري الى ما يقارب ال 830 كيلومترا عمقا في البحر، هذا اذا اعتبرنا أن الشاطئ الغربي للمتوسط هو نقطة الأساس، فإذا اعتبرنا نقطة الأساس هي قبرص امتد العمق البحري السوري الى 1660 كيلو متر. هكذا هي قبرص أرض سورية وهكذا المتوسط هو بحر سوري..

لقد أدرك سعادة أهمية جزيرة قبرص الاستراتيجية من جهة والتاريخية من جهة أخرى والجيولوجية من جهة ثالثة والمحتَضَنةُ من خليج اسكندرون الخليج السوري على مرّ الدهور..

لم يفقه الذين حاوروا سعادة في شروحه وايضاحاته بل وانتقدوه فيها معللين انتقاداتهم بالتغير في المبادئ، على الرغم من اعترافهم بان ظروفه لم تكن لتسمح له بإيضاح أفكاره، والتي بقيت كما هي عليه بعد أن غدره الزمن بوفائه لقسمه بنذر دمه لحياة أمته فمضى قبل أن تتضح عبقريته التي سارعت بأعدائه للنيل منه..

في إحدى دراساتي في الفكر السوري القومي الاجتماعي، أشرت الى أن سعادة المفكر وعالم الاجتماع، انزوى في ظل سعادة الزعيم، ذلك أن سعادة الزعيم، استنفذ كل زمن سعادة المفكر، فلم يتح له لحظة للتفكير في أي من مجالات علمه أكان لجهة الفكر الفلسفي أو الاجتماعي أو التاريخي الثقافي والسياسي والاقتصادي، فقد استهلك الحزب كل وقت سعادة في مراسلاته وخطبه ومقالاته ومقابلاته وشروحاته لرفقائه الذين كانوا بسلوكيتهم يعكسون مدى تفهمهم لطروحات سعادة المفكر، كانوا يرونه زعيما وقائدا وملهما لهم كيف يكون الفداء وكيف هي الشهادة طريقا للحياة وكيف يكون الايمان تضحية وبذلا وكيف تكون الثقة بالنفس قوة وكيف تكون المعرفة سلوكا.. لقد أدرك سعادة الزعيم أنه بحاجة لإيضاح سعادة المفكر التي جاءت في خطوطها العريضة لرفقائه أولا ولخصومه وأعدائه ثانيا، وذلك عبر الرسائل والخطب لرفقائه، ولخصومه عبر المقالات والحوارات (الإسلام في رسالتيه، جنون الخلود، العروبة كما الانعزالية أفلست) فإذا أضفنا لكل ما تقدم الشؤون الإدارية والسياسة الحزبية، نحار كيف كان يعيش الرجل! أو كيف كان يجد الوقت لينام؟ هذا أذا استثنينا أنه كان ربا لأسرة تتطلب منه بعض الاهتمام الذي أولاها منه ما تمكن منه! ليس أدلُّ على ما ننوه عنه سوى فايز صايغ وبعضٌ من أركان حزبه نعمة ثابت مأمون إياس غسان توني معلوف ..الخ، فعلى مدى ساعات ست ـ كما يعترف فايز صايغ نفسه ـ، يبقى محاورا إياه دون الوصول لنتيجة، مما كان يتطلب إعادة الكرة المرة تلوى الأخرى في محاولة سعادة الزعيم إقناعه بما جاء به سعادة المفكر، كان سعادة يسدد كل ما تقدم مدركا أن سببه الوحيد هو عدم وضوح الرؤية لما أراد إيضاحه في مؤلفه الأول ” نشؤ الأمم” والذي كما أسلفنا جاء على الخطوط العريضة لمناحي تفكير سعادة الفلسفي والاجتماعي والتاريخي، والذي عبر عنه في مقدمة ذلك المؤلف الرائع حيث يقول:” وكنت أودّ أن أعود إلى مراجعة هذا الكتاب في متّسع من الوقت ليجيء أكمل في الشّكل ويكون أكثر إسهاباً في بعض المواضع ولكنّ تعاقب السّجون والظّروف السّياسيّة الصعبة الّتي وجدتني فيها بعد سجني الأوّل جعلت العودة إلى هذا الموضوع العلميّ أمراً مستحيلاً. ولمّا كانت حاجة النّهضة القوميّة إلى هذا الأساس العلميّ ماسّة رأيت أن أدفع المخطوطة الوحيدة إلى المطبعة وهي في حالتها الأصليّة، كما خرجت من السّجن.” ويضيف معلقا على ما تقدم بقوله:” ومهما يكن من الأمر فالكتاب الأوّل جامع مستوف الوجهة العامّة من نشوء الأمم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسيّة. ومع أنّ نشر هذا الكتاب الأوّل لا يسدّ الحاجة إلى الكتاب الثّاني فهو يسدّ الحاجة إلى كتاب في نشوء الأمم بوجه عامّ.”

لو أن البعض الذي انتقد سعادة، ومنهم فايز صايغ، اطلع على ذاك المؤلف بعناية وتأمل ودراسة وتمعن، لما كان انتهى الى ما انتهى اليه ، فما نعتقده أن الأخير لم يطلع على نشؤ الأمم ولم يدقق بما جاء به، بل ولم يتمعن بما أفرده من خلاصات كانت عابرة في كثير من الأحيان، على سبيل المثال، لم تسترعِ ( الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية ) أحداً إلا في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وبشكل أقرب ما يكون الى السطحية منه الى التبحر فيما تعنيه وتسلط الضوء عليه، الأمثلة على ذلك كثيرة، فساطع الحصري الذي يحدد الأمة بتاريخها ولغتها فقط دون المقومات الأخرى التي نادى بها البعث العربي الاشتراكي، يقول في كتابه / العروبة بين دعاتها ومعارضيها / :”إني أقول بكل جزم وتأكيد ما من ملاحظة جغرافية تستطيع أن تربط اللاذقية ـ مثلا ـ بالبصرة أو سهول حلب بأهوار العمارة، أو الموصل بنابلس أو يافا، إن الرابطة التي تربط هذه البلاد ـ التي اعتبرها سعادة نفسه قطرا واحدا ـ هي رابطة اللغة والتاريخ لا رابطة البيئة والمناخ والطبيعة.” وكأني بهذا القول أرى ساطع الحصري يفهم التاريخ واللغة على نحوٍ آخر مما كان سعادة يدلل عليه، فسعادة كان يبحث في العوامل والأسباب لا في النتائج، على سبيل المثال كان يرى أن اللغة لم تكن في يوم من الأيام سببا أو عاملا في الاجتماع فهي غير سابقة للاجتماع بل هي من إحدى نتائجه، معتبرا أن الفكر محتوى اللغة وليس العكس، كما كان يرى التاريخ ليس مجرد أحداث إنه شكل محتواه “دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” التاريخ هو المدى الحيوي الذي جعل من مختلف الغزوات التي شنتها الممالك الشرقية ( سومر أشور بابل آكاد..) كانت باتجاه الغرب ولم تكن أيا منها لتتجه الى الشرق، ذلك أنها كانت ترى في الغرب مداها الحيوي، وكما كان المدى الحيوي يلعب دورا عسكريا كانت الأساطير تنهج ذات النهج، فملحمة “كالكامش” لم تجد في الشرق اكسير حياتها بل في جبال لبنان.. هكذا تكتب “دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية” التاريخ.

ما نعتقده، أن فايز صايغ، لم يقرأ نشؤ الأمم، بل تصفحه تصفحا ـ كما هي الحال اليوم ـ ولم يعد اليه لبيان أي شاردة أو ورادة من تراث سعادة، لقد اكتفى بما ناله ممن سبقوه في الحركة القومية الاجتماعية تواترا، فأقبل عليها اقبال الحائز على شرفها مسبقا.

يقول فايز صايغ في بيانه الآنف الذكر:”.. ففي حين كان شرحكم الأول للمبادئ لا يذكر في باب غاية الحزب أي تصريح عن وجود فلسفة كلية للحزب، جئتم في الصفحة 47 من الكتاب الجديد تعلنون “أن مبادئ الحزب تكون قضية ونظرة الى الحياة كاملة.. إن الزعيم قد وضع رسالته أمانة في قلوب القوميين الاجتماعيين وعقولهم وهي الرسالة التي عبر بها ليس عن نظرته الشخصية الفردية الى العالم وشؤونه، بل عن نظرة الأمة السورية الى الحياة والكون والفن، ولذلك أصبحت هذه عقيدة القوميين الاجتماعيين وإيمانهم.. ورغم أنكم لم تتكرموا بتحديد هذه الفلسفة الكلية أو ـ النظرة الى الحياة والكون والفن ـ التي تدعونها ـ فلسفة مدرحية ـ بأكثر من بضعة أسطر.. بقولكم أنها احتوت على أدق الأوصاف وأعمق النظرات السياسية والعقائدية والفلسفية التي تحتاج اليها الحركة القومية الاجتماعية في هذه المرحلة الدقيقة من حياتها وجهادها، أقول رغم أنكم لم تتكرموا بتحديد هذه النظرة أو الفلسفة الشاملة التي تنظر بها الأمة ويؤمن بها القوميون الاجتماعيون بأكثر من بضعة أسطر، فقد أعلنتموها الفلسفة الرسمية للحركة والنظرة الشاملة التي تنظر بها الأمة ويؤمن بها القوميون ، وأصدرتم مرسوما بتاريخ 10 نوفمبر 1947 ، يمنع، في المادة الثانية، نشر أي مقال في النشرة الرسمية إلا مما يحمل هذه النظرة الى الحياة والكون والفن، وحجزتم حرية الأعضاء بمنعهم من اتخاذ أية نظرية سواها، وطلبتم الى أحدهم ( فايز صايغ)، “إعادة النظر في اتجاهه الفلسفي” قائلين إن من واجباتكم الأولية عدم السماح بتشعب النظرة الى الكون في هذه الحركة.. وهذا كله استحداث في الحزب وتعديل لغايته الأساسية “

لئن كان فايز صايغ أول من أعلن عن عدم فهمه للفلسفة القومية الاجتماعية(المدرحية) فلقد كان الكثيرون لا يفقهون أدواتها ومدلولاتها ومفاهيمها الفلسفية، ومجمل ما تناوله هؤلاء هو بعض اسقاطاتها على موضوعات كانت جلية بالنسبة لهم* فها هو عبد المسيح يقول، بعد غياب سعادة أنها مجرد “لفظة” وكما أسقطها هشام شرابي على ما يتوجب على الشباب القيام به، أسقطها سواه على موضوعات شتى دون تعريفها وبيان منطقها ومفاهيمها..

سعادة، بما يدعيه فايز صايغ، لم يكن مطالبا في شرح فلسفته القومية الاجتماعية التي جاء نشؤ الأمم شرحا تفصيليا لها، فلو أعاد المدعي قراءة مؤلف سعادة الأول، لما كان قد اعتبر أن ما جاء في كتاب” التعاليم القومية الاجتماعية” استحداثا بقدر ما هو إيضاح لما غمض على الرفقاء فهمه، وتدليلا على أنه لا يمكن للقومي الاجتماعي أن يحول الحركة القومية الاجتماعية الى ساحة لنشر مفاهيمه، أيا كانت فلسفية أو اجتماعية (دينية ـ ثقافية ـ عرقية ـ طبقية..) أو سياسية أو اقتصادية أو..، فللحركة مفاهيمها ومتجهاتها في كل ما تقدم، وهي المقياس في كل الشؤون التي تشملها حياة الأمة، وأنه لا يمكن استشهاد على صحة المتجه الفلسفي المدرحي أو خطله بفلاسفة أخرين كما هي الحال اليوم، خاصة وأن لكل من أولئك الفلاسفة متجها خاصا به، بل وأكثر من ذلك، لم يتفق حتى عتاتهم حول موضوعة فلسفية واحدة، فلكل منهم منطقه ومفاهيمه ومدلولاته و.. لا يمكن ذلك لأنه في الحال المعاكسة تضحى الحركة ميدانا لصراع نظريات ومقولات إن لم تكن غريبة على نفسية الأمة، فهي دون أدنى شك تضعها في تناقض ذاتي مع ما جاءت لنبذه “فلا نهرب من دب إلا لنقع في جب”

عندما يقول سعادة:” أن مبادئ الحزب تكون قضية ونظرة الى الحياة كاملة..” فهو لا يأتي بجديد، فإن لم تكن مبادئ الحزب تكوِّن قضية ونظرة فلماذا هذا الحزب الذي يأخذ على عاتقه نهضة أمة، بل وماذا تعني هذه النهضة إذا لم تكن كذلك، إذا لم يكن الحزب” حزبا سياسيا بالمعنى الاعتيادي للكلمة..” وإذا لم يكن الحزب هو:” دولة الأمة السورية المصغرة..” فماذا يعني الحزب إذن بالنسبة لفايز صايغ؟!

هل كان فايز صايغ يعترض على مصطلح “مدرحية” أم أنه يعترض على أن تكون مبادئ الحزب قضية أم نظرة؟ نعتقد أن الاحتمال الأول هو المقصود في اعتراضه، فإن صحَّ احتمالنا، فإننا نؤكد أنه لم يولي مؤلف سعادة الرائع “نشؤ الأمم” العناية اللازمة، كغيره من تلامذة جيله وما تلاهم من أجيال، لم تزل تعتنق الفكر السوري القومي الاجتماعي عاطفيا أو تعاطفا أو حاجة مفقودة في الوسط الاجتماعي الذي تعيش به، أو توارثا أو تواترا لما قيل ويقال عن الحزب ذو النظام الحديدي، المتميز بمناقبية أفراده وانضباطيتهم وبلوغهم مستوى من الفداء عزَّ نظيره في الأحزاب الأخرى.؟!!!

ففي ذاك المؤلف الذي لم يعطَ حقه وعظمته في ميدان علم الاجتماع، نجد بذور “مدرحية” سعادة، أو كما عرَّف مؤلفه سعادة في مقدمته”.. إنّ درساً من هذا النّوع يوضّح الواقع الاجتماعيّ الإنسانيّ في أطواره وظروفه وطبيعته.. ففي الدّرس تفهّم صحيح لحقائق الحياة الاجتماعيّة ومجاريها.. إنّ (نشوء الأمم) كتاب اجتماعيّ علميّ بحت تجنّبت فيه التّأويلات والاستنتاجات النّظرية وسائر فروع الفلسفة.. ومهما يكن من الأمر فالكتاب الأوّل جامع مستوف الوجهة العامّة من نشوء الأمم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسيّة.. يتناول الكتاب الأوّل تعريف الأمّة وكيفيّة نشوئها ومحلّها في سياق التّطوّر الإنسانيّ وعلاقتها بمظاهر الاجتماع..” فالمؤلف إذن، يتناول ” الوجهة العامّة من نشوء الأمم..” فهو في خطوطه العريضة يتطلب منا درسا وإمعانا وتمعنا بل وتبحرا فيما أفضى اليه في مختلف موضوعات علم الاجتماع، فايز صايغ وفق ما نستخلصه من اعتراضه أنه بقي في إطار تصفح المؤلف، لم يدقق في تلك الخطوط العريضة التي مرَّ عليها سعادة مرورا عابرا في أحيان كثيرة، والتي كان يعبر عنها بمصطلح

” التفاعل المادي ـ الروحي” يقول سعادة:” تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع..” إذن، فالمؤلف يبحث في خطوطه العريضة في بنائين اجتماعيين، البناء المادي والبناء النفسي، تشمل الفصول الخمس الأولى على مضمون أو معنى وعوامل وأسباب ونتائج أثر الواقع المادي في حياة البشر، وفيها نطالع” وإنّ من الأمور المقرّرة الّتي قد تبدو غريبة ولكنّ غرابتها لا تمنع من أن تكون واقعة، أنّ المادّة تعيّن الشّكل..

” وبناء على ذلك نجد” شرط المجتمع، ليكون مجتمعاً طبيعيّاً أن يكون خاضعاً للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة تشمل المجموع كلّه..” ونجد أيضا ما يميز مرحلة عن أخرى في التطور الإنساني” إذا كانت المصلحة الاقتصاديّة أساسيّة في كلّ مجتمع فهو لأنّها تخدم كلّ مصلحة أخرى حيويّة تتفاوت في هذه المصالح وفي مصالح الحياة الجيّدة بالنّسبة إلى المرتبة الثّقافيّة والدّرجة الاقتصاديّة..” ونجد كيف أن سعادة يقسِّم المراحل الثقافية الى ثلاث مراتب ” المرتبة الأولى أوليّة تقتصر على قلب سطح الأرض بمعزق بشكل عصا محدّدّة وتغيير مكان الزّرع كلّ مرّة. وهي لا تعطي إلاّ الضّروريّ.. المرتبة الثّانية (والتي نجد فيها) الزّراعة المعروفة في نطاق المدنية الآسيوريّة. وهي الزّراعة الحضريّة بمعناها الصّحيح. ومع أنّ نطاقها بالأكثر فرديّ أو عائليّ.. تأتي أخيراً المرتبة الثّالثة، التي أطلقنا عليها اسم ثقافة الإنتاج التّجاريّ، وهي الثّقافة القائمة على زراعة المحاصيل الكبيرة وإنشاء الصّناعات الكبرى. وهذه هي مرتبة التّمدّن الحديث الّتي أخرجتها من المرتبة الثّانية التّجارة التي ولّدت الأساس النّقديّ والرّسماليّ وحوّلت عمليّة المبادلة الأوّلية، إلى تجارة أنترنسيونيّة وأكسبت الحاجة إلى الآلة المحقّقة الأغراض معنى اقتصادياً عالياً وجعلت الآلة من أهمّ عوامل ترقية هذه الثّقافة..”

كيف نفهم ما تقدم مجتمعا أو متكاملا في صيرورة المجتمع؟

بداية يحدد سعادة “ناموسا” أو قانونا أو مقولة لدراسته الاجتماعية يقول:” الناموس اصطلاح بشري لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة..” وعليه يكون ناموسه الأول “المادة تعين الشكل”، فالمادة (البيئة) هي التي تطبع المجتمع بطابعه الخاص المتمثل بدورة “الحياة الاجتماعية – الاقتصادية”، بحيث يمكننا تصنيف المجتمعات الإنسانية وفق مراتبها الثقافية، حيث يلعب ناتج المرتبة الاقتصادي المقياس لهذه المرتبة أو تلك، فإذا كان “الاقتصاد لا يعني حقيقة سوى سدّ الحاجة أو تأمين سدّها بأقل مجهود وأسرع وأكبر نتيجة ممكنين (طاقة ” حريرة” + زمن >أكبر انتاج)، هذه الخلاصات هي ما تنتهي اليه الفصول الخمس الأولى، بحيث يشغل الفصل السادس البناء النفسي ” وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع. ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان.. أنّ الدولة شأن ثقافيّ بحت.. ليست الدّولة في ذاتها مقياساً للثّقافة العقليّة بل بما تنطوي عليه من حقوق. ” الحقوق هي إذن مقياس سعادة للمرتبة التي عليها الدولة، بمعنى (واجبات + حقوق= دولة) وقياسا على المراتب الثقافية التي سبق وأشرنا اليها، تكون الدولة فردية (ديكتاتورية) عندما تكون الواجبات أكبر من الحقوق وفي حال تساوي الواجبات مع الحقوق، تكون الدولة متخلفة، أما إذا تناهت الواجبات الى أقل ما يمكن بينما تناهت الحقوق الى أعظم ما يمكن، تكون الدولة ديموقراطية، من هنا ندرك لماذا يقول سعادة (لدولة القومية هي دولة ديموقراطية) باعتبارها شاملة المجموع في الدورة الاجتماعية ـ الاقتصادية حقوقا وواجبات..

لو أن فايز صايغ قد تبحر في دقائق تفصيلات نشؤ الأمم، ما كان ليصل لما وصل اليه، ولما كان اتهم سعادة باستحداث فلسفته المدرحية ذلك أن المدرحية لا تعني سوى ما تقدم، وإن كانت توسم في أحيان كثيرة ب” القومية الاجتماعية”. في خلاصة ما انتهينا اليه من دراسة بيان فايز صايغ المتضمن شرحه في كتيب أسماه( الى أين) لم يكن الصايغ سوى معترض على قرار سعادة بوقفه عن نشر آرائه الفلسفية من على منصة الحزب.

انتهى .