قراءة في واقعة اغتيال المالكي (2)

من الواضح، وبناء على أقوال الشهود، على اختلاف موضوعاتها، أن أحداً لم يشاهد الشهيد يونس يُطلق النار على العقيد المالكي، وجلَّ ما قيل في هذا الموضوع كان مقتصرا على مشاهدته مشهرا لسلاحه، مما دفع لاتهامه بتنفيذ الجريمة، اثنان شاهداه يطلق النار على نفسه، جمال حماد وأحمد الفتيح، ، وقد أشرنا الى ما يقولاه بهذا الصدد، لكن كيف يمكننا التوفيق بين ما قالاه ومحضر الكشف على موقع الجريمة حيث لم يكن هناك سوى فارغتين والطلقة التي أجدبت، والتي لم يشاهدها كلاهما ولم يشاهدا كيف بادر الشهيد يونس لمعالجة مسدسه لإطلاق رصاصة انتحاره؟ والتي شاهده بوضعيتها عبد الكريم النحلاوي! مع العلم أن أحمد الفتيح قد شاهد كل من النحلاوي وأكرم ديري يقتربان من الشهيد يونس، لكنه لم يشر في شاهدته الى أنه رأى الشهيد يونس يعالج مسدسه لإخراج الطلقة التي أجدبت قبل أن يطلق النار على نفسه! جمال حماد الذي رأى لهب الطلقة التي أطلقها الشهيد يونس على نفسه لم يرَ كيف كان يعالج مسدسه.. بما يعني أن ليس من تطابق في أقوال الشهود، مما يدل على أن كافة الدلائل التي أخذت بها المحكمة بنيت على مشاهدة الجميع للشهيد يونس شاهرا مسدسه والصاق  تهمة القتل أو الاغتيال به..

الطلقة الثالثة التي أصابت الشهد يونس في فخذه، هي الطلقة ذات الفارغة الضائعة، والتي لم يُعثر عليها في المنصة، وعلى افتراض أن أكرم ديري هو الذي أطلق النار على الشهيد يونس، فأين هي فارغة هذه الطلقة؟! فهل كان اختفاء فارغتي اصابة الشهيد يونس في فخذه وفارغة الرصاصة التي أطلقها أكرم ديري عليه هي المقتل في حبكة الاغتيال التي تم التخطيط بها لقتل كل من يونس والمالكي؟ وتاليا الصاق تهمة الاغتيال بالحزب السوري القومي الاجتماعي؟   

لم يشاهد أيا من الشهود( النحلاوي وأحمد فتيح وجمال حماد) الشهيد يونس يطلق النار على العقيد لكنهم أجمعوا على مشاهدته يطلق النار على نفسه، فهل كان (انتحاره) دليل اطلاقه نار الاغتيال ؟

للإجابة على مختلف الأسلة التي سبق طرحها في مجمل هذه الدراسة، علينا أن نطالع مطالعة النيابة العامة ( والتي تقع في خمسة عشرة صفحة )التي تضمنت وصف لعبة الاغتيال كما صاغها السراج وأكرم ديري وجمال عبد المجيد بناء على ما جاء في  محاضر التحقيق التي اخذت عنوة وتحت التعذيب والترهيب :

مطالعة النيابة العامة

 في الوقائع ـ 1

     تربط المدعى عليهم الوكيل بديع مخلوف والرقيب الاول عبد المنعم دبوسي بالرقيب يونس عبد الرحيم صداقة متينة اوثقت عراها العقيدة السورية القومية الاجتماعية التي يدينون بها واسبغت افكارهم النفحات التي انطبعت بها الحركة السورية القومية لا سيما وقد هيئوا نفسيا لان ينفعلوا مع عقائدهم وغرست فيهم هذه النزعة عمدة التدريب فقد اوحى المدعى عليه المقدم غسان جديد الى المدعى عليه الوكيل بديع مخلوف الذي يترأس حلقة تضم كل من الرقيبين الاولين محمد منعم دبوسي ويونس عبد الرحيم ونفخ فيه نزعة الشر وطلب منه ان يقوم على تطيير العقيد عدنان المالكي ـ ولكن بديع لم يأخذ هذا التكليف على عاتقه ـ فسأله المقدم عن شخص يقوم بهذه المهمة فرشح اثنين هما منعم دبوسي ويونس المتحمسين لعقيدتهما والمندفعين حزبيا وبناء على موعد حدده بديع للمقدم بالرقيب الاول يونس عبد الرحيم وكلمه بموضوع اغتيال العقيد عدنان المالكي فوافق يونس عليه وتطوع للقيام بهذا العمل حتى انه قال لبديع ( ان المقدم قبضاي ) وجند يونس الفكرة لبديع بقوله ( كثير كويس ) ثم عرض بديع هذه الفكرة على الرقيب محمد منعم ديوسي بناء على طلب المقدم غسان فوافق عليها وعندها زودهم المقدم بمسدسات لهذه الغاية وشجعهم زين لهم فكرة القتل وجعل في نفسهم استعدادا لتنفيذ القتل اي ان المقدم زودهم ماديا بالمسدسات ومعنويا بالتشجيع وغرس الفكرة في نفوسهم وكان المدعى عليه الدكتور سامي الخوري يراقب كل عمل ويدقق كل فعل في تنفيذ المؤامرة وبان امر الخلاص من العقيد عدنان المالكي هو الواجب المقدس الذي يفرضه عليهم الواجب الحزبي فتهيأ يونس ومنعم وبديع وهيأوا انفسهم واخذوا يتحينون الفرص التي تمكنهم من تنفيذ مؤامرتهم وكانت المحاولة الاولى لاغتيال العقيد عدنان المالكي يوم عيد الجلاء في السابع عشر من نيسان 1955 اذ ان حزب البعث العربي الاشتراكي قد نظم احتفالا بعيد الجلاء في مقهى الرشيد بشارع بغداد واشيع ان عدنان المالكي سيحضر هذا الاحتفال.                                                      

وبالنظر لقرب موعد تنفيذ المؤامرة فقد ذهب بديع لدار اسكندر شاوي ليحصل منه على مسدس وابلغه برغبة يونس بقتل العقيد وتنفيذ المؤامرة ـ اذ كان بديع قد اعاد ما لديه من مسدسات الى فؤاد وغسان جديد وان غسان طلب من بديع ان يراجع دائما اسكندر شاوي في حال غيابه ـ واخبره بانه بحاجة قصوى الى ميدي ولكن اسكندر قال له اريد ان اشاهد الاشخاص الذين سيقومون بهذه المهمة فتواعد معه على اللقاء في محلة الشهداء بيوم عيد الجلاء في الساعة الخامسة عشرة  وفعلا اجتمع بديع واسكندر وذهبا لدار بديع وحضر يونس ومنعم وقد قال لهم اسكندر ان لا ينفذوا القتل في ذلك اليوم بسبب انه يخشى الرأي العام ان ينقلب ضدهم ونصحهم ان يكون القتل في مناسبة ثانية غير هذه ولكن منعم ويونس صمموا على تنفيذ فكرة القتل في ذلك اليوم اذ قالا لبديع ( اننا تبلغنا امرا من المقدم للقيام بهذا العمل في فرصة مناسبة ) وان اسكندر وبديع وذهب منعم ويونس لانتظار قدوم العقيد واما بديع فقد اوصل اسكندر الى الشهداء وتركه هناك وعاد لقرب مقهى الرشيد حيث وقف مع منعم                                                       ويونس ولم يحضر العقيد يومئذ.   ويوم الثلاثاء ذهب الوكيل بديع مخلوف الى دار اسكندر

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 13

شاوي فاعطاه هذا الاخير مسدسا وقال له ( ان غسان جديد تركه له ).   الى ان كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر نيسان 1955 وهو موعد اجراء مباراة بكرة القدم بين الفريقين السوري وفريق خفر السواحل المصري ومن جهة رقم الدعوة وكان من المدعوين العقيد عدنان المالكي ولم يكن ليخفي على بديع ويونس ومنعم امر دعوته طالما انهم ينتظرون الفرص المناسبة مع العلم ان يونس كلف بحكم وظيفته من قبل رؤسائه في الشرطة العسكرية القيام بحراسة المنصة الرئيسية المعدة لجلوس كبار المدعوين ومنهم العقيد المالكي ففي صبيحة ذلك اليوم ـ الجمعة ـ كانت دار المدعى عليه الوكيل بديع مخلوف موئلا وملاذا لهؤلاء المجرمين فقد حضر المدعى عليه فؤاد جديد وحضر يونس عبد الرحيم ومحمد منعم دبوسي وحضر ايضا ابراهيم الصواف فاحكموا خطتهم وانصرف كل منهم لتنفيذ فعلته.   فتمنطق كل من منعم ومخلوف المسدس وكانا زودا به من قبل المدعى عليه المقدم غسان جديد وخرجا الى نادي النقباء وتناولا طعام الغداء والشراب وخرجا قاصدين الملعب البلدي ـ وكان اجراء المباراة ـ وقد مر بهما صديق لهما واركبهما معه بالسيارة ونزلا قرب البرلمان وتوجها سيرا على الاقدام الى ان دخلا الملعب البلدي فلقيهما محمود بن ثابت الدبوسي وهو ابن شقيق منعم فساروا معا حتى صعدوا الى المدرج وسارا خلف المنصة الرئيسية وجلسا على مسافة لا تتعدى السبعة امتار من المنصة من الجهة اليسرى وقد شاهدا الرقيب يونس عبد الرحيم في المنطقة المكلف بحراستها الا وهي المنصة الرئيسية فلم يتظاهر باتصالهما معه مطلقا وكان يونس يظهر نفسه بمظهر من ينظم وضع الكراسي ولما تلقى امرا من رئيسه آمر فوج الشرطة العسكرية بلزوم الذهاب الى باب الملعب الخارجي وتبليغ الشرطة هناك بلزوم فتح الباب عند ابتداء المباراة فلم يذهب وبقي خلف المنصة اذ كلف الشرطي ابراهيم الصواف بهذه المهمة وقد استدعى انتباه بعض الشهود وضع بديع ومنعم المريب في الملعب اثناء المباراة وبعد الحادث فيما كان يصل العقيد عدنان المالكي ويأخذ مكانه في الصف قبل الاخير من المنصة التي اوكل امر حراستها الى الغادر يونس عبد الرحيم وبدأت المباراة وان الملعب … …. انهمكت الناس بتتبع اللعب ولم تمض فترة قصيرة حتى دوت في الملعب طلقتان خر على اثرها العقيد عدنان المالكي صريعا برصاص الغادر يونس عبد الرحيم فهرع مرافق رئيس الاركان العامة الملازم الاول عبد الكريم النحلاوي نحو القاتل ولكنه لم يدركه حيا اذ سدد رصاصة ثالثة الى رأسه القته مضرجا بدمه فدب الذعر بالحضور واستحوذ عليهم القلق وحصل في الملعب وعلى المدرج هرج ومرج فاخذ دبوسي بين المدنيين ولاحظ ذلك الشهود طالب الصباغ ورفيقاه كما انهم لاحظا ان منعم كان واضعا على بطنه انه مخفيا شيئا تحت الباتل دريس التي يرتديها.

     اما بديع فقد خرج مسرعا من الملعب اثار موقف المدعى عليهما بديع ومنعم اللغط حولهما وقد مر منعم عندما اشار الشاهد طالب الصباغ الى احد رجال الشرطة العسكرية بالقاء القبض عليه واخيرا ادركت ايدي العدالة بديع ومنعم.   فقد توجه الرقيب الاول منعم دبوسي اثر الحادث الى دار شقيقه ثابت دبوسي الكائنة في زقاق الصخر واخفى في داره المسدس دون علم ثابت اذ كان نائما والذي كان يحمله في الملعب البلدي والذي كان يستعمله في القتل اذ كان عليه هو قتل العقيد مالكي ان تخاذل يونس او ان يقتل يونس ان  تخاذل عن قتل نفسه وخرج منعم من دار شقيقه قاصدا دار الوكيل بديع فلم يجده فترك له                                                    

ورقة بان يحضر بديع لدار محي الدين ريشة وتوجه منعم لدار محي الدين المذكور حيث كانت زوجته مطيعة بغدادي قد حضرت اليها اثر خروجها من اجتماع حزبي فاعلم الحضور بالحادث وحضر بعد ذلك المدعى عليه بديع مخلوف ثم خرجوا سوية وقال منعم لمحي الدين ان لك لدي امانة وانفرد به وتوجها سوية لدار ثابت بعد ان تركا بديع حيث ان منعم اخذ المسدس وسلمه الى محي الدين ريشة ثم توجها معا لدار اسماعيل جمعة فلم يجداه بل وجدا اسماعيل بطرش فوضعا امامه المسدس وتحت فراش اسماعيل جمعة وعادا لدار محي الدين ريشة ثم ذهب منعم وزوجته مطيعة لدارهما حيث تعاونا باتلاف ما لديهما من منشورات ووثائق حزبية وفي تلك الليلة القي القبض على منعم من قبل رجال الشرطة العسكرية واودع للعدالة اما مسدس منعم فقد نقله اسماعيل جمعة لدار اسماعيل بطرش الذي زوده اسماعيل جمعة بمسدس آخر ونقلت انيسة ريشة شقيقة محي الدين مع نعمت بطرش المسدسين الى دار عمتها حيث صادرهما رجال الشرطة .

       اما المدعى عليه الوكيل بديع مخلوف فقد تسلل من الملعب البلدي وذهب قاصدا داره وفي الطريق التقى بفؤاد جديد عند الخياط كره بيت مقابل المحكمة العسكرية في الشهداء

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 14

فروى له القصة وطلب اليه ان يبلغ زهير قتلان في مكتب الحزب القومي السوري لان                                                                     يجتمع به فورا اي ان يجتمع زهير ببديع قرب نقطة شرطي السير في الشهداء فذهب فؤاد واخبره

…. الذي حضر وقد سلم بديع المسدس لزهير مع ست خرطوشات وطلب اليه ان يوصل المسدس لاسكندر شاوي عندما تسمح له الفرصة وذهب بديع الى داره وجلس قليلا ثم خرج الى الشارع حيث القي القبض عليه بعد ان كان قد ذهب الى دار محي الدين ريشة واجتمع بالرقيب الاول منعم.

     اما زهير قتلان فقد اخذ المسدس من المدعى عليه بديع مخلوف وسلمه الى المدعى عليه هيثم المالح لايصاله الى اسكندر شاوي واخذ هيثم المسدس وفر من وجه العدالة.

     هذا من جهة ومن جهة اخرى فقد اتصل المدعى عليه فؤاد جديد برئيس الحزب المدعى عليه جورج عبد المسيح هاتفيا حيث كان يجتمع لديه مجلس العمد واعلمه بالخبر فقال له جورج عبد المسيح ( هالحكي ما بينحكى عالتلفون ) افادة كامل حسان في الصفحة 32 من محضر التحقيق ـ فحضر فؤاد الى الدار واعلمهم مجتمعين بالحادث ـ فقال له جورج عندنا خبر ونصحه بان لا يقول بان القاتل قومي ـ افادة فؤاد المدرجة في الصفحة …. من محضر التحقيق وقد وقع اثر ان انفرط اجتماعهم فتوجه جبران جريج وكامل حسان الى دار المدعى عليه اسكندر شاوي ليخفي الاوراق التي تتعلق بالعسكريين فما كادوا يصلوا الى داره حتى فوجئوا باخفاء الاوراق اذ ان اسكندر اخفاها عندما سمع طلقات الرصاص في الراديو..

قبل أن ننتقل لوقائع النيابة العامة، لا بدَّ لنا من قراءة مطالعتنا نحن وبناءً على محاضر التحقيق وجلسات المحكمة ومن ثم وقائع النيابة العامة ووقائعنا.بعد ذلك وقرار المحكمة وقراراتنا نحن .

الرد على مطالعة النيابة العامة :

المحرضون: أكرم الحوراني ـ عبد الحميد السراج

المخططون: محمود رياض

المنفذون: جمال حماد ـ أكرم ديري ـ عبد الكريم النحلاوي

بقرار من شوكت شقير، يتم تعين عبد الحميد السراج رئيسا للمكتب الثاني في الأركان العامة للجيش السوري، بعد أن كان يشغل رئاسة الشعبة الرابعة في الأركان ( حيث الموظف فيها الشاهد طالب صباغ)  مما وثق صلاته بشوكت شقير ودفع به لتعينه في موقع من أهم مواقع الدولة السورية، ومما دفع بالمالكي للاعتراض على هذا القرار وليبحث أمر السراج مع شوكت شقير، فلا يتوصلان الى نتيجة، فتتشكل لدى المالكي القناعة بأنه إذا كان لا بد من إزاحة السراج، فلا بد بداية من ازاحة داعمه شقير، ولاشك في أن المالكي قد تباحث مع كثير من الضباط (الشوام)المؤيدين لنهجه، في هذا الموضوع مما ساهم بإيصال نوايا المالكي لكل من شوكت شقير والسراج، ومما دفع بهما للتفكير أيضا بإزاحته

 كل من تناول قضية اغتيال المالكي أكد هذه الميول لدى المالكي ولدى السراج وشقير( شمس الدين العجلاني، هاني الشمعة، راشد الكيلاني) حتى أن بعضهم أشار لما كان يشكل عقبة في وجه المالكي حيال كل من السراج وشقير اللذان ناصباه العداء ،خاصة أولئك المقربون منه ومن السراج وشقير..

السراج الذي ابتدأ حياته شرطيا لبيت دعارة، لم يكن ليحلم أن يصل لما وصل اليه لو لم يكن متعدد الوجوه ، ولم تكن المبادئ والقيم لتشكل لديه رادعا حيال ما يبتغي الوصول اليه..

 كل ما أتصف به المالكي، كان نتيجة مقتله كضحية، تعاطف معها الجميع فألبسوها صفات ومواصفات، قد لا تكون من صفاته، فهو كسليل عائلة اقطاعية لا تختلف عن سواها من العائلات الاقطاعية الأخرى، فوالده الذي شارك الشهيد يوسف العظمة في التصدي للقوات الفرنسية في موقعة ميسلون، كان على خلاف مع شكري القوتلي على قطعة أرض في الغوطة، مما سهل للمالكي طريقه لبعثات للخارج إرضاء لوالده، وحظي بالمكانة التي كانت له، ثم أن اخيه رياض كان من قياديي البعث مما أبعد عنه تهجمات رفاق أخيه، لم يكن المالكي بعثيا، لكنه كان ولا شك، متعاطفا مع أخيه في امتطاء البعث للوصول للمكانة التي وصل اليها كعضو من أعضاء المحلس النيابي والتي قد تكون له بابا لرئاسة الجمهورية، وكان كغيره من ضباط ذلك الجيل استهدف من كل الامتيازات التي كانت لأبيه وأخيه في الوصول لموقع القرار، كان عداؤه للشيشكلي، دافعا للأخير لزجه في السجن، مما أضفى عليه صفة المناضل، وهيأه لتنكب مهام الشعبة الثالثة حيث تمكن من ازاحة كثير من الضباط ( بداية بتسريحه للشهيد غسان جديد، والذي كان تسريحه مفتاح التخطيط لاغتياله والصاق ذلك بالحزب السوري القومي الاجتماعي) وكافة الذين رأى فيهم عقبة في بلوغه رئاسة الأركان وقيادة الجيش التي كان يطمح لها،    ولا شكَّ بأنه كان على علمٍ بخلفية السراج المهنية وأساليبه لبلوغ مآربه (والذي ترأس الشعبة الأولى زمن الشيشكلي) ، مما دفع به للنظر للسراج من موقعه الاقطاعي الذي أكسبه أنفة كغيره من أبناء العائلات الاقطاعية، وتاليا تعاليه وليس تواضعه مع شخصية لها مواصفاتها، كالسراج،  كان المالكي يعلم خلفية السراج المهنية، فيجد الفارق بينه كإقطاعي وبين سليل عائلة متواضعة ذو تاريخ مهني شائن، ولما كان على السراج أن يهادن جميع من حوله ومنهم المالكي، ويبيت لهم ما يبيت حين تسنح له الفرصة، كما جرت عليه عادته، وما لم يكن خافيا على المالكي بطبيعة الحال، فالسراج كان قد استظل حسني الزعيم وشارك في الانقلاب الذي أطاح به، استظل الحناوي وشارك في الانقلاب عليه، كذلك كان مصير الشيشكلي، وحين لمع نجم أكرم الحوراني، استظله وتتلمذ على يديه، في تقلباته السياسية..

 كان الحوراني أقرب المقربين الى السراج، لذا نجد الحوراني يتجاهل في مذكراته مقاربته للسراج محاولا ابعاد أي شائنة منه اليه، أيضا جميع من تناول سيرة حياة الحوراني يشكك في مصداقية أقواله بالسراج كما ألمح اليها في مذكراته، فهذه المذكرات ليست في واقع الحال هي حقيقة ما جرى والمتعلق بالتحديد بعلاقة الحوراني بالسراج وبعلاقة الحوراني بمن حوله من السياسيين، لكنها بطبيعة الحال ايضا لسان حال تقاربه مع السراج مواصفات وتاريخ من التقلبات، مذكرات الحوراني جاءت بعد ما يقارب النصف قرن على بداياته السياسية، وهذا يعني أنها لم تكن تأريخا آنيا للأحداث التي عاصرها، لكنها جاءت كتقييم لتلك الأحداث تغافل عن قصد أية اشارة لمسلكيته السياسية التي جاء لقبه( الجنرال المدني) نتيجة لها، فهو يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، “ولا يعجبه العجب” يخطط وينفذ منفردا حتى بعد دمج العربي الاشتراكي بالبعث العربي، يقول( إن خطتنا كانت في تمزيق هذه الكتل الرجعية واستغلال تناقضاتها الى أبعد الحدود وهذا ما حدث فعلا وما ساعدنا حتى قيام الوحدة على احباط كل المؤامرات والمشاريع الأجنبية..) ولسنا ندري بلسان من يتحدث بصيغة الجمع،لكن هذه المذكرات تأتي  بأسلوب يُظهر نزاهة الحوراني وحياديته حيال الأحداث التي يتناولها بأدق التفاصيل ، والتي تشكل بحق، مصدرا من مصادر التاريخ السياسي في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي،  لكنه والسراج ابن مدينته، كانا من طينة واحدة وعلى خط مستقيم في تقلباتهما، فمن ثورة الفلاحين الى الانتماء للحزب القومي الى انسحابه بعد أقل من سنة خضوعا لتهديدات مؤيدي الكتلة الوطنية لكل من ينتسب للحزب القومي الى تمسكه بمبدأ الأرض عام 1942 الى انقلابه على هذا المبدأ في 1947 كما يقول سامي الجندي في لقائه الأول والثاني مع أكرم الحوراني، الى تسلمه مهام وزير زراعة بضعة أشهر واستقالته من منصبه الى استلامه وزارة الدفاع واستقالته أيضا، الى تشكيله للحزب العربي الاشتراكي الى اندماجه بحزب البعث العربي الى عدائيته المفرطة لكل من صلاح البيطار وميشيل عفلق..الى ما تلى حادثة المالكي من تقلبات أبرزها موافقته على حل حزب البعث العربي الاشتراكي كرمى لعيني عبد الناصر واستقالته من منصب نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة واتهامه لعبد الناصر بالعمالة “لإسرائيل” بعد أن عمل جاهدا والسراج لقيام الوحدة السورية المصرية، واعتكافه في نهاية حياته السياسية الى كتابة مذكراته، راسما فيها للصورة التي كان يرى نفسه فيها دون سواه ،

 نموذجان لا يستقر لهما حال إلا بما يحيكانه بالخفاء،

عندما تسلم السراج رئاسة المكتب الثاني، بادر ولا شك في ذلك،  أكرم الحوراني لتهنئته بمنصبه الجديد، وتداولا الوضع السياسي العام في سورية، والتي كان يتنازعها تياران، تيار حلف بغداد الغربي وتيار الناصرية ذات الاتجاه اليساري العروبي، وتتلاقى وجهة نظريهما على أن عبد الناصر هو القائد العربي المرتجى والذي يمكنه تحقيق الحلم العربي بالوحدة من المحيط الى الخليج، وبدايتها بالوحدة السورية المصرية، كان الحوراني حينها على وفاق مع عبد الناصر، لكن أقل التزاما به من عبد الحميد السراج، الذي خدمه بصدق حتى لقب “بالمواطن العربي الثاني” كما جاء في افتتاحية جريدة النصر السورية والمقربة من عبد الناصر بتاريخ 6-3-1958والتي يوردها الحوراني في مذكراته، عبد الناصر، والذي كان دكتاتوريا بنظر الحوراني، ينقلب بعد حادث المنشية الى بطل من أبطال العروبة،  كما جاء في مذكرات الحوراني يقول:” في ليلة الأربعاء، 26/10/1954، كنت جالسا في مقهى الروضة القريب من مجلس النواب، أصغي للخطاب الذي كان يلقيه البكباشي جمال عبد الناصر في ميدان المنشية في الاسكندرية احتفالا باتفاقية الجلاء، وفجأة انطلق صوت رصاصات وحدث هرج ومرج، لكن عبد الناصر استمر بإلقاء خطابه قائلاً:” أنني أموت من أجلكم ومن أجل مصر وأن جمالاً آخر سيخلفني من بعدي، وأن الثورة ستستمر..” وقد أثر في نفسي موقفه وملابسات الحادث تأثيرا كبيرا واصبحت الشكوك تساورني حول صحة تقيمي لهذا الرجل، الذي كنت أعتبره ديكتاتورا عسكريا من صنائع الغرب مهمته تصفية الحركات الشعبية التقدمية في  مصر العربية” بالطبع يأتي هذا الكلام بعد مرور أكثر من ربع قرن على مشاعر الحوراني تجاه عبد الناصر ، ليعلن للملاء، مستوى النزاهة التي يتحلى بها، وإن كنا نستعرض تقيمه لعبد الناصر فما ذلك إلا لبيان أن الحوراني لم يكن نزيها كما يدعي، فإشارته “لملابسات الحادث” تعني أنه كان يشكك في صحة محاولة اغتيال عبد الناصر، وأنها كانت محاولة مخابراتية لإدانة الإخوان المسلمين وإقصائهم عن الحياة السياسية في مصر، والتي استمد منها فكرة اقصاء الحزب السوري القومي الاجتماعي عن الحياة السياسية السورية بإلصاق تهمة اغتيال المالكي بالحزب،  يتضح ذلك من قوله:” وقد قررنا الاشتراك في المظاهرات التي شملت جميع أنحاء البلاد، كما قررنا أن نطلب من الحكومة التدخل رسميا لمنع تنفيذ أحكام الإعدام ثم كلف الحزب نائبه خليل الكلاس أن يثير في الجلسة التي عقدها المجلس بتاريخ 4/12/1954 قضية الحكم بالإعدام على زعماء الإخوان المسلمين فقال( نحن الذين نرى قضايا العالم العربي وحدة لا تتجزأ، ونحن الذين نرى في حرية مصر حريتنا، لا نرى في حديثنا عن أحكام الاعدام واستنكارنا لها، تدخلا في شؤون لا علاقة لنا بها، فالجرائم التي نُسبت للإخوان المسلمين على فرض ثبوتها، إنما تعتبر جرائم سياسية، ولما كانت القوانين والأعراف لا تجيز أحكاما كهذه على المجرمين السياسيين لهذا نطلب أن تتوسط  الحكومة السورية لمنع تنفيذ أحكام الاعدام ..) وقد أيد المجلس بجميع فئاته أقوال الكلاس..”

في استطرادنا لما حدث بعد ذلك، نشير الى ما قاله الكلاس تأكيدا على (ملابسات الحادث) عندما قال( في حال ثبوتها، كما نشير الى أن هذه المبادئ التي نادى بها البعث عبر الحوراني وهذا عبر الكلاس، كانت كما يقول الحوراني نفسه:” ..لكن عبد الناصر لم يلب هذا الرجاء وأعلن إعدام الإخوان المسلمين  الستة في صباح اليوم التالي الذي أعلن فيه ابرام الاتفاقية المصرية مع بريطانيا، وقد قابل شهداء مصر الستة الموت بشجاعة وايمان.. ولكن مما أوقعني في خيبة الأمل ما قاله لي الشيخ مصطفى السباعي: إن البعث لم يكن مخلصا في موقفه وأنه أراد أن يركب الموجة الشعبية..”

إن ما قاله السباعي صحيح، ذلك أن البعث والحوراني وكذا الكلاس ذاته، لم يقف ذات الموقف بعد أشهر، حيال قرارات الاعدام الصادرة بحق مخلوف ودبوسي، وهي جرائم سياسية (على افتراض ثبوتها) كما جاء في كلمة الكلاس، بل على العكس تماما،  لم يكن اصدارها إلا بناء على افتراءات شهودها،  وكان البعث برجالاته الذين تبوؤا عضوية المحكمة وكذا الادعاء العام، عاملا جوهريا في إصدار أحكامها الجائرة على المتهمين عموما وعلى مخلوف ودبوسي تحديدا.. 

في لقائهما (الحوراني والسراج) المنوه عنه أعلاه، يتباحثان في كيفية تحقيق ذلك الحلم العربي ، بعد أن وجد السراج أن السعي في هذا السبيل يوصله لزعيمه المفدى جمال عبد الناصر، فيقترح أحدهما على الآخر ضرورة الاتصال بمحمود رياض السفير المصري الجديد في سورية والذي أُطلقت يده لتحقيق هدف التقارب السوري المصري، والمتدخل بالشأن السوري والممتعض منه كل من عدنان المالكي وعفيف البزري رئيس الأركان ومن تدخلاته كما سواهما حيث يأتي في كتابه( ذكريات وأسرار أربعون عاما في الاعلام والسياسة) لعرفان نظام الدين على ذكر أنه عاتب رئيس الأركان السوري توفيق نظام الدين على عدم ازاحته للسراج من موقع القرار، خاصة بعد أن يفرد تفصيلا عن التخطيط السراجي لاغتيال كامل مروة المعادي للتيار الناصري في حينه والقريب من فكر انطون سعادة ..

يلتقي السراج وأكرم الحوراني محمود رياض ويعرضان عليه خدماتهما بما يخدم غرضهما من تحقيق الوحدة المصرية ـ السورية، وهي المهمة التي أوكلت من عبد الناصر اليه، حيث يقول محمود رياض في مذكراته :” .. وحدث تطور جديد عندما لمس الرئيس عبد الناصر أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه سورية في السياسة العربية، فسعى الى توطيد العلاقات معها وقرر تعيني سفيرا لمصر في سورية في ربيع 1955 للقيام بهذه المهمة وأطلق يدي في العمل لتحقيق هذا الهدف، ولم أكن بحاجة الى وقت طويل لتوطيد علاقاتي مع كافة الأحزاب السورية وقيادات الجيش، وقد لمست قوة المشاعر العربية في سورية ومساندة الشعب لكل قضية عربية وايمانه العميق بالوحدة العربية..” فعندما يقول محمود رياض أنه لم يكن بحاجة لوقت طويل لتوطيد علاقاته مع الأحزاب السورية وقيادات الجيش وهو المُعَيَّن في ربيع 1955 أي في بدايات اذار أو نيسان ، فهذا يعني أنه استمد هذه العلاقات المزدوجة مع السياسيين والعسكريين من خلال الخدمات التي قُدمت له من عناصر ترغب في التقارب السوري المصري، وبطبيعة الحال لم تكن من المالكي أو البزري أو حزبي الشعب والكتلة ولا الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولا من الاخوان المسلمين، ولا حتى من البعث العفلقي البيطاري، وإنما من شخصيات محسوبة على تيار التقارب وتحديدا من الحزب العربي الاشتراكي برئاسة الحوراني والذي بقي كحزب منفرد بمخططات الحوراني رغم اندماج الحزبين، فأصبح هناك (بعثيون اشتراكيون ) للدلالة على البعثيين الملتزمين بهج الحوراني، حيث يجيء في مذكرات الأخير ما يلي:” تحركت مصر بسرعة وأُعلن أن الصاغ صلاح سالم سيزور سورية بتاريخ 26/2/1955 وقبل هذه الزيارة بيوم واحد زارني في بيتي شخص من السفارة المصرية هو أحد اثنين ( لا أذكر بالضبط أيهما) إما الصاغ جمال حماد أو الصاغ محمد فتحي الديب وقد عرف الثاني فيما بعد بتخريبه وإساءته للحركات الثورية في العالم العربي، قال لي ذاك الرجل :

” إن الصاغ سالم سيزور دمشق وأن السفارة مستعدة لدفع الأموال اللازمة لاستقباله من قبل حزب البعث ثم عقَّب على ذلك بقوله لقد دفعت السفارة لفيصل العسلي ( والذي رشحه وأيده لهذا المنصب أكرم الحوراني ذاته) الأموال اللازمة ليساهم في هذا الاستقبال ، قلت له :عندما يفكر حزب البعث باستقبال صلاح سالم فإنه لا يفعل ذلك مأجورا بل لأنه يستقبل وزيرا عربيا يزور بلدا شقيقا، فخجل الرجل وحول الحديث وسأل فيما إذ كنا نفكر في استقباله، فأجبته :لم نفكر حتى الآن في هذا الموضوع..” في موضع آخر من مذكراته يقول:” وفي عام 1955 قبيل زيارة صلاح سالم لسورية زارني السفير المصري ، ولا أتذكر اسمه، وعرض علي مساعدة مالية للحزب لقاء تهيئة استقبال جماهيري لصلاح سالم وعندما رفضت قال: لم ترفض إن فيصل العسلي تلقى مساعدات منا وسيخرج حزبه لاستقبال صلاح سالم قلت له: عندما نقرر استقبال ضيف عربي فلا داعي لتقاضي الأجور عن ذلك..” قد يكون الحوراني رفض المال أو تقاضاه، على شاكلة عبد الحميد السراج الذي تلقى اثني عشر مليونا من الملك السعودي لقاء اسقاط طائرة عبد الناصر أو قيامه بانقلاب في دمشق وأعلم عبد الناصر بمليوني جنيه تقاضاها عن عزم السعوديين اسقاط طائرته،  دون إعلام عبد الناصر بالخطة التي حاكها للإيقاع بالسعوديين، فبنى بها الأخير برج القاهرة بينما استحوذ عبد الحميد على العشرة ملايين المتبقية..

هذه المواربة في تحديد من الذي زار الحوراني، تعكس كيف أن الحوراني ليس صادقا بما جاءت به مذكراته، فهو لم يعد يتذكر أهو السفير( الذي لم يعد يذكر اسمه؟!!!!!) أم الملحق العسكري جمال حماد أم محمد فتحي الديب، لكن السؤال يبقى: ولماذا جاءه ذاك الرجل عارضا ماله دون عفلق والبيطار؟ !!! لو لم تكن صلاته بالسفارة المصرية شجعت السفارة للاتصال به؟! ولماذا لم يعد يتذكر اسم الرجل الذي أتي لزيارته مستثنيا جمال حماد بإشارته الى أن الصاغ محمد فتحي الديب، موصوم بتخريبه وإساءته للحركات الثورية في العالم العربي؟! علما بأنه ، وكما تشير اليه مذكراته يتذكر أدق التفاصيل وأوهاها،؟!

ولا يختلف محمود رياض في مواصفاته الشخصية عن الحوراني والسراج، فيقف متزلفا أمام عفيف البزري ـ دون احترام لمنصبه الدبلوماسي ـ الذي راح يهدده برسالة منه لعبد الناصر يدين بها تدخلات رياض في الشأن السوري، ودفع الأموال (للزعران) للدعاية لعبد الناصر ونهجه، تقول زوجة عفيف البزري عن لقاء رياض بزوجها وبعد أن أنبه على سلوكه غير الدبلوماسي:”.. ﺘﺘﺩﺨﻠﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺭﺓ ﻭﺍﻟﻜﺒﻴﺭﺓ ﻜﺄﻥ ﺒﻠﺩﻨﺎ ﺤﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻫﺭﺓ؟ ﺘﺸﺩﻭﻥ ﺃﺯﺭ ﻫﺫﺍ ﻭﺘﻔﺘﺭﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺫﺍﻙ. ﺘﻀﻌﻭﻥ ﺃﻴﺩﻴﻜﻡ ﺒﺄﻴﺩﻱ ﺍﻷﻭﺒﺎﺵ، ﺘﻭﺯﻋﻭﻥ ﺍﻟﺭﺸﺎﻭﻱ. ﺘﻅﻨﻭﻥ ﺸﻴﺌﺎً ﻴﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻨﺎ؟ ﺃﻟﻴﺱ ﺤﺭﺍﻤﺎً إعطاء ﺍﻷﻤﻭﺍل ﻟﺼﻌﻠﻭﻙ ﻭﺠﻤﺎﻋﺘﻪ ﺍﻟﺯﻋﺭﺍﻥ، ﻴﻜﺜﺭ ﺘﺨﺭﻴﺒﻬﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺩ، ﻴﺭﻜﺒﻭﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ، ﻭﻴﻼﺤﻘﻭﻥ ﺍﻟﺒﻨﺎﺕ، ﻭﻴﺭﻭﺠﻭﻥ ﺍلإﺸﺎﻋﺎﺕ ﻴﺸﻭﻫﻭﻥ ﺴﻤﻌﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻤﻌﺭﻭﻓﻴﻥ ﺒﻨﻅﺎﻓﺘﻬﻡ ﻭﻴﺭﻓﻌﻭﻥ ﺸﻌﺒﻴﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻻ ﺘﺴﺘﺄﻫل إﻻ ﺍﻟﺼﻔﻊ.. ﻤﺎﺫﺍ ﺘﺭﻴﺩﻭﻥ ﺒﻬﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ؟ ﻤﺎ ﺩﺨﻠﻜﻡ ﺒﻤﺸﺎﻜﻠﻨﺎ ﻭﺨﻼﻓﺎﺘﻨﺎ؟ ﺠﺎﻴﻴﻥ ﺘﻤﺩﻨﻭﻨﻨﺎ؟.. .. ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺃﻨﺕ ﺴﺎﻜﺕ؟ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ ﻴﺭﻀﻰ ﻋﻤﺎ ﺘﻔﻌﻠﻪ؟ ﺴﺄﺒﻌﺙ إليه ﺒﺭﺴﺎﻟﺔ ﺃﺴﺎﻟﻪ.. ” يجيب رياض على تهديد عفيف البزري قائلا:”  ﻭﺍﷲ ﻋﻡ ﺘﺤﺭﺠﻨﻲ ﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﻘﻴﺩ.. ﺃﻨﺎ ﻤﺎﺍﻋﺭﻓﺵ ﻏﻠﻁﻲ. ﻤﺵ ﻋﺎﺭﻑ ﺍﻟﻠﻲ ﻤﺯﻋﻠﻙ ﻤﻨﻲ.. ﺤﻘﻙ ﻋﻠﻲ أن ﻜﻨﺕ ﻏﻠﻁﺎﻥ، ﺒﺱ ﺨﻠﻠﻲ ﺩﻱ ﺒﻴﻨﻨﺎ ﻤﺎ ﻴﻨﻘﻁﻌﺵ ﻋﻴﺸﻲ، ﺘﺤﺭﻙ ﻏﻀﺏ ﺍﻟﺭﻴﺱ ﻋﻠﻲ..”

وعلى العكس مما يورده الحوراني حول عدنان المالكي، فالأخير كان على ذات الخط الذي انتهجه البزري مع محمود رياض، فلقد حاول الحوراني أن يظهر مدى ومستوى تقاربه مع المالكي بغية رد مختلف الاتهامات التي طالته في قضية الاخير، وأبرزها موقفه من ترشيح رياض المالكي بدلا من صلاح البيطار والتي كانت سببا لموقف المالكي من البعث عموما ومن أكرم الحوراني خصوصا، والذي يحاول ـ الحوراني ـ التملص منها في مذكراته عندما يقول:” هتف الاستاذ صلاح البيطار اليَّ في مكتب الحزب في حماة يدعوني للحضور فورا الى دمشق لأمر هام، فخيل لي أن مؤامرة انقلابية أعدتها الفئات الرجعية في الجيش لتعطيل الانتخابات.. فتوجهت فورا الى مكتب الحزب حيث وجدت الاستاذ صلاح البيطار والاستاذ ميشيل عفلق الذي كان حضوره من مصيفه في برمانا ما يدل على على خطورة الوضع، قال الاستاذ صلاح:‘ن الأحزاب الرجعية تتآمر لإسقاطي وإنجاح الأستاذ رياض المالكي في الانتخابات وأن ذلك سيؤثر على وحدة الحزب وسلامته لذلك أرى أن ينسحب رياض من المعركة، فوجئت باقتراح الاستاذ صلاح وقلت له: ما هي الدلائل على ذلك؟ وعندما لم يكن لديه دليل سوى ما يهمس به الناس، قلت له: إنك ستقع في الفخ الذي ينصبه لك أعداؤك، وإنني أراهن عل أنك ستنال عددا من الأصوات أكبر من العدد الذي يناله رياض وموعد الاقتراع قريب وإياك أن ترتكب هذا الخطأ الجسيم إن استمرار رياض في المعركة هو لصالحك، كان الاستاذ ميشيل يصغي اليَّ فقط على الرغم من الاتفاق بينهما، وبعد جدل اقتنع الاستاذ صلاح بالاستمرار دون أن ينسحب رياض المالكي.. كان عليَّ بحث موضوع ادارة المعركة التكميلية في دمشق حيث كان جو الحزب في غاية البلبلة والاضطراب، وهي نتيجة طبيعية لكل فشل، وكان من الهين أن أضبط الموقف لولا ان السيدان صلاح البيطار وميشيل عفلق، كانا مصرين على انسحاب رياض المالكي من المعركة، وقد حاولت كثيرا بأن استمرار رياض المالكي هو لمصلحة البيطار وأن ضرر انسحابه لا يقتصر على المعركة التكميلية وإنما له انعكاساته الخطيرة على القضية والحزب، وقد حاولت جهدي اقناعهما مستندا الى أن تقديري السابق كان صحيحا إذ أن البيطار نال من الأصوات أكثر مما ناله رياض المالكي، ولكن عبثا كانت محاولاتي لإقناعهما وأنني لا أزال حائرا في تعليل اصرارهما على انسحاب رياض المالكي، هل هو سؤ تقدير منهما؟ أم أنهما كانا يفكران بأن الاكتساح الشعبي في المنطقة الوسطى قد يعكس آثاره على دمشق ويكون سببا في نجاح رياض المالكي وصلاح البيطار معا مما يهدد انفراده بزعامة الحزب في دمشق ! وأن موافقتي على انسحاب رياض من المعركة كانت على القاعدة القائلة ( يحتمل الضرر الأخف في سبيل دفع الضرر الأشد) فإن فشل البيطار في المعركة كان يعرضنا للضررين معا ، اذاً لا بدَّ من العمل لإنجاح البيطار بما أوتينا من قوة هكذا بدت لي الأمور في تلك الظروف الدقيقة التي كانت تمر بها البلاد..”  لقد كان الحوراني حريصا على أن يظهر الجانب الايجابي من سياسته وصلاته بالكثير من السياسيين، لكنه يقع في الفخ الذي نصبه لنفسه في كثير مما تأتي عليه مذكراته، 

يستعرض دعاة التقارب المصري ـ السوري(الحوراني ـ السراج ـ رياض) الوضع السياسي السوري بمختلف وجوهه، من حيث موقف القوى السياسية والعسكرية من تحقيق الغاية التي عُينَ من أجلها محمود رياض، ويصلون لنتيجة أن العقبة أمامهم هي الإخوان المسلمون والحزب السوري القومي الاجتماعي والذي يعتبر الأقوى في تلك المرحلة، هذا على الصعيد السياسي، أما على الصعيد العسكري، فلم يكن سوى المالكي من خلال منصبه كرئيس للشعبة الثالثة حيث بإمكانه ازاحة أي من العسكريين عن منصبه أو موقعه في الجيش..  و لا ينفك الحوراني عن التذكير بخطورة هذا الحزب واعتباره رجعيا لوقوفه مؤيدا وداعما لحلف بغداد حيث الصراع على أشده بين الحكم الهاشمي في العراق والسعودي في شبه الجزيرة وتاليا وقوف السعودية الى جانب مصر في رفضها لحلف بغداد..

في استعراضه للأحداث التي سبقت اغتيال المالكي، يركز، في مواضع عدة من مذكراته على الحزب السوري القومي الاجتماعي كهاجس مقلق لسياسته التي بقيت منفصلة عن العفلق والبيطار، رغم الوحدة الحزبية التي تمخض عنها حزب البعث العربي الاشتراكي، فهو لا ينفك أيضا يشير الى الافتراق بينه وبينهما في مختلف المراحل التي تتناولها مذكراته، لكن الهاجس كان الحزب القومي الاجتماعي كمنافس لحزب البعث دون الأحزاب الأخرى، كما ويكرر تخوفه من الهجمة الاستعمارية التي تتعرض لها سورية والتي تنذر بشر مستطير، يقول: “روى لي مصطفى حمدون بعد عودته من مصر عندما أنهى دراسته في كلية الأركان المصرية ، وكان يحظى هناك برعاية خاصة من جمال عبد الناصر(؟!!) أنه قد استدعي الى منزل عبد الناصر قبل اغتيال الشهيد عدنان المالكي، وفي هذه المقابلة قال له عبد الناصر:( إن لديه أخبارا مؤكدة عن تصميم جهاز المخابرات الأمريكية على تصفية قادة البعث في سورية بالقتل والاغتيال ثم أضاف، أنه مستعد أن يقدم للحزب كل عون ومساعدة مادية سواء بالمال أو السلاح، فاستغرب مصطفى حمدون أقوال عبد الناصر لأنه لم يكن مطلعا أثناء وجوده في مصر على المؤامرات التي كانت تعصف في سورية ..) وفي موضع آخر من مذكراته يقول:(كان صلاح سالم شديد الاهتمام باجتماعاته مع الفئات والأحزاب الرجعية فلم يترك أحدا من دعاة الحلف إلا وقام بزيارته( لم يكن الحزب السوري القومي الاجتماعي من تلك الفئات التي يصمها  الحوراني بالرجعية على قائمة زيارات صلاح سالم) يتابع متذكرا:” كانت زيارة الصاغ لمكتب الحزب هما كبيرا لنا، فقد كان الاستاذ ميشيل معاديا لنظام عبد الناصر لذلك أوعز لجماعته بالمقاطعة إلا عددا قليلا منهم ليدخلوا بمناقشات مع صلاح سالم هدفها احراجه وإخراجنا، ولم أكن أرى من المفيد في ذلك الظرف أن نصطدم معه وبتاريخ 29/ 2/55 توجه صلاح سالم الى مكتب الحزب تتقدمه الموتوسيكلات والسيارات العسكرية فاستقبلته..”

يحاول الحوراني، في ما يقوله أعلاه، التأكيد على رغبة عبد الناصر بإقامة علاقات ودية وداعمة لحزب البعث على الرغم من عدائية ميشيل عفلق لنظامه، والتي ولا شك أن عبد الناصر على علم بها، لكن مصطفى حمدون والمحسوب على أكرم الحوراني، يلقى رعاية خاصة من جمال عبد الناصر، لذا كان على الحوراني استقبال موفده الى دمشق صلاح سالم؟! لأسباب شتى أبرزها ما نقله حمدون الى الحوراني عن لسان عبد الناصر، والتي يؤكد عليها في بدايات عام 55 حيث يقول:” كان جو البلاد ينذر بشر مستطير تنم عنه تحديات العملاء في كل مكان ، وشعرت أن وجودي في دمشق ضروري لرصد هذا التآمر وإحباطه إن أمكن..”

يؤرِّخ الحوراني تلك الأشهر التي سبقت مؤامرة الاغتيال بدقة فيقول:” لقد حاولت جهدي أن أقنع الحكومة بضرورة الاهتمام بالحادث( اصابة أخيه واصل والتي أدت الى وفاته) لا لصلته بي بل لأنه كما يبدو لي ـ حلقة من مؤامرة كبرى على البلاد وليس حادثا عارضا وأن تآمر الحكومة السابقة بالعفو عن صلاح الشيشكلي (القومي السوري وشقيق أديب الشيشكلي) وسماح الحكومة الحالية له بدخول البلاد قد سبب هذه الفاجعة وأن أي إهمال سيجر البلاد الى أمور لا تحمد عاقبتها، وقد ذهبت كل تحذيراتي وتنبهاتي السابقة، صرخات في واد، كان خالد العظم ضعيفا تجاه مكائد الذين يحيطون به من أبناء طبقته فلم يكشف مكائد نوفل الياس وأسعد هارون وحسن الأطرش وفائق منان إلا بعد انتهاء معركة الرئاسة ، وبالرغم من اخلاصنا لله ، فإنه كان حذرا منا (؟!) بصورة شلت نشاطنا ومنعتنا من العمل لصالح نجاحه في معركة الرئاسة خوفا من شكوكه وسوء ظنه، بالوقت الذي كان فيه باب المناورة فسيحا أمامنا يمكِّننا من قلب المعركة لصالحه فكان وضعه هذا أحد أسباب إخفاقه في معركة الرئاسة،”

يقول:” كان شهر نيسان عام 1955، حافلا بأحداثه ومؤامراته الداخلية والعربية والدولية من أخطر الشهور التي مرت بتاريخ سورية، وفيه توثق تحالف رئيس الجمهورية وحزب الشعب مع بعض قيادات الحزب الوطني ومعظم المستقلين والسوريين القوميين ضد جبهة الائتلاف ( وهنا لا يحدثنا ويبين لنا ممن كانت تتألف هذه الجبهة طالما أن معظم المناوئين لها هم قوى متحركة على أرض الواقع السياسي السوري) ، وقد تجلى ذلك في الانتخابات التي جرت أواخر شهر آذار عام 1955 ومع ذلك فقد سقط مرشح السوريين القوميين بديع اسماعيل وحليفه علي يونس في طرطوس ونجح مرشحا الكتلة الديموقراطية رياض عبد الرزاق واسماعيل حسين (؟؟؟)، أما في الغوطة فقد نجح حنا كسواني مرشح السوريين القوميين بدعم من حزب الشعب رشاد خيري وسقط الاستاذ خليل كلاس الضابط المتقاعد في هذه المعركة لامتناع فرع حزب البعث عن تأييده، وقد لجأ السوريون القوميون وحزب الشعب الى العنف في هذه المعركة فهاجموا خمسة مراكز اقتراع ومزقوا جداول شطب الناخبين ..”

وسنفرد لموقف الحوراني من الحزب السوري القومي الاجتماعي جانبا من دراستنا هذه بعد أن نتبين علاقته بالعفلق والبيطار والمالكي وبمختلف السياسيين في تلك الفترة التي سبقت الاغتيال ، وما كان يردده من محاولات الغرب للسيطرة على سورية في تلك الأشهر وما تلاها،

بين العربي الاشتراكي والبعث العربي:

في مختلف الموضوعات التي يتطرق لها الحوراني في مذكراته، يشير الى التناقض بينه وبين عفلق والبيطار على الرغم من الوحدة الحزبية المعلنة، كان نهج الحوراني على ما يبدو في مذكراته، مختلفا عن نهج العفلق والبيطار، حيث يعيد ذلك الى مواصفات وخصائص عفلق النفسية، يقول:” كان الاستاذ ميشيل يسبغ على أهوائه ونزعاته ثوبا مبدئيا، فالاشتراك في الحكم ومجلس النواب هو انتهازية وحب للسلطة، والحكم هو عمل مناقض لمبادئ الحزب التبشيرية وطهارته الثورية، ولكنه لم يكن كذلك عندما رشح نفسه عن دمشق مرتين وفشل، ولم يكن كذلك عندما اشترك عندما اشترك في الوزارة التي شكلها هاشم الاتاسي إثر انقلاب الحناوي عام 1949..” وفي موضع آخر من مذكراته يقول: “ظل حزب البعث حتى عام 1954 غريبا عن دمشق، إلا في أوساط الطلاب والمثقفين( وهؤلاء من خارج دمشق) وقد كان قادة حزب البعث بعجزهم عن تعليل هذه الظاهرة ومعالجتها يعتبرون دمشق مدينة رجعية مع أن تعليل هذه الظاهرة ومعالجتها كان أمرا ميسورا.. فإنه( حزب البعث) ظلَّ معزولا عنها لعجز قيادته الذاتية وعدم قابليتها لقيادة الجماهير الشعبية..”

قد لا تخلو صفحة من صفحات مذكرات الحوراني من الاشارة الى افتراقه عن عفلق والبيطار، يقول: “كانت المعارك النضالية وزخم الحركة الجماهيرية تجعل من أشلاء الحزب المتناثرة شيئا فشيئا حزبا أكثر تماسكا وتنظيما، ولا بد من الاعتراف هنا بأن أحدا من القيادة  الثلاثية للحزب حتى في حال تجردها وتماسكها ، لم تكن موهوبة بالفكر التنظيمي، ولكنها كانت قادرة على كل حال لو أخلصت النية وتجردت عن أهوائها ونزواتها بالتفاهم والتساند أن تقيم تنظيما حزبيا يقي الحزب مما حلَّ به في ما بعد من كوارث ونكبات.. ” ويشير في آرائه المبعثرة هنا وهناك في مذكراته الى أنه كان هدفا لهجوم عفلق تحديدا، يقول: “من المسلم به أن التنظيم الحزبي لا يمكن أن ينفصل عن أيديولوجية الحزب، وقد كانت الثغرات العقائدية والغموض والضبابية في فكر الحزب مدعاة لنشوب الخلاف منذ المؤتمر الأول الذي عقده مجلس الحزب بعد انتخابات 1954، فقد طرحت في هذا المؤتمر خلافات عقائدية(!!!) كانت بعيدة الغور، عميقة الجذور، اذ هاجم جماعة الاستاذ عفلق ومريدوه، سياسة الحزب ومعركة الفلاحين معتبرين الصراع الطبقي أمرا خارجا عن عقيدة البعث.. لكنه كان من الطبيعي أن تستتبع هذه الخلافات العقائدية خلافات في استراتيجية الحزب وتكتيكه، وهكذا فإن اشتراك الحزب في جبهة الائتلاف ثم في الوزارة قد صعد غضب الاستاذ ميشيل وجماعته ولا شك أن جلال السيد قد لعب دوره في الاثارة ومحاولة تمزيق الحزب.. قال لي نور الدين الأتاسي بعد سنوات وقبل سفره الى تونس هو وزميله ابراهيم ماخوس لمساندة لثورة الجزائرية، أن الاستاذ ميشيل أملاها عليهم بنفسه..”

ما يهمنا من بيان جوهر الخلاف بين الحوراني من جهة وعفلق والبيطار من جهة أخرى، هو أنه كان مبررا للحوراني للانفراد بسياسته عن الأخرَين، وهذا ما يفسر لنا لماذا كان توجه محمود رياض اليه دون عفلق والبيطار، فهو محسوب على الخط الاشتراكي الذي يمثله عبد الناصر..

ما عن علاقته بعدنان المالكي، الذي يتباكى عليه كثيرا، على الرغم من أن كل الدلائل تشير الى تناقضه معه، أكان لجهة علاقته بالسفارة المصرية وعبد الحميد السراج، أم لضلوعه بموضوع اقصاء أخيه رياض في انتخابات 1954 أو في مواصفات المالكي بالتحديد من حيث عدم ثقته بالسياسيين، يقول في معرض تبرئته لنفسه من موضوع انسحاب رياض المالكي:” فكرت فورا بالاجتماع بعدنان المالكي فرأيته ـ كما قدَّرتُ ـ غاضبا مهتاجا لأنه اعتبر القضية ماسة به وبأخيه شخصيا، فالحزب هو الذي طلب من رياض أن يرشح نفسه عن الغوطة، ثم طلب منه أن يرشح نفسه عن دمشق، والآن يطلب منه الانسحاب من المعركة، كان عدنان يقول:

“إن رياض ما كان يتعرض في الحزب لهذه الجرجرة وهذا الامتهان لو لم يكن أخا له وأنه لا يقبل ذلك لرياض، لا بصفته أخا له ولا بصفته مناضلا حزبيا قضى معظم فترة الديكتاتورية يتحمل السجن والتعذيب ..

كنت أحاول تهدئته ، عبثا ثم اضطررت بعد جدل وحوار طويل أن أكشف له موقفي فقلت له: إنني كنت أمام خيارين إما وحدة الحزب أو انسحاب رياض، ففضلت الانسحاب على اعتباره أهون الشرين، وطلبت منه أن يعتبر نفسه في موقفي ويختار، ولكن هيهات ، كان عدنان لا يمكنه أن يقنع بضرورة الخيار بين أمرين خطيرين فرضتهما الوساوس والأنانية الشخصية، وكان أكثر ما يؤلم عدنان قناعته بأن البعثيين لم يصوتوا جميعا لرياض المالكي، بينما كان رياض ملتزما وكان يوصي بالتصويت لصلاح قبل أن يصوتوا له ، ومن جهة أخرى فإن عدنان كان على علم بما كان يشيعه بعض الحزبيين من التدخل لمصلحة أخيه ، وقصارى القول فإن هذا الموقف قد سحب آثاره الخطيرة على الحزب والقضية وكانت هذه الخطيئة التي ارتكبها الاستاذان سببا في كثير من المآسي والمشاكل..” على الرغم من أن الحوراني يبرئ نفسه من تهمة انسحاب رياض المالكي بإلصاقها بعفلق والبيطار، فإن تساؤلنا يبقى في إطار لماذا اقترن الانسحاب بعدنان المالكي من خلال قول الحوراني(..إن رياض ما كان يتعرض في الحزب لهذه الجرجرة وهذا الامتهان لو لم يكن أخا له وأنه لا يقبل ذلك لرياض..) مما يفيد أن علاقة عدنان المالكي بحزب البعث لم تكن كما يصفها الحوراني بالودية حتى قبل الطلب من رياض الانسحاب من المعركة الانتخابية، وأنها كانت علاقة أقرب ما تكون الى العدائية منها الى الودية ولهذا كان اصرار البعث، بقياديه على انسحاب رياض، ولأسباب لم يفصح عنها الحوراني وهي كما تذهب اليه المذكرات ذاتها الى علاقة أكرم الحوراني بالسفارة المصرية وانجرافه في المخطط الناصري الذي يعاديه عدنان المالكي، أيضا لم يذكر لنا الحوراني كيف (كانت هذه الخطيئة التي ارتكبها الاستاذان سببا في كثير من المآسي والمشاكل..) وما هي تلك المآسي والمشاكل التي رافقت موقف عدنان من طلب انسحاب أخيه.. يقول في موضع آخر من مذكراته:” والمهم أن بحثه( أي الصاغ صلاح سالم) ومناقشته لنا لم تتسم بالود بل كان طابعها (الجفاصة) ولم أكن مرتاحا من مقابلته، بل ترك في نفوسنا أثرا سيئا ..تُرى ما الذي جعل صلاح سالم يؤجل زيارته مكتب البعث فيجعلها آخر زياراته؟ أكان امتناعنا عن استقباله هو السبب؟ أم كان السبب موقف ميشيل عفلق المتحفظ؟ أم أن عبد الناصر والصاغ سالم كانا يعرفان الخلاف الذي نشأ بين عدنان المالكي والحزب إثر انتخابات دمشق؟ وهنا لا بد لي أن أنوه بأن جميع الجهود التي بذلتها لإعادة الصفاء بين عدنان والحزب قد ذهبت سدى ولكن رابطة المودة والمحبة ظلت قائمة بيني وبين المرحوم عدنان ..”   

في كتابه (أيام عشتها)، يقول الضابط محمد معروف والذي شغل منصب رئيس المكتب الثاني في أركان الجيش السوري، عن أكرم الحوراني ما يلي:” لقد ارتبطتُ معه( مع نجيب الريس) بصداقة متينة وكان يتردد على مكتبي كثيرا، وكنا نتداول في الكثير من الأمور السياسية، ولم أختلف معه يوما إلا على شخصية أكرم الحوراني، فقد كان يراه قمة في الحقد والانتهازية ومغامرا، فيما كنتُ أعده من الزعماء الوطنيين المخلصين ( وكان على حق) ..”

 لم يكن أكرم الحوراني لينال ثقة من حوله، لا ثقة عفلق ولا ثقة البيطار ولا حتى صبري العسلي الذي اتهمه بالمأجور لدى استقبال الأخير لصلاح سالم ولا حتى خالد العضم الذي كان كما جاء في أقوال الحوراني عن معركة الرئاسة التي خاضها ضد شكري القوتلي، حيث يقول: “على الرغم  من اخلاصنا لله ، فإنه كان حذرا منا (؟!) بصورة شلت نشاطنا ومنعتنا من العمل لصالح نجاحه في معركة الرئاسة خوفا من شكوكه و سوء ظنه..” أيضا كان يشكك في مصداقية شوكت شقير حيث يقول:” لم أكن أقدر أن شوكت شقير كان يلعب هذه اللعبة المزدوجة، وذهب بي الظن أن الجيش أراد من سماحه للقوتلي بالعودة أن يبرهن على حياده وعدم بالسياسة، وحاولت تشجيعا لخالد العضم أن أقنعه بحسن نية شوكت شقير وفي الوقت نفسه كنت قانعا بأن رئيس الأركان، على فرض سوء نيته، عاجز عن  تبديل اتجاه الجيش وقناعاته بشكري القوتلي، كما في محاولته ابعاد أي شائنة من مسلكية السراج، كذلك هي الحال بالنسبة لأكرم ديري، يقول: ” اجتمعت بالمقدم مصطفى رام حمدون رئيس الشعبة الثانية وأخبرته بتفاصيل ما رواه لي أفراد الشرطة العسكرية.. وقلت له :”إن الضابط أكرم ديري رجل عسكري ولا يثق كثيرا  بالسياسيين، لذلك أرجو أن تكلمه باسمك وتنبيهه وتذكر له ما رويته لك من وقائع بحكم وظيفتك” وبعد مدة اجتمعت بمصطفى رام حمداني وسألته عن نتيجة مسعاه مع أكرم ديري فقال لي: أنه لم يحفل بكل ما ذكرته له ونبهته اليه واعتبره تدخلا بشؤونه ، وهذا ما كنت أتوقعه قبل مكاشفته بالأمر ” بما يعني أن أكرم ديري لم يكن على علاقة ودية بأكرم الحوراني، وهذا ما تناقضه الوقائع التي مارسها أكرم ديري في دهاليز التحقيق مع القوميين ..     

أما عن علاقته بالحزب السوري القومي الاجتماعي، فحدث ولا حرج، يقول:” لفت نظري في تلك الفترة، أمران لم أفهم أبعادهما آنذاك:

الأول: أبلغ حزب الشعب لطفي الحفار ترشيحهم له لرئاسة الجمهورية…

الثاني: هاجم أربعون مسلحا من السوريين القوميين بتاريخ 23/2/55 الطلاب البعثيين في حمص عند خروجهم من الكلية وأطلقوا عليهم نيران مسدساتهم وأعملوا فيهم طعنا بالخناجر فسقط خمسة طلاب جرحى وكان منهم أحد أقربائي(عبد الجبار الشقفة) وقد وقع هذا الهجوم نتيجة صدام طالب بعثي وآخر سوري قومي عندما كان السوريون القوميون يوزعون نشرات يهاجمون فيها البعثيين، وقد فضت ادارة المدرسة هذا النزاع وعندما كان الطلاب ينصرفون من المدرسة فوجئوا بهجوم المسلحين السوريين فاعتقلت الشرطة وقوى الأمن عددا منهم وصادرت أسلحتهم.. وبعد أيام من هذه الحادثة، عندما كان القوميون يحتفلون بذكرى أنطون سعادة، قاموا بهجوم معد ومهيأ على حزب البعث في دير الزور فسقط منهم قتيل وثلاثين جريحا من الطرفين بعد أن استمرت المعارك أربع وعشرين ساعة في أنحاء متفرقة من المدينة فاضطر الجيش لاستلام الأمن فيها.. ” يضيف قائلاً:” في هذه الفترة اتصل بي سرا بعض أفراد الشرطة العسكرية في دمشق ممن لم يكن لي بهم سابق معرفة، وقدموا لي انفسهم فعرفت أنهم من فلاحي سورية الشمالية فأخبروني عن نشاط السوريين القوميين الذين أصبحوا مسيطرين سيطرة تامة على الشرطة العسكرية وقد أبدوا حذرهم وارتيابهم من مغبة هذه السيطرة وظهر لي من لهجتهم صدقهم ووعيهم وحرصهم، وكانوا يدعمون أقوالهم بالوقائع والتفاصيل والأسماء ولشد ما كانت دهشتي من ذلك وأنا أعرف أن رئيس الشرطة العسكرية كان أنذاك أكرم ديري وهو من تلاميذ عدنان المالكي، قلت لهم: كان يجدر بكم أن تنقلوا هذه المعلومات الى رئيسكم أكرم ديري، فهو شاب موثوق به ومن تلاميذ عدنان المالكي المقربين ومعروف عنه بعده عن الحزبية وكرهه لها، وأنا أستغرب كيف يغفل عن تغلغل السورين القوميين ، ولم أكن لأهتم كثيرا بهذا الأمر لولا اعتداءات السوريين القوميين المتكررة ولولا شعوري بالمؤامرات التي تحاك للبلاد، من كلل جانب، لذلك اجتمعت بالمقدم مصطفى رام حمداني رئيس الشعبة الثانية وأخبرته بتفاصيل ما رواه لي أفراد الشرطة العسكرية، وقلت له إن الضابط أكرم ديري رجل عسكري ولا يثق كثيرا بالسياسيين لذا أرجو أن تكلمه باسمك وتنبهه وتذكر له ما رويته لك من وقائع وكأنك اطلعت عليها بحكم وظيفتك، وبعد مدة اجتمهت بمصطفى رام حمداني وسألته عن نتيجة مبتغاه مع أكرم ديري فقال لي: أننه لم يحفل بكل ما ذكرته ونبهته اليه واعتبره تدخلا بشؤونه وهذا ما كنت أتوقعهقبل مكاشفته بالأمر، ولم أطلع عدنان على هذا الأمر بالنظر للفتور الحاصل بينه وبين حزب البعث وخشيت أن يعزو حديثي معه الى دوافع حزبية فلا يعير هذا الأمر أي اهتمام..” أما عن تغلغل السوريين القوميين في الاذاعة فيقول:” كان الاستاذ عبد الفتاح الزلط على معرفة بما أعانيه من ضيق، فسافرنا سوية الى بيروت وفي يوم الجلاء كنت في نزهة معه على طريق مطار بيروت الولي نستمع الى اذاعة دمشق التي كانت تفوح من برامجها وكلماتها وأناشيدها، رائحة السوريين القوميين بشكل مفضوح، وكأن انقلابا سوريا قوميا قد حدث ، قلت لعبد الفتاح: إن موظفي الاذاعة من السوريين القوميين مسعورون في هذا اليوم وكأن بهم مسا من جنون، فما هو السر؟ ثم أضفت قائلا : إنهم تغلغلوا في الاذاعة السورية منذ عهد الشيشكلي وأصبحوا شيئا فشيئا مسيطرين عليها سيطرة تامة وفي مقدمتهم المذيعة عبلة الخوري( التي أصبحت بعد فرارها من سورية مذيعة في محطة لندن) لقد حيرني جنون الاذاعة في ذلك اليوم ( أي قبل اغتيال المالكي بخمسة أيام) ولم أستطع أن أجد له تعليلا واضحا سوى هوس المذيعين الحزبيين، إذ أنه لم يكن للسوريين القوميين أثر يذكر في الشعب أو الجيش..” ومما يقوله في الحزب السوري القومي الاجتماعي،” أصبح دأب صحيفة السوريين القوميين مهاجمة حركة الفلاحين(؟؟؟) بشكل مبطن وعليَّ أحيانا وكان الحقد والجهل بحقيقة هذه الحركة ينضح في مقالاتها” أما عن علاقة الحزب السوري القومي الاجتماعي بأمريكا والغرب فيقول:” استغل الحزب السوري القومي علاقته بالشيشكلي (؟!)فازداد جرأة في مهاجمة الحزب العربي الاشتراكي وتحريضه على الأحزاب السياسية الأخرى والذي يقرأ ما كانت تنشره “الجيل الجديد” أنذاك ويقرأ بيان الشيشكلي الذي أثبتنا نصه في الصفحات السابقة ، يلمس بصمات الحزب المذكور على البيان الذي أصدره أديب الشيشكلي، لعب الحزب السوري القومي عن طريق عصام المحايري وكذلك عن طريق فؤاد الغميان وغيره من أركان السفارة الأمريكية في دمشق دورا هاما في انقلاب الشيشكلي وتوجيهه، ثم أصبح الحزب بعد انهيار نظام الشيشكلي عصابة اجرام واغتيالات أدت الى مصرع الشهيد العقيد عدنان المالكي عام 1955 ..”

 

في أدلة النيابة العامة العسكرية :

  ـ في الادلة ـ

        لقد تأيدت هذه الوقائع:                                                    

1 ـ بافادة المدعى عليه الوكيل بديع مخلوف المدرجة في الصفحة / 5 / من ضبط التحقيق وملخصها ان المدعى عليه غسان جديد اتصل معه مرات عديدة لا سيما بعد ان  نقل الى دمشق وسأله عن امكانه بالقيام بمهمة فيها موت ولما استوضحه بديع قال غسان عدنان المالكي ولما سأله عن شخص يقوم بهذه المهمة رشح له الرقيب الاول                                                                                      يونس عبد الرحيم والمدعى عليه الثاني الرقيب منعم وكان غسان آنذاك معاونا لآمر موقع دمشق وقد اجتمع يونس مع غسان الذي كلفه بهذه المهمة فوافق عليها وكذا عبد المنعم دبوسي واعطى المدعى عليه اسكندر شاوي مسدسا الى منعم وذلك يوم الثلاثاء بعد ان كان قد سبق وان طلب الوكيل بديع مخلوف مسدسا من اسكندر قبل عيد الجلاء لتنفيذ مؤامرة القتل يومذاك ويوم الجمعة حوالي الساعة التاسعة حضر يونس عبد الرحيم الى دار بديع واعلمه بان العقيد المالكي سيحضر المباراة ولما سأله بديع مخلوف فيما اذا كان مصمما على اغتيال العقيد فاجابه منعم سأرى وقد حضر بعد ذلك منعم وابراهيم وشواف وحوالي.. الساعة الثالثة عشرة خرج الثرثة ابراهيم الصواف والوكيل مخلوف ومنعم بعد ان كان يونس قد خرج قبلهم وحمل منعم مسدسه الذي معه من قبل ووضعه ضمن الباتل دريس وهو من نوع الاوتوماتيك بريتا او ما يشبهه وحمل الوكيل بديع المسدس بكرة الذي اعطاه اياه اسكنر شاوي ووضعه ضمن زنار

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 16

البنطال وكانت مهمة كل من بديع ومنعم قتل العقيد وقتل نفس القاتل وفي حال احجام القاتل عن قتل نفسه فيقتل من قبل الآخرين وقد اعد يونس نفسه للقيام بتنفيذ القتل ووقف خلف المنصة باعتباره المسؤول عن الحراسة في ذلك المكان وقد اسر بديع الى زهير قتلان بان الطلقة اجدبت كما اعلمه يونس ثم قال يونس لبديع هلاء بتشوف وبعد قليل انطلقت ثلاث طلقات اثنتان منها اصابت العقيد والثالثة اصاب بها القاتل نفسه ففر بديع واتجه نحو محلة الشهداء حيث تقدم من المدعى عليه فؤاد جديد الذي كان في دكان الخياط كره بت واعلمه بديع بالقتل وطلب منه ان يبلغ زهير قتلان بلزوم حضوره لعند بديع فحضر زهير واخذ المسدس منه.   محضر المقابلة بين فؤاد وبديع المدرجة في الصفحة 24 من ضبط التحقيق.

ثانيا ـ بافادة المدعى عليه منعم دبوسي المدرجة في الصفحة 6 من ضبط التحقيق المتضمنة ان الوكيل بديع مخلوف كلفه بترؤس حلقة حزبية وان المقدم غسان جديد وشقيقه فؤاد حضرا لداره في الميدان وقد اختليا معا ومعهما الرقيب امين غنام ووضعوا اسس نظام المنظمة لتدريب افراد الحزب ووضعوا كراسا وبعد مدة زاره غسان جديد والدكتور اسكندر شاوي والوكيل بديع وفؤاد جديد حيث تناولوا بالبحث التنظيمات الخاصة بالحزب, كذلك فقد حضر الدكتور عبد الكريم الشيخ وجورج عبد المسيح وبحث الاول موضوع موقف الحزب في حال قيام غسان جديد بانقلاب, فعليهم ان يكون موقفهم مؤيدا وفي حال قيام البعثيين ان يكون موقفهم سلبيا, وقد اخذ من الوكيل بديع مخلوف مسدسا من نوع برابيللو عيار 9 مليمتر مع 12 او 13 طلقة وقبل عيد الجلاء بيوم طلب من بديع ان يحضر لعنده الساعة الثالثة اذ توجد لديه مفاجأة ومن ذلك اليوم ذهب منعم لدار بديع والتقى بيونس عبد الرحيم وبعد نصف ساعة تقريبا حضر بديع مخلوف ومعه اسكندر شاوي ولما احتوتهم الغرفة توجه الدكتور اسكندر شاوي الى يونس قائلا له ” ليس بالانفعالات والصفنات يجوز ان تصادفنا بعض الاحيان قضايا يجب ان يكون الذي يقوم بها على استعداد نفسي ” فاجابه يونس ” اذا كان الانسان متفهم تمام العمل مو  مجرور له جر ما بيفشل” فاجابه الدكتور شاوي ” لا يجوز القيام في هذه الحالة اثناء حدوث المهرجانات فاي عمل لان الحادث سيحدث تأثيرا عكسيا لدى الجماهير ويقلب العمل ضد الحركة وهناك مناسبات اخرى سيكون العمل فيها ….. وتطرق الدكتور اسكندر شاوي اثناء الحديث قائلا مثل ما افهم غسان جديد بالعمل الصالح بالسوريين القوميين كذلك يوجد اشخاص مثل العقيد المالكي يسيرون بحزب اكرم الحوراني.  كان الدكتور اسكندر شاوي عالما بعزيمة يونس عبد الرحيم على قتل المالكي ويوم الحادث توجه وبديع الذي يحمل المسدس بكرة نمرو 9 مم والمجند ابراهيم الصواف الذي اخبره انه سيلتقي معهما في الملعب فتناولا طعام الغداء في نادي النقباء فلما استوضح من الوكيل بديع عن الهدف منه فاجابه بديع ان الرقيب الاول يونس عبد الرحيم مصمم على قتل العقيد المالكي ولدينا مهمة وهي ان نقتل الزعيم شقير ايضا رئيس الاركان العامة فلم يناقش عبد المنعم بديع بالامر لانه بديع مسؤول عنه حزبيا وما ان وصلا الى الملعب حتى توجها نحو المنصة وجلسا على مقربة منها ومر بيونس عبد الرحيم وكان ينقل بعض الكراسي ولم يكلماه وكان عبد المنعم يتنقل بين المكان الذي جلس به والحاجز الخشبي الذي وراء المنصة تاركا بمكانه ابن شقيقه المدعو محمد ابن ثابت الدبوسي وقد لفت ذلك نظر الرقيب عردوس الذي اعلمه يونس بان في اسفله توجد فسفوسة وبعد ان دوت في الملعب الطلقات النارية انطلق عبد المنعم بين الناس المدنيين فقال له عردوس وين هربت ونظر له نظرة ريبة ثم توجه الى

دار شقيقه ثابت دبوسي الكائن في زقاق الصخر ….. ….. منه ثم جاء الى دار محي الدين ريشة واخذه معه ليسلمه مسدسه.

ثالثا ـ بافادة المدعى عليه ابراهيم الصواف الذي افاد في الصفحة 8 من ضبط التحقيق ان المسدس التركي نوع كاوكال رقم 23081 طراز 1951 المستعمل في القتل رآه مع المدعى                                                عليه بديع يعطيه في داره للرقيب منعم دبوسي وان المسدس الذي شاهد بديع يحمله يوم الجمعة عند خروجنا من الدار وهو غير المسدسين المعروضان علي الآن الاول استرا برابللو نموذج 643 والثاني بريتا عيار 9 مم رقم 26376.

رابعا المتضمنة ان شاهد يونس عبد الرحيم قرب المنصة بل خلفها فشاهد بديع مخلوف ومنعم دبوسي خلف المنصة واقفين مع بعضهما وانه جلس منعم الى جانبه وكان اثناءها ينهض ـ بافادة الشاهد محمود عردوس المدرجة في الصفحة 11 من محضر التحقيق

ويقف قليلا ثم لا يلبث ان يجلس ثانية فلما سأله عن السبب اجابه ان هنالك دملة في مقعده وان آثار الارتباك ظاهرة على وجهه.

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 17                                                   

خامسا ـ بافادة الشاهد محمد توفيق الجهان المدرجة في الصفحة 96 من محضر التحقيق المتضمنة ان ابراهيم الصواف كلفه بناء على طلب رئيس الشرطة العسكرية ان يسمح للاهلين بدخول المباراة وقد استرعى انتباهه وجود المجند ابراهيم الصواف في اعلى المدرج عندما هبط لتكليفه مسرعا من الجهة اليمنى بالنسبة الى الناظر لانه شاهد ابراهيم الصواف قد صعد ثانية من الدرج الذي نزل منه وبعد ان وصل الى منتهى … توجه الى المنصة وجزم الشاهد جزما قاضيا باقواله اكرر تأييدي بانه لم يكن قريبا ابراهيم الصواف حتى ولا وسط الدرج ولا في آخره صعودا بل كان قريبا من المنصة.

سادسا ـ بافادة الرقيب الاول احمد بن محمد الشيخ اسماعيل المدرجة في الصفحة 71 تحقيق المتضمنة …. ابراهيم الصواف استأذن ليذهب لتناول الغداء وكان في حالة الطوارئ فاذن له بساعتين اعتبارا من الساعة الحادية عشرة ولم يعد ابراهيم الى المخفر حتى الساعة السادسة مساء بناء على الحاجة وكثيرا ما كان يونس عبد الرحيم يسأله عنه  ان ابراهيم الصواف كان يحمل مسدسا غيره رسمي فمنعه.

سابعا ـ بافادة الشاهد سعيد بن حسين الحاج حسين المدرجة في الصفحة 44 من محضر الاستنطاق والتي تتضمن ان سعيد المذكور قام بتوزيع رجال الشرطة في الملعب البلدي وكان يونس عبد الرحيم احد المكلفين بالمحافظة على المنصة.

ثامنا ـ بافادة الشاهد صالح بن عربي الصباغ المدرجة في الصفحة 43 محضر الاستنطاق وبافادة الشاهد ياسين بن رسلان التكريتي المدرجة في الصفحة 47  وبافادة الشاهد زهير دبا المدرجة في الصفحة 48 تحقيق وبافادة الشاهد ابراهيم بن رسلان التكريتي المتضمنة جميعها انه قد لفت نظر رفيقهم طالب كثرة حركات الرقيب دبوسي واجتماعه مع الوكيل دبوسي قرب المنصة وآثار الارتباك بادية عليهما ثم فر منعم عندما طلب احد الشهود طالب من رجال الشرطة القاء القبض على منعم وانهم شاهدوا الرقيب منعم بحالة غير طبيعية ويدخن لفافته بشكل مضطرب واضعا يده بشكل زاوية كأنه يحمل شيئا تحت الباتل دريس وقد تمكن هؤلاء الشهود من الدلالة على منعم بعد ان وضعا بين عدد من الجنود واشاروا اليه.

تاسعا ـ بافادة الشاهد محمود لطفي الدبوسي المدرجة في الصفحة 52 من محضر التحقيق متضمنة بانه اجتمع مع عمه منعم في الملعب البلدي وكان يسير مع رقيب له شاربين سود ووجه ابيض فصعدوا نحو المنصة من الخلف وجلس محمود مع عمه في مكان قريب من المنصة وكان منعم يقف ويجلس ثم ذهب ولم يعد يجتمع به الا بعد اطلاق النار وكان بديع بل منعم مبتهجا وان والد محمود طلب من محمود ان ينكر هذه الواقعة.

65 ـ بافادة الشاهد اسماعيل عبد اللطيف المدرجة في / 3 / من محضر التحقيق المتضمنة انه كان يرى الوكيل بديع مخلوف يحمل مسدسا بواسطة حمالة وقد اراه له وهذا المسدس من عيار 9 مم وانه اشتراه ب 275 ليرة سورية وانه اذا اطلق وضغط على الزر خرجت الطلقة منه.

65 ـ بافادة  محي الدين  ريشة  المدعى  عليه  المدرجة  في  الصفحة / 13 / من محضر

التحقيق والمتضمنة انه ذهب مع منعم الى بيت ثابت الدبوسي في زقاق الصخر واخذ مسدسا كان اخفاه هناك واعطاه لي ثم وضعه في بيت اسماعيل جمعة ثم في بيت اسماعيل بطرش                                                  

وان هذا المسدس من نوع استرا بربللو عيار 9 مم رقم 43077.

65 ـ بافادة اسماعيل بطرش المدرجة في الصفحة / 24 / من ضبط التحقيق المتضمنة انه بعد يومين من الحادث اتى اسماعيل ومعه مسدس آخر واستودعه بيتا ( واودعاهما في بيت عمتي خديجة الصباغ دون ان تدري وكان ايداعهما قد حصل من قبل شقيقتي نعمت وانيسة ريشة.

13 ـ بافادة نعمت بطرش المدرجة في الصفحة 116 من محضر التحقيق والمتضمنة انه انه في اليوم الرابع من شهر رمضان حضر محي الدين ريشة ووضع لدينا مسدسا وبعد مدة جاء اسماعيل جمعة ووضع لدينا مسدسا آخر ونقلتهما انا وانيسة ريشة الى دار عمتي خديجة الصباغ دون ان تدري.

65 ـ  بافادة المدعى عليه عصام المحايري المدرجة في الصفحة 27 من محضر التحقيق المتضمن انه اثناء اجتماع مجلس العمد المؤلف من جورج عبد المسيح وجبران جريج وعصام المحايري وغسان جديد والدكتور سامي الخوري وكامل حسان  يوم الجمعة اي يوم الحادث الذي دام منذ الساعة الحادية عشرة صباحا حتى رن جرس الهاتف واخذ جورج عبد

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 18

المسيح …. وسمع الحاضرون جورج عبد المسيح يقول هذا دس لا تسمع له, جوابا لم يخاطبه واذاع الخبر قائلا لمجلس العمد … بال….عما يدقوا قال واحد اجا قال لهم بان العقيد المالكي قتل وكان الانزعاج باديا عليه فحضر المدعى عليه فؤاد جديد وكان ذلك بعد دقيقة او دقيقتين وكان الوقت جوالي الخامسة الا الربع مساء وقال قتل العقيد المالكي وكان فؤاد …. الوجه وابان     بان القاتل قومي سوري وعلى اثر ذلك قال كامل حسان انا راح روح لعند اسكندر شاوي خليه يقيم الاوراق المتضمنة اسماء العسكريين القوميين وقال له الرئيس جورج روح والتفت جبران جريج وسأل ارجع لبيروت فتلفن الى سعيد شهاب الدين وذهب معهما غسان جديد بعد ان اخذ خمسة وعشرون ليرة من عصام ثم ذهب الدكتور سامي الخوري بسيارة شقيقته عبلا ثم هيأ جورج اغراضه ومحفظته واحضرت له المدعى عليها جوليا سعادة كوفية وعقال واثناء ذلك كان حضر المدعى عليه فؤاد الشواف مدير مطبعة البناء وعاد كامل حسان وجبران جريج اللذين قبل ذهاب جبران مع غسان الى بيروت ذهبا الى دار اسكندر شاوي فابان لهما اسكندر احتاط للامر عند سماعه الطلقات النارية بالراديو فاخذ جورج عبد المسيح الكوفية والعقال وانصرف هو وفؤاد الشواف وكامل حسان وبقي عصام لوحده مدة خمسة عشر دقيقة التقى به احد عمال المطبعة ثم ذهب بسيارة بشير موصلي الى داره حيث القي عليه القبض وان جورج عبد المسيح عندما تلقى الخبر انفعل انفعالا عنيفا واهتم بتغطية الخبر اكثر من اهتمامه بسماعه واستدل من ذلك على ان جورج عبد المسيح بتوقع …. شيئا واكد انه اذا كان حصل القتل حزبيا فانه يستنتج ان اسكندر شاوي يعتبر زلمة جورج عبد المسيح القائد الملهم رغم ان جهاز التدريب يمكن ان ينفرد بهذا العمل لوحده وقد جاء بافادته المدرجة في الصفحة 136 في ان المطبعة كانت منشغلة في طبع النشرة الرسمية العدد الثالث للحزب وتتضمن مرسوما بانشاء المجلس الاعلى وكلمة لعمدة الاذاعة واخبارا عن الحوادث التي وقعت في شهر آذار في داريا ودير الزور وطرطوس وحمص بين القوميين والبعثيين والاشتراكيين واكد ان غسان جديد هو عميد التدريب للحزب وان اسكندر شاوي وكيل عميد التدريب.

65 ـ بافادة المدعى عليه كامل حسان المدرجة في الصفحة 72 من محضر التحقيق والمتصمنة …. ما ورد بافادة المدعى عليه عصام وزاد عليها قائلا ان احدنا وهو جورج عبد المسيح يعلم ان يونس عبد الرحيم سوري قومي وانه ذهب مع جبران جريج الى دار اسكندر شاوي بشأن اخفاء اسماء العسكريين وكان اسكندر قد اخفاها عندما سمع العيارات النارية في الراديو وبافادته المدرجة في الصفحة 88 تحقيق المتضمنة ان اسكندر شاوي عندما وقع الحادث كان وكيل عمدة التدريب وغسان جديد كان عميد التدريب واستنتج كامل من اخفاء اسكندر الاوراق انه كان يتوقع الحادث وهو على علم به ونظرا لما يربط اسكندر شاوي وجورج عبد المسيح من صلة فان اسكندر لم يقدم على عمل خطير كهذا مطلقا دون اطلاع الرئيس جورج واكد ان جولييت المير قد اعطت جورج عبد المسيح حطة وعقال.

 

الرد على أدلة النيابة العامة العسكرية:

يتضح من قراءة أدلة النيابة العامة، أنها مجرد أقوال أخذت عنوة وتحت التعذيب الشديد، وهي في مجملها تأويلاً واجتهاداً في ما قاله فلان أو فلان من المتهمين أو الشهود، فالأدلة على وجه العموم هي وقائع مادية وليست مجرد ترديد لأقوال، وعليه يكون من واجبنا توخيا للحقيقة عبر موضوعية البحث أن نفترض جدلا:

1ـ أن الشهيد يونس عبد الرحيم قد أقدم على اغتيال العقيد المالكي بدافع ذاتي وهو اعتقاده بأن المالكي يقف وراء الحيلولة دون ذهابه في بعثة رشح لها الى فرنسا ومن منطلق طائفي بحت!؟ وآخر موضوعي، هو وقوفه وراء تسريح المقدم غسان جديد ومن منطلق طائفي أيضا، وأن ما ورد في ادعاء النيابة العامة وأدلتها صحيح ولا تشوبه شائبة، وأن مختلف الشهود إنما أدلوا بالحقيقة التي لا مراء فيها، إنما تبقى لدينا بعضٌ من أسئلة قبل هذا الاقرار، لم تأتي المحكمة في ادعائها وأدلتها على الاجابة عليها، ذلك أن الاجابة عليها تبقى سندا مهما في صحة إقرارنا من عدمه..

  إن تساؤلاتنا تنطلق بداية من تقريري التشريح والكشف على مسرح الجريمة ومن ثم من محاضر التحقيق وجلسات المحكمة ـ دون ما جاء من تأويلات واجتهادات وتفسيرات ومبررات ليوميات هي بطبيعة الحال من المسائل الاعتيادية والطبيعية ـ في الادعاء أو أدلته، وبهذا نثبت للملاء مدى موضوعيتنا في مناقشتنا لمجريات القضية عموما، مما يتيح لنا الاجتهاد في اجاباتنا على هذه الأسئلة وفي رسم سيناريو الدوافع والتخطيط والتنفيذ.

ففي تقرير الكشف الطبي والكشف على مسرح الجريمة، نواقص لا شك في أنها مقصودة مما يدين من قام بهذا الكشف ومَن وراءه، ولأنه في مطلق الأحوال جاء بناء على توجيهات عبد الحميد السراج سيء السمعة والسلوك كما جاء في متن هذه الدراسة:

إذا صحت رواية النيابة العامة في ادعائها وأدلتها، فكيف لنا أن نفسر:

ا ـ بالنسبة للشهيد يونس عبد الرحيم:

1 ـ  فقدان فارغة من أصل ثلاث طلقات سَمعها  كل من حضر المباراة أو عبر الأثير،؟ مع تأكيدنا أن الطلقات هي أربع، وليست ثلاث كما جاء في المحاضر والادعاء، اثنتان أصيب بها العقيد، وثالثة في فخذ الشهيد يونس ورابعة أطلقها الشهيد على نفسه أو أطلقها أكرم ديري عليه ومن ثم التقط فارغته وهذا ما يبرر اختفاءها، بما يعني أن الشهيد عبد الرحيم لم ينتحر كما أشيع، إنما قُتل،   علما أن الوكيل ماجد شاكر لم يبارح المنصة كما جاء في محضر الكشف، وتاليا عدم امكانية اخفائها من قبل أية جهة كانت!!  وبعدما غادرها الوكيل منير ملوحي وهو المسؤول عن أمن المنصة والذي كان حائلا دون فك تشابك صفي الكراسي خلف العقيد لجلوس بعض الحضور من غير المدعوين الرسميين، وخروجه من الملعب مع جمهور المتفرجين.. كما جاء في اقوال الشاهد طالب صباغ؟؟؟! كما عبد المجيد جمال الدين حاملا معه طلقة وفارغتين والمسدس الذي كان يحمله الشهيد يونس؟! ومختلف عناصر الشرطة العسكرية الذين طلب اليهم الحضور لموقع الشرطة العسكرية لإدلاء بأقوالهم !؟

2 ـ لم يُشر تقرير التشريح الى الطلقة التي استقرت في فخذ الشهيد يونس، والتي رفضت المحكمة إعادة تشريحها تجنبا للكشف عليها بغية نفي أي اثبات بأن الشهيد يونس كان مُستهدفا من قبل مُطلق النار، كما لم يشر التقرير لعيار الطلقات التي استقرت في كل من جثماني الشهيدين يونس والمالكي! بل اكتفى بالقول أن فتحة دخول الطلقات في كلا الجثمانين كانت 7 ملم؟ ولا أشار الى المسافة التي أطلق منها الرصاص ولا حتى جهتها والزاوية التي دخلت بها في كلا الجثمانين! حيث تعتبر هذه من جملة ما على تقرير التشريح تبيانه نفيا واثباتا!!

3 ـ لماذا تجاهلت المحكمة ضرورة اجراء الكشف على المسدس الذي كان يحمله الشهيد يونس والذي لم يُشر محضر الكشف على مسرح الجريمة اليه، وتاليا الى أن الطلقات كانت من المسدس الذي يحمله الشهيد يونس أم من سواه! ذلك أننا لم نجد في مختلف مستندات القضية ما يشير الى انه اجري مثل هذا الكشف او الاختبار على المسدس الذي قيل أن الشهيد يونس قد استخدمه في اغتيال العقيد!!! مما كان ينفي أو يؤكد صحة الادعاء بأن الشهيد يونس هو مطلق النار!!

4 ـ وفق ما توفر لدينا من معلومات مستقاة من أقوال (المتهمين) أنه لم يكن أحدا منهم على علم مسبق بالمباراة أو بحضور العقيد لها، فهل كان تمنطق الشهيد يونس بمسدسه عفويا ومحض صدفة؟ أم أنه كان على علم بحضوره وكيف يمكننا قبول ذلك ولم يكن أحد يتوقعه حتى محمود رياض لم يكن يتوقع ذلك؟ أم أنه توقع ذلك دون أية دلائل على حضوره؟ وتاليا كيف يمكننا تفسير ادعاء مستندات القضية بكاملها أن كلا من الشهيدين بديع وعبد المنعم شريكان في تنفيذ عملية الاغتيال وهما غير مسلحين وفق ما جاء في افادتهما على عكس ما جاء به طالب صباغ وشركائه من الشهود والذين سوف نتبين أنهم هم من أوكل لهم مراقبة منزل الشهيد يونس وتاليا التعرف على كل من مخلوف ودبوسي ومكان اقامتهما ويومياتهما حتى يوم الحادثة وفي الملعب، !  

5 ـ لماذا لم تستدعِ المحكمة من تضمنهم قرار أكرم ديري بحراسة المنصة (ـ يعين الملازم عيسى عجي مع كل من الرقباء الآتية اسماؤهم:   الوكيل منير فتوحي ـ الرقيب الاول يونس عبد الرحيم ـ الرقيب الاول ناصر هزبر ـ الرقيب الاول ماجد حافظ ـ الوكيل فارس عزي ـ الرقيب احمد ايوبي للإشراف على تنظيم منصة المدعوين كما ويكلف بتوجيه المدعوين الى المقاعد المعدة لهم ويجري ذلك بالاتفاق مع ضابط الرياضة) وهم شهود اثبات لا تقبل شهادتهم تأويلا أو اجتهادا خاصة اذا لم تحفل شهاداتهم بالتناقض فيما بينهم، فهم شاهد عيان على ما وقع وحدث خاصة وأنهم كانوا متحلقي حول يونس كما جاء في افادة دبوسي أثناء اطلاق الرصاص كما لم تؤخذ افاداتهم عندما طلب منهم الطبيب الشرعي الذي عاين مسرح الجريمة كما أفاد بذلك المدعى عليه ابراهيم الصواف طالبا منهم الذهاب الى الموقع للأدلاء بأقوالهم وأن عبد الحميد السراج قد حال دون ذلك، واكتفت بأقوال الملازم عيسى عجي (حيث علمنا ان العقيد المالكي قد اصيب بالطلقات التي سمعناها وان هناك احد افراد الشرطة العسكرية قد اطلق النار عليه ثم اطلق على نفسه واثناء تجمهر الحضور كان الناس يتناقلون مختلف الاحاديث ويتساءلون عن ميول القاتل السياسية وقد سمعت اثناء ذلك من شخص اظن انه الرقيب الاول في الشرطة العسكرية الذي كان واقفا بقربي يقول ان يونس عبد الرحيم الذي قيل فيما بعد انه هو القاتل ينتمي الى الحزب السوري القومي وهذا كل ما سمعته واعرفه). الذي لم يشاهد من هو مُطلق النار ولا حتى مشاهدته للشهيد يونس يطلق النار على نفسه! حتى أنها لم تستدعي عبد المجيد جمال الدين واكتفت بكونه أحد المحققين بالحادث! كذلك الوكيل منير فتوحي للشهادة فيما إذ كانت أقوال الشاهد طالب صباغ صحيحة أو حول  ما شاهده على المنصة قبل اطلاق النار وما بعده!

6ـ الوكيل منير فتوحي والمسؤول عن أمن المنصة، كيف يمكنه مغادرتها دون أفراد الشرطة الباقين وفق ما جاء بشهادة طالب صباغ وشهوده الآخرين! وكيف يمكن التوفيق بين ما تقدم وما جاء في افادة الرفيق مروان صواف:( وحضر على اثرها الى المنصة الملازم عبد المجيد جمال الدين ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليلا ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالبا الي الذهاب الى المركز حيث اوقفت ..) حيث لم يشر محضر الكشف على مسرح الجريمة لمغادرته عندما طلب الطبيب من كافة افراد الشرطة مغادرتها الى الموقع لأخذ اقوالهم !

7 ـ ـ لماذا رفضت المحكمة تشريح جثمان الشهيد يونس بناء على طلب محامي الدفاع واكتفت بتبرير رفضها “بحرمة الموتى” علما ان الرفض يتعارض وبديهيات القضاء وبيان ما إذ كان أصيب في فخذه الأيسر أم لا، والذي يمكن بيانه اذا ما تم فحص الرفاة في وقتنا الحاضر !

ب ـ ما تعلق بالشهيدين مخلوف ودبوسي:

8 ـ لم يُشر أي من محاضر التحقيق الى من استدعى طالب صباغ كشاهد اثبات وهو الموظف في الشعبة الثالثة حيث كان رئيسا لها عبد الحميد السراج! قبل تحمله مسؤولية رئاسة المكتب الثاني !مما يعني أنه جاء من تلقاء نفسه للشهادة ضد مخلوف ودبوسي، أو أن الوكيل منير فتوحي أوحى له بذلك، على الرغم من أن شهادة الصباغ وشهوده، أكدوا على أن منير فتوحي لم يشاهد مخلوف أو دبوسي بين جمهور المتفرجين الخارجين من الملعب،  وهو وفق شهادته لم يتعرف عليهما إلا في الملعب، فعلى اعتبار أن طالب صباغ أدلى بشهادته بأنه ارتاب بأحدهم في الملعب، فكيف اهتدت النيابة العامة اليهما من ضمن آلاف من المتفرجين؟ سؤال نطرحه، لأنه يجيب على أن السراج كان قد طلب من الصباغ وشركائه الشهود بمراقبة منزل الشهيد عبد الرحيم قبل حادث الاغتيال، ونظرا لتردد الشهيدين مخلوف ودبوسي لمنزله ، تمت متابعتهما والتعرف عليهما كما سواهما من المتهمين / فؤاد جديد واسكندر شاوي و../  بما يعني أيضا، أن ترصد كلاً من الشهيدين من قبل صباغ وشهوده كان قبل تعرفه عليهما في الملعب وتاليا قبل وقوع الاغتيال؟! 

9 ـ  كيف اعتمدت المحكمة أقوال الصباغ وشهوده وهم لم يروا سلاحا وإنما توقعوا ذلك من ادعائهم وضعية يد كل من الشهيدين مخلوف ودبوسي! والتي نفاها كل من الشهيدين؟! بل وكما يشير محضر التحقيق على أن مسدس () كان في حمالة تحت الأبط، وتاليا لا داعي لأن يضع () يده فوق بطنه للدلالة على أنه يحمل شيئا حسب ادعاء الصباغ وشهوده؟! إذ ورد في المحضر رقم( 3) المتضمن شهادة عبد اللطيف اسماعيل قوله(كنت ارى الوكيل مخلوف يحمل مسدسا تحت ابطه يعلقه بواسطة حمالة من جلد وقد قال لي ان هذا المسدس يبدو لناظره كأنه من عيار 7 مم بينما هو من عيار 9 مم وانه اشتراه بمائتين وخمس وسبعون ليرة وانه اذا هيئ وضغط على زر خرجت الطلقة مباشرة بدون ضغط على الزناد وان هذه الميزات لا توجد الا في هذا المسدس..) كما ويرد في المحضر رقم() ما يلي (وانا حملت مسدس البكره بعد ان اخرجته من صندوق الثياب موضوعا في الغرفة ووضعته ضمن زنار البنطال بدون ان اعلقه بالحمالة اما منعم فلا ادري ان كان علقه بحماله ام دسه بدون حمالة..) كذلك يأتي المحضر رقم(6) على لسان الشهيد دبوسي قوله (ملاحظة: ـ عرض على المدعى عليه المسدس نوع استرا بارابلو الذي احضر الينا من                                                       قبل الشرطة العسكرية في هذا اليوم, عيار 9 مم رقم 43077  فأجلب مع مذخرين حاوي كل منهما على سبع خرطوشات فاجاب بانه هو المسدس الذي سلمه اياه الوكيل بديع قبل خمسة عشر يوما قبل الحادث وكان معه قبل الحادث وقد وذعنا هذا المسدس في حمالته المحضرة معه وقلد للمدعى عليه في كتفه الايسر وكان لا بد من عطف يده على صدره اي على جنبه ليتمكن من المحافظة عليه وعدم سقوطه.) هذه الملاحظة تأتي على تأكيد على ما ادعاه طالب صباغ إذ تتضمن ضرورة عطف يده على صدره أي على جنبه..) ملاحظة يحار فيها أعتى عتاة اللغة فكأن الصدر هو الجنب كما جاء بالملاحظة( على صدره أي على جنبه؟! ) كما وتتعارض هذه الملاحظة مع ما أفاد به الصباغ ورفاقه (وكان ذلك قبل بدء المباراة وان الرقيب الاول لم يجلس رغم ان الكراسي لم تكن مشغولة اما بعد الحادث فقد جلب انتباهي انه كان يضع يده على اسفل بطنه كمن يمنع شيئا من السقوط…) فهل أسفل البطن هو الصدر أم هو الجنب؟؟؟ وعلى الرغم من أن هذه الافادات جاءت تحت التعذيب الشديد بمختلف أنواعه، فإنها تعكس تناقضات شتى سنأتي على ذكرها لا حقا. 

10 ـ كيف يمكننا التوفيق بين ما أفاد به محمود دبوسي” وكان بديع بل منعم مبتهجا وان والد محمود طلب من محمود ان ينكر هذه الواقعة..” وافادة صلاح الدين ياسين:   ـ ان الرقيب الاشقر اللون الذي يضع على ساعده ثلاث ثمانيات كان مرتجفا ومضطربا ويدخن كثيرا ..ان المتهم كان يضع احدى يديه على بطنه ولا يرفعها واخرج باليد الثانية سيكارة ووضعها في فمه ثم اخرج بنفس اليد قداحة واشعلها وان المتهم شرب سيكارات كثيرة.” وكيف وفقت المحكمة في ادعائها وأدلتها بين ابتهاج منعم وارتجافه في آن؟!!

11 ـ كيف يمكننا التوفيق بين قول اسكندر شاوي لبديع ودبوسي وعبد الرحيم” لا يجوز القيام في هذه الحالة اثناء حدوث المهرجانات فأي عمل لان الحادث سيحدث تأثيرا عكسيا لدى الجماهير ويقلب العمل ضد الحركة وهناك مناسبات اخرى سيكون العمل فيها…” ومن ثم تشجيعه لهم باغتياله في الملعب البلدي

 12 ـ اذا لم يكن مخلوف ودبوسي على علم مسبق بالمباراة وقررا حضورها فور سماع موعدها من ابراهيم الصواف، ولم يكونا مسلحين حين ذاك، فكيف يمكننا قبول ما ادعاه طالب صباغ ورفاقه(..وكان ذلك قبل بدء المباراة وان الرقيب الاول لم يجلس رغم ان الكراسي لم تكن مشغولة اما بعد الحادث فقد جلب انتباهي انه كان يضع يده على اسفل بطنه كمن يمنع شيئا من السقوط..)؟! 

13 ـ كيف يمكننا التوفيق بين كون الشهيدين دبوسي ومخلوف اضافة الى الشهيد عبد الرحيم، مشاركين في التخطيط والتنفيذ، وقد مارسا نشاطاتهما الاعتيادية بعد الحادث فذهب مخلوف الى… ودبوسي الى… كما جاء في أقوالهما أمام المحكمة!

ج ـ الشهيد المقدم غسان جديد:

جاء قرار الحكم بالإعدام بحق المقدم الشهيد غسان جديد، غيابيا، مما يعني، أنه في حال حضوره أمام المحكمة، ستعيد هذه المحكمة النظر بما سبق وقررته، وعليه، وبناء على ما سبق وطرحته هذه الدراسة، سنعيد النظر في قرار الإعدام الصادر بحق المقدم الشهيد غسان جديد، الذي ارتبط التخطيط والتنفيذ باسمه، دون سواه من المتهمين..

ولما كان قرار الإعدام مبنيا على أقوال المتهمين والشهود ـ المشكوك بأمرهم على أية حال ـ وعلى ما انتقته النيابة العامة من هذه الأقوال، فإن مسوغاً قانونيا يسمح لنا بإعادة ترتيب ـ حتى ما انتقته النيابة العامة ـ بهدف الإجابة على السؤال:

هل كان المقدم الشهيد غسان جديد على دراية وعلم باغتيال المالكي وتاليا كونه مخططا له؟  

وللإجابة على السؤال المتقدم، لا بدَّ لنا من تحديد التهمة الموجهة للمقدم الشهيد، والتي انتهت اليها المحكمة بناء على ما انتقته من أقوال المتهمين والشهود:

في وصف النيابة العامة للحادث..” ان بديع مخلوف ومنعم الدبوسي ويونس عبد الرحيم وفؤاد جديد هم من افراد الحزب السوري القومي ومن المتحمسين له ولمبادئه.   ولغسان الجديد تأثير كبير عليهم لعضويته في الحزب وكضابط كبير في الجيش.   ويعتقد غسان جديد بان العقيد المالكي يقف حجر عثرة في سبيل توسع الحزب السوري القومي في صفوف الجيش, وانه هو الذي تسبب في تسريحه من الجيش فلذلك حرض الآخرين على ضرورة قتله والتخلص منه…”

يتضح من هذا الوصف أن الدافع للجريمة اعتقاد المقدم الشهيد، أن المالكي عدا عن كونه حجرة عثرة في طريق توسع الحزب، فإنه كان السبب في تسريحه، فالتسريح كان السبب المباشر لاغتيال المالكي وفق ما تذهب اليه النيابة العامة، لننظر في هذا الدافع، وندقق في هل كان الدافع للشهيد المقدم للتخطيط لذلك..

ـ في شباط 1954 يطيح انقلاب بالشيشكلي، ويعين على أثره العقيد المالكي رئيسا للشعبة الثالثة ـ والمعنية بتنقل الضباط أو إحالتهم لمجلس تأديبي لتقرير تسريحهم بناء على الاسباب التي تفترضها الشعبة الثالثة في المحال لهذا المجلس ـ يُنقل المفدم الشهيد كناظر لموقع دمشق في الشهر العاشر لعام 1954 ، أي بعد ثمانية أشهر من ترؤس المالكي للشعبة ليتم تسريحه في 12/4/1955 ، أي قبل واقعة الاغتيال بعشرة أيام!

بين تسلم المالكي واغتياله، تقع جملة من الأحداث أبرزها ادعاء استنفار الشهيد المقدم في حمص والذي كان سببا مباشرا في احالته لمجلس تأديبي ومن ثم تسريحه بعد نقله الى دمشق..

نقول ادعاء لأن الواقائع لا تشير الى اقدام المقدم الشهيد على ذلك بناء على ما جاءت به شهادة كل من شوكت شقير ومحمود شوكت ومصطفى رام حمداني أمام المحكمة، والتي جاءت كما يلي:

شوكت شقير يقول:” ـ ان من جملة عوامل تسريح غسان حزبيته واتصاله بالحزب السوري القومي  وقد اتصل بعلمي انه بعد نقل غسان من حمص الى معاون ناظر موقع دمشق كان يقضي اكثر اوقاته في جريدة البناء الحزبية.

ـ ان اللجنة المشكلة من الزعيم شلاش والعقيدين اتاسي وعظم انما شكلت للتحقيق في موضوع زهر الدين ولا علاقة لهذه اللجنة باستنفار حمص, وان هذه اللجنة بطبيعة اتصال الحكيم بغسان اضطرت للسفر الى حمص والسؤال عن هذا الاستنفار فان غسان لو كان عنده فكرة مبيتة لإجراء حركة او استنفار او عصيان فانه بعد ان اطلع على ان حركة قطنا هي مجرد اشاعة فان هذا يكون قد ثناه عن عزمه.   وان الحركة التي قام بها غسان بحمص هي تدابير احتياطية وليست استنفارا بالمعنى العسكري  واود ان تلاحظ المحكمة الفارق بين موقف العقيد شوكت وبين الموقف الذي كان يمكن ان يريده غسان.   وان الاستنفار بمعناه العسكري هو عدة كافة الجنود وتهيئتهم تحت السلاح وهذا لم يقع في حمص..”

محمود شوكت ـ آمر موقع حمص ـ يقول:” اذا ثبت ان وقع استنفار بحمص او وزعت اسلحة فانا مسؤول لبعد الف سنة.

ـ ان غسان حدثني عن توقيف الشرطة لعائلته ولكنه لم يذكر لي بانهم كانوا يريدون اغتياله او اعتقاله.   وان اعتقادي ان توقيف سيارته كان للتسجيل عليه انه غادر مكان عمله وجاء الى دمشق بدون اذن وهذا استنتاج من عندي.

ـ استوضح فاجاب عندما اخبرنا بطريق حسين حكيم عن حركة قطنا لم الاحظ على غسان ان عنده فكرة عصيان مبيتة لمؤازرة حركة قطنا بل بالعكس انه كان انضباطيا ولا يمكنه القيام باي حركة لان المعروف انه عندما استلم قيادة قطعة فانني ادبر شؤونها ولا اسمح لاحد بالتدخل.

ـ عندما حضر المقدم زهرالدين ورفاقه لبيتي وكان حاضرا المقدم بكري لم يتعرضوا مطلقا لغسان ولم يذكروا امامي انهم عقدوا اجتماعا في بيت الحكيم وانني بعد اجتماعي معهم مباشرة اخبرت رئيس الاركان عن حريتهم ورأيهم..”

مصطفى رام حمداني ـ رئيسا للمكتب الثاني حتى تعين السراج ـ يقول:” ..وفي المساء صادف ان كنت والزعيم شقير والمرحوم العقيد المالكي موجودين عند احد الاصدقاء واذا بهاتف للعقيد المالكي فذهب العقيد الى خارج الغرفة وتكلم بالهاتف ويعود وبعدئذ قال لاحد الموجودين في المنزل: هاتف لك فذهبت الى غرفة الهاتف وكان الطلب الشعبة الثانيةفاعلموني ان هناك استنفارا في حمص وآخر في قطنا وان المقدم غسان قد استنفر قطعته في حمص والمقدم زهر الدين استنفر فوجه في قطنا وبينما كنت اتكلم على الهاتف خرج العقيد(المالكي) وبادرني بحديثه الخبرية بشأن استنفارات اليس كذلك فقلت له نعم فقال الهاتف الذي جاءني منذ دقائق كان بنفس الموضوع.   واتفقنا على ان نؤخر ….. الزعيم شقير تنتهي فيها السهرة حتى لا يكون في هذه الاستنفارات بين المدعوين وفعلا قد انهينا السهرة واعلمنا الزعيم وذهبت انا والعقيد مالكي الى منزل الرئيس شهير دريعي وكان على ما اظن الذي اعلم وقال له ان المقدم زهر الدين موجود عندي في البيت.   ومررنا وبقينا في البيت عدة دقائق وكان المقدم زهر الدين موجودا فقال الرئيس لقد اتيت به في السيارة من قطنا واخذ المقدم زهر الدين يعلل الاستنفار بانه سمع باننا نكرهه واننا نريد ان نخرجه من الجيش مع انه كان من اصدقائنا.   وانتهى الحديث وذهب كل منا الى منزله وقد اعلمت الزعيم شقير  ـ استوضح من الشاهد ها ان حادث السيارة التذي جرى لزوجة غسان من قبل الشرطة العسكرية والذي قيل عنه في التحقيق واشيع بان هناك فكرة اعتقال او اغتيال المقدم غسان وهو الحادث الذي اشرت اليه الآن.   فاجاب الشاهد نعم هذا هو الحادث وان الشرطة العسكرية قد امرت بتبليغ المقدم غسان بان يعود الى دمشق لمقابلة الزعيم شقير واعتقد ان رجال الشرطة العسكرية بفذوا الامر بحذافيره.   وانها عندما لم نجد غسان لتبليغه لم نزعج زوجته وانما طلبوا منها ان تتأخر قليلا لان شقير يريد مقابلة زوجها غسان فانتظري ريثما نتصل معه ونسأله عما اذا كان يريد ان يقول لك شيئا عن غسان وبعد عدة دقائق سمحوا لها بمتابعة السير حسبما ورد اليهم من الاوامر.

ـ استوضح فاجاب ربما كان احد افراد الشرطة الذين كلفتهم تبليغ غسان بوجوب مقابلة شقير قد ابلغوا غسان هذا الامر فامتنع عن السفر وان قولي هذا مجرد احتمال.

ـ باية صلاحية يطلب غسان ابعاد العقيد المالكي عن الاركان؟

ان سبب حديث غسان بوجوب ابلاغ شقير بضرورة ابعاد المالكي عن القيادة هو لان غسان كان مديرا لمدرسة ضباط الاحتياط وعلل كلامه بانه يسمع كثيرا من الكلام من الضباط حول وجود المالكي في القيادة.

ان وضع المقدم غسان عندما كلمني هذا الحديث لم يكن وضع الضابط الناصح انما كان وضع ضابط شرس غير راض عن الوضع..”

2ـ بسقوط تهمة القيام باستنفار أو عصيان أو تمرد، عن المقدم الشهيد، علينا البحث عن سبب آخر يكون دافعا له للتخطيط لاغتيال المالكي كما ادعت النيابة العامة. فهل كان تسريحه مستندا لعوامل أخرى لم تفصح عنها النيابة العامة؟ سؤالٌ تجيبنا عليه محاضر التحقيق والاستجواب والاستنطاق وأدلة النيابة العامة وأيضا جلسات المحاكمة، وقبل ذلك، موقف المقدم الشهيد من حادثة تسريحه!

في المحضر رقم(2) تاريخ 26/4/1955 تقول الأمينة الأولى:”

س ـ ماذا كان حديث المقدم غسان تعليقا على تسريحه امامك؟

ج ـ اذكر اني عندما قرأت الخبر في الجريدة سألته عن السبب فقال ( هيك الحياة) واظن انه لم يرد ان يتوسع في التعليق لوجود ناس لم اعد اتذكرهم.

س ـ هل كان يتحدث امامك عن سلوك المسؤولين في الجيش تجاهه وتجاه غيره من الضباط؟

ج ـ كلا لم يكن يتحدث بهذه الامور امامي..”

فؤاد جديد في (محاضر النيابة العسكرية (2) ـ 17محضر 44 ـ 2فؤاد جديد ـ 2 ) تاريخ24/4/1955 يصف حالة المقدم الشهيد قائلاً:”

 س ـ ما هو رد الفعل في نفسه هو من جراء التسريح؟

ج ـ لاحظت انه كان فرحا بسبب هذا التسريح لانه كما قال لي كان يعتقد بان موعد ترفيع الضباط اوشك ان يحل وانه سيرفعون رفاقه الى رتبة عقيد ويظل هو في رتبته مما كان سيدفعه للاستقالة خروجا من هذا الحرج النفسي..”

أما ردة فعل الشهيد على اغتيال المالكي، فكانت كما أوردها عصام المحايري في المحضر 27 تاريخ 3/5/ قائلاً 1955:”..  فقال غسان عندئذ (انا بروح معكم) فسألته (ليش انه رايح) قال (الرقيب علوي وصديق لفؤاد اخي وقومي وانا علوي قومي مسرح من عشرة ايام بكرا بيقولو غسان جديد قتلو ما بدي اقعد بالمزة ستة اشهر..” فهل كان هذا الجواب هو سوء تقدير من المقدم الشهيد، أم أنه لم يكن على علم بحادثة الاغتيال قبل وقوعها وتاليا توقع أن المدة لا تزيد عن الستة أشهر لتظهر حقيقة أن لا دخل له بالموضوع؟! أو كما أورد محمد معروف في كتابه( أيام عشتها) حيث يقول:” سمعت وقرأت الكثير عما كتب عن هذا الحادث المؤسف، وسألت غسان عنما لجأ الى لبنان عن مقتل عدنان المالكي فأجاب( يا أخ محمد، التهمة لابستني وسوف أحاكم على ذلك، لكن أعدمني الله أولادي إن كان لي ضلع أو علم بمقتل عدنان المالكي وأنا عندي الشجاعة أن أقول الصدق في كل أمر أقدم عليه)   خاصة وأنه كان قد تقدم بتقرير شفهي لمجلسي العمد والأعلى يشرح به الوضع العام في الجيش قائلا حسب ما يورده عصام المحايري في المحضر المذكور آنفا:” .. ـ اذكر اننا كنا يوما في دار الامين جورج عبد المسيح باجتماع لمجلس العمد وننتظر قدوم اعضاء المجلس الاعلى لعقد اجتماع مشترك بيننا وبينهم وجاء المقدم غسان الى الدار فلما شاهدنا مجتمعين قال كنت احضر تقريرا عن الجيش واوضاعه منذ الانقلاب على الشيشكلي حتى اليوم وقد هيأت رؤوس الاقلام فاذا كنتم توافقون ما دمتم مجتمعين اذكر لكم هذا التقرير شفهيا.  .. وتلا المقدم غسان التقرير بحضوره ويتلخص التقرير بانه وصف عن كيف تاثير الانقلاب وكيف حرص الجيش على الابتعاد عن السياسة ثم قوة الكتلة البعثية في الجيش ثم نشوء كتلة للزعيم شوكت شقير قوامها الضباط  الذين والوا الشيشكلي كالمقدم نفوري في حمص والرئيس عبد الحميد السراج والرئيس احمد المصري وانه يتوقع نشوب نزاع بين الكتلتين على تسيير السياسة في الجيش وان اتفاق الكتلتين يمكن ان يستمر مؤقتا على اساس الانتظار الى انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة اذ تتخلص الكتلتان عندئذ من بعض العناصر العسكرية التي تزعجها ومن بعض الضباط القوميين وحينئذ يمكن ان ينشب الخلاف المتوقع اذا تعارضت الاتجاهات السياسية بين البعث وبين الكتلة الديموقراطية والحزب الوطني.   رأى المجلس الاعلى ان يترك لمجلس العمد دراسة هذا التقرير واتخاذ ما يراه مناسبا اما مجلس العمد فان التوصية التي اخذ بها هي توجيه الضباط القوميين لمعاكسة اي انقلاب بعثي يمكن ان يحدث.   اما بالنسبة لاي انقلاب على البعثيين فمطلوب منهم عدم التدخل فيه.   اما سبب ذلك فناجم عن ان الحزب يعتبر ان حكما بعثيا في البلاد سيجعل منها هدف تآمر لسرائيلي ـ تركي ـ اميركاني بحيث تودي البلاد الى كارثة كما ان مجلس العمد فيما يتعلق بسياسة التسريح التي اشار اليها التقرير على اساس وقوعها بعد انتخابات الرئاسة فانه ترك للاتصالات السياسية مع الاحزاب والهيئات المجال لتلافي هذه التسريحات اذا امكن وان الدافع لمقاومة محاولة انقلابية بعثية ليس الخوف على الحزب واشخاصه بل كما بينت على البلاد.   اما بالنسبة للكتلة البعثية التي اشار اليها التقرير انها تتمتع بالاركان بعطف العقيد عدنان المالكي وانها نافذة في دمشق والسويداء واللاذقية وحمص وذكر جملة( اسوأ ) منها الرئيس جادو عزالدين والرئيس اكرم ديري والرئيس مصطفى حمدون..”

موجة التسريحات التي طالت عددا من الضباط القوميين وآخرين، فور تسلم المالكي رئاسة الشعبة الثالثة، كانت كما يصفها المقدم حسين الحكيم في المحضر رقم(47)  قائلا:” : ولم ازل اردد ان تسريحي كان بشكل تعسفي لانه كان نتيجة التباغض وتحقيق لم يبلغ نهايته المرجوة وقد تألفت لجنة من ثلاثة ضباط بحثت اوضاعي واجرت معي تحقيقا الي كان من نتيجته التسريح وفي خلال خدمتي كنت ابدأ اتطلع الى وحدة الصف كما بينت ولم اتهم بعمل ما من شأنه ان يحمل على معنى العصيان ولو كان في الامر نوع من ذلك لما اكتفت رئاسة الاركان بهذا التدبير الذي هو التسريح فهذا السكوت الطويل الذي يمتد الى ما قبل سبعة شهور وعلى وجه الضبط كان تاريخ التسريح 5/10/1954 دليل على ان ليس في الامر جرم استحق الحساب عليه وعلى اي حال فاني اذكر ان الضابط الذي نسب الي امر تحريضه هو جميل زهر الدين المقدم في الجيش وقد اجرى حوله بل حول حادثته المعروفة ـ اي استنفار فوجه في قطنا ـ تحقيق ادى بالنتيجة الى براءته فاذا كانت فعلته اصلا قد برئ منه فكيف يحاسب بل فكيف يحاسب فرعا من هذا الموضوع…

س ـ لماذا ترجو ان لا يفسر عملك ونشاطك الماضي في الجيش ضد الحزبية بانه ضد العقيد عدنان؟

ج ـ لان, بل ان بعض الضباط كانوا يعتقدون ان المرحوم العقيد عدنان كان يتبنى اتجاها سياسيا خاصا في الجيش يؤيده فيه ضباط ذوو ميول اشتراكية وكنت انا ومعي بعض الضباط لا نحب اتجاهات معينة في الجيش وبطبيعة الحال قد يفسر موقفنا بانه تبني موقف معاكس للعقيد عدنان وان لي تقريرا خطيا ينوه بهذه المشاكل قبل تسريحي بقليل.   ومعنى المشاكل التي اشرت اليها أن القيادة العامة كانت تسلك في تصرفاتها الادارية سلوكا لا يستطيع مجموع الضباط تفسيره الا انه اتجاه حزبي لمصلحة بعض الضباط وللمصلحة العامة.

واضرب على سبيل المثال ان ضابطين استنفرا مرة قطعتيهما بدون امر وترك احدهما مناوبته في قيادة الجبهة ويذهب لاستنفار بطاريته وعلم بذلك العقيد مالكي مباشرة بدون طريق رؤسائهم ووضعا عملهما بانه رد على ما علما من استنفار في فيق توجسا من نوايا رئيسه وخشية على العهد  لما بل استعلم العقيد عدنان من آمر اللواء العقيد شعراني والذي كان آمر جبهة بالوكالة اخبره ان الاستنفار في فيق كان احتياطا لحركات اليهود ومشاوراتهم ولما علم بذلك العقيد عدنان اكتفى بتأنيب الضابطين فقط بينما اتخذ اجراءات قاسية بحق ضباط آخرين لاخطاء اقل منها وبدون تحقيق عميق ادت الى نقلهم فورا..

 س ـ هل ذهبتم بعد ذلك الى حمص وذكرتم الحادثة او ذكرتم وقائع ثانية تتعلق بالجيش ولها تأثير على نظامه واستقراره؟

ج ـ تتمة لما دار من حديث بيني وبين المقدم جميل زهر الدين اضيف ان المقدم جميل ظهر له التأثير الشديد وقال اذا كانوا يريدون ان يقتلوني فليكن ذلك في قطعتي بقطنا وقد حمل معه من عندي زجاجة ويسكي وقال انه لا يقبل ان يلقى القبض عليه كالفار.   وعندما ذهبت الى حمص وكنت مأذونا في طريقي الى مصياف لارى زوجة المقدم غسان جديد واسألها عن المعاملة التي تعرضت لها في الطريق اي سؤال زوجها عن المعاملة فالتقيت به في داره بحمص واخبرني امر تعدي الشرطة العسكرية لسيارته ونقلت له ايضا ما آل اليه امر المقدم حميل زهر الدين وللغضب والاسف لما حصل وكان بشكل موحد لتلافي مثل هذه القضايا مع رئيس الاركان.   وقد حرف عن لساني هذه الوقائع الرئيس معين عرنوق وكان سمعها مني عندما كنت في بيت المقدم غسان بحمص وبالغ فيها ذاكرا انني اخبرتهم بان جميل زهر الدين يهيئ استنفارا في قطنا فاتصل الرئيس معين بالعقيد محمود شوكت واتصل هذا برئيس الاركان وعمل على اخراجي من حمص وبنتيجة ذلك كان تسريحي من الجيش قبل ان يحققوا معي او يوجهوا الي اي سؤال, هذا مع العلم ان المقدم زهر الدين اصل الحادثة احيل الى مجلس تأديبي وبرئ بالإجماع..”

هكذا كانت أوضاع التنقلات في الجيش والتسريحات (خيار وفئوس) عندما تولى المالكي رئاسة الشعبة الثالثة.

ويبقى السؤال : لماذا سُرح المقدم الشهيد؟

هل يمكن الأخذ بما جاء في افادة مصطفى رام حمداني رئيس الشعبة الثانية في عام 1954 قوله:” ـ انني اعلم قبل ذهابي لمصر ان هناك تحقيقات تجري لغسان تتعلق بسرقات واخذ بعض الاموال عندما كان على الحدود بانه اخذ قيمة البقر العائدة لفلسطينيين على الحدود من رجال الهدنة ولم يعطها الى اصحابها وادعى انه اعطى هذه الابقار لاحد المراقبين المتخصصين في المنطقة اليهودية والذي قتل بحادث سيارة كما اسندت اليه سرقة في فوجه  قصة دين عليه.”؟

و لما لم تُظهر النيابة العامة أية وثيقة تثبت صحة ما صرح به حمداني، وتاليا السبب المباشر للتسريح أو قرار المجلس التأديبي أو حتى أمر إحالة المقدم الشهيد لمجلسٍ تأديبي على الأقل، مما يؤكد صحة افادة مصطفى رام حمداني أو نفيها، فالتسريح ولا شك بذلك، جاء تعسفيا وأن ما أفاد به حمداني، يأتي مثالا لما  ذهب اليه عميد الاذاعة سعيد تقي الدين:” اذا أردت أن تقتل انسانا فلا تطلق عليه رصاصة بل اطلق عليه اشاعة”  

وعلى الرغم من أن الصورة بدت واضحة، وتاليا أنه لم تكن قيادة الحزب بغافلة عما يدور في الفلك السياسي، لكنها كانت غافلة عما يستتبعه ذلك من اجراءات حماية أو وقاية وحذر مما قد يحدث، كأن يعمم على مختلف الوحدات الحزبية مسؤولين وأعضاء وجوب الحذر والترقب واليقظة حتى مراقبة الأجهزة الأمنية واحصاء عناصرها، لمعرفة توجهاتهم ومراكز تمركزهم ومن يضعون تحت المراقبة من القوميين، بحيث لا تؤخذ على حين غرة، او مما قد تفضي اليه هذه التوقعات والوقائع من احتمالات أخرى، كاغتيال أحد قيادي الحزب..

 وعلى الرغم من أن رئيس الحزب جورج عبد المسيح كان قد ” طلب من عصام المحايري بحضور غسان جديد وعيسى سلامة وعبد الكريم الشيخ ان يذهب تلك الليلة مع غسان جديد الى بيروت ويبتعد عن دمشق لمدة اسبوع ذاكرا له ان السلطات ستعمد بعد ان سُرح غسان جديد الى القيام بحملة اخرى ضد الاشخاص المدنيين في الحزب زاعمة انهم كانوا يهيئون بالاشتراك مع غسان مؤامرة انقلاب على السلطات الحاكمة ولما اصر عصام على ان هذا الاحتمال بعيد اصر جورج عبد المسيح على رأيه في ابتعاد عصام عن دمشق ذلك الاسبوع ولم يتركه حتى حمله على ان يخبر اهله هاتفيا بسفره الى بيروت وقد قام عصام بذلك ولكنه عاد الى داره..” ولم يبارح المقدم الشهيد أيضا دمشق.. كما ورد في قرار قاضي التحقيق ـ 18 ـ

 لكن أمر الابتعاد عن دمشق لم يشمل عيسى سلامة وعبد الكريم الشيخ وحتى جورج عبد المسيح نفسه، مما يعني أن قيادة الحزب كانت قاصرة عن ادراك أبعاد ما يحاك ضدها أو غير واثقة من صحة توقعاتها وهذا بحد ذاته ما أدى الى الكارثة الحزبية.. وهل كان عصام المحايري مصيبا في ( أن هذا الاحتمال بعيد..) أم أنه كان قاصرا أيضا  في رؤيته للوضع السياسي الذي عاينه المقدم الشهيد في تقريره الشفهي؟!

3 ـ لكن، لماذا أصرت مختلف وثائق القضية على الصاق التهمة بالمقدم الشهيد وجورج عبد المسيح؟

في الأدلة التي قدمتها النيابة العامة وتحت عنوان التحريض على القتل افادات لكل من الشهيدين مخلوف ودبوسي، تؤكد قيام غسان جديد بالتخطيط لاغتيال العقيد المالكي، لكنها افادات أنكرها كلٌ من الشهيدين، كونها انتزعت أو كُتبت عنوة عنهم، وفي ذات السياق جاء اصرارها مبنيا بالكلية على ما أفاد به عصام المحايري من افادات جاءت على النحو التالي:

” .. وورد في الصحيفة 19 من الضبط المذكور ما يلي: وان الجهاز الذي يتصل بالعسكريين وهو عمدة التدريب المؤلف برئيسه السابق جورج عبد المسيح وعميد التدريب غسان جديد ووكيل عميده اسكندر شاوي.

ويفيد عصام بالصحيفة نفسها عن استبداد جورج عبد المسيح في توجيه المجلسين وانفراده بالقرارات ذات المسؤوليات الكبيرة.

   وورد في المحضر الاستنطاقي رقم 56 / من اقوال عصام في الصحيفة الاولى والثانية ما يلي:  جورج عبد المسيح وعبد الكريم الشيخ وغسان جديد كانوا في المكتب العائد لجريدة  البناء واتوا بفكرة ان تسريح غسان جديد سيعقبه اعتقال المسؤولين تحت ستار ان الحزب مع غسان كان يهيئ انقلابا فاستغربت هذه الهواجس الا ان جورج عبد المسيح طلب مني ان اغادر وغسان دمشق الى بيروت كامل الاسبوع بقوله ” روحو هالاسبوع الى بيروت”. امتنعت عن تنفيذه اصر عبد المسيح وبشكل خاص مدة الاسبوع وقال عيسى سلامة ان نبيت على الاقل هذه الليلة خارج بيوتنا.

استنتجت من اصرار جورج عبد المسيح بالتغيب عن دمشق طيلة الاسبوع ان هناك امرا مبيتا ذلك بعد ان وقع الحادث يوم الجمعة خلال الاسبوع المذكور.

     ورد في الصحيفة الثالثة من المحضر الاستنطاقي رقم / 27 / قول عصام المحايري بعد سماع المجاس المنعقد خبر القتل  ” وعاد كامل حسان من بيت اسكندر شاوي وقال لقيت اسكندر قائم اوراقه لانه كان عما يسمع المباراة بالراديو وسمع الطلقات.

     كما ورد في الصحيفة الثالثة من المحضر رقم / 32 / قول كامل حسان: طلب مني جبران جريج ان اركب بالسيارة لنذهب لعند اسكندر شاوي ليخفي اوراق العسكريين الموجودين في الحزب فجبران هو الذي سمع من اسكندر شاوي بانه عندما كان يستمع الى جهاز الراديو اثناء المباراة التي جرت يوم الحادث سمع اطلاق النار وعلى اثرها اخفى اوراق واسماء العسكريين.

     واستنتج عصام في الصحيفة الثانية من المحضر الاستنطاقي رقم / 87 / ما يلي:

المصيبة ان اسكندر شاوي عندما وقع الحادث وكيل عمدة التدريب استنتجت من اخفائه الاوراق انه كان يتوقع هذه الحادثة وبمعنى آخر كان على علم بها فضلا على انه من المستغرب العلاقة الوثقى التي تربط جورج عبد المسيح باسكندر شاوي لان اسكندر يعتبر جورج القائد الملهم ومعرفتي بنفسية اسكندر شاوي وثقته المطلقة بجورج عبد المسيح يجعلني ان استبعد ان يقوم على عمل منفردا وتجعلني ان اعتقد ان ما اقدم عليه كان بايحاء واتفاق جورج عبد المسيح وحينما سمعت بهذا الحادث اضطربت واستنتجت ان جورج عبد المسيح مشتركا مع اسكندر شاوي بما اقدما عليه.

     كما استنتج في المحضر الاستنطاقي رقم / 102 / الصحيفة الاولى ان جورج عبد المسيح حينما تناول الهاتف ونحن في الجلسة واخذ يتكلم كلاما غير منطقي وعدم سماعه بقية الحديث وانفعاله العنيف مع ان جو الجلسة لا يوحي بهذا الانفعال استنتجت بانه لم يهتم بسماع الخبر بل اهتم بتغطيته.

     ورد في الصحيفة الثانية من المحضر الاستنطاقي رقم / 88 / قول كامل حسان اعتقد بالنسبة للعلاقة التي بين اسكندر شاوي وجورج عبد المسيح ان لا يقوم اسكندر شاوي بعمل خطير ولم يكن مطلعا عليه جورج المذكور..”

فكأني بعصام المحايري يشكو جورج عبد المسيح الى هيئة المحكمة التي انتهت من أقواله الى تثبيت فكرة القتل حتى في أذهان القوميين الاجتماعين أن عبد المسيح والمقدم الشهيد هم من اغتال المالكي وخططوا لذلك!

كل ما جاء على لسان المحايري، كان افتراضاً مبنيا على إخفاء اسكندر شاوي للوائح اسماء الضباط، ونظرا لعلاقة الأخير بجورج عبد المسيح، فإنه لا شك بأن الأخير أيضا كان على علمٍ بما جرى؟!!!!!!!! 

علما بأن محاضر التحقيق والاستنطاق والاستجواب لم تأتي على ذكره كمخطط أو محرض أو حتى عالم بحادث الاغتيال وأن حكم الاعدام الصادر بحقه لم يكن مبنيِّاً إلا من حيث كونه رئيسا يتحمل مسؤولية أعضاء حزبه أعمالا وأفعالا.. فاسمه لا يرد سوى بما هو متعلق بالحزب وخططه على مختلف اتجاهاتها، وهو عندما أشار الى أن هذا “دس مكتب تاني” كان محقا بذلك، لكنه عندما طلب من عصام المحايري والمقدم الشهيد مغادرة دمشق، واستثنى نفسه واسكندر شاوي وعيسى سلامة، كان هادفا لإزالة عقبة من أمامه في تفرده بسياسة الحزب، متناسيا أن عصام المحايري لم يتناسَ حادثة تنحيه عن رئاسة الحزب له، وهذا هو الخطأ الذي أودى بالحزب وجعله لقمة سائغة للمكتب الثاني وأكرم الحوراني.. وهذا ما أشار اليه عصام المحايري نفسه في المحضر (م ق ت ع (3) ـ 17محضر 56 ـ )2

” فابديت له اسباب الفتور بالنسبة لي وهي انه عند اقالة المجلس الاعلى السابق للامين عبد المسيح من الرئاسة وانتخابي بدلا عنه ظهرت لدى بعض القوميين الاجتماعيين ممن يتصلون بالامين عبدالمسيح نفسية تمرد لم يكن الامين عبد المسيح غريبا عنها كما ان ما اعقب هذه الاقالة من امور خلف في نفسي خدشا بالنسبة لسلوك الامين عبد المسيح وانني لو قبلت ان اكون عميدا معه بدافع اخلاصي لحزبي وان يكن هذا الخدش ما زال قائما وعلى الامين عبد المسيح بتصرفاته ان يزيله وهذا هو سبب فتوري وانكماشي عنه اما الاسباب التي تعود اليه فهو ادرى بها ولا استطيع تقديرها..”

في خلاصة ما تقدم، وبناءً على ما ورد في هذا الرد من ادعاء النيابة العامة وأدلتها الوارد في الفقرات(الف وباء وجيم) والذي جاء على قاعدة/ من فمك أدينك/  تسقط تهمة الاغتيال بكليتها عن الحزب السوري القومي الاجتماعي قيادة وأفرادا، ويبقى علينا أن نعيد رسم سيناريو لعبة الاغتيال هذه وفق ما جاءت به دراستنا من وقائع لا مجال لنكرانها أو التشكيك بها، فهي وقائع مبنية على تاريخية اللاعبين بها ووقائع جاءت بمحاضر التحقيق والاستجواب والاستنطاق وجلسات المحاكمات ..

سبق لنا وأشرنا الى أن مختلف النعوت والصفات التي أسبغت على المالكي، كانت تنطلق من كونه ضحية، تعاطف معها جميع من كتب في واقعة اغتياله، لكن حقيقته، والتي جاءت في وثائق القضية أو في مذكرات الحوراني أو في سياق ما أشير به اليه، كانت تعكس خلاف ذلك، فعلاقته بالحوراني والسراج وشقير كانت عدائية محضة، حتى ما قبل تسلم السراج لرئاسة المكتب الثاني في بداية آذار 1955 ، فالعقيد بشور والذي كان رئيسا للمكتب الثاني كان في علاقة عدائية معه وفق ما جاءت به الوثيقة(104) من وثائق القضية والتي جاء في متنها” ـ.. لقد قام السيد زهير العيطة بمساعي قوية لاصلاح ذات البينة بين العقيد عدنان المالكي والعقيد بشور الذي كان يرأس المكتب الثاني في دمشق وكان آخر مسعى قام به يوم امس الثلاثاء 8/3/1955 في المأدبة الوداعية التي اقامها في شتورا السيد عيطة الى العقيد بشور, حيث كان جماعة اخرى من الجيش في دمشق يحاولون اقناع العقيد مالكي بوجهة نظرهم ولكنهم لم يفلحوا..” رياض المالكي يقول، أنه عندما قرأ خبر تسريح المقدم الشهيد، سأل عدنان عن صحته فأجاب بنعت المقدم الشهيد بنعوتٍ لا تنبئ بما قيل أنه اتصف بها..

كان البعث حزبا برأسين، عفلق والبيطار من جهة، والحوراني من جهة أخرى، وكان المالكي متعاطفا مع بعث عفلق والبيطار لتعاطفه مع أخيه رياض الذي كان بعثيا عفلقياً محملاً الحوراني مسؤولية فشله في انتخابات 1954، وكما كان موقفه من الحوراني كذلك كان مع شقير والسراج، مما دفعه لتشكيل كتلة عسكرية من الضباط الدمشقيين والبعثيين العفلقين وتصفية مختلف ضباط الاتجاهات السياسية الأخرى، إما بالنقل الى مراكز ليست بذي أهمية أو بالتسريح التعسفي، مما يعني أنه كان محاطا بعداءات على اختلاف المستويات التي كانت بدورها تناصبه العداء في جوٍ سياسي محموم في صراع على السلطة، مما جعل من  إزاحته عن منصبه هدفا عمل له السراج وسواه، بأسرع ما يمكن وتحديدا سيء السيرة عبد الحميد السراج الذي ناصبه العداء والذي من طبعه التنكر لكل القيم، فهو لا يعرف صديقا ولا قريبا ولا غريبا اذا ما تعارضت مواقفه معه، استظل الحوراني فزاد هذا من عدائه للمالكي، وعداء الأخير له، كان الحوراني رائده في بلوغ مآربه، فجعل منه مستشاره السياسي، يجمعهما توخيهما في أن يكون عبد الناصر مخرجا لهما من موقفهما الحرج والمهدد من قبل المالكي، والذي نبههما الى ما يحيق بسورية من مؤامرات عبر مصطفى حمدون بعد اجتماع الأخير بعبد الناصر بناء على طلب الأخير أيضا (!!) قبل عودة مصطفى حمدون الى سورية، والذي أبلغ الحوراني بما نبهه اليه عبد الناصر..

في مذكراته، يذكر الحوراني الكثير من التفاصيل شبه اليومية عن الوضع السياسي في سورية، لكنه يغفل عن قصد ما يثير الشبهة بعلاقته مع السراج ومحمود رياض وجمال حماد أو حتى أكرم ديري، كان الحوراني كما يذكر هو على خلاف مع عفلق والبيطار، أيضا مع رياض المالكي اضافة لصبري العسلي الذي اتهمه بالمأجور لاستقباله صلاح سالم موفد عبد الناصر لسورية، كذلك مع بقية الكتل السياسية الأخرى، وأبرزها الحزب السوري القومي الاجتماعي ليتبرأ كليا من تهمة انتسابه اليه في عام 1936 والتي كانت تلاحقه اينما ارتحل وحلَّ..

الحوراني الذي ابتدأ حياته السياسية بمحاولة اغتيال الوزير السوري، فارا من بيروت الى دمشق بعد مقتل صديقه في المحاولة، الى تقلبه في مناصبه من وزير للزراعة الى وزير للدفاع الى اندماجه بحزب البعث العربي، الى مختلف تدخلاته في الشؤون العسكرية والتي أدت لوصفه ( بالجنرال المدني) والذي كان لا يعجبه العجب، ولا يستطيع الركون الى غير ما يرضي غروره في أن يصبح زعيما لأمة عربية يتخيلها تحت قيادته معجبا بعبد الناصر بعد أن كان مشككاً في ملابسات محاولة اغتياله ، بما يعني أنه اعتبرها محاولة ناصرية لتصفية الإخوان المسلمين في مصر، مستلهما منها اسلوب تصفية المالكي، لذا راح يؤلب من حوله عليه، ومنبها لأكرم ديري من تغلغل السوريين القوميين في الشرطة العسكرية منوها لسكوته عما نبهه اليه بتعاطفه مع السوريين القوميين ومبرئا له تاليا من تهمة القتل ، موحيّا بهواجسه الى السراج، الذي لم يجد أمامه سوى محمود رياض مخرجا لمأزقه الوظيفي بعد أن راح نجم عبد الناصر يطغى على نجم الحوراني في ذهنه، أشار الى الأخير بضرورة فهم ما عناه عبد الناصر برسالته الشفوية عبر مصطفى حمدون، وذلك بمعرفة وجهة نظر محمود رياض في ما يحدث على الساحة السورية..

محمود رياض الذي وجد بهما لقمة سائغة لتحقيق المهمة التي جاء بها كسفير لدمشق ومستلهما من حادث منشية البكري، أيضا، ما يمكن عمله ارضاءً لهواجس الحوراني والسراج الذي وضع امكانيات المكتب الثاني تحت تصرفه، يوعز لهما بتكليف أحمد الفتيح وزير التربية والرياضة بدعوة فريق مصري لمباراة رياضية تقام في دمشق تحت غطاء توطيد الصلات بين مصر وسورية، والذي يوعز بدوره لجمال حماد البحث عن أفضل الأماكن لإقامة المباراة، بحيث يمكن تنفيذ ما جاء بهما الى دمشق، والذي يقوم بزيارة للملعب البلدي ذي الملاعب المتعددة لمثل هكذا مباريات، ليختار منها ما هو الأفضل، حيث يقرر جمال حماد أن يكون الملعب الرابع هو الأفضل حيث لا جمهور خلف المنصة الرئيسية والذي يمكن للمالكي الجلوس في الصف الأخير ووراءه صفا الكراسي المشبوكة بحيث لا يمكن فكها بغية الجلوس عليها، منبها ـ عبر السراج ـ في ما بعد وضع الخطة أكرم ديري لضرورة حراستها لتحقيق الهدف من شبكها حيث كلف الأخير منير فتوحي بهذه المهمة، ومشيرا عبر  الرشوة لمديري الملعب بإقامة حاجز خلف المنصة للحيلولة دون من (يصطادون) خلفه من التشويش على الحضور وفق الوصف الذي قدمه للمشهد على قناة الجزيرة، والذي لم يلفت الانتباه اليه أي من الضالعين في هذه الجريمة، حتى أن عبد الكريم النحلاوي في شهادته ـ التي أنكرها ـ أمام المحكمة قال أنه لم يلحظ هذا الساتر من قبل في أية مباراة سابقة كان قد حضرها ..

لا نعتقد أن محمود رياض قد أفصح عن خطته للحوراني والسراج، لكنه رأى فيهما أدوات لتنفيذ مآربه، مطالبا إياهما من جهة أخرى بتقديم كشف عن القوى السياسية والعسكرية الفاعلة على الساحة، منظمات وأحزاب وشخصيات مدنية وعسكرية، نتوقع ذلك لأن محمود رياض لا يأتي على ذكر حادثة غيرت مجرى الحياة السياسية بسورية كليا، في مذكراته، و اكتفى بالإشارة الى الفترة الوجيزة التي توثقت بها علاقاته بمختلف القوى المشار اليها، طبعا غير الحزب السوري القومي الاجتماعي والمالكي وإلى حد ما عفيف البزري،  نظرا لتأنيبهما له من تدخلاته في الشأن السوري..

لم يعد أمام محمود رياض سوى انتظار الفرصة السانحة للتنفيذ، والتي جاءت بتسريح المقدم الشهيد غسان جديد في الثاني عشر من نيسان1955،وعلى غرار حادث منشية البكري وضعت اللمسات الأخيرة للخطة، بحيث يقوم أحد ضباط الأمن في السفارة باطلاق النار على االعقيد المالكي وعلى الشرطي الذي اختاره أكرم ديري ليكون كبش المحرقة، الشهيد يونس عبد الرحيم، حيث ينحصر دوره بتصفية  الشهيد يونس عبد الرحيم، في حال لم يتمكن القاتل من الاجهاز عليه،( بحيث يتطابق دور أكرم ديري والتهمة الموجهة لكل من الشهيدين دبوسي ومخلوف) فأكرم  ديري يعرفه حق المعرفة كأحد عناصره ويعرف مدى التزامه وتعصبه للحزب السوري القومي الاجتماعي وأوكل لعبد الحميد السراج مراقبة منزله على مدار الأربع والعشرين ساعة والتي جاءت تقارير طالب صباغ مشيرة لمدى العلاقة بين الشهيد يونس والشهيدين دبوسي ومخلوف.. ..

ليس ما نسوقه من اجتهادات في هذه القضية سوى محاولة فكِّ خيوط ما غمض منها، ولا شك في أن محاولتنا في تفكيك خيوطها، توقعنا في فخ ثغرات تقاطع خيوطها مما يُبقي في  سياقها بعض الفجوات، التي يصعب سدَّها باليقين المطلوب نظرا لكثرة التناقضات التي حبكتها محاضر الاستجواب والاستنطاق والتحقيق، اضافة لادعاء النيابة العامة وأدلتها بل وأيضا جلسات المحكمة التي ادعت حياديتها وهي منها براء!

وهذا ما  يدفعنا للاجتهاد في ما غمض من ملابسات هذه الجريمة، عبر بضع ملاحظات نوردها على النحو التالي:

1 ـ أن مختلف الشهادات على اختلاف مواقف أصحابها، أجمعت على رؤية الشهيد عبد الرحيم شاهرا مسدسه ومعالجا له، حتى قبل معرفة أن الهدف كان عدنان المالكي، مما يعني أنها شهادات ما بعد اطلاق النار وليس أثناءه! ومما يعني أن بناء الاتهام بالقتل جاء احتماليا لا تأكيديَّا!

2 ـ  كيف يمكننا تفسير ذهول قيادة الحزب فور سماعها نبأ الاغتيال وارتباكها في حلول تدبر أمرها من جهة والحزب من جهة أخرى دون التفكير بحلول ومخارج لما هي ذاهلة أمامه!  وفرار مسؤوليها على غير هدى، حتى المتهم الرئيس جورج عبد المسيح لم يفكر سوى بالتواري عن الانظار وبقائه في دمشق لأكثر من أيام ثلاث ومن ثم مغادرته دمشق الى بيروت متخفيا فيها أيضا!

3 ـ وإن كنا نفترض أن ما جاءت به مستندات القضية بعموميتها، صادقة في ما بنت عليه ادعاءها، فما هو المعوِّل الذي كان عبد المسيح يعول عليه في براءته وتاليا براءة الحزب مما اتهم بتدبيره، علما، وكما سبق وأشرنا اليه أن اتهام عبد المسيح أيضا جاء اجتهادا وبناء على صلته بإسكندر شاوي واخفاء الأخير لأسماء الضباط فور سماعه أصوات الرصاص عبر المذياع، هذا إذا صحَّ ما ادعاه كامل حسان!

4 ـ هل كان المالكي فعلا يشكل خطرا على الحزب، وإن كان كذلك فكيف لنا أن نفسر قرار مجلس العمد بناء على تقرير المقدم الشهيد ” ان مجلس العمد فيما يتعلق بسياسة التسريح التي اشار اليها التقرير على اساس وقوعها بعد انتخابات الرئاسة فانه ترك للاتصالات السياسية مع الاحزاب والهيئات المجال لتلافي هذه التسريحات اذا امكن..”!

5 ـ إن ادعاء انتحار الشهيد يونس، لا يتفق والمواصفات التي اتصف بها والتي حفلت بها اضبارة القضية، إضافة الى أن الانتحار المزعوم، لا يمكن أن يصدر بطلب من عقل عسكري ـ سياسي اتصف به المقدم الشهيد، كما ولا يتفق ومستتبعاته، ذلك أن الشهيد يونس بما عرف عنه وكما هو وارد في اضبارة القضية، كان قادرا على الإعلان عن اقدامه اغتيال العقيد المالكي بدافع شخصي مبرئا الحزب قيادة وأفرادا من تهمة التخطيط لاغتيال العقيد المالكي.. لذا كان انتحاره اغتيالا..  

6 ـ يبقى السؤال فيما إذ وجهت دعوة  رسمية الى العقيد المالكي أم أن دعوته اقتصرت على الحاح السفير المصري صباح يوم تنفيذ الجريمة، بمعنى أن حضوره لم يكن مقررا، وتاليا عدم وجود مقعد مخصص له من جملة المقاعد التي خصصت للمدعوين، مما يضفي على قول هاني الشمعة “وأجْلِسَ..” الكثير من الصحة من حيث أن الأمر كان مدبرا لجهة عدم دعوته رسميا وتاليا اختيار مكان جلوسه بما يمكِّنْ من خلاله تصيده.. 

7 ـ رفض المحكمة إعادة تشريح جثمان الشهيد يونس :

” قرار ـ 1

ـ تقرر بالاتفاق رد طلب الاستاذ نصار لتعيين لجنة للكشف على جثة يونس عبد الرحيم.. لقد سبق للمحكمة ان قررت رد طلب الدفاع بتشكيل لجنة طبية للكشف على يونس بداعي ان تشريعنا الجديد قد جعل مسؤولية المحرض مستقلة عن مسؤولية المحرض لذلك فإننا نعترض على الاسئلة المتعلقة بيونس لوحده والتي لا علاقة فيها بباقي المتهمين..”

8 ـ جاءت لائحة الاتهام تتضمن ثلاثة عشرة تهمة ليأتي في ذيلها اتهام مبهم/ قبل الحادث يوم الحادث بعد الحادث / فجوهر القضية / اغتيال المالكي/ فإذا ما ثبتت التهمة أصبح بالإمكان التحدث في مستتبعاتها وليس العكس، مما يعني أن القضية الأساس لم تكن هي كذلك بقدر ما كانت القضية مدخلا لتصفية الحزب، فكيف تتصدر لائحة الاتهام تهمة/ / الانتماء لحزب سياسي غير مرخص من الحكومة/ فمثل هذا الاتهام يتناقض كليا بما هو مثبت في متن اضبارة القضية:

 افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 39

محضر 22 احمر ـ 2

رخصة الحزب القومي ـ 2

 معالي وزير الداخلية الافخم

     ان الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يعمل في صفوف الامة منذ سبعة عشر عاما والذي سجل بالفكر والفعل والدم مواقف دللت على اخلاصه ووعيه وتفانيه في سبيل هذه الامة العريقة الفذة, يرفع لمعاليكم هذا الطلب للحصول على رخصة تكسب عمله الصفة القانونية الرسمية , وله الشرف ان يتقدم بدلبه هذا في عهد حكومتكم الجليلة التي قامت على تثبيت الحريات العامة والنهوض (؟) بالشعب ضد الطغيان والفوضى والخمول.

     لذلك وعملا بمبدأ الحرية وحق المواطن الطبيعي يأمل الحزب السوري القومي الاجتماعي حصوله على الرخصة القانونية بموجب المبادئ المرفقة ربطا.

 وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير

دمشق في 6/10/1949 الياس جرجي قنيزح

 الى المديرية العامة للشرطة والامن العام

     للتحقيق وبيان الرأي ودمتم     في 2/3/1950     وزير الداخلية

صورة كالاصل ( خمس صفحات)

    رئيس شعبة الشؤون الاجتماعية

        في وزارة الداخلية

   التوقيع

ش / 1360

 حضرة السيد الياس جرجي قنيزح  رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي المحترم

     تسلمت الطلب الذي قدمتموه بشأن تأسيس حزب سياسي اجتماعي باسم الحزب السوري القومي الاجتماعي مركزه مدينة دمشق, وعليه اعطيكم هذا الوصل ودمتم.

دمشق في 13 آذار 1950 وزير الداخلية:سامي كبارة

صورة الى:

 ـ محافظة مدينة دمشق الممتازة

 ـ محافظة حلب ـ اللاذقية ـ الجزيرة ـ الفرات ـ حماه ـ حمص ـ دمشق ـ حوران ـ السويداء

 ـ المديرية العامة للشرطة والامن  (الامن)

 ـ قيادة الدرك العامة

 ـ شعبة الئؤون الاجتماعية ” مع الاساس”

      صورة طبق الاصل

 رئيس شعبة الشؤون الاجتماعية

       في وزارة الداخلية   التوقيع

 ـــــــــــــــ

اسم الحزب :   الحزب السوري القومي الاجتماعي

مركزه :   دمشق

نطاق عمله :   الجمهورية السورية

مبادؤه: يستهدف الحزب السوري القومي الاجتماعي بمبادئه القضاء على جميع   عوامل التفرقة والتفكك المستحكمة في هذه الامة والتي جعلتها طيلة  اجيال فريسة المطامع الاجنبية.   وهذه المبادئ الاصلاحية الاجتماعية التي يعمل لها تحقيقا لهذا الغرض هي:

    المبدأ الاول   :   فصل الدين عن الدولة

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 40

محضر 20 احمر ـ 3

رخصة الحزب القومي ـ 3

 المبدأ الثاني   :   منع رجال الدين من التدخل بشؤون السياسة

 والقضاء القوميين.

    المبدأ الثالث   :   ازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب

             المبدأ الرابع   :   الغاء الاقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على اساس 

             الانتاج وانصاف العمل وصيانة مصلحة الامة والدولة.

غايته :   1 ـ ان الحزب السوري القومي الاجتماعي يؤمن ان سورية هي

    احدى امم العالم العربي وانها لن تتنازل عن مركزها في العالم العربي

    ولا عن رسالتها الى العالم العربي  ولكن عليها قبل كل شيئ ان اكون

    قوية في نفسها لتتمكن من تأدية رسالتها والقيام بمهمتها الكبرى تجاه

    العالم العربي.

65 ـ لذلك فان غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي هي:  

أ‌) بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد الى   

الامة السورية حيويتها وقوتها وتثبيت سيادتها ورفع مستوى حياتها.

ب‌) السعي لانشاء جبهة عربية تكون سدا ضد المطامع الاجنبية

الاستعمارية, وقوة يكون لها وزن كبير في اقرار المسائل السياسية الكبرى. 

نظامه: يقوم نظام الحزب السوري القومي الاجتماعي على اسس ديمقراطية

    مركزية مستمدة من المفاهيم الآتية:

     مقدمة :   كل عضو يقضي ثلاث سنوات في الحزب يبرهن   

    خلالها على اخلاص ونشاط منتج يحق له ان ينال لقب الامانة بترشيح  

    مجلس العمد وموافقة المجلس الاعلى.

 اولا  :   يجتمع الامناء مرة كل سنتين لانتخاب مجلس اعلى يتولى         

 مسؤوليات السلطة التشريعية في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

     ثانيا :   ينتخب المجلس الاعلى مرة كل سنة من اعضاء الحزب هيئة

    تنفيذية تكون مسؤولة عن تأمين المصالح العامة الرئيسية في الحزب.     

    وهذه الهيئة تدعى مجلس العمد.   وهذا المجلس التنفيذي يقوم

     بصلاحياته ويكون مسؤولا عن جميع اعماله تجاه المجلس الاعلى.

ثالثا :   تحدد مناطق الحزب الادارية بقرارات يصدرها المجلس الاعلى تسمى منفذيات.

رابعا :   تقسم منطقة المنفذية الى مديريات للاحياء والقرى …………….(سطر غير مقروء)……………….

خامسا :   لكل عضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي حق ابداء الرأي في الاجتماعات النظامية العامة والخاصة في كل ما يتعلق بغرض الاجتماع وحين يباح الكلام له, وله حق ابداء الرأي لاي مرجع اعلى في كل ما يتعلق بشؤون الحزب الادارية بشرط ان أتي ابداء الرأي رسميا وبواسطة التسلسل وله حق ابداء الرأي في خطط الحزب السياسية والاقتصادية للمراجع والهيئلت المختصة رأسا وله حق الاتصال كتابة او شخصيا بالمراجع العليا.

حاشية :   لقد اجتمع المجلس الاعلى للحزب السوري القومي الاجتماعي وانتخب

السلطة التنفيذية المسؤولة لدى حكومتكم الموقرة.   وهذه الهيئة مؤلفة من السادة:

 الياس جرجي قنيزح رئيسا

 عصام محايري نائب رئيس

 جميل مخلوف امين صندوق

   نوري الخالدي امين السر                      صورة كالاصل ـ التوقيع

ـــــــــــــــ

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 41

محضر 20 احمر ـ 4

رخصة الحزب القومي ـ 4

 صاحب المعالي وزير الداخلية المحترم

تحية واحترام وبعد.

     ترى الهيئة المسؤولة للحزب السوري القومي الاجتماعي ان تضع امام مقامكم الكريم بعض النقاط الرئيسية المتعلقة بحقيقة الحزب بصورة موجزة اذ لا يسمح المقام بالتفصيل والتبسيط في الموضوع معتمدة على ما انتج الحزب في هذا المجال من كتب ودراسات ونشرات ومذكرات وصحف اصبحت تؤلف مكتبة قومية صغيرة يمكن الرجوع اليها للاطلاع الواسع على منذ ان تأسس في عام 1932 حتى عام 1949.

     لقد قدم الحزب للثقافة نظرة جديدة الى الحياة فاوقف تبني نفسية انانية فردية اتكالية وبنى مكانها حتى اليوم مجتمعا قوميا ….  ….  ….  ….  ….  ….  الكبرى ….  ….  ….  ….  وبرهن انه مستعد ان يبني لهذه المفاهيم والمقاييس ….  ….  ….  …  ….  ….  ….  ….  ….  وعزها ومجدها.   وقد استمد الحزب هذه المفاهيم من تاريخ بلادنا المجيد الذي يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.   واستمد قوته النفسية السورية الاصيلة الزاخرة بالقيم الانسانية والقومية رغم ما يبدو عليه في الظاهر من انحطاط و…. وانانيات.   ….  ….  ….  ….  ايضا من واقع الامة في ماضيها وحاضرها فهو ….  المسائل على اساس ذلك الواقع ثم يعمل بصورة ايجابية على ….  هذا الواقع بعد درسه وتفهمه.

     وقد جاهد الحزب جهادا في اشد الظروف حراجة يوم اتى المستعمر يبني سياسته في هذه البلاد على اساس تمزيق وحدتها الجغرافية بتقسيمها الى دويلات تقوم على اسس طائفية مغذية الاحقاد الطائفية ومؤيدة بقوة انصار هذه الفكرة اللاقومية فجاء الحزب بنظرته الجديدة لبناء مجتمع قومي متماسك وحول الشأن السياسي من جبهات طائفية الى وحدة قومية.   ولا بد ان نذكر هنا بعض المناسبات التاريخية لهذه الحقيقة:

اولا ـ زيادة ….  ….  في فبراير عام 1938 لمحافظة اللاذقية لاستفتاء الشعب بين الوحدة السورية والانفصال اعتمادا منه ان سياستهم الانفصالية قد نجحت في ….. المحافظة وقد استطاع الحزب في تلك ….. ان يصنع هذه السياسة الخرقاء ويفاجئ الفرنسيين بنتيجة عمله القومي الصامت المؤيد لوحدة البلاد الطبيعية .

ثانيا ـ الحوادث التي وقعت يوم الجلاء برهنت عن قيمة العمل القومي المنظم الواعي الذي …. السياسة الفرنسية صنعته التاريخية خصوصا في حماه ودرعا وحمص وبقية المدن السورية فقد كان الحزب وحيدا في استعداده لمجابهة الاحداث الخطيرة وحفظ استقلال البلاد وسيادتها على نفسها والتعبير الصادق عن ارادة الامة.

ثالثا ـ حوادث تشرين الاول عام 1936 بين المسيحيين والمسلمين في لبنان اذ اوقف الحزب هذه الحوادث عند حدها وحال دون توسيع الفتنة وقد كان لموقفه هذا اشعاع في صفوف الشعب اذ لاقى تلبية واستجابة (؟) على يقظته وسهره الدائم واستعداده لتعطيل اساليب الاستعمار الغاشمة.

رابعا ـ مواقف الحزب في قضية فلسطين ليس فقط باشتراكه الفكري الموجه في بيان حقيقة القضية وخطورتها وتنبيه الحكام والقائمين على الامور بصورة مستمرة بل باشتراكه الفعلي وتقديمه الضحايا, ثم ان وجود الحزب وتحقيق اهدافه الواقعية هو القوة الايجابية المنظمة الواعية التي تستطيع ان توقف الخطر الصهيوني اذ لا بمكن التغلب على نظام ما الا بنظام اكمل منه واقوى.

     بقيت هناك نقطتان تجدر الاشارة اليهما وهما:

اولا ـ نظام الحزب

ثانيا ـ مفهومه للقضية العربية.

     اما نظام الحزب فقد اصبح بعد استشهاد زعيمه الخالد في سبيل امته, نظاما مجلسيا وذلك بموجب نص صريح في دستوره واصبح يقوم على ادارته مجلسان الاول تشريعي والثاني تنفيذي وينتخب المجلسان لمدة معينة.

     واما النقطة الثانية المتعلقة بمفهومه للقضية العربية رأينا ان نشير اليها لما يشاع عن الحزب في هذا المجال من اقاويل برهن الحزب في مختلف الظروف على خطئها فالحزب

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 42

محضر 20 احمر ـ 5

رخصة الحزب القومي ـ 5

يرى ان الامة السورية هي احدى الامم العربية وهي المؤهلة لقيادة العالم العربي كما هو ظاهر في غاية الحزب ونظرتنا الجديدة في هذا الموضوع هي اننا نفهم القومية على اساس وحدة الحياة في عناصرها الرئيسية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.      

     هذا ما رأينا وضعه امام مقامكم الكريم من نقاط نرجو اخذها بعين الاعتبار وانتم تقرون الموقف الرسمي من حركة خيرة ساهمت مساهمة فعالة في بناء الاستقلال وهي ما زالت تساهم ولها في كل يوم دليل جديد على ضرورة وجودها في صفوف الامة الى جانب الهيئات المخلصة الساهرة على مصالح البلاد والحافظة لها من الاخطار المهددة لاستمرار نموها صعودا في سلم التطور والازدهار.

 هذا وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

 صورة كالاصل:   التوقيع

وقس على ذلك ما تبقى من تهم..

تلك بضع أسئلة لم نستطع الاجابة عليها مما تضمنته اضبارة مقتل المالكي، مما يعني أن القضية برمتها تبدو أكثر من مؤامرة شاركت بها دول وشخصيات في موقع القرار

في التنفيذ:

سوف نترك للشاهد ناصر هزبر، يروي لنا ـ كشاهد عيان ـ المشهد بدئا من خروج الشهيد يونس من الثكنة وحتى الاستشهاد ونعلق على الموضوع بعد سماع الطلقة الأولى والمشهد الدراماتيكي الذي استتبعها ..

“.. حضر الوكيل الاول سعيد وكيل السرية بالصادرة معلنا بدء الاجتماع فجرى الاجتماع وقرأ الوكيل الاول سعيد الامر الاداري بتوزيع المهمات في الملعب البلدي للمباراة التي ستجري بين فريق الشرطة وفريق خفر السواحل المصري وعرف كل واحد منا مهمته.   انني لم اشاهد يونس في الثكنة اثناء دخولي اليها واول ما رأيته يومها في الاجتماع فقط وبعد توزيع المهمات تفرق بعض الرقباء مثل الوكيل منير فتوحي واحمد ايوب وموفق امام, وبقيت وحدي من الرقباء في ساحة الثكنة.   وغاب عن نظري يونس في هذه الفترة حتى ناداني ما يقارب السبعة دقائق حتى ناداني الوكيل الاول سعيد واعطاني امرة الصف لقيادته حتى باب الملعب وفي هذه الاثناء بالضبط شاهدت يونس عبد الرحيم ينزل من الدرج الذي يؤدي من مركز الآليات الى باحة الثكنة وهو يصلح بنطلونه ووضع فوقه السترة التي كانت مفككة عدة ازرار منها من الاسفل واعاد نطاقة وكنت اثناءها قد اعطيت ايعاز بالاستعداد وبدء المسير وخرجنا من باب الثكنة ولحق بنا

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 6

ورقة ضبط (3) احمر ـ 2

ناصر هزبر ـ 2

يونس سائرا في الخلف / الصف / بل وبقرب باب مدرج الجامعة /والنفط بل والمنعطف المؤدي الى الملعب البلدي واذ بالوكيل الاول سعيد قادما بدراجة مزدوجة يقودها الوكيل ماجد شاكر.   وتابعت انا مسيري وراء الوكيل الاول سعيد الذي كان في الدراجة حتى دخلنا باب الملعب الخارجي واوقفت العسكريين على الجانب الايمن من الطريق حيث استلم الوكيل الاول سعيد امرة الصف مني وبعد هذا تابعت سيري والرقيب الاول يونس عبد الرحيم لداخل الملعب لاستلام مركز عملنا او خدمتنا على المنصة.   ووقفنا بالساحة الصغيرة المكان الذي تقف فيه فئة المراسيم.   وبعد قليل وصل الوكيل الاول سعيد مع فصيله الينا ونزلنا انا ويونس ورحنا نتجول في ارض الممشى المؤدي الى مطلع الدرج واثناء ذلك تركني يونس ولا اعلم اين ذهب لا نني التفت الى جانبي وورائي ولم اجده.   فتابعت سيري حتى الطرف الآخر من الجهة الشمالية للمدرج فوجدت هناك الوكيل الاول سعيد حاج حسين جالسا على كرسي في الصف الامامي فجلست بقربه وقد غيرت انا واياه مكاننا عدة مرات هربا من الشمس حينما تغطينا.   وتحدث الوكيل الاول سعيد بانه سيترك عمله كوكيل السرية ويستلم شعبة التحقيق  ولا اذكر ما جرى من باقي الحديث لانه لم يسترعي انتباهي منه غير هذا القول وبعد مضي ما يقارب او يزيد عن عشرين دقيقة على غياب يونس عني واذ به يعود ويجلس بقربي ولم انتبه مطلقا من اية وجهة كان قدومه ولم الاحظ عليه اي اضطراب او اي شيئ غير عادي واثناء جلوسنا واذ برقيب طويل الجسم عريض المنكبين ممتلئ الصحة اسمر اللون على رأسه غمرة من غمرات الجيش القديمة (مبرغلة) يتقدم نحونا ويسألنا من هو الرقيب الاول يونس عبد الرحيم فاشرت على يونس بيدي وقلت له (حضرتو) فقال له الرقيب (بتسمح انا عاوزك لك معي مكتوب) فنهض يونس من مكانه ومشى مع ذلك الرقيب حتى وقفا بعيدا عنا قليلا وتحت شجرة من شجرات الكينا هناك. وشاهدت الرقيب وقد اخرج من جيبه ورقة عادية دون مغلف ومطوية بيضاء ففتحها يونس وقرأها ووضعها في جيبه في البنطلون وعاد بعدها يونس وجلس على نفس كرسيه السابق  وذهب الرقيب الطويل بحال سبيله  ولم اعد اراه بعد ذلك مطلقا وقد شاهد كل ذلك الوكيل الاول سعيد حاج حسين تماما.   وبعد ذلك بقليل جاء نحونا الملازم عبد المجيد جمال الدين وقال مؤنبا ايانا بقوله يللا كل واحد محلو الناس يجلسون على الكراسي بدون بطاقات.   فنهضنا على الفور وذهبنا الى مكان عملنا.   فوقفت انا من امام المنصة وعلى يمينها كي احافظ على نظام الجلوس في الكراسي المعدة لبطاقات الدعوة والموجودة امام المنصة بينما وقف يونس في الطرف الشمالي من فوق على المنصة وبين مقاعد ضباط الاركان والمقاعد اليسارية وبقيت متابعا عملي ومهمتي في ذلك المكان.   وبعد النشيد السوري والمصري وبدء المباراة رجعت الى الوراء / قليلا حتى سندت ظهري على حائط المنصة / بل حتى وقفت في مؤخرة المنصة من الجانب الايمن حيث كان يجلس الدبلوماسيون / بل الضباط وعائلاتهم.   بقيت واقفا الاحظ المباراة ولم اعد انتبه ليونس منذ بدء النشيد السوري وقبل النشيد السوري والمصري وكان يونس يروح ويجيئ كثيرا ولم اشاهده يحدث احدا وبعد قليل حضر الوكيل الاول شفيق اي بعد بدء المباراة وهو من مصلحة النقل بدين الجسم ومعه الوكيل سليم زيفة ومعهما عدد من النسوة جلسن في مكان في /المقدمة/ مع نسوة الضباط بينما جلس الوكيل الاول والوكيل في الصف الخلفي وجلس احدهما على الكرسي الذي استند عليه بيدي وهو الوكيل زيفة وبعد برهة وجيزة واذ بالرقيب الاول كلاس من الشعبة الرابعة لرئاسة الاركان العامة كان قريبا منهما وكنت انا الفاصل ما بين الاول والوكيل الذي ناداه الرئيس بقوله سليم واشار اليه بيده موميا اليه ان يتقرب نحوه فتقرب الوكيل نحوه وهو على كرسيه  ايضا الرئيس الاول نحوه وهمس باذن الاول وتحدث معه حول عمله وما كاد كل منهما ان يعود ويستوي في وضعه السابق حتى صدر طلق ناري فلم يتحرك في البدء..” سوى الشهيد يونس مشهرا مسدسه متجها صوب مصدر الصوت..” وبهذه الثانية صدر طلق آخر”.. يحاول الشهيد يونس اطلاق النار  لا تنطلق الرصاصة ،يعالجه مطلق النار برصاصة تخطئه وتصيب فخذه الأيسر ، يعالج مسدسه..”  فنهضت الجموع وكل من هو على المنصة فالتفت واذ بالضباط  يحملون العقيد عدنان المالكي مضرجا بدمه واثناء ذلك اي بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس اكرم يسرع خلف المنصة” ..ليطمئن على فرار القاتل بينما يتجه عبد الكريم النحلاوي باتجاه الشهيد يونس ممسكا بمسدسه قبل وقوعه على الأرض” فرافقته في نظري كان الرئيس اكرم يقف فوق شخص “..يطلق أكرم ديري رصاصته القاتلة على الشهيد يونس” /يقول له/ قتيل مرمي في الارض”.. مبرئا نفسه” يقول له (قتلت حالك يا كلب) “..ملتقطا فارغته بينما عبد الكريم النحلاوي أو منير فتوحي يلقي بفارغتين عيار 7 ملم على الأرض..” فنظرت في وجه القتيل واذا به الرقيب

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 7

ورقة ضبط (3) احمر ـ 3

ناصر هزبر ـ 3

الاول يونس عبد الرحيم وحضر على اثرها الى المنصة الملازم عبد المجيد جمال الدين ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليلا ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالبا الي الذهاب الى المركز حيث اوقفت.   هذا واضيف بان الرقيب الاول يونس عبد الرحيم هو من الحزب السوري القومي  ويعرفه زملاؤه في المركز واما انا فغير منتسب الى اي حزب سياسي او اية ندوة او جماعة كما انه الرقيب الاول يونس لم يطلب ولم يحاول/ معي الدخول في حزب سياسي/ ادخالي في حزب سياسي وهذه افادتي.

 المحقق ـ التوقيع

الجيش السوري ـ فوج شرطة الجيش ـ شرطة موقع دمشق ـ رقم 666/ض 1

 الى قاضي التحقيق العسكري بدمشق

     نرفق طيا افادة الرقيب الاول ناصر هزبر من فوج الشرطة.   حول اعطاء ورقة من قبل رقيب مجهول الصفة للرقيب الاول يونس عبد الرحيم قبيل وقوع الحادث.

دمشق في 29/4/1955      آمر شرطة موقع دمشق

       الملازم الاول عبد الباسط منجد

         التوقيع

 

 

في خلاصة هذه الدراسة ـ المرافعة، في قضية بلغ وزن أوراقها ما يزيد على العشرين كيلو غراما بأوراق فاق عددها الثلاثة عشر الف ورقة، نستطيع وبناء على مختلف جوانب تساؤلاتنا حول ما غمض منها وما لم تستطع مطالعة النيابة العامة تبريره بعدم الأخذ بأي من قوال الشهيدين منعم وبديع أمامها، والاكتفاء بأقوال شهود زور هم بكل تأكيد من العاملين في أجهزة المكتب الثاني، واعتمادها بالكلية على ما جاء على لسان عصام المحايري من أقوال واجتهادات وتأويلات ..، وعدم الأخذ بأقوال الشهود العيان من رجال الشرطة العسكرية القائمين على حراسة المنصة ، حتى ولا على ماجاء بإفادة الشاهد ناصر هوبر،  وحول تلك النواقص والتناقضات التي شابتها، والتي لفتنا النظر اليها في حينها، نقول نستطيع التأكيد على أن مختلف اجتهاداتنا وتأويلاتنا التي جاءت في سياق هذه الدراسة ـ المرافعة لتقرير خلاصتنا واختصارها بما يلي :  

ـ إن مجمل ما جاءت به لائحة الاتهام ساقطة قانونيا.

براءة كلٍ من:

الحزب السوري القومي الاجتماعي قيادة وأفرادا مما نسب لهم 

يونس عبد الرحيم

بديع مخلوف

عبد المنعم دبوسي

غسان جديد

جورج عبد المسيح

مما نسب اليهم

ـ تجريم كل من :

1 ـ أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج بتهمة التحريض والمشاركة بالقتل.

2 ـ محمود رياض وجمال حماد بتهمة التخطيط لجريمة الاغتيال.

3 ـ أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي ورجل الأمن المصري بتهمة القتل العمد .

4 ـ مطالبة السلطات الشامية بالكشف الطبي الجنائي على رفاة الشهيد يونس عبد الرحيم ونقل رفاته الى مسقط رأسه .

5 ـ اعتذار رسمي من قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي عن اتهام الحزب الحزب السوري القومي الاجتماعي لمشاركة أكرم الحوراني في التحريض والتخطيط والتنفيذ في جريمة اغتيال العقيد عدنان المالكي 

انتهى.