قراءة في واقعة اغتيال عدنان المالكي (1)

مقدمة

ليست هذه الفراءة الأولى من نوعها ، فقد سبقتها قراءات ودراسات كثيرة، لكنها تبقى محاولة للكشف عن ما غفل عنه الآخرون… 

لم تكن واقعة اغتيال العقيد المالكي، مجرد حادثة، ذلك أنها حققت أهدافها في دمار للحزب السوري القومي الاجتماعي والذي ما تزال نتائجها فاعلة فيه حتى اللحظة، كما انها خلفت وراءها عشرات الشهداء والمعاقين وذوي العاهات الدائمة وشردت آلاف الأسر التي ما تزال تحصد نتائجها حتى اليوم، وأسرتي واحدة من تلك الأسر، وعندما نقول أنها ليست بواقعة عابرة انتهت الى ما انتهت اليه، نستذكر اغتيالات سبقتها لا تقل عنها خطورة، ولم تحظَ بذات الأهمية، ذهب ضحيتها مدنيون الرفيق ” مجيب المرشد” وعسكريون  العقيد” محمد ناصر” والذي خطَّ بيده أسماء قاتليه، المقدم إبراهيم الحسيني رئيس الشعبة “الثانية” في مخابرات الجيش، وشاركه بالاغتيال الملازم عبد الغني قنوت من ضباط الشعبة الثانية وهو من جماعة أكرم الحوراني ومن مدينة حماه أيضاً.. وقد برأت قاتليه محكمة الشيشكلي، لم ينتحر أو بالأحرى يُقتل المتهم الأول فيها كما قُتِلَ الشهيد يونس عبد الرحيم، تقلد القائمون فيها مناصب رفيعة في الدولة السورية، فعبد الغني قنوت تقلد منصب وزير، عبد الكريم النحلاوي قاتل الشهيد يونس، وخلال سنوات خمس، يصل لرتبة عقيد ويقوم بانقلاب على الوحدة التي كانت مؤامرة المالكي سعيا وراءها..

إن المتابع لإضبارة واقعة المالكي سيفاجئ بالكثير الكثير من المغالطات فيها، فهي مصنفة بطريقة لا تفضي الى تكوين رأي، تتماهى فيها الأحداث لتصب في قناة واحدة هي اتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي كمخططٍ ومنفذٍ لها حيث تشكل المصادرات من وثائق الحزب أكثر من ثلثي صفحاتها..

لم تحظَ هذه الواقعة، بالدراسة والتعمق الكافيين لما ورد في متن وقائعها، من أية جهة كانت، حزبية وغير حزبية، وجلَّ ما طرح حولها كان مجرد تحليل لنتائجها ولم يكن نقدا ونقضا لها، لجملة من العوامل، أهمها على الاطلاق الوضع الحزبي الذي بقي مضطربا بعدها، وبأن ما جاء بها هي من “أقولٍ” للمتهمين دون أدنى تدقيق في مدى ومستوى تناقضها بعضها ببعض، مما دفع الكثير من القيادات الحزبية التاريخية للإقرار بأن الحزب كان وراء هذه الحادثة المشؤومة من تاريخه، والتي أدت بطبيعة الحال لبلوغ هذه المرحلة التي يحياها اليوم، ولعل أبرز ما قيل في هذا الموضوع رسالة عصام المحايري التي تقرُّ اقرارا رسميا بمسؤولية الحزب عنها.. لم تكن دماء القومين تعني لهذه القيادات شيئا، فهي على اختلاف مسؤولياتها ذهبت هدرا، وكما لم يقف الحزب موقفا يعاكس ما تقدم حيال اغتيال الرفيق مجيب المرشد و محمد ناصر، وقف صامتا على اغتيال محمود نعمة وغسان جديد والعميد عبيد وكمال خير بك وغيرهم كُثُر.. لم يطالب حين كان على وفاق مع السلطة بمحاكمة المسؤولين عن هذه الاغتيالات، لربما للحفاظ على مواقع مسؤوليه وصيغة الوفاق مع السلطة ، كانت مواقف قياداته مزدوجة الرؤية، فعلى سبيل المثال، وفيما لو صدقت محاضر الاستجواب ـ وهذه مسألة مشكوك بها بالمطلق، كما سيلي من مقارنات بينها وبين جلسات المحكمة ـ ولكنها اعتمدت من السلطة الحزبية، والتي اتهمت جورج عبد المسيح بالوقوف خلف الواقعة، وتاليا طرده من الحزب* لكن هذه القيادات استثنت الشهيد غسان جديد من مساءلته عن كونه المحرِّض الرئيس للاغتيال ـــ وفق ما جاء بمحاضر الاستجواب ـــ ولم تتخذ بحقه أي إجراء؟!!!

إن التمعن والتدقيق بما جاء بهذه المحاضر، يثبت بما لا يقبل الجدل أنها وضعت وفق الغاية التي انتهت اليها، وأن مختلف الأقوال المنسوبة لل”متهمين” فيها، إن صحَّ ما جاء فيها، كانت تنطلق من أن التهمة هي أن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو المخطط والمنفذ لهذه الجريمة، لأنها اقتصرت على أعضاء الحزب دون أية جهة أخرى، على سبيل المثال لا الحصر، لم يستدعى أيٌ من عناصر الشرطة العسكرية الذين تواجدوا بأمر من “أكرم ديري” على المنصة الرئيسة، واكتفي تقرير تشريح جثمان الشهيد يونس عبد الرحيم على الوصف دون الإشارة للمسدس المستخدم( والذي يُفترض أن يكون من عيار( 7ملم) والذي يُفترض أن يكون من عيار( 9ملم) ، نلاحظ إنه ورد في المحضر “وجد في جثة المالكي مدخلين لطلقتين من عيار7 ملم، بينما ورد في تقرير الكشف عن مكان الجريمة: “الملازم عبد المجيد جمال الدين من مرتبات الشرطة العسكرية، قدم المسدّس الذي أقدم الرقيب أول يونس عبد الرحيم على قتل العقيد عدنان المالكي به ومن ثم استعمله لانتحاره، هو مسدّس من نوع قراقلا صنع تركيا عيار 9 ملم”. والرصاص الذي اخترق جسده، وجيء بأثنين من أفراد الشرطة العسكرية غير الذين يفترض تواجدهم مع الشهيد للتعريف بالشهيد على أنه” يونس عبد الرحيم”.. وأكرم ديري الذي يعتبر شريكا أساسيا في الجريمة، شوكت شقير عبد الكريم النحلاوي الذي قتل الشهيد عبد الرحيم، أكرم الحوراني الذي ” لم يسأل عن الجهة المنفذة عند تلقيه نبأ اغتيال العقيد المالكي؟؟؟!” لأنه كان يعرفها معرفة تامة، أكرم الحوراني هذا والملقب “بالجنرال ذو اللباس المدني” يكافأ على تخطيطه لإقصاء عقبات الوحدة مع مصر (المالكي والحزب القومي) بمسؤولية نائب رئيس “الجمهورية العربية المتحدة” ليكتشف أنه مجرد واجهة لا عمل لها، فيستقيل من منصبه ومن السياسة على وجه العموم.. لم يستدعِ للتحقيق من أذاع نبأ اغتيال المالكي ومن لقنه أن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو المنفذ لهذا الاغتيال، وهل كان هذا المذيع يعرف يونس عبد الرحيم وعضويته في الحزب، حتى يُطلق مثل هذا الاتهام مباشرة على الهواء، لم تأتي محاضر الاستجواب أيضا على استجواب مرسل رسالة التهديد، والتي تضمنتها اضبارة التحقيق، التي وصلت الى العقيد المالكي وفق ما جاء بتصريح عبد الكريم النحلاوي حتى أنها لم تأتي على ذكر من وردت أسماءهم في تلك الرسالة المزعومة والتي نعتقد ـــ في حال صحتها ـــ أنها مرسلة من مخبر يعمل في المكتب الثاني وبناء على توجيهات هذا المكتب والتي أدرجت في المحاضر كمستند اتهام ، لقد زجَّ عبد الكريم النحلاوي بعبد الحميد السراج بالسجن لأنه كان يدرك مدى تآمره مع عبد الناصر وأنه لن ينجو منه في حال بقاء الأخير حراً طليقا، ولقد استخدم عبد الناصر نفوذه وسخر مختلف أجهزته لهروب عبد الحميد السراج من الاعتقال، ذلك أن عبد الناصر كان يدرك مدى خطورة المعلومات التي لدى السراج، لقد استقبله عبد الناصر استقبال الفاتحين وأكرمه حتى موته..

إن خفايا هذه الواقعة تكمن في ما بين سطور اضبارة الدعوى ذاتها، فتناقض أقوال “المتهمين” بين المحاضر التي كتبها المحقق العسكري وفق غاية تثبيت التهمة على القوميين، وبين أقوالهم أمام المحكمة العسكرية، تُبرز أن ما جاء بالمحاضر كما أسلفنا هي أقوال الادعاء العام توَّجها باستخلاص نتائجها من حوادث يومية عابرة لا معنى لها في سياق الجريمة والتي هي محور القضية، ولعل قائمة الاتهام تبرز أن موضوع الدعوى لم يكن هو المهم بقدر ما كان التآمر على الحزب لإقصائه عن الساحة السياسية، فلقد تصدرت تهم/ انتماء لحزب سياسي ـــ بالنسبة للعسكريين، وتنظيم عسكرين في الحزب وقبول عسكريين في حزب سياسي و الانتماء لحزب سياسي غير مرخصو الانتماء الى جمعية سرية وتحريض عسكريين وعصيان غسان جديد وحيازة سلاح ودس الدسائس لدى دولة أجنبية وشل الدفاع الوطني و اثارة عصيان مسلح واقتناء وصنع مواد متفجرة واثارة حري طائفية واقتراف جرائم تنفيذا لأغراض الجمعية السرية والتحريض على القتل والاشتراك به والتدخل فيه ../ لتأتي القضية الأساس في ذيل هذه القائمة من الاتهامات وتتلخص في / قبل يوم الحادث ، يوم الحادث، بعد الحادث ..وأخيرا تهمة إخفاء مجرم/ وإن كنا سنتابع تحليل مجمل هذه الاتهامات وكيفية تأويلها والاجتهاد بها وتفسيرها في سياق هذه القراءة، فإن الملفت فيه، وخاصة في مطالعة رئيس المحكمة العسكرية، الذي نصب من نفسه فيلسوفا اجتماعيا راح يشرح العقيدة القومية الاجتماعية التي لم يفقه حتى أعتى عتاتها من المسؤولين الحزبيين كيف انتهى لكونها تتعارض مع دستور الجمهورية السورية الذي يعتبر الجمهورية السورية واحدة من الجمهوريات العربية ذات الطابع المحمدي والسني تحديدا!!!

لقد كانت مختلف الأحزاب تنهج ذات النهج الذي انتهجه الحزب، بل وبفعالية أكبر وأكثر خطورة وأخص في هذا المجال حزب البعث والإخوان المسلمين، أما الحزب الشيوعي، فقد كان خارج هذا السياق والسبب يكمن في كونه حزبا ذا عقيدة ((( ملحدة ))) أما الكتلة الوطنية وحزب الشعب ، فلم يأبها لما كان يدور حولهما لكونهما الأكثر شعبية فهذان الحزبان يضمان مجموعة من اقطاعييِّ الدولة ورأسمالييِّها، والتي كانت تعتمد على الوجهين لاستقطاب دعاتها ومريديها.. وأما الأحزاب الأخرى فقد كان قادتها اقطاعيون ورأسماليون تنتهى قيادتهم لأحزابهم بوصولهم للمجلس النيابي ..

إن حادثة اغتيال المالكي لهي في مواصفاتها واشكالياتها، تبقى نموذجا لحادثة اغتيال الرئيس الأمريكي “جون كندي” والتي تقف وكالة الاستخبارات الأمريكية وراءها حيث أقدم “جاك روبي” اليهودي على قتل ” لي هارفي أوزولد” المتهم الأول في اغتيال الرئيس كندي فطمست الجريمة بمقتله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حاشية رقم ( 1 )

* ـــ استقالة ثلاثة أعضاء من المجلس الأعلى احتجاجًا على سقوط اقتراح طرد الرفيق حسن الطويل.

وفي انتخابات تكميلية في جلسة لم يكتمل نصابها القانوني، عاد عدد الأعضاء إلى خمسة عشر عضوًا، كما كان. ومن الذين أكملوا العدد اثنان من الثلاثة الذين استقالوا احتجاجًا على عدم طرد الرفيق حسن الطويل.

وفي 18 تشرين الأول قدّم أربعة من أعضاء المجلس الأعلى استقالاتهم وهم الرفقاء: يوسف قائدبيه، محمّد يوسف حمود، فاضل كنج، جورج عبد المسيح، بسبب التمادي في خرق الدستور والقواعد الدستوريّة.

وفي 20 تشرين الأوّل 1957 عقد المجلس الأعلى جلسة استثنائية لم يُدعَ إليها الأربعة خلافًا للدستور الذي ينصّ على دعوة جميع الأعضاء حتّى المستقيلين. في هذه الجلسة اللّادستورية قرّر المجتمعون (الأحد عشر) إقالة الأربعة المستقيلين، ووقفهم عن ممارسة حقوق رتبة الأمانة، ومنعهم من ممارسة حقوق العضوية. وكان ثلاثة من الأعضاء الـ (الأحد عشر) قد قدّموا استقالاتهم فقُبلت من الأعضاء الباقين وعددهم (ثمانية). فأصبح العدد الباقي ثمانية من خمسة عشر. ولم يلتزموا بقرارات المجلس الأعلى السابقة التي تنصّ على عدم جواز إنزال عدد أعضاء المجلس إلّا إذا كان المجلس المنتخب كامل العضوية. فقرّر الثمانية إنزال عدد أعضاء المجلس إلى تسعة ليكون لهم حقّ اتّخاذ القرارات التي تحتاج إلى ثلثي أصوات أعضاء المجلس. وبهذا القرار اللّادستوري الفوري الكيفي التعسّفي أصبح لستّة منهم حقّ إقرار ما يحتاج إلى ثلثي أعضاء المجلس الأعلى؛ ومع خرقهم للدستور وللقوانين حسبوا اجتماعهم دستوريًّا.

وعليه فهؤلاء ارتكبوا خرقًا فاضحًا للدستور:

– في اتّخاذ قرارات مخالفة للدستور، إذ ليس هناك مادّة واحدة تجيز للمجلس الأعلى وقفَ أمينٍ عن ممارسة حقّ وصلاحيات رتبة الأمانة.

– في اتّخاذ قرارات تتعارض مع قرارات المجلس الأعلى والمتعلّقة بضرورة حضور كامل الأعضاء في حال إنزال عدد أعضاء المجلس الأعلى.

– في انتخابات تكميلية في جلسة لم يكتمل نصابها القانوني.

– في عدم دعوة المستقيلين كما تنصّ القواعد الدستورية والقوانين المرعيّة.

– في إقالة مَن قدّم الاستقالة.

ونتيجة لذلك، سقطت دستوريّة المجلس السابق.

من مقالة الرفيق نايف معتوق / الرد على مسعد حجل .

( لعبٌ بالدستورِ من الدستورِ على الدستور)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم تُثر قضية قضائية من التساؤلات ما أثارته واقعة المالكي، وهي لذلك تكتنه من الغموض مما يدفع لطرح كم من التساؤلات يصعب في كثير منها الإجابة عليها، وكلٌ منها يحاول الإضاءة على جانب منها، دون الجوانب الأخرى، وغموض هذه الواقعة، يدفع من جهة ثانية لكثير من التأويلات والاجتهادات وأقوال لشهود تتوافق وقناعاتهم السياسية أو الاجتماعية والدينية في كثير من الأحيان، مما يزيد في صعوبة إمكانية جلاء حقيقة ما جرى كما هو دون زيادة أو نقصان وبموضوعية بقدر ما تسمح به الوقائع التي بين أيدينا، فمختلف وجهات النظر محتملة التصديق لما فيها من مبررات تقوم على جملة من التأويلات والاجتهادات والوقائع المفترضة أو الواقعية، بل وكلما أغرقت هذه الواقعة في القدم، كلما إزدات التساؤلات حولها لما قد يتكشف من جوانبها من خلال مذكرات هذا أو ذاك من أولئك الذي عاصروها..

في محاولتنا الكشف عما جرى وكيف حدث ما حدث، لن نعتمد على ما قيل وما قد يقال، ولا على ما اجتهد به هذا وأول ذاك واستنتج ثالث ، بل سنعمد لجلاء الحقيقة من خلال التناقضات التي حفلت بها محاضر الاستجواب وجلسات المحاكمة ومطالعة النيابة العامة، ولن تتعدى محاولتنا أشخاصها الرئيسين / الشهداء يونس وبديع ومنعم/ وأخيرا الرفيق المتهم إبراهيم الصواف، فمثل هذه هي فقط ما تحمل في مضمونها الحقيقية، ما تبقى من اضبارة الواقعة لا يتعدى كونه تأويلات ٌرأت أن الحزب كان وراء التخطيط لها كما التنفيذ، فعلى سبيل المثال، عندما يطلب أحد محامي الدفاع الكشف على جثمان الشهيد يونس على اعتبار أن الكشف الطبي المدرج في مستندات الاضبارة لم يُشرْ الى نوعية الرصاصات التي اخترقت جسده ومصدرها وبعدها عن جسده ولا الى نوعية المسدس المستخدم في الاغتيال المزعوم، ويُردُّ طلبه عملا “بحرمة الموتى”، فما يعني ذلك؟ والعرف القضائي أباح الكشف على جثامين الموتى حتى بعد قرن من الزمن من انقضاء الجريمة، ألا يعني التستر على الحقائق التي يمكن لها أن تتكشف نتيجة الكشف الطبي الدقيق على الأقل، الكشف عن البعد الذي أطلقت منه الرصاصات القاتلة لكلا الشهيدين! وهل كان انتحارا أم اغتيالا؟! للشهيد يونس؟

لقد سبق وأشرنا في تعليقاتنا الجانبية على محاضر الاستجواب الى الفاصل الزمني بين الاغتيال والقاء القبض على الشهيدين بديع ومنعم، وأنه لو كانا على صلة بالاغتيال لكانا قد تدبرا أمرهما في التواري عن أنظار المخابرات أو الشرطة العسكرية ، كما يفترض أن تقتضيه خطة الاغتيال بعد وقوعها، ، هذا الفاصل الزمني، كان يكفي كليهما لبلوغ الحدود السورية اللبنانية على أقل تعديل والمرور دون أدنى تحفظ عليهما، وعلى افتراض أنهما عسكريان ويتطلب خروجهما إذنا بذلك لكانا التجأ الى بعض رفاقهم في المناطق الحدودية الزبداني مثلا أو مضايا أو.. لسلوكهما طريقا بريا عبر الحدود الى لبنان سيرا على الاقدام وهذه مسألة لا تتطلب الكثير من الحذق والمهارة كما هو معروف!؟ والسؤال الذي يطرحه هذا الفاصل هو: من أوعز للشرطة العسكرية باعتقالهما بعد أقل من أربع ساعات على وقوع الحادثة بل والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو: مع من أجريت التحقيقات الأولية لتقرير أن بديع ومنعم هما الشريكان بالجريمة؟!خاصة وأن محاضر الاستجواب لم تأتِ على ذكر من هم أقرب الى الشهيد يونس، ونقصد المجموعة المكلفة من قبل أكرم ديري بحراسة المنصة الرئيسية، والذي قام هو بنفسه بتوزيع عناصرها على الأماكن المخصصة لهم؟ مختلف التساؤلات المطروحة أعلاه، لم تأتِ محاضر الاستجواب ولا جلسات المحاكمة ولا مطالعة النيابة العامة على بيان أو التلميح لها في معرض سردها لوقائع الحادثة وما سبقها وما تبعها!! وفي هذه التساؤلات يكمن سر القضية وحقيقتها!

لم تأتِ أيٍ من وقائع محاضر الاستجواب أو جلسات المحكمة أو مطالعة النيابة العامة على كيفية معرفة الشهداء يونس وبديع ومنعم بحضور العقيد المالكي للمباراة؟! هل كان توقعا منهم فأصاب بهم مقتلا؟! أم أن السفير محمود رياض قد أخبرهم بحضوره!!أم أن شوكت شقير أشار لأكرم ديري بذلك ليهيئ الأجواء للتخلص من المالكي نتيجة العداء أو الخصومة أو اختلاف وجهات النظر بينهما؟! وما إذ كان رجال الشرطة العسكرية بكامل سلاحهم أم أنهم كانوا عُزَّلاً منه؟ وما هي فائدتهم في الحالة الأخيرة؟ هل كان الدافع للشهيد يونس ليشهر سلاحه بعد سماعه الطلقات الأولى التي استهدفت العقيد، دفاعا عن العقيد أم أنه شهره ليقتل به العقيد بعد مقتل الأخير؟ مما أثار الشكوك حوله ليرديه قتيلا اكرم ديري؟؟!! هل كان دفاعا عن النفس فأرداه رصاص المتآمرين قتيلاً؟ لماذا لم يأتِ عبد الكريم النحلاوي بشهادته أمام المحكمة العسكرية بدمشق ما راح يفصله وبثوانيه على قناة الجزيرة بعدما يقارب السبعون عاما عليها؟!! تساؤلاتٌ وتساؤلات تبقى تتكاثر كلما أوغل المرء في هذه القضية الغامضة والتي باتت غايتها معروفة لدى الجميع لكن خفاياها ما تزال في غموضها وريبتها..

سنحاول في هذه الدراسة فكَّ بعض طلاسمها وفق المخطط التالي: 1 ـ سنقتصر في دراستنا على “المتهمين” الثلاث / بديع منعم صواف/ دون الدخول في ما راحت اضبارة التحقيق والاستجواب وتساؤلات المحكمة ومطالعة النيابة العامة على بيانه بغية تضليل القارئ لها من بلوغ النتيجة المرجوة منها. 2 ـ وسنقتصر على ما جاءت به جلسات المحاكمة العلنية بدمشق ونسقطه على ما جاءت به مطالعة النيابة العامة ومحاضر الاستجواب، في محاولة للكشف عن ما غمُضَ من هذه القضية

هاني الشمعة وهو من أقدم الصحفيين السوريين يقول:” أعتقد أن مسألة اغتيال العقيد عدنان المالكي كانت معدّة وبشكل مسبق ودقيق.. كان من الممكن إجراء المباراة في الملعب الأول، لأن الملعب البلدي كان يضم أصلاً خمسة ملاعب لكرة القدم، الدولي فيها هو الملعب الأول، يليه بالأهمية الملعب الرابع، وقد أقيمت “لعبة الاغتيال” في هذا الملعب – الملعب الرابع. الملعب الأول فيه سدة يجلس فيها كبار المسؤولين، ولكن لا بدّ أن يجلس أو يقف خلفهم بعض المتفرجين، أما الملعب الرابع، فإن مدرّج المواطنين يقع تحت السدة الرئيسية، وبذلك يصبح المسؤولون الجالسون في السدة غير محميين من الخلف بكتل من المتفرجين.. في السدة الأولى جلس الزعيم شوكت شقير رئيس الأركان برغم إنه قليلاً ما كان يحضر المباريات الرياضية، وجلس على يمينه السفير المصري بدمشق محمود رياض، وعن يساره رئيس فريق الجيش المصري، وخلفه الملحق العسكري المصري جمال حماد، وفي النسق التالي وهو أقرب إلى حرس الشرطة العسكرية “أُجلِس” العقيد عدنان المالكي، وحوله بعض الضبّاط.. أما خلف العقيد المالكي والضبّاط الذين كانوا معه، فكان هناك شرطيان عسكريان).. اذن كانت “لعبة الاغتيال” كما يسمها هاني الشمعة تقتضي فراغا وراء المالكي ليتسنى لمطلق النار تصيد كلٍ من الشهيد يونس والعقيد المالكي..

الدقائق الخمس الفاصلة بين الطلقة الأولى والطلقة الثالثة التي أودت بحياة الشهيد يونس والعقيد المالكي، وهي الدقائق الكارثية بالنسبة للحزب السوري القومي الاجتماعي خاصة ولسورية عامة، ستكون محور هذه الحلقة حيث نتبين من هم المخططون والمنفذون الحقيقيون لهذه الجريمة بدراستنا لأقوال بعض الشهود العيان الفعليين، غير أولئك الذين استعانت بهم المحكمة كشهود إثبات الجريمة..

ننقل فيما يلي أقوال بعض الحضور للمباراة يوم الحادث ونبرز التناقضات فيما بينها وبين ما جاءت به محاضر الاستجواب أو إفادات الشهود العيان وفي مقدمتهم “ناصر هزير” المكلف من قبل أكرم ديري بحراسة المنصة:

وأول ما يسترعي انتباهنا، الواح التوتياء والتي لم يأتي غير اللواء حماد على ذكرها والسبب الدافع لوضعها، والتي وضعت خلف المنصة الرئيسية لم تكن لصد الرياح، كما ادعى اللواء جمال حماد في لقائه على قناة الجزيرة، بل لتخفي مُطلق النار على العقيد المالكي والشهيد يونس، فأجواء نيسان كانت حارة ولا وجود لرياح وإن وجدت فهي نسائم ربيع نسيان، الرقيب أول “ناصر هزير” وفي التحقيق معه في مخفر شرطة موقع دمشق التابع للسرية الأولى يقول:”… فوجدت هنالك الوكيل الأول سعيد حاج حسين جالساً على كرسي في الصف الأمامي، فجلست بقربه وقد غيرت أنا وإياه مكاننا عدة مرّات هرباً من الشمس حينما تغطينا..”، والسؤال: من كلف القائمين على وضعها بوضعها ومتى وضعت وما المسافة الزمنية بين وضعها وتقرير إقامة المباراة؟ يكذب اللواء حماد أيضا عندما يقول:”.. ولم يكن بعد هذا الصف أي صفوف أخرى..” بينما يقول الملازم أول عبد الكريم النحلاوي في شهادته أمام المحكمة العسكرية في دمشق وفق ما جاء بالمحضر رقم (30) والذي أنكره النحلاوي في شهادته على قناة الجزيرة، يقول:”.. وخلف هذا الصف من الكراسي يوجد صفّان فارغان من الكراسي لم يسبق أن شاهدت وضعهما في المباريات السابقة..”

ويكذب اللواء حماد عنما يقول:”.. وما كاد يلمح العقيد عدنان دخول العميد توفيق نظام الدين فكان مؤدبا جدا في منتهى الأدب فترك مقعده ودعا العميد توفيق نظام الدين للجلوس مكانه لعدم وجود أمكنة في الصف الثاني اللي كنا بنجلس فيه..” ذلك أن الأمر الإداري الصادر من قبل أكرم ديري لعناصر الشرط العسكرية وفق الأمر الإداري رقم 4212/س1 (يعين الملازم عيسى عجي مع كل من الرقباء الآتية أسماءهم منير فتوحي والرقيب أول يونس عبد الرحيم والرقيب أول ماجد حافظ والوكيل فارس عزي و الرقيب أحمد أيوبي للإشراف على تنظيم منصة المدعوين كما ويكلف بتوجيه المدعوين الى المقاعد المعدة لهم ويجري ذلك بالاتفاق مع ضابط الرياضة) تكذيب فاضح لما راح يدعيه اللواء جمال حماد ـ مصري الجنسية ـ ( وما كاد يلمح العقيد عدنان دخول العميد توفيق نظام الدين فكان مؤدبا جدا في منتهى الأدب فترك مقعده ودعا العميد توفيق نظام الدين للجلوس مكانه لعدم وجود أمكنة في الصف الثاني اللي كنا بنجلس فيه، وجلس العميد توفيق نظام الدين بجانبي ولسوء الحظ انتقل العقيد عدنان إلى الصف الثالث الذي كان ورائي مباشرة ولم يكن بعد هذا الصف أي صفوف أخرى، يؤكد الرقيب أول ناصر هزير كذب اللواء حماد حينما يقول في شهادته في مخفر موقع دمشق:”.. فوقفت أنا من أمام المنصّة وعلى يمينها كي أحافظ على نظام الجلوس في الكراسي المعدّة لبطاقات الدعوة، والموجودة أمام المنصّة..” فالأمكنة إذن كانت معدة مسبقا للضباط المدعوين ولكل مكانه الخاص، وفق الأمر الإداري الذي نصه أكرم ديري نفسه وشهادة الرقيب ناصر هزير، إن هذا الوصف الدراماتيكي لمجريات الأحداث، يشير الى أن اللواء حماد كان وراء اقتراح وتنفيذ وضع الألواح خلف المنصة الرئيسية باعتباره الوحيد الذي أشار اليها وبرر وجودها (لتحجب الرياح) عن المنصة مبررا أن وراء هذه الألواح صيادون يصطادون العصافير عندما سمع الطلقات الأولى؟!

يقول الرقيب أول في إفادته في المخفر المذكور:”.. فالتفتُ وإذ بالضبّاط يحملون العقيد عدنان المالكي مضرَّجاً بدمه، وأثناء ذلك أي بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس أكرم ديري يسرع خلف المنصّة، فرافقته في نظري، وبهذه الثانية صدر طلق آخر. كان الرئيس أكرم يقف فوق شخص يقول له قتيل مرمي في الأرض ويقول له “قتلت حالك يا كلب” فنظرت في وجه القتيل، وإذا به الرقيب الأول يونس عبد الرحيم..” مما يشير الى أن هناك فاصلا زمنيا بين الطلقتين اللتين استهدفتا العقيد المالكي والطلقة الثالثة والتي كانت على الأرجح من أحد شخصين، أولهما أكرم ديري وثانيهما عبد الكريم النحلاوي حيث كانا يجلسان الى يسار المنصة الرئيسية جنبا الى جنب، يقول عبد الكريم النحلاوي في ذات المحضر الذي أنكره:”.. وقد جلست بجانب الرائد أكرم ديري، على حذاء صف العقيد مالكي تماماً في الجهة اليسرى بالنسبة للناظر نحو الملعب، وفي الصف الثاني من الكراسي الكائنة على يسار المنصّة بالنسبة للناظر للملعب..” يضيف واصفا ردة فعله ـ على قناة الجزيرة قائلاً:” بعد بدء المباراة بثلاثين دقيقة تقريبا سمعت صوت طلق ناري عادي صادر من الناحية الخلفية فالتفتت وإذ بي أرى الرقيب يونس عبد الرحيم وكان واقفا خلف الصفين الفارغين الكائنين وراء صف العقيد المالكي ولم يكن فيهما أي شخص ويقع مكان وقوفه حذاء واحد تقريبا من العقيد المالكي والأشخاص الجالسين أمامه أي الزعيم شقير أيضا ، وفور التافتتي الى الرقيب يونس المذكور، سمعت معه صدور طلقة أخرى وهي القاتلة، ورأيته مادا يده يسدد على امتدادها باتجاه العقيد المالكي، وقد اضطربت لهذه المشاهدة ونهضت فورا واتجهت نحو القاتل وكان على بعد ثلاثة أمتار من مكان جلوسي وعلى مبعدة متر ونصف خلف العقيد وقبل أن أصل اليه لم تنطلق معه الطلقة الثالثة التي أطلقها أيضا اذ أجدبت، فرأيته يبدل الطلقة بأخرى يخرطشها ليتابع الاطلاق وعندما رآني اقترب منه سدد المسدس نحوي ولكنه خوفا من أن يُقبض عليه حيا أدار فوهة المسدس نحو صدغه الأيمن وأطلق الثالثة التي انطلقت ، وقي ذلك الوقت كنت قد وصلت اليه تماما وأخذت المسدس منه ووقع على الأرض والتفت تحو صفوف المنصة فشاهدن العقيد يترنح على الكرسي الجالس عليه ثم يقع على الأرض..” وهنا لا بدَّ من الأخذ بعين الاعتبار الفارق الزمني بين الطلقتين اللتين أودتا بحياة العقيد المالكي والثالثة التي قتلت الشهيد يونس عبد الرحيم، فوفق شهادة الرقيب أول ناصر هزير انطلقت الطلقة الثالثة بينما كان العسكريون يحملون على أكتافهم العقيد وبين ادعاء عبد الكريم النحلاوي بأن العقيد كان ما يزال جالسا في مقعده حين اطلق الشهيد يونس على نفسه الطلقة الثالثة..

هذا المشهد يتكرر في إفادات كثيرة منها ما يتفق وشهادة الرقيب ناصر هزيرومنها ما يؤكد شهادة عبد الكريم النحلاوي وفي شهادة اللواء حماد الذي صرح على قناة الجزيرة بما يلي:” ، وجلس العميد توفيق نظام الدين بجانبي ولسوء الحظ انتقل العقيد عدنان إلى الصف الثالث الذي كان ورائي مباشرة ولم يكن بعد هذا الصف أي صفوف أخرى، كان موجود بعد الصف الثالث الحراس اللي بيحرسوا المدرج وهم من الشرطة العسكرية وده اللي ساعد القاتل على أن يضع المسدس بينه وبين دماغ أو رأس عدنان المالكي سنتمترات ما فيش تنشين ولا حاجة حطه قدامه على طول، بعدين فجأة وخلال هجمة من فريق الجيش السوري على الفريق المصري كلنا منتبهين إلى هذا الموضوع إذا بنا نسمع أصوات طلقات رصاص فظيعة متواصلة وبعدين أنا وجدت كل من في المدرج يلقي بنفسه على الأرض( إلا جمال حماد)   علشان خاطر أنا مش عارف إيه الحكاية.. أيوه أنا شفت ده، هو شفته بوضوح لأنني كنت عمال أكلم عدنان المالكي، حتى الصور اتخذت تجدني أنا باصص للخلف وبأكلمه وهو بيكلمني وبعدين أنا التفت على الهجمة بقى اللي حصلت فراح ذاك حاطط المسدس وراء رأسه مباشرة ببضع سنتمترات وأطلق النار، أنا بقى بصيت شفت لقيت القاتل بيحط المسدس في اتجاه صدغه وأطلق النار وشفت اللهب بتاع الطلقات اللي ضربها على صدغه” اللواء جمال حماد يؤكد انتحار الشهيد يونس حتى أنه رأى اللهب ( بتاع الطلقات..) نجد( في المحضر رقم 31 )  و الذي يتضمن شهادة أحمد الفتيح امين عام وزارة التربية يقول:” وقد رأيته يتحرك من مكانه إلى الخلف بنصف متر تقريباً، بحيث أصبح مكان وقوفه بعد ذلك على حذاء العقيد مالكي تماماً، ورأيته يصوب المسدّس إلى رأسه وأطلق النار على نفسه، ثم ترنح فرأيت شخصاً عسكرياً لم أنتبه إلى رتبته أو إلى هيئته إطلاقاً، يقترب منه قادماً من الجهة اليمنى بالنسبة له، وعسكرياً آخر لم أعرف رتبته ولم أنتبه إلى رتبته إطلاقاً، يتقدّم نحوه قادماً من الجهة اليسرى( وفق شهادة الفتيح فإن أكرم ديري جاء من الجهة اليسرى بعدما ـ وفق شهادة هزير “بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس أكرم ديري يسرع خلف المنصّة، فرافقته في نظري، وبهذه الثانية صدر طلق آخر” ـ . حين أوشك الرقيب الأول القاتل على السقوط، وبعد وقوعه على الأرض أمسك به من كان قادماً من الجهة اليسرى (أكرم ديري)، وحرّكه بحركة لم أنتبه إليها تماماً، عند ذاك التفتُّ جهة العقيد مالكي فوجدته جالساً على كرسيه بصورة طبيعية وحانياً رأسه إلى الجانب، ورأيت الدم ينفر من جانب “نقرته” من الجهة اليسرى بغزارة، فعلمت عندئذ أن إطلاق النار من قبل الرقيب القاتل كان موجهاً إليه،) إذن وفي اللحظة التي انطلقت فيها الرصاصة الثانية القاتلة توجه كلٌ من أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي فأحاطا بالشهيد يونس وأردياه قتيلا،غذن أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوين كانا يجلسان بجانب بعضهما البعض وبعد سماعهما صوت الطلقات الأى والثانية، توجه عبد الكريم النحلاوي مباشرة نحو الشهيد يونس بينما توجه أكرم ديري الى خلف المنصة ومن ثم الى الى الشهيد يونس، فالمسافة الزمنية بين الطلقتين الأوليتين والطلقة الثالثة كانت كافية ليتأكد أكرم ديري من فرار القاتل الكامن وراء ساتر حماد ويعود الى الشهيد يونس ويرديه قتيلا ..

وفي نفس اليوم الذي وقعت في حادثة الاغتيال أُخذت شهادة كامل البني كشاهد عيان والذي قال:” وبفعل منعكس التفتُّ إلى جهة الصوت فأبصرت شخصاً عسكرياً وبيده المسدّس مشهراً ووجهه ممتقع، وهو يحمله بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم، فصحت فوراً.. وإذا بي أشاهد الطلق الثاني ينطلق إلى جهة المنصّة الرئيسية ( البني الذي رأى الشهيد يونس مشهرا مسدسه وهو يحمله بوضعية الحذر والهجوم لم ير الشهيد يونس يطلق النار على المالكي بعد الطلقة الأولى لكنه بعد الطلقة الثانية رأى الشهيد يونس يعالج مسدسه ولم يره يطلق الطلقة الثانية باتجاه العقيد..فكيف لم بره يطلق الطلقة الثانية على العقيد وهو المتابع لحركة الشهيد يونس قبل الطلقة الثانية؟؟؟)، وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت أن صاحب المسدّس أخذ يعالجه، كان المسدّس توقف عن الانطلاق، وكان بعض الموجودين من الضبّاط على المنصّة الرئيسية قد أسرعوا نحوه، وكنت في هذه الفترة أتقدّم بسرعة نحوه وأنا أصيح، فانطلقت الثالثة ولا أدري كيف كان اتجاهها، و كنت لاحظت أن صاحب المسدّس بعد الطلقة الثانية أخذ يتراجع إلى الخلف، ولم أنتبه إذا كان وهو يتراجع قد ولى ظهره للناس، أو مازال مولياً وجهه نحوه، ولما شاهدت العقيد مصاباً اتجهت نحوه ولم أعرف ما جرى للمعتدي، وقد أحاط الضبّاط بالعقيد وحملوه، وقد استرخى رأسه والدماء تنزف منه” على الرغم من أن كامل البني وهو بعثي، يؤكد وجود الفتيح الى جوار العقيد، على خلاف الصورة، لكنه لا يشبر إلا الى الطلقتين الأوليتين أما الثالثة فقد سمعها دون الإشارة الى كونها استقرت في رأس الشهيد يونس مما يعني أنه لم يرَ أن الشهيد يونس قد انتحر وفق مزاعم حماد والنحلاوي..

4 – هكذا يؤكد البعض بينما ينفي الآخرون انتحار الشهيد يونس، لكن المسافة الزمنية بين الطلقتين الأوليتين والطلقة الثالثة هي التي تحسم الموضوع، ما يمكن الركون اليه وفق أقوال الشهود هو تأكيد الشاهد ناصر هزير على أنه في اللحظة التي انطلقت فيها الطلقة الثالثة كان العقيد محمولا على أكتاف الجنديين، وليس كما ادعى الفتيح والنحلاوي أن العقيد كان ما يزال على مقعده، فبالعودة لشهادة النحلاوي تبقى المسافة التي قطعها بين مقعده ومكان تواجد الشهيد وإعادة الشهيد يونس تلقيم مسدسه هي المسافة الزمنية الفاصلة بين الطلقتين الأوليتين والطلقة الثالثة ، هذا ما يؤكده البني في شهادته أيضا، عندما يقول:” وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت أن صاحب المسدّس أخذ يعالجه، كان المسدّس توقف عن الانطلاق، وكان بعض الموجودين من الضبّاط على المنصّة الرئيسية قد أسرعوا نحوه، وكنت في هذه الفترة أتقدّم بسرعة نحوه وأنا أصيح، فانطلقت الثالثة ولا أدري كيف كان اتجاهها..”  يؤكد البني أنه لم ير الشهيد يونس لم ينتحر وإنما قتل والقاتل واحد من اثنين، أكرم ديري وفق الشاهد هزير والنحلاوي وفق شهادته بالذات.

إذا صحَّ ما تقدم، فمقتل الشهيد يونس، يؤكد أن مؤامرة حيكت لتصفية العقيد المالكي المزاحم لشقير على رئاسة الأركان باتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي بالتخطيط لمقتله لمعارضته غير المعلنة للوحدة مع مصر، وهو الموقف الذي قد يجمع بين الحزب والمالكي في هذه المؤامرة.

لكن ما يزيد الترجيح المتقدم رجحانا، هو ما أشار اليه الرقيب أول ناصر هزير بقوله:” وأثناء جلوسنا، وإذ برقيب طويل الجسم عريض المنكبين ممتلئ الصحة أسمر اللون على رأسه عمرة من عمرات الجيش القديمة “مبرغلة” يتقدّم نحونا ويسألنا من هو الرقيب يونس عبد الرحيم، فأشرت على يونس بيدي وقلت له “حضرته” فقال له الرقيب “بتسمح أنا عاوزك لك معي مكتوب” فنهض يونس من مكانه ومشى مع ذلك الرقيب حتى وقفا بعيداً عنا قليلاً، وتحت شجرة من شجر الكينا هناك.. وشاهدت الرقيب وقد أخرج من جيبه ورقة عادية دون مغلف ومطوية بيضاء فتحها يونس وقرأها ووضعها في جيبه في البنطلون، وعاد بعدها يونس وجلس على نفس الكرسي السابق، وذهب الرقيب الطويل بحال سبيله ولم أعد أراه بعد ذلك مطلقاً.” تلك الورقة التي دسَّها الشهيد يونس في جيبه بعد قراءتها، لم تظهر في مختلف مستندات القضية ولم يأتي أحدا على ذكرها، فهل بقيت في جيب الشهيد ولم ينتبه اليها أحد، أم أنها صُدرت واختفت كغيرها من الوثائق الكثيرة التي تنفي التخطيط والتنفيذ السوري القومي الاجتماعي لهذه المؤامرة!!

ما الذي كانت تتضمنه تلك الرسالة التي حملها شخص لا يعرفه الشهيد يونس؟ هي بالتأكيد لا تتعلق بأي شأن عائلي خاص ليحملها اليه شخص لا يعرفه، أم أنها رسالة تتضمن تحذيرا حزبيا من القيام بأي عمل طائش ضد العقيد المالكي؟ أو أمرا حزبيا بضرورة تنفيذ ما تمَّ الاتفاق عليه؟ ومن كان مرسلها؟ ولماذا اختفت على الرغم من أن الرقيب أول ناصر هزير قد أشار اليها مما كان يتوجب العودة لجثمان الشهيد لتفقدها وتفقد مضمونها!!!

إن في اختفاء هذه الرسالة، ما يشير الى أنها لا تتفق ونسق سير المؤامرة، بل إنها تأكيد على أن الحزب لا علاقة له بهذه المؤامرة، ومهما يكن من أمر مضمونها، فاختفائها يترك تساؤلات عدة عن مرسلها! ومن هو هذا الشخص الذي سلمها له؟ مختلف التساؤلات الواردة أعلاه تم تجاهلها من قبل هيئة المحكمة ومحاضر الاستجواب، مما يترك مجالا رحبا للتساؤل عن سبب اختفائها..

هنا لا بدَّ لنا، استطرادا، من لفت الانتباه لما تعنيه تبرئة الحزب من جريمة اغتيال المالكي واتهام جهة مسؤولة فيه بذلك؟

يتشدق كثيرون بشهادات لأشخاص يبرؤون الحزب من هذه الجريمة، أبرزهم على الاطلاق كان عصام المحايري الذي أكد أن جهة ما هي المسؤولة عن هذه الجريمة وعلى ضرورة الاقتصاص من منفذيها!!!

قد يكون عصام المحايري محقا فيما ذهب اليه، على الرغم من أنه لا يملك الدلائل على ما أكد عليه، لكنه في تأكيده المتقدم أخفى بل وعتَّمَ على من هم الضالعون في هذه المؤامرة، فتبرئة الحزب باتهام جهة مسؤولة فيه لا يعني براءته في أية حال، ومهما يكن من أمر هذه الجريمة التي عفى عليها الزمن، فإن العودة اليها تبقى شأنا حزبيا محضا يختص بتفاصيل دقيقة من تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكيف تمت معالجة قضاياه المصيرية بغباء عزَّ نظيره، كما وقد تلهم البعض من عناصر هذا الحزب لدراسة تفاصيل أخرى من تاريخه، على سبيل المثال المحاولة الانقلابية الفاشلة 1960 – 1961!! أو دراسة تاريخ شخصيات لعبت دورا مهما في تاريخه، على سبيل المثال، شوقي خيرالله، الذي كان على بعد أمتار من محاكمة سعادة وأول من علم بإعدامه وأول من شارك في الانقلاب الستيني وكان سببا من أسباب فشله..

5 – إن في اختفاء الرسالة التي حملها شخص لا يعرفه الشهيد يونس، وتاليا، عدم التحقيق في من هو مُرسلها ومن هو حاملها، يؤكد ما ذهب اليه “هاني الشمعة” بقوله (.. التحقيقات التي جرت مع أفراد هذا الحزب قد استدعت تغيير الحقيقة عدة مرات، واضطر عبد الحميد السراج وأكرم الديري والملازم أول عبد المجيد جمال الدين أن يتصدّوا للتحقيق، ويمزقوا كثيراً من الإفادات والأوراق لأنها لم تعجبهم ولم يقتنعوا بأسلوبها في تغيير الحقيقة..)

تولى عبد الحميد السراج بالتعاون مع شوكت شقير رئيس الأركان العامة، مسؤولية قاضي تحقيق عسكري بعدما أزاح الرائد صلاح يوسف أغا عن هذه المسؤولية كما أبعد العقيد محمد الرافعي كنائب عام عسكري ليتولى ذات المنصب، ونصَّبَ من نفسه مدعيا عاما، هكذا اجتمعت كل المهام الادعاء بيد السراج، وسارت بهديها المحاكمات.. وساعده في مجريات التحقيق أكرم ديري وعبد المجيد جمال الدين، هذا الذي حضر فجأة الى مسرح الجريمة متفحصا وجوه من تجمعوا حول الشهيد يونس.. يقول الرقيب ناصر هزير ( وحضر على إثرها إلى المنصّة(؟!) الملازم عبد المجيد جمال الدين، ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليل، ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالباً إليَّ الذهاب إلى المركز حيث أوقفت..) وما نعتقده أن هذا الأخير هو الذي نفذ عملية اغتيال العقيد المالكي، فحضوره المفاجئ وإشارته للوكيل منير فتوحي باعتقال الرقيب ناصر، تشير لما كان مخططا له حيث تولى أكرم ديري مهمة تهيئة الأجواء لهذه العملية فحدد للرقيب يونس مكانه، بناء على ما كان يعرفه عن الشهيد، أما المنفذ فكان عبد المجيد، فأكرم ديري كما يقول الشاهد ناصر هربو (.. وأثناء ذلك أي بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس أكرم ديري يسرع خلف المنصّة..) خلف المنصة أي خلف الألواح التي وضعت لصد الرياح كما ادعى اللواء حماد، متفقدا عبد المجيد مشيرا اليه بالحضور الى المنصة.. ومن ثم عاد الى حيث الشهيد يونس فقتله أو سبقه الى ذلك عبد الكريم النحلاوي، مدعيا أنه انتحر.. هذا ما ينفيه اللواء الطيار المتقاعد راشد كيلاني في مذكراته إذ يقول: ( وجدت القاتل مرمياً على الأرض، فقد قُتل هو بدوره، من قِبَل أحد المشتركين في هذه المؤامرة، بقصد إخفاء الجريمة..) أما هاني الشمعة فيقول: (أعتقد أن مسألة اغتيال العقيد عدنان المالكي كانت معدّة وبشكل مسبق ودقيق.. إن عبد الرحيم لم ينتحر ولم يُقتل في ساحة الجريمة!!)

اثنان من المخططين الرئيسين لهذه المؤامرة، تواجدا خارج دمشق أثناء وقوع الجريمة، أكرم الحوراني الذي” لم يسأل عن منفذ هذه الجريمة” كما ورد في مذكراته، وإن كان تواجده خارج دمشق للمشاركة في جنازة أخيه واصل، تبريرا معقولا ومقبولا في آن، فما هي المهمة التي كلف نفسه فيها عبد الحميد السراج لتواجده في التل، كما جاء في تقرير “الطبيب الشرعي” فوفق ضبط محضر التشريح “كُلف الطبيب الشرعي العسكري المرشح متين طباخ لإجراء الكشف وبيان أسباب الوفاة بعد تحليفه اليمين القانونية المنصوص عليها في الملحق 41 من الأصول الجزائي. “الطبيبً متين طباخ، هو ضابط يؤدي الخدمة العسكرية وبرتبة مرشح!!! فلماذا لم يكلف طبيبٌ شرعي من العاملين في الجيش خاصة وأن الطبيب قاضي التحقيق العسكري صلاح يوسف آغا كان موجودًا في مقر الشرطة العسكرية قريبًا من المستشفى العسكري..

يشير محضر التشريح الى أنه (وجد في جثة المالكي مدخلين لطلقتين من عيار7 ملم..) بينما ورد في تقرير الكشف عن مكان الجريمة: “وقم الملازم عبد المجيد جمال الدين من مرتبات الشرطة العسكرية، المسدّس الذي أقدم الرقيب أول يونس عبد الرحيم على قتل العقيد عدنان المالكي به ومن ثم استعمله لانتحاره، هو مسدّس من نوع قراقلا صنع تركيا عيار 9 ملم” .كذلك يشير محضر تشريح جثمان الشهيد يونس الى مدخل لطلقة من عيار 7 ملم فهل كانت هذه هي الثغرة التي كشفت أن الجريمة وقعت بغير السلاح الذي قيل أن الجريمة نفذت به..

ملحق رقم (1) شهادة الرقيب أول ناصر هزير:

في هذا اليوم الخميس الواقع في الثامن والعشرين من شهر نيسان، عام 1955 الساعة الرابعة عشر، نحن الموقعين أدناه الملازم عبد المجيد جمال الدين محققاً، والرقيب الأول إبراهيم طيبا محرِّراً ، من مخفر شرطة موقع دمشق التابع للسرية الأولى.

بناء على التحقيقات الجارية، استدعينا لأمامنا الرقيب الأول ناصر هزير، وضبطنا إفادته كما يلي:

هويته – اسمي محمد ناصر بن جميل هزير، والدتي شروف، عمري 30 سنة من أهالي معرة النعمان، مهنتي رقيب أول بفوج شرطة الجيش السرية الأولى، شعبة التحقيق رقمي 45739 متأهل ولي أولاد، متعلم لم أُحكَم قبلاً.

إفادته – على السؤال أجاب..؟ 

ج – في يوم الجمعة الماضي، تنفيذاً للأمر الإداري الصادر من آمر السرية الأولى، باستنفار السرية اعتباراً من الساعة الثالثة عشر، ذهبت إلى المركز خارجاً من عند الحلاق صالون المراد بالمرجه، وكان برفقتي الرقيب أحمد وهبه رأفت، وفي شارع النصر وقريباً لجامع دنكز، انتبهنا إلى الساعة فلاحظنا أننا إذا تابعنا سيرنا على الأقدام لابدّ أننا سنتأخر عن حضور الاجتماع في الوقت المحدد، وإذا بالرقيب رأفت يوقف سيارة تكسي عمومي لا أعرف اسم سائقها، وطلبنا إليه إيصالنا إلى المركز، فركبنا معه أنا ووهبه من الخلف، وكان بقرب السائق شخص مدني لا نعرفه، حتى وصلنا إلى باب المركز، حيث ترجلنا ودخلنا المركز، وما هي إلا دقائق حتى صفر الوكيل (( المساعد)) الأول سعيد وكيل السرية بالصافرة معلناً بدء الاجتماع، فجرى الاجتماع، وقرأ الوكيل الأول سعيد الأمر الإداري بتوزيع المهمات في الملعب البلدي للمباراة التي ستجري بين فريق الشرطة وفريق خفر السواحل المصري، وعرف كل واحد منا مهمّته،

و إنني لم أشاهد يونس في الثكنة أثناء دخولي إليها، وأول ما رأيته يومها في الاجتماع فقط.. وبعد توزيع المهمّات تفرّق بعض الرقباء مثل الوكيل منير فتوحي، وأحمد أيوبي وموفق إمام. وبقيت وحدي من النقباء في ساحة الثكنة. وغاب عن نظري يونس في هذه الفترة ما يقارب السبعة دقائق، حتى ناداني الوكيل الأول سعيد وأعطاني أمرة الصف لقيادته حتى باب الملعب، وفي هذه الأثناء بالضبط شاهدت يونس عبد الرحيم ينزل من الدرج الذي يؤدي من مركز الآليات إلى باحة الثكنة وهو يصلح بنطلونه، ووضع فوقه السترة التي كانت مفككة عدة أزرار منها من الأسفل، وأعاد نطاقه.. وكنت أثناءها قد أعطيت إيعازاً بالاستعداد وبدء المسير، وخرجنا من باب الثكنة ولحق بنا يونس سائراً في خلف الصف، وبقرب باب مدرج الجامعة بل والمنعطف المؤدي إلى الملعب البلدي، وإذ بالوكيل الأول سعيد قادماً بدراجة مزدوجة يقودها الوكيل ماجد شاكر.

وتابعت أنا مسيري وراء الوكيل الأول سعيد الذي كان في الدراجة، حتى دخلنا باب الملعب الخارجي، وأوقفت العسكريين على الجانب الأيمن من الطريق حيث استلم الوكيل الأول سعيد أمرة الصف مني، وبعد هذا تابعت سيري والرقيب الأول يونس عبد الرحيم لداخل الملعب لاستلام مركز عملنا أو خدمتنا على المنصّة. ووقفنا بالساحة الصغيرة، المكان الذي تقف فيه فئة المراسم. وبعد قليل وصل الوكيل الأول سعيد مع فصيلة إلينا، ونزلنا أنا ويونس ورحنا نتجول في أرض الممشى المؤدي إلى مطلع الدرج، وأثناء ذلك تركني يونس ولا أعلم أين ذهب، لأنني التفت إلى جانبي وورائي ولم أجده [؟] فتابعت سيري حتى الطرف الآخر من الجهة الشمالية للمدرج، فوجدت هنالك الوكيل الأول سعيد حاج حسين جالساً على كرسي في الصف الأمامي، فجلست بقربه وقد غيرت أنا وإياه مكاننا عدة مرّات هرباً من الشمس حينما تغطينا،

و تحدّث الوكيل الأول سعيد بأنه سيترك عمله كوكيل سرية ويستلم شعَبة التحقيق، ولا أذكر ما جرى من باقي الحديث لأنه لم يسترعِ انتباهي منه غير هذا القول، وبعد مضي ما يقارب أو يزيد عن عشرين دقيقة على غياب يونس عني، وإذا به يعود ويجلس بقربي و ولم أنتبه مطلقاً من أيه جهة كان قدومه، ولم ألاحظ عليه أي اضطراب أو أي شيء غير عادي وأثناء جلوسنا، وإذ برقيب طويل الجسم عريض المنكبين ممتلئ الصحة أسمر اللون على رأسه عمرة من عمرات الجيش القديمة “مبرغلة” يتقدّم نحونا ويسألنا من هو الرقيب يونس عبد الرحيم، فأشرت على يونس بيدي وقلت له “حضرته” فقال له الرقيب “بتسمح أنا عاوزك لك معي مكتوب” فنهض يونس من مكانه ومشى مع ذلك الرقيب حتى وقفا بعيداً عنا قليلاً، وتحت شجرة من شجر الكينا هناك..

وشاهدت الرقيب وقد أخرج من جيبه ورقة عادية دون مغلف ومطوية بيضاء فتحها يونس وقرأها ووضعها في جيبه في البنطلون، وعاد بعدها يونس وجلس على نفس الكرسي السابق، وذهب الرقيب الطويل بحال سبيله ولم أعد أراه بعد ذلك مطلقاً. وقد شاهد كل ذلك الوكيل الأول سعيد حاج حسين تماماً . وبعد ذلك بقليل جاء نحونا الملازم عبد المجيد جمال الدين، وقال مؤنِّباً إيانا بقوله “يلا كل واحد محلو الناس يجلسون على الكراسي بدون بطاقات”. فنهضنا على الفور وذهبنا كلٌّ إلى مكان عمله.

فوقفت أنا من أمام المنصّة وعلى يمينها كي أحافظ على نظام الجلوس في الكراسي المعدّة لبطاقات الدعوة، والموجودة أمام المنصّة، بينما وقف يونس في الطرف الشمالي من فوق المنصّة، وبين مقاعد ضبّاط الأركان والمقاعد اليسارية، وبقيت متابعاً عملي ومهمتي في هذا المكان، وبعد النشيد السوري والمصري وبدء المباراة، رجعت إلى الوراء قليلاً حتى سندت ظهري على حائط المنصّة، بل حتى وقفت في مؤخرة المنصّة من الجانب الأيمن، حيث كان يجلس الدبلوماسيون بل الضبّاط وعائلاتهم.

بقيت واقفاً ألاحظ المباراة، ولم أعد انتبه ليونس منذ بدء النشيد السوري.. وقبل النشيد السوري والمصري كان يونس يروح ويجيء كثيراً ولم أشاهده يحدِّث أحداً، وبعد قليل حضر الوكيل الأول شفيق، أي بعد بدء المباراة، وهو من مصلحة النقل بدين الجسم، ومعه الوكيل سليم زيفه، ومعهما عدد من النسوة جلسن في مكان المنصّة مع نساء الضبّاط، بينما جلس الوكيل الأول والوكيل في الصف الخلفي، وجلس أحدهما على الكرسي الذي أستندُ عليه بيدي وهو الوكيل سليم زيفه، وبعد برهة وجيزة، وإذ بالرقيب الأول كلاس من الشعبة الرابعة لرئاسة الأركان العامة كان قريباً منهما،

وكنت أنا الفاصل ما بين الأول والوكيل الذي ناداه الرئيس بقول سليم وأشار إليه بيده مومياً إليه أن يتقرب نحوه، فتقرب الوكيل نحوه وهو على كرسيه أيضاً الرئيس الأول نحوه، وهمس بأذن الأول وتحدث معه حول عمله، وما كان كل منهما أن يعود ويستوي وضعه السابق حتى صدر طلق ناري، فلم يتحرك في البدء أحد حتى صدر طلق آخر، فنهضتِ الجموعُ وكلُّ من هو على المنصّة،

فالتفتُ وإذ بالضبّاط يحملون العقيد عدنان المالكي مضرَّجاً بدمه، وأثناء ذلك أي بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس أكرم ديري يسرع خلف المنصّة، فرافقته في نظري، وبهذه الثانية صدر طلق آخر. كان الرئيس أكرم يقف فوق شخص يقول له قتيل مرمي في الأرض ويقول له “قتلت حالك يا كلب” فنظرت في وجه القتيل، وإذا به الرقيب الأول يونس عبد الرحيم، وحضر على إثرها إلى المنصّة الملازم عبد المجيد جمال الدين، ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليل، ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالباً إليَّ الذهاب إلى المركز حيث أوقفت.

هذا وأضيف بأن الرقيب الأول يونس عبد الرحيم هو من الحزب السوري القومي، ويعرفه زملاؤه في المركز، وأما أنا فغير منتسب إلى أي حزب سياسي، أو أية ندوة أو جماعة، كما أن الرقيب الأول يونس لم يطلب ولم يحاول – معي الدخول في حزب سياسي – إدخالي في حزب سياسي وهذه إفادتي.

ملحق رقم(2) محضر تشريح جثمان عدنان المالكي:

( في هذا اليوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر نيسان عام ألف وتسعمئة وخمس وخمسين- نحن الرئيس محمد الجراح معاون النائب العام العسكري بدمشق، بناء على الإخبار الهاتفي من قبل الشرطة العسكرية بوقوع اعتداء في الملعب البلدي فقد أسرعت من التلّ ووصلت المستشفى العسكري في الساعة الثامنة عشرة والخمس دقائق. وقد علمت أن المصاب العقيد عدنان المالكي موجود في غرفة التشريح. ولدى وصولي إلى هناك وجدت العقيد ممددًا على سرير، بل نقالة الإسعاف وهو شاب فوق الثلاثين من العمر يبلغ الخامسة والثلاثين طويل القامة. أبيض اللون. حليق اللحية والشارب ملطخ وجهه بالدماء وكذلك عنقه وعلى كتفه. وقد لوحظ في أعلى العظم الفقري على خط يوازي النائي الخشائي مدخل جرح بقطر سبعة مليمتر تقريبًا وهذا الجرح غير نافذ من الجهة الثانية ولوحظ على عينه اليمنى انتفاخ بلون أزرق شمل الجفن السفلي الأيمن. وكما لوحظ وجود مدخل جرح آخر في الكتف اليسرى عند التقائه مع أسفل العنق. وفوهة خروج بهذا الجرح في أسفل العنق الأيسر من أعلى الصدر بقطر ثمانية مليمترات تقريبًا وقطر المدخل سبعة مليمترات تقريبًا. والعقيد يلبس كلسون أبيض من نسيج الكتان.

ليس في جسمه آثار خلاف ما ذكر والشرشف الذي كان ملفوفًا فيه ملوث بالدماء تحت كتفيه. وقد كلف بكتابة هذا الضبط العريف أحمد حاضري رقم 62589 من فوج الشرطة العسكرية.

ومن أجل بيان أسباب الوفاة كلف الطبيب الشرعي العسكري المرشح متين طباخ لإجراء الكشف وبيان أسباب الوفاة بعد تحليفه اليمين القانونية المنصوص عليها في الملحق 41 من الأصول الجزائي. وقد قال لدى الاطلاع على جثة العقيد عدنان المالكي المعرف عنها بواسطة العريف أحمد حاضري والرقيب علي مرشاق. تبين أنها لشخص طويل القامة حليق اللحية والشارب أبيض اللون أشقر شعر الرأس تقريبًا. وفي الرأس على العظم الفقري وعلى خط يوازي النائي الخشائي فوهة دخول الرصاص غير نافذ قطر الفوهة نحو سبعة مليمترات. وعلى العين اليمنى انتفاخ أزرق يشمل الجفن الأسفل منها أيضًا. وكما أن آخر الكتف الأيسر عند التقائه مع أسفل العنق من الخلف مدخل رصاصة أي مرمى ناري بقطر سبعة مليمترات. وفوهة خروج بهذا المرمى واقعة في أسفل العنق من الأمام عند أعلى الصدر من الجهة اليسرى بقطر ثمانية مليمترات. فوهة الخروج مستديرة كفوهة الدخول. وقال الطبيب الشرعي بأنه سيقدم تقريرًا على حدة يبين فيه أسباب الوفاة وقد أنهى الكشف وختم في الساعة الثانية عشرة والنصف في المستشفى العسكري بحضور الطبيب الشرعي المرشح متين طباخ وطبيب المستشفى الرئيس الأول محمد حسن السعدي والرقيب الشرطي علي مرشاق وقد وقع على هذا الضبط من قبلهم.

دمشق في 22/4/1955

كاتب الضبط الرقيب علي مرشاق طبيب المستشفى الطبيب الشرعي العسكري معاون النائب العام العسكري

الملحق رقم (3) رسالة عصام المحايري التي يُقر فيها بأن الحزب كان وراء الجريمة:

يؤسفني ما يترامى إلي من أن أقلاما قومية اجتماعية في لبنان تقوم بحملة تضليل وتنشر ترهات تصورني فيها في التحقيق الذي جرى ويجري معي، أن أظافري قد اقتلعت ويداي قد كويت بالزيت المغلي بل وأن عيني قد قلعت أو كادت إلى نحو ذلك من الأباطيل.

لقد كنت أتمنى على رفقائي في لبنان أن يمسكوا أقلامهم إلا على الواجب الذي يمليه على قومي اجتماعي سلوكه تجاه الجريمة النكراء والمأساة المفجعة التي أودت بحياة العقيد المالكي، هذه الجريمة البشعة ويؤلمني أن أصارح رفقائي، أنها ليست وليدة يونس عبد الرحم القاتل الذي انتحر أو قتل بعد الاغتيال مباشرة بل أن وراء يونس ويا للعار، أيدي بعض المسؤولين الحزبيين الذين خططوا ودبروا ودفعوا للجريمة الآثمة.

وواجب أقلام القوميين الاجتماعيين هو الاهتمام بهذه الناحية الخطيرة والأليمة جدا فلا ينساقوا وراء العاطفة الشخصية وينسوا واجبهم في تناول وضعية المجرمين.

إن حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين تعني، ويا للخجل أن هؤلاء خانوا الحزب وخانوا دستوره كما خانوا قسم المسؤولية الذي أدوه.

هذه الخيانة تفرض علينا أن نثور على أصحابها ونصب نقمتنا عليهم، ونعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم، لا أن نحصر الثورة على موضوع توقيف الرفقاء الذين أوقفوا ونسج الروايات حول هذا التوقيف، هذه الكلمة التي أسوقها لرفقائي كم أكون شاكرا للصحافة في الشام ولبنان نقلها إليهم لتتضح لكل رفيق الحقائق حول هذه الجريمة النكراء، ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أياً كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”.

إن لإقرار عصام المحايري( راجع الحلقة الخامسة) بأن ” حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين تعني، ويا للخجل أن هؤلاء خانوا الحزب وخانوا دستوره كما خانوا قسم المسؤولية الذي أدوه.. ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أياً كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”. لا يُبرئ الحزب، بل يدينه إدانة كاملة تامة مطلقة، إذ، ليس شرطاً، أن يعمم مسؤولو الحزب قراراتهم، السياسية بالتحديد، على القواعد الحزبية، خاصة ما كان منها متعلقاً بأمن الحزب، وهنا لا تنفصل ولا يمكن فصل المسؤولية فيتحملها المسؤولون دون الرفقاء، فالمسؤولية، هي مسؤولية الحزب، أكان المخطط رئيساً أم كان الرفيق منفذا، هذا لجهة المسؤولية الحزبية عن جريمة لم يرتكبها مسؤولو الحزب أو أيٍ من أعضائه، جريمة انطلت ادعاآتها على المسؤولين والرفقاء والمواطنين على مختلف مستوياتهم ومسؤولياتهم.. ذلك أن حبكتها كانت محبكة بشكل دقيق ومنظم، ومحسوبة ثوانيها ثانية إثر أخرى، أما لجهة أن التعذيب لم يطال عصام المحايري وحده، فقد يكون صحيحا، لكنه طال كل ما عداه، وقد أشرنا سابقا لهذه المسألة، لكننا نضيف ما يقوله الشهداء دبوسي ومخلوف وصواف أمام المحكم حيث أنكر الثلاثة مختلف الإفادات التي سجلها السراج والديري وجمال الدين، ودبجوها وفق ما كان مخططاً لها، يقول الرفيق الشهيد بديع مخلوف أمام المحكمة:” قبل أن أدلي بإفادتي ألتمس من المحكمة الموقرة أن تسمح ليبأن أعرض عليها مراحل التحقيق الذي جرى معي وكيفية أخذ الإفادات مني، فقلد انقضى علينا أربعة أشهر ونحن نتعذب، وننتظر اللحظة التي نقف فيها أمام محكمتكم لندلي بما لقيناه من عذاب فقد ضربنا ضربا شديدا وعذبنا عذابا لم يتعذبه المسيحيون الأوائل على أيدي الرومان والوثنيين، وأن التعذيب كان متنوعا، فلقد جُلدنا بالسياط وجرى التيار الكهربائي بأجسادنا كما هددت بإجراء الفعل الشنيع بي وبأخوتي لذلك فكل إفاداتي السابقة غير صحيحة ولقد أخذت مني تحت هذا التعذيب الفظيع..”

الشاهد محمود عردوس يقول:” والله أكلت قتلة وانا موقوف هيك وما بعرف ليش موقوف وبعمري ما انتسبت لحزب وما بعرف شو كانت افادتي كان محروق نفس نفسي.. لقد ضُربت قبل إعطاء الإفادة وبعدها، أكلت قتلة جحش ما بيحملها انني أكلت قتلة يوم إعطاء الإفادة وبعده “

أما الشهيد دبوسي فيقول ردا على سؤال المحكمة ـ سئل عن الجرائم المنسوبة اليه فأجاب:” إنني بريء من الجرائم المنسوبة إليَّ وكل ما ورد في إفاداتي السابقة مما يدينني قد أخذ مني تحت جميع أنواع التعذيب الوحشية.. وسئلَ: لماذا نفيت بعض الافادات ومنها أنك ستقتل العقيد اذا لم يقتله يونس؟ فأجاب:” لا صحة لإفادتي أمام قاضي التحقيق.. كانوا يتساهلون معي أحيانا بالإنكار..

للتعذيب تتمة، لكن التهمة تبقى هي أساس وجوهر هذه القراءة:

اغتيال المالكي كما هو مرجح، تمَّ باتفاق بين محمود رياض وزير الخارجية المصري وعبد الحميد السراج وبشراكة مع أكرم الحوراني وبغطاء من شوكت شقير رئيس الأركان العامة، أما المنفذون فالمرجح أنهم أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي للتغطية على مطلق النار عبد المجيد جمال الدين أو أحد أفراالسفارة المصرية في دمشق..

عدنان المالكي كان على عداء مع كل من شوكت شقير وعبد الجميد السراج كما كان على خلاف مع غسان جديد وكذلك مع أكرم الحوراني، على خلفية وقوف الأخير ضد ترشيح أخيه رياض للانتخابات عام 1954 وهذا ما أثار العقيد عدنان المالكي ودفع بأكرم الحوراني لتكليف النقيب بشير صادق بإبلاغ البعثيين مدنيين وعسكريين وجوب مهاجمة العقيد المالكي في المحافل والمناسبات كافة وإفشال مخططاته ومساعيه والتبرؤ منه ونفي أية علاقة له بحزب البعث العربي الاشتراكي.. وعلى الرغم من تفجعه على اغتيال المالكي، في مذكراته، وعدم سؤاله عن الجهة المنفذة للجريمة، فإن ما نُقل عن لسانه من أحد المقربين اليه، يبدو صحيحا ” منيح يلي قتلوه وإلا كنا رح نتدابح معو..”

أما بالنسبة لمحمود رياض فكان عداء المالكي له يقوم على أن السفير المصري كان يتدخل في كل كبيرة وصغيرة في سورية، هذا ما نقلته أيضا زوجة عفيف البزري القائد العام للجيش والقوات المسلحة، عن لسان زوجها لدى لقائه بمحمود رياض، تقول:”.. ﻜﺎﻨﺕ ﻤﺘﺎﻋﺒﻲ ﻜﺜﻴﺭﺓ ﻤﻊ ﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﺤﺘﻰ ﻀﻘﺕ ﺒﻪ ﺫﺭﻋﺎً. ﺍﺴﺘﺩﻋﻴﺘﻪ ﻭﻗﻠﺕ ﻟﻪ “ﺃﺭﻴﺩ ﺃﻥ ﺃﻓﻬﻡ ﻤﻌﻨﻰ ﺘﺼﺭﻓﺎﺘﻜﻡ ﻓﻲ ﺴﻭﺭية، ﺘﺘﺩﺨﻠﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺭﺓ ﻭﺍﻟﻜﺒﻴﺭﺓ ﻜﺄﻥ ﺒﻠﺩﻨﺎ ﺤﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻫﺭﺓ؟ ﺘﺸﺩﻭﻥ ﺃﺯﺭ ﻫﺫﺍ ﻭﺘﻔﺘﺭﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺫﺍﻙ. ﺘﻀﻌﻭﻥ ﺃﻴﺩﻴﻜﻡ ﺒﺄﻴﺩﻱ ﺍﻷﻭﺒﺎﺵ، ﺘﻭﺯﻋﻭﻥ ﺍﻟﺭﺸﺎﻭﻱ. ﺘﻅﻨﻭﻥ ﺸﻴﺌﺎً ﻴﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻨﺎ؟ ﺃﻟﻴﺱ ﺤﺭﺍﻤﺎً إعطاء ﺍﻷﻤﻭﺍل ﻟﺼﻌﻠﻭﻙ ﻭﺠﻤﺎﻋﺘﻪ ﺍﻟﺯﻋﺭﺍﻥ، ﻴﻜﺜﺭ ﺘﺨﺭﻴﺒﻬﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺩ، ﻴﺭﻜﺒﻭﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ، ﻭﻴﻼﺤﻘﻭﻥ ﺍﻟﺒﻨﺎﺕ، ﻭﻴﺭﻭﺠﻭﻥ ﺍلإﺸﺎﻋﺎﺕ ﻴﺸﻭﻫﻭﻥ ﺴﻤﻌﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻤﻌﺭﻭﻓﻴﻥ ﺒﻨﻅﺎﻓﺘﻬﻡ ﻭﻴﺭﻓﻌﻭﻥ ﺸﻌﺒﻴﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻻ ﺘﺴﺘﺄﻫل إﻻ ﺍﻟﺼﻔﻊ.. ﻤﺎﺫﺍ ﺘﺭﻴﺩﻭﻥ ﺒﻬﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ؟ ﻤﺎ ﺩﺨﻠﻜﻡ ﺒﻤﺸﺎﻜﻠﻨﺎ ﻭﺨﻼﻓﺎﺘﻨﺎ؟ ﺠﺎﻴﻴﻥ ﺘﻤﺩﻨﻭﻨﻨﺎ؟ ﻨﺤﻥ ﻫل ﻨﺘﺩﺨل ﺒﻤﺸﺎﻜﻠﻜﻡ ﻭﺨﻼﻓﺎﺘﻜﻡ؟ ﺃﻤﻭﺭﻨﺎ ﺃﺨﻲ ﻨﺤﻥ ﻨﺤﻠﻬﺎ.. ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺭﺸﻭﺍﺕ اﺼﺭﻓﻭﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺸﻌﺒﻜﻡ ﺍﻟﺠﺎﺌﻊ، ﺍﺒﻨﻭﺍ ﺒﻀﻌﺔ ﻤﺩﺍﺭﺱ ﻴﻨﻘﺹ ﻤﻥ ﻋﻨﺩﻜﻡ ﺒﻀﻌﺔ ﺃﻤﻴﻴﻥ.. ﺍﻓﺘﺤﻭﺍ ﻟﻜﻡ ﻤﺴﺘﺸﻔﻰ ﻫﻨﺎ ﻭﻤﺴﺘﺸﻔﻰ ﻫﻨﺎﻙ ﻴﺨﻠﺹ ﻤﻥ ﺍﻟﻭﺠﻊ ﺒﻀﻌﺔ ﻤﺭﻀﻰ.. ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺃﻨﺕ ﺴﺎﻜﺕ؟ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ ﻴﺭﻀﻰ ﻋﻤﺎ ﺘﻔﻌﻠﻪ؟ ﺴﺄﺒﻌﺙ إليه ﺒﺭﺴﺎﻟﺔ ﺃﺴﺎﻟﻪ..).

وتتابع الأيوبي نقلاً عن زوجها أن السفير المصري ردّ قائلاً: (ﻭﺍﷲ ﻋﻡ ﺘﺤﺭﺠﻨﻲ ﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﻘﻴﺩ.. ﺃﻨﺎ ﻤﺎﺍﻋﺭﻓﺵ ﻏﻠﻁﻲ. ﻤﺵ ﻋﺎﺭﻑ ﺍﻟﻠﻲ ﻤﺯﻋﻠﻙ ﻤﻨﻲ.. ﺤﻘﻙ ﻋﻠﻲ أن ﻜﻨﺕ ﻏﻠﻁﺎﻥ، ﺒﺱ ﺨﻠﻠﻲ ﺩﻱ ﺒﻴﻨﻨﺎ ﻤﺎ ﻴﻨﻘﻁﻌﺵ ﻋﻴﺸﻲ، ﺘﺤﺭﻙ ﻏﻀﺏ ﺍﻟﺭﻴﺱ ﻋﻠﻲ.. ﺃﻨﺎ ﻤﺵ ﻗﺼﺩﻱ إﻻ ﺍﻟﺨﻴﺭ.. ﻤﺼﺭ ﻭسورية ﺩﻭل أخوات.. ﻜﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﻤﺼﺭ ﻓﺩﺍ سورية.. ﻴﻤﻜﻥ ﺃﻨﺎ ﺒﺨﺒﻁ.. ﻤﺎ ﺍﻋﺭﻓﺵ ﻜﻭﻴﺱ ﺃﺘﺼﺭﻑ.. ﻋﻨﺩﻜﻡ ﻫﻭﻥ ﻤﺜل ﻤﺎ ﺒﺘﻬﻴﺄ ﻟﻲ ﺸﻭﻴﺔ ﺤﺴﺎﺴﻴﺎﺕ.. ﻨﺎﺱ ﺒﺘﻜﺭﻩ ﻨﺎﺱ، ﻭﻨﺎﺱ ﺒﺘﻐﻴﺭ ﻤﻥ ﻨﺎﺱ، ﻭﻨﺎﺱ ﺒﺘﻔﺘﺭﻱ ﻋﻠﻰ ﻨﺎﺱ.. – ﻻﺯﻡ ﺘﻌﺭﻑ ﺃﻨﺎ ﻋﻤﺭﻱ ﻤﺎ ﺍﻓﺘﺭﻴﺕ ﻭﻻ ﻜﺭﻫﺕ ﺃﺤﺩﺍ ﻟﺴﺒﺏ ﺸﺨﺼﻲ.. ﺼﺤﻴﺢ ﻫﻨﺎﻙ ﺘﻴﺎﺭﺍﺕ، ﺃﻨﺎﺱ ﻴﺭﻴﺩﻭﻥ ﺒﻴﻊ ﺃﻨﻔﺴﻬﻡ، ﻭﺃﻨﺎﺱ ﺒﺎﻋﻭﻫﺎ، ﻭﺃﻨﺎﺱ ﻴﻨﺘﻘﻠﻭﻥ ﻓﻲ ﺴﻭﻕ ﺍﻟﻨﺨﺎﺴﺔ ﻤﻥ ﺴﻴﺩ ﻵﺨﺭ.. ﻫﺫﻩ ﺍﻷﺸﻜﺎل ﺘﺠﺩﻫﺎ ﻓﻲ ﻜل ﻤﻜﺎﻥ ﻤﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ.. ﺃﻨﺎ ﻜل ﻤﺎﻴﻬﻤﻨﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ ﻭﺴﻴﺎﺩﺘﻪ ﻭﺤﺭﻤﺘﻪ، ﻭﺃﻗﻑ ﻓﻲ ﺼﻑ ﺠﻤﺎﻫﻴﺭﻩ ﺃﻋﺎﺩﻱ ﻤﻥ ﻴﻌﺎﺩﻴﻬﺎ ﻭﺃﺼﺎﺩﻕ ﻤﻥ ﻴﺼﺎﺩﻗﻬﺎ.. ﻓﻲ ﺠﻭ ﺍﻟﻤﺅﺍﻤﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺤﺎﻙ ﻋﻠﻰ سورية ﻤﻥ ﻭﺍﺠﺒﻲ إنقاذها ﻭﻓﻀﺢ ﺍﻟﺨﻭﻨﺔ ﻓﻴﻬﺎ.. ﻭﺍﻟﺠﻴﺵ ﻤﻌﻲ ﻓﻲ، ﻫﻡ ﺃﺒناء ﻫﺫﻩ ﺍﻷمة ﺍﻷﺒﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻤﺎ ﺃﺤﻨﺕ ﻋﺒﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻴﺦ ﺭﺃﺴﻬﺎ..- ﺃﻨﺎ ﺒﺘﻤﻨﻰ ﺘﻔﻬﻤﻨﻲ ﻜﻭﻴﺱ.. ﻤﺎ ﻴﺤﺼﻠﺵ ﺴﻭﺀ ﺘﻔﺎﻫﻡ ﺒﻴﻨﻨﺎ.. ﺩﻨﺎ ﺒﻌﺘﺯ ﺒﺼﺩﺍﻗﺔ إنسان ﺯﻴﻙ.. ﻟﻪ ﻤﺜل ﻭﻋﻴﻙ ﻭﺠﺩﺍﺭﺘﻙ، ﺩﻨﺎ ﻋﻨﺩﻱ ﻜﺴﺏ ﺜﻘﺘﻙ ﺒﻌﻤﺭﻱ.)ﻭﻜﺎﻥ ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻴﻠﻭﻡ ﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﻭﻴﻘﻭل ﻟﻪ “ﻫل ﺘﺘﻌﺎﻤﻠﻭﻥ ﻤﻊ ﺯﻋﺭﺍﻥ؟” ﺩﻤﺸﻕ ﻜﺎﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺩﻋﺎﻴﺔ ﻤﻀﺎﺩﺓ ﻟﻠﺒﻜﺎﻴﺸﺔ ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻗﻀﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺍلإﺨﻭﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻥ.. ﻭﻜﺎﻥ ﻴﺸﺎﻉ ﺒﺄﻥ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻨﺎﺼﺭ ﺤﺭّﺽ ﻓﻴﺼل ﻋﺴﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻗﺘل ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻓﺭﻓﺽ..” وتتابع الأيوبي بالقول: “ﻟﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﻤﻭﺍﻗﻑ ﻤﺸﺒﻭﻫﺔ ﺘﻀﻊ ﻋﻠﻰ ﺘﺼﺭﻓﺎﺘﻪ ﻋﻼﻤﺔ ﺍﺴﺘﻔﻬﺎﻡ ﻜﺒﻴﺭﺓ. ﻭﻜﺎﻥ وراء ﻗﺘل “ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ” ﻜﻤﺎ ﻋﺭﻓﺕ ﻫﺫﺍ ﻤﺘﺄﺨﺭﺍً..” وعلى الرغم من أنها تشير الى شراكة بين عبد المسيح وغسان جديد كمخططين ومنفذين لهذه الجريمة، واتفاقهما مع عبد الناصر، كما تقول، يبعد الشبهة عنهما طالما أن الحزب كان ضد الوحدة مع مصر وهذا ما وضعه بنفس الخانة التي أشارت لها حول المالكي، وطالما أنها نقلت ما أسرَّ لها به جبران جريج عن مسؤولية عبد المسيح في جريمة المالكي ويونس عبد الرحيم…!!

كان العداء مع غسان جديد قد انتهى بإقالة الأخير وتسريحه من الجيش، أما عداءه لشوكت شقير وعبد الحميد السراج فقد اصطدم بكثير من العقبات التي حالت دون إمكانية إزاحتهما، اذ كانت لهما صداقات مع المقربين من العقيد المالكي وبعض الضباط المتنفذين.. ينقل شمس الدين العجلاني عن الضابط ” محمد معروف” (رئيس المكتب الثاني بعد انقلاب الحناوي ) ،  قوله:” كان عدنان المالكي منذ أن تسلم الشعبة الثالثة بعد ذهاب الشيشكلي قد ناصب العداء كلا من شوكت شقير رئيس الأركان، والمقدم عبد الحميد السراج رئيس الشعبة الثانية وعمل على إزاحتهما ، وحملهما الكثير من التبعات التي حصلت أثناء حكم الشيشكلي، ولولا مساندة العقيد أبو عساف لشقير وكان له كلمة نافذة في الجيش كما كانت تجمعهما بعض الروابط الاجتماعية، ولولا بعض رفاق السراج من حماة، عسكريين ومدنيين، لكان عدنان المالكي أبعدهما منذ اليوم الأول من عودته الى الجيش، وهما كانا يعلمان بذلك..”

نقطة الضعف التي كانت منفذا لتنفيذ إزاحة المالكي، كانت غسان جديد، فهو “العلوي” المسرح من الجيش والمنتمي لحزب ينتمي معظم ابناء طائفته له، خاصة والأجواء كانت ما تزال مشحونة ضد الطائفة العلوية، فقد أعدم شنقا سليمان المرشد، وتبع ذلك اغتيال الرفيق مجيب المرشد،وكان الحزب يناصب الوحدة مع مصر العداء لتعارضها مع مبادئه، كما كان العقيد المالكي يناصبها العداء، ويقف حجرة عثرة في وجه محمود رياض وممتعض من تدخلاته في الشأن السوري، وخوفا من أن يتطور هذا العداء لوحدة بين طرفيه، كان لا بد من التخطيط لإزاحتهما معا، “عصفورين بحجر واحد”..

هذه هي الأجواء التي مهدت لاغتيال المالكي، ما تلى ذلك مجرد كلام، “فحاميها حراميها” كما يقول المثل الشعبي و” بيقتل القتيل وبيمشي بجنازتو” هكذا تنطح السراج للدفاع عن المالكي بعد اغتياله..

ناصر هزير، أول الموقفين دون الآخرين المتواجدين لحراسة المنصة، بناءً على أوامر من أكرم ديري؟!! وتوقيفه يثير جملة من التساؤلات: ناصر هزير يقول في افادته”وحضر على إثرها إلى المنصّة الملازم عبد المجيد جمال الدين، ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليل، ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالباً إليَّ الذهاب إلى المركز حيث أوقفت.” لماذا أشار عبد المجيد الى الوكيل بتوقيف الرقيب ناصر؟ هل لكونه آخر الذين التقوا الشهيد يونس؟ وفق ما جاء بإفادته، هناك احتمال أن تكون نظرات الرقيب ناصر لعبد المجيد قد أثارت شكوك الأخير حوله؟! مما يضفي على توقيفه دون الآخرين الموجودين على المنصة، مزيدا من الشكوك حول الدور الذي لعبه عبد المجيد في “لعبة الاغتيال” وفق تعبير هاني الشمعة..

لم يأتِ الرقيب أول ناصر هزير وهو أول الموقوفين، على ذكر أيٍ من الشهيدين بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي كما لم تشير محاضر الاستجواب الى استجواب أي من المكلفين بحراسة المنصة، كشهود عيان على الحادثة للدلالة على أي منهما، فكيف تم الاستدلال عليهما بعد ساعات من وقوع الحادث؟

فإذا ابتدأت المباراة في تمام الساعة الثانية والنصف تماما، وكان إطلاق النار على العقيد المالكي وبعده على الرقيب الشهيد يونس عبد الرحيم في الساعة الخامسة إلا عشرين دقيقة، وكان اعتقال الشهيد عبد المنعم دبوسي في تمام الساعة التاسعة مساءً وفق ما جاء بإفادة زوجة الشهيد دبوسي:” .. وحوالي الساعة التاسعة إلا ربع، عاد وأخذني الى البيت وما كنا نجلس حتى حضر شرطيان عسكريان وألقيا القبض عليه..” مما يعني أن بيت عبد المنعم كان مراقبا ولأنه فور دخوله تمَّ القبض عليه، لسنا هنا معنيين بمتى أمر الشرطيان العسكريان بمراقبة البيت، لكننا نشير الى المسافة الزمنية التي انتهى فيها التحقيق لإلقاء التهمة على دبوسي بالشراكة بالجريمة، إنها فقط أربع ساعات، كانت كافية لوصول دبوسي ومنعم الى لبنان، لو كان ما اتهما به حقيقيا، كما أشرنا سابقا.. كما وألقي القبض على الشهيد بديع مخلوف في الشارع وبتمام الساعة الثامنة والنصف أي بعد حوالي الثلاث ساعات والنصف..

عصام المحايري اعتقل قبل الشهيدين بساعتين، الساعة السابعة، أي بعد ساعة من الكشف الطبي على جثماني يونس والمالكي من قبل عبد الحميد السراج..

عندما نطرح تساؤلاتنا، فإننا نتهم المعني في التساؤل، ففي التساؤل إجابته، والوقائع واضحة وضوح الشمس، وليس فيها أيُّ التباس، فلقد أُخذ الحزب ومعه جماهيره ومواطنيه على حين غرة، ولم يبقى أمامهم سوى الاعتراف بجناية لم يرتكبها أيٌ من قياداته أو أعضائه، في المحاكمات، استمع كافة المتهمين لأقوال الشهداء عبد منعم دبوسي وبديع مخلوف، كذلك إبراهيم الصواف وهزير وعردوس، ما تبقى من شهود، كانوا في أكثريتهم شهود زور، كان على المتهمين، اعتماد أقوال الشهداء مخلوف ودبوسي، والشهود الذين أكدوا بشكل أو بآخر على براءتهم مما نُسب إليهم، لا أن يردوا على الاتهام بالتبرير، وأن يصححوا تساؤلات أيٍ من أعضاء المحكمة والادعاء العام لا أن ينساقوا في السياق الذي أراده المتآمرون الحقيقيون، كان الواجب يقتضي تبرئة رئيس الحزب آنذاك، جورج عبد المسيح ومعه الشهيد المقدم غسان جديد لا اتهامه، كان لاتهام عبد المسيح في التخطيط للاغتيال، أثره على مجرى التحقيق، إذ أن الاتهام أكد تورط بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي ويونس عبد الرحيم في التنفيذ وقاد الى إعدامهما كما تمت التغطية على من أطلق النار على الشهيد يونس والعقيد المالكي، ولم تقف الأمور عند هذا الحد بل كان في اتهام عبد المسيح تغطية بل وتعمية على المخططين لهذه الجريمة وعلى القاتل الحقيقي، كما أسلفنا سابقا..

هاني الشمعة، كان أكثر موضوعية من كل من كتب في هذه الواقعة التي انتهت الى ما انتهينا اليه اليوم دولة وحزبا، يقول هاني الشمعة في هذه المحاكمات: “باعتباري كنت شاهدا في الملعب البلدي لحظة الحادث، ثم في قاعة المحكمة التي وضعت أبرياء في قفص الاتهام والمجرمين الحقيقين في قاعة النظارة..” أما عن الشهيد مخلوف فيقول: “قام أكرم ديري بكتابة ما يشبه “سيناريو” لتمثيل جريمة القتل في الملعب البلدي، ووضع المساعد بديع مخلوف ممثلا رئيسيا في هذا السيناريو، واضطر الديري مع السراج وغيرهما، أن يمارسوا التعذيب العنيف على بديع مخلوف، لمدة تزيد عن الشهر كي يؤدي دوره في التمثيل، لكن بديع مخلوف عجز عجزا تاما عن ذلك لأنه لا علاقة له اطلاقا، لا هو ولا عبد المنعم دبوسي بهذه الجريمة.. وأعدما كبشي فداء..” وينقل عن لسان زوجة الشهيد دبوسي ما قاله لها: “أنني أعرف أنني سأموت، لا تسامحيني ذرة واحدة إذا كان لي علم من قريب أو بعيد في هذه الجريمة..” من هنا كانت أحكام الإعدام الصادرة بحق ثمانية عشر من أعضاء الحزب ثلاثة منهم كانوا في قفص الاتهام، أحكاما جائرة تعدت الوقاحة والصفاقة وعملت على استغباء الجميع بمن فيهم من كانوا خارج قاعة المحكمة من قيادي الحزب، تقول زوجة عفيف البزري: “في بيروت قابلت أيضا، جبران جريج وأهداني مجلداته الثلاث عن الحزب القومي السوري، قال لي( كان جورج عبد المسيح رئيسا لمجلس العمد، فجمعنا يوم مقتل المالكي، وجئنا من لبنان الى دمشق، وأثناء الاجتماع، دخل علينا فؤاد جديد أخو غسان وضرب سلاما عسكريا وقال:” نفذت المهمة واغتيل عدنان المالكي” وساد الاضطراب المجلس وسألنا عبد المسيح كيف تمَّ هذا الأمر دون علمنا ؟ وقمنا عليه، قال ليس هناك وقت للتفسير، إنهم سيلاحقون القوميين، فليتدبر كل واحدٍ أمره حتى لا تعتقلوا، وقال غسان جديد، إنهم سيقبضون على أول الجميع باعتباري كنت على خصام مع المالكي..) أما عفيف البزري فيقول:” من قتل المالكي قتل أنطون سعادة وغسان جديد..”

في مدونة تحمل عنوان/ عصام المحايري يروي وقائع اغتيال عدنان المالكي1-3 / يسرد تفاصيل ابلاغهم (كمجلس عُمُدْ) واقعة اغتيال المالكي، بين مكالمة وردت أجاب عليها عبد المسيح بقوله: “هادا حكي ما بينحكى ع التلفون، هادا دس مكتب تاني” وبين فؤاد جديد (دخل فؤاد جديد مكان الاجتماع مبادرا للقول بصوت متهدج: قتل عدنان المالكي والذي قتله يونس عبد الرحيم..) متابعا سرده تفاصيل مجريات الأمور بعد الحادث:” فقال غسان جديد وأنا أذهب معكم، فالتفتُّ الى غسان مستفهماً؟ فقال لي أأنت لا تذهب أيضاً؟ فأجبته ولماذا أذهب؟ وأنت أيضاً لماذا ستذهب؟ فأجابني قائلاً: القاتل رقيب في الجيش، قومي اجتماعي، وعلوي أيضاً. غداً سيقولون غسان جديد له علاقة بالمسألة حتماً، فلا أريد أن أقعد ستة أشهر بالمزة “يقصد السجن”. ريثما يتضح أنه ليس لي علاقة. ثم عاد ليكرر علي: ألا تذهب أنتَ؟ فأجبته: لا.. “متابعا سرده على مدى تسع وعشرين صفحة يأتي بها على ذكر الشهيدين بديع مخلوف ويونس عبد الرحيم فيقول” ومع اصراري على عدم علاقة الحزب بالاغتيال، تمت مواجهتي مع بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي اللذين كانا يخضعان للاستجواب في تلك الاثناء. وفي هذه المواجهة التي رتبها أكرم ديري شخصياً قال لهما: “احكوا.. احكوا… ما زال يقول ليس لنا علاقة!!”. فاضطرا الى إعادة اعترافاتهما أمامي، التي تشير إلى دور لعبد المسيح واسكندر شاوي اللذين كانا يجتمعان اليهما في حلقة مع يونس عبد الرحيم، وان عبد المسيح طرح في أحد الاجتماعات مسألة اغتيال المالكي، وان يونس ابلغ كلاً منهما انه سيتولى التنفيذ..” فكأني به يُصرُّ على اتهام عبد المسيح ومخلوف ودبوسي وعبد الرحيم، مثبتا جرم الاغتيال على قيادة الحزب وهذا ما أشرنا اليه آنفا بأنه ادانة للحزب وتغطية على المدبر لهذه الجريمة، …

بين ما يقوله هاني الشمعة وعفيف البزري وما يقوله جبران جريج أو عصام المحايري بونٌ شاسع لعبت فيه الأنانيات والشخصانية والحساسيات الحزبية دورا أُسدل فيه الستار على المخطط والمنفذ لجريمة راح ضحيتها الحزب السوري القومي الاجتماعي.

هذا ما تنبأ به الشهيد عبد المنعم، كان صحيحا، يقول في عرضه لما تعرض له من تعذيب: “.. لقد أُخذت هذه الإفادة تحت تأثير الضغط من قبل شرطة الجيش، وهم حزبيون ومنهم الرئيس حذيفة من سلاح المدرعات وقالوا لي(إن هذا الضابط هو الذي شخخ حسني الزعيم) ثم حضر المحققون العسكريون وهم الرئيس صلاح يوسف أغا والعقيد الرافعي والرئيس محمد الجراح وأخذوا يحققون معي ويأخذون الافادات فكنت لا أوافق على كل ما يُملى علي، فأجلوا التحقيق الى اليوم التالي، حيث جلبوا بديع مخلوف وكشفوا عن جسمه وماذا حلَّ به، فحينئذٍ اضطررتُ الى الموافقة على ما يُملى عليَّ، وسرد منعم كيف أخذ منه المحققون إفادته وقال لقد هددوني بعرضي فاضطررت الى موافقتهم على كل شيء حتى صار معي متل “نعم محمد أفندي” وقالوا لي إذا كانت هذه الإفادات ما بتعجبك فيمكنك أن تقول ما تشاء أمام المحكمة فقلتُ لهم” لتكون المحكمة متل هل التحقيق” وقالوا أيضا” كما أعدموا زعيمكم بدكم تموتوا كلكم” ولقد قضيت بالسجن أربعة أشهر وأنا أنتظر هذه اللحظة لأتمكن من أن أدلي بكل ما عندي، وعلى هذا الشكل أخذت إفادتي، وهنا احتدَّ رئيس المحكمة(( يلي فيه شوكة بتنخذو)) وأنَّب منعما على كلامه، وخاصة جملته ( لتكون المحكمة متل هل التحقيق) وطلب الرئيس من منعم أن يكون أكثر تهذيباً وأدباً!!!

وكما تجاهل المتهمون اعترافات الشهيدين وبقية الشهود، تجاهلت المحكمة اعترافاتهما أمامها واعتمدت محاضر الاستجواب التي أخذت منهما عنوة تحت مختلف أنواع التعذيب، ولأنها كُتبت وفق ما أراده السراج، جاءت أحكامها تدينها أكثر بكثير ممن أمامهما، فمعظم أعضاء المحكمة هم بعثيون ومن جماعة أكرم الحوراني، بدر الدين علوش رئيسا وهو حموي ومن أشد أنصار أكرم الحوراني والمقدمين مظهر وصفي وعفيف البزري(يميل الى الشيوعية) عضوين والمقدم بشير الطباع عضوا متمما وحمدي الصالح نائبا عاما، والرئيس محمد الجراح ومحمد عابدين معاونين للنائب العام، ولم يُكتفَ بذلك بل إن محامو الادعاء أغلبهم بعثيون ولهم خلفيات معادية للحزب السوري القومي الاجتماعي، وعلى رأسهم خليل كلاس والذي شغل مدير مكتب حسني الزعيم والذي وجدها فرصة للنيل من القوميين الذين أعدموا حسني الزعيم أو تمَّ الإعدام باسمهم، عبد الحليم قدور، عبد الرحمن مارديني ، رياض المالكي، عبد الفتاح الزلط، فكانت الاحكام على شاكلة الحكام الذين تلبسوا القضاء تلبسا، بعضهم كان حاقدا غير نزيه في معالجته للقضية وبعضهم الآخر مأجور يتزلف عبد الحميد السراج الذي أصبح في ما بعد نائبا لرئيس “الجمهورية العربية المتحدة” خلفا لأكرم الحوراني، تكريما لهما من عبد الناصر لما بذلاه من جهود في تحقيق الوحدة السورية ـ المصرية بإزاحة مختلف عقباتها ( الحزب السوري القومي الاجتماعي والعقيد المالكي) وأجبرا شكري القوتلي على الاستقالة بعدما تأكد أن انقلابا شبه عسكري قد وقع لكن وبصمت أدهش جميع من عايشوا تلك المرحلة..

هاني الشمعة يقول:” يونس عبد الرحيم لم ينتحر ولم يقتل في ساحة الجريمة..” مؤيدا بذلك ما جاء بالكشف الطبي على جثمان الشهيد يونس:”.. وجهه ملطخ بالدماء والدم لا يزال ينزف من أذنه اليسرى وفخذيه ملطختين بالدماء أيضا، وكذلك ساعداه وكفيه.. ” فإذا كان الدم ما يزال ينزف من أذنه اليسرى، وكان قد مضى على الحادث ما يقارب الساعتين على أقل تعديل، فكيف للدم أن يستمر بالنزيف لو كان قد قتل في مكان الجريمة كما ادعى قاتلاه؟ ومن ثم الإشارة لفخذيه الملطختان بالدماء، فهل كان النزيف قد وصل الى فخذيه معا؟ أم أن الطلقة الثالثة أخطأت الهدف فأصيب بفخذه الأيسر، وللتستر على الإصابة تجاهل الكشف الطبي الطلقة التي أصابت الشهيد يونس في فخذه فوقع على أثرها على الأرض ليكمل أكرم ديري أو عبد الكريم النحلاوي مهمة القتل المباشر؟

هاني الشمعة هو الوحيد الذي اعتمد أقوال الشهيدين مخلوف ودبوسي، يقول: “اضطر الديري والسراج أن يمارسوا التعذيب العنيف على بديع مخلوف لمدة تزيد عن الشهر كي يؤدي دوره في التمثيل، ولكن بديع مخلوف عجز عجزا تاما عن ذلك عن ذلك لأنه لا علاقة له لا هو ولا عبد المنعم الدبوسي بهذه الجريمة، وأعدما كبشي فداء..” وهذا بالضبط ما أفاد به الشهيد بديع مخلوف أمام المحكمة التي تجاهلت تجاهلا تاما اعترافاته أمامها، ففي جلسة المحكمة بتاريخ 7/9/1955 وردا على تساؤل المحكمة (هل كان تمثيل المتهم ورفاقه للحادث تمثيلا صحيحا؟) أجاب ” إنني لم أعد أذكر يوم تمثيل الحادث والأوضاع التي وقفنا بها، وكنا نقف في المكان الذي يقال لنا أن نقف فيه، فقد كان المحققون ينظرون في الإفادات ويشيرون علينا لنقف، ولا أذكر المحقق الذي كان يدلنا على أمكنة وقوفنا لكثرة المحققين..”

الرفيق المجند مروان صواف يقول”.. وعند إطلاق النار، هرعت الى الرقيب أو القتيل فحملته مع عدد من العرفاء والمجندين بعد أن طلب الينا بعض الضباط ذلك..” وهو هنا لا يشير لكون الشهيد يونس كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة في الملعب، لكنه يشير الى أن الرقيب يونس لم ينتحر وإنما قتل لكنه حكما كان فاقدا للوعي بعدما أطلق عليه أحد قاتليه النار..

يقول الشهيد مخلوف، في محضر التحقيق:” إنني حين ذهبت مع الرقيب الأول محمد منعم دبوسي الى الملعب يوم الحادث، من أجل تنفيذ ما صممنا عليه وكان قد سبقنا اليه الرقيب يونس عبد الرحيم ، أي أننا ذهبنا لتنفيذ قتل العقيد المالكي بناء على الخطة السابقة التي تلقيناها من المقدم غسان جديد / معا/ بل بقتله في أي فرصة ، ولكنني كنت أعتقد تماما بأن الرقيب الأول عبد الرحيم هو الذي سينفذ قتل العقيد المالكي لوحده، وكنت بناء على طلب المقدم غسان جديد قاصدا قتل الرقيب الأول يونس عبد الرحيم إذا لم ينفذ قتل العقيد ويقتل نفسه بعد قتله للعقيد المالكي، دون أن يكون للمدعى عليه للرقيب الأول محمد منعم دبوسي أو الرقيب أول يونس عبد الرحيم علم بأنني سأقتل الرقيب يونس اذا لم يقتل نفسه بعد قتل العقيد بناء على طلب من المقدم غسان جديد..” وفي ذات المحضر يقول الشهيد عبد المنعم دبوسي ردا على سؤال المحقق:” سئل المدعى عليه الرقيب الأول محمد منعم فأجاب أن ما قاله الوكيل بديع صحيح تماما وأقره بالحرف الواحد من أننا كنا عازمين حين ذهبنا الى الملعب البلدي، ولم يكن لي علم بأن / او/ بل الوكيل سيقوم بقتل الرقيب الأول يونس اذا لم يقتل نفسه بعد قتل العقيد، وكنت عالما بان الرقيب يونس عبد الرحيم سيقتل العقيد المالكي لأنه أخذ هذا العمل على عاتقه..” في هذا المحضر نطالع أن قتل العقيد المالكي تم عن سابق إصرار وتصميم، وأن المحضر لا يترك مجالا للشك بأن المقدم غسان جديد، هو المخطط وأن المنفذون هم مخلوف ودبوسي وعبد الرحيم، لكننا وأمام المحكمة وفي جلسة 7/9/55 ، نطالع عكس ما تقدم، إذ يقول الرقيب أول عبد المنعم دبوسي وردا على السؤال ( جاء بأقوال الوكيل بديع مخلوف مرة أخرى أيضا، أنه كان اتفق معك ومع الرقيب الأول يونس عبد الرحيم أن يقوم بقتل العقيد كل واحد منكم حين تسنح الفرصة اذا لم تسنح للآخر وقد أعدَّ الرقيب يونس نفسه وراء المنصة ليبدأ بالتنفيذ، وعند بدء اللعب اقترب من الوكيل مخلوف وأسر له أن الطلقة أجدبت فقال له الوكيل مخلوف ( الحمد لله ما ضرو) فقال الرقيب يونس ( هلاء بتشوف) وبعد قليل انطلقت الطلقات الثلاث التي قُتل بها العقيد وقتل الرقيب يونس نفسه بإحداها فماذا تقول بذلك) يرد الرقيب عبد المنعم قائلا:” لا صحة لما يدعيه بديع مخلوف من هذه الناحية اذ لم نتفق أي أنا والوكيل المذكور والرقيب يونس على أن يقتل العقيد مالكي أي واحد منا حين تسنح له الفرصة ..” أما الشهيد مخلوف فيقول:” انني لا أعلم لماذا أقدم يونس على فعلته ولو كنت أعلم لأخبرت الحكومة أو لكنت امتنعت عن الذهاب الى الملعب.. إنني اذكر أن قاضي التحقيق ذكر لي عند أخذ افادتي أن الكراسي التي كانت في القسم الخلفي لمكان العقيد متشابكة بحيث لا يمك رفع أي منها.. في هذه الناحية وعن الشخص الذي وضع الكراسي بهذا الشكل .. وأن الحقيقة تظهر فيما لو توسع التحقيق..”

يتكرر في محضر التحقيق تعبير” قتل العقيد المالكي” دون مبرر، ففي هذا التكرار ما يشير الى أن المحضر الذي اعتمدته المحكمة في الحكم على الشهيدين كُتب بما أفاد به المحقق وليس ما أفاد به الشهيدان أمامها، ثم أن المحقق الذي أفاد بوضعية صفي الكراسي المتشابكة أشار الى عدم معرفة من وضع الكراسي على هذا الشكل، ولماذا وضعت على النحو الذي أشار اليه المحقق!!كما ويرد في محضر التحقيق أن الشهيد عبد الرحيم” وقد أعدَّ الرقيب يونس نفسه وراء المنصة ليبدأ بالتنفيذ..” مع أن الرفيق المجند صواف أشار في معرض وصفه الى”.. وبعد هذا تابعت سيري والرقيب الأول يونس عبد الرحيم لداخل الملعب لاستلام مركز عملنا أو خدمتنا على المنصّة.. وبعد مضي ما يقارب أو يزيد عن عشرين دقيقة على غياب يونس عني، وإذا به يعود ويجلس بقربي ولم أنتبه مطلقاً من أيه جهة كان قدومه، ولم ألاحظ عليه أي اضطراب أو أي شيء غير عادي.. وبعد ذلك بقليل جاء نحونا الملازم عبد المجيد جمال الدين، وقال مؤنِّباً إيانا بقوله “يلا كل واحد محلو الناس يجلسون على الكراسي بدون بطاقات”. فنهضنا على الفور وذهبنا كلٌّ إلى مكان عمله. ” يستدل من وصف الرفيق صواف أن الأمكنة كانت موزعة على العناصر المكلفة بحراسة المنصة من قبل عبد المجيد جمال الدين، وأن الشهيد يونس لم يعد” نفسه وراء المنصة ليبدأ بالتنفيذ..” كما ورد بمحضر التحقيق..

يقول الصواف في شهادته أمام المحكمة:” وردا على سؤال رئيس المحكمة / سئل المتهم عن التهم الموجهة اليه وهي التحريض على قتل العقيد المالكي والاشتراك فيه.. / فأجاب ” إنني لا أعلم شيئا عنها وأنا برئ منها وأنكر افاداتي السابقة لأنها أخذت مني تحت الضغط والكهرباء والضرب..” وكما لم تراعِ المحكمة أقوال الشهيدين بديع ودبوسي تجاهلت اعتراف الصواف أمامها معتمدة محاضر التحقيق، وكم وراء هذا التجاهل من أسباب وأسرار، فعلى سبيل المثال، عندما يأتي إبراهيم الصواف على ذكر المجند السادات قائلا:” ذهبت الى الطرف الأيمن للمنصة وقد شاهدت يونس عبد الرحيم( القاتل)واقفا خلف المنصة يشرب كأس عرق سوس، وبعد بدء المباراة بمقدار عشرة دقائق أو خمسة عشر دقيقة كنت واقفا عند الدرج الأيمن من المنصة فحضر يونس وقال بأمر من الرئيس أكرم ديري أن أذهب الى الباب وأخبر الشرطة العسكرية بالسماح بالدخول بعد عشر دقائق من الإخبار وعندما وصلت الى أسفل الدرج شاهدت المجند جبان فقال لي بعد هذا بعد أن أعلمته بمهمتي أن لديه موتوسيكل وسيقوم بالمهمة بدلا عني فرجعت الى مكاني السابق حيث كنت أقف ووقف الى جانبي الجندي السادات وبعد وقوفي معه بضع دقائق طلب الي السادات أن نذهب الى تحت لنشاهد المباراة بشكل أفضل وعندما وصلت الى أسفل الدرج غاب عن ناظري السادات وبعد وقوفي بدقيقتين سمعت صوت عيار طلق ناري ..”

في ترتيب الأحداث نلحظ تكليف أكرم ديري ليونس بأن يذهب الصواف الى الباب الرئيسي، وبعد أن تيلغ الصواف الأمر عاد الى ذات المكان الذي وقف فيه بعد أن كلف المجند الجبان بالمهمة، كان لا بد في هذه الحال من تكليف المجند السادات بإزاحة الصواف عن مسرح الجريمة وبناء على أوامر أكرم ديري بكل تأكيد، وقد تمت إزاحته!! فلماذا كان المطلوب إزاحة الصواف عن مكانه؟ لم تستدعِ المحكمة المجند السادات للتحققمن صحة افادة الصواف في الحد الأدنى ولماذا اختفى السادات عند وصول الصواف الى اسفل الدرج؟ هنا يأتي دور عبد المجيد جمال الدين في اعتقاله كأول المعتقلين في “لعبة الاغتيال” كما يصفها هاني الشمعة؟؟!

لم تأتِ “لعبة الاغتيال” من فراغ، كانت مقدمتها تكمن في قول راشد الكيلاني:” من قتل المالكي قتل أنطون سعادة وغسان جديد..” وكما لعبت مصر والسعودية دور “الكومبارس” في اغتيال سعادة، لعب أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج هذا الدور، في “لعبة الاغتيال” هذه، كان الدافع لها ما رأته الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها “اسرائيل” في الخطر الذي يشكله الحزب السوري القومي الاجتماعي على مصالحهما، ففي الإسلام في رسالتيه يقول سعادة عبارته الشهيرة”.. ما من عدوٍ يقاتلنا في ديننا وأرضنا إلا اليهود..” مؤكدا على ذلك في محاضرته الرابعة على:” إن في سورية عناصر وهجرات كبيرة متجانسة من المزيج السوري الأصلي يمكن أن تهضمها الأمة إذا مر عليها الزمن الكافي لذلك، ويمكن أن تذوب فيها وتزول عصبياتها الخاصة. وفيها هجرة كبيرة لا يمكن بوجه من الوجوه أن تتفق مع مبدأ القومية السورية هي الهجرة اليهودية. إنها هجرة خطرة لا يمكن أن تهضم، لأنها هجرة شعب اختلط مع شعوب كثيرة فهو خليط متنافر خطر وله عقائد غريبة جامدة وأهدافه تتضارب مع حقيقة الأمة السورية وحقوقها وسيادتها مع المثل العليا السورية تضارباً جوهرياً. وعلى السوريين القوميين أن يدفعوا هذه الهجرة بكل قوتهم” هذا لجهة الحركة الصهيونية أما الجانب الأكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فكان الجانب الاقتصادي الذي نبه اليه سعادة قبل غيره وفوجئت به أمريكا وذلك في مقالته ” البترول سلاح انترنسيوني لم يستخدم بعد” والذي سرَّعَ في عملية تصفيته.. يضاف الى ما تقدم ما سبق ونبه اليه من خطر الدعوة الوهابية في مؤلفه “الإسلام في رسالتيه” حيث يقول:” فالناظم (رشيد سليم الخوري) بعد أن يجعل لبغداد حظ العودة إلى سالف عزها دون حاجة إلى سيوف الصحراء يجعل دمشق في مقام العجز عن النهوض بنفسها، فهي لا رجاء لها بنفض الذل إلا أن تفد عليها جنود الوهابية، متابعا قوله:” واليومَ تقولُ العربةُ بمذهبٍ جديد في الإسلام يرمي إلى جعل الدين عبارة عن عبادة بسيطةٍ توافق النفسية العربية: الوهّابية..” وكان قبل كل هذا قد نبه في الأول من تشرين الأول عام 1924 في مقال عنونه ” الفاتح العربي الجديد” وأرَّخ فيه كيفية قيام دولة آل سعود، كل ما تقدم ساهم بشكل أو بآخر من اتحاد خصوم وأعداء الحزب وعزمهم على تصفيته كليا من الساحة السياسية، فكان المالكي كبش الفداء وكان الهدف تصفية الحزب السوري القومي الاجتماعي..

لكن وقبل أن نعيد سيناريو هذه “اللعبة” لنتعرف على كيفية التخطيط والتنفيذ وكذلك الأبطال الذين قدموا لنا لعبة الاغتيال هذه ، دعونا نتعرف على البطل الرئيسي لهذه اللعبة : يونس عبد الرحيم

المتأمل في وجه الشهيد يونس عبد الرحيم، تطالعه على الفور سمة الطيبة التي تتصف بها البيئة القروية التي نشأ بها كما نلمح صفاءًها ونقاءها، ففي تقاسيم الوجه نلمح أيضا تناسقا لا يوحي بأنه يشكو من عقدة الحقد أو الغيرة أو الكبرياء والتعنت في الرأي ولا حتى في صلابة المواقف ففي عينه من البراءة ما يكفي للدلالة على عمق النظرة وبعض من الحزن والألم الذي ولا شك أنه عاناه في صغره فما كان له سوى الجيش مخرجا منه، كغيره من شباب ذاك الجيل، كان الجيش ملاذه من كثير من المعاناة التي كانت سمة مرحلة ما بعد الاستقلال التي أججت في نفوس أبناء جيله مختلف النزعات الطائفية والعرقية والطبقية التي جاءت لتؤكدها “عقيدة” البعث العروبية التي اعتمدت العقيدة المحمدية منبعا لمختلف متجهاتها التي لم تكن سوى قاعدة لها في استقطاب العامة من الشعب المفطور على التدين والتعصب الديني وهذا ما نلمحه في مقدمة مذكرات أكرم الحوراني الذي نشأ في الكتاتيب التي اعتمدت القرآن في التدريس كما نلمحها أيضا في المبادئ التي اعتمدها زكي الأرسوزي في الحزب الذي لم يرَ النور* ، وإن كان التعصب الديني في ذلك الحين، أقل بكثير مما نعانيه اليوم، لكنه كان منطلقا للكثير من المنتمين للبعث ـ في ما بعد تسلمه السلطة كانت الوظيفة هي الدافع للإنتماء الحزبي والذي انفرط عقده بعد الأحداث الدموية في ما نعانيه حاليا ـ مجمل الذين انتموا في بدايات البعث لم يطالعوا أو يقرأوا سوى بيانات تؤجج النزوع العروبي ـ المحمدي، لم يكن للبعث عقيدة ولا نظام حزبي ولا دستور ولا مبادئ* كل ما في الأمر أنه اعتمد النزعات الأوروبية للتحرر من ربقة الكنيسة ، اللغة، الدين، العادات والتقاليد، التاريخ المشترك، الآمال، والعنصرية التي اعتمدت “السلالة” لدم عربي استثنى مختلف شرائح المجتمع السوري الأخرى، وهذه ما كانت دافعا للشهيد يونس للانتماء للحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي تجاوز كل ما تقدم بإقامة عقيدته على مبادئ علمية بحتة وانتهى للقول بالأمة السورية، وإن كان يطالع ـ يونس ـ بعض الأفكار الماركسية ويعجب بها من حيث نفيها للطبقية والعرقية وتحديدا للدين “كإفيون للشعوب” مخدرا لها، كان يونس قد أُعِدَّ لدورة عسكرية في فرنسا، لكنه استثنيَ منها، وفي قرارة نفسه كان المذهب وراء ذلك الاستثناء، والذي غلَّفه “بالواسطة” التي كان بحاجة لها على حد تعبير أخيه حسن، “لم يكن يونس متأففا من شيء سوى ما يغلف به القادة المدنيون والعسكريون على حدٍ سواء في ذلك الحين دعواتهم القومية العربية..”، والتي تبين فيما بعد أنها انتهت الى مزبلة التاريخ بعد تجزئتها المجتمع لعرقيات وطوائف ومذاهب زيادة على التجزئة السياسية التي خلفها الاستعمار الأوروبي، ووفق ما جاء ببعض الشهادات أنه لم يكن يبد آراءه في التجمعات التي كان يحضرها، بل وكان يتجنب ذلك أيضا. يقول شقيقه حسن أمام المحكمة العسكرية:”.. إذا ما تجلت له حقيقة آمن بها ولا يخونها مطلقا.. أخي مثلا كان عسكريا يطبق القانون العسكري على نفسه قبل الآخرين، لم يلبس سوى البوط العسكري مذ انتمى للجيش، كان يغسل ثيابه بيده لأن الأوامر العسكرية تقتضي ذلك.. حسن المنتمي للحزب السوري القومي الاجتماعي لم يكن يعرف أن شقيقه يونس قد انتمى للحزب مع علمه أنه كان يقرأ مجمل أفكاره كما كان يقرأ لجورج حنا الشيوعي ويحبه ويؤيد بعض ما يقوله على الرغم من تناقضها ومبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي.. يتابع شقيق يونس حسن قائلا:” ألقي القبض علي في الطريق على اعتبار أني قومي وبالطريق قالو لي إن جماعة بالحزب القومي قتلوا أخي حتى لا يفشي أسرار الحزب وأنهم جاؤوا بي للتعرف على جثته..” في المحكمة وردا على سؤال المحامي عبد الفتاح الزلط: إذا تبين لك أن القتل من تدبير الحزب فماذا تقول؟ يجيب حسن قائلا: ما بقدر اجزم، لا أستطيع ابداء راي يخل بالواقع.. “الزلط” يسأل: إذا ثبت؟! أخالف ما يثبت.” في الإجابة الأخيرة لحسن شقيق يونس تتضح أولى معالم هذه اللعبة.  محمد صارم (شاهد) يقول بالشهيد يونس:” بعد ان استلقيت انا ويونس في فراش واحد اخذت اقرأ له قطعة من شعري المنثور وهي قطعة غزلية فهيج يونس واعطاني ورقة وقلما واملى علي هذه العبارات ” انا من انا, انا زوبعة من تلك الزوابع الكثيرة التي تثور, انا رصاصة في مسدس الامة..” أما إبراهيم طيبا (شاهد) يقول:”  انه عندما كان يرد اسم الزعيم شوكت شقير على لسانه كان لا يصفه بالزعيم انما يقول رئيس الأركان العامة وعندما كنا نسأله عن سبب عدم وصف رئيس الأركان بلقبه العسكري ” زعيم” كان يجيب ” لا يوجد زعيم سوى أنطون سعادة..” الشهيد بديع مخلوف يقول:” :  ان من جملة الأشياء التي كان يتصلب برأيه يونس بها هي انتقاده للمسؤولين في الجيش فكان يقول ان الانتساب للكلية العسكرية والتطوع والدورات كانت على اساس طائفي وكان يونس يعني بالمسؤولين الضباط الموجودين في الاركان دون تسمية اسماء..”أمين غنام (متهم) يقول:”اني اعرف ان يونس منتسب للحزب وانه عنيد فاذا اعتقد لفكرة فمن الصعب اقلاعه عنها..” يقول محمد صارم المحضر رقم(76) :” اني لا اعلم شيئا عن علاقة يونس عبد الرحيم بالمقدم غسان جديد الا اني شاهدت يونس المذكور وبيده جريدة يتصفحها واذ به يقول سننتقم من الذي سرحه ولم اعلق أهمية على كلامه هذا لعدم معرفتي نتائجه وكان يونس يتحمس للحزب كثيرا ويطالع كثيرا ما يتعلق بالحزب…”

الشهيد العقيد عدنان المالكي (الضحية)

لم تكن خصومات العقيد المالكي هي التي أودت به، لكنها طموحاته كما تصورها الأخرون عنه، وأخص بالذكر محمود رياض، أكرم الحوراني، عبد الحميد السراج، الأول كان قد ضاق ذرعا بانتقاداته له من تدخلاته في الشأن السوري، أما الثاني، فقد تخوف من تدخلاته في الشأن الحزبي عبر أخيه المحسوب على ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار الذي رشحه أكرم الحوراني بديلا له في انتخابات 54، أما الثالث، وإن كان حذرا من المالكي، فهو بتعاونه مع محمود رياض قد ضاق ذرعا أيضا بانتقادات المالكي، خاصة وانه اتخذ من البعث ستارا لتبعيته لعبد الناصر، ووجد في محمود رياض ملاذه في تقربه من “الرئيس”.. 

لقد أثرت نشأة المالكي الاقطاعية في اكتسابه بعضا من صفاتها، ولازمته طوال حياته القصيرة، ولد عام 1919 وتدرج في مدارس دمشق حتى نال الشهادة الثانوية والتي أهلته لدخول الكلية الحربية، تلك النشأة ساهمت ومنهجة التدريس التي كانت قد اتبعتها دولة الانتداب خارج أطر الكتاتيب في صقل مواهبه الشخصية واكتسابه بعض المرونة الفكرية العلمية ، التي تمحورت حول القوة العسكرية، خاصة وأن والده قد شارك في معركة ميسلون تحت قيادة الشهيد البطل يوسف العظمة، مما أكسبه صفة الوطنية التي كانت تفتقد لها بقية العائلات الاقطاعية والتي عملت مع قوات الانتداب خدمة لمصالحها الذاتية، كما وأهلته اقطاعية والده على اكتساب الكثير من الامتيازات وأبرزها إيفاده لدورة عسكرية في فرنسا وكان متقدما على زملائه فيها، وشغل بالتالي الكثير من الوظائف العسكرية، خاض معارك فلسطين وأصيب في إحداها في رأسه، لكن اصابته لم تحل دون الانخراط في معاركها الأخرى بعد شفائه، كان المالكي وطنيا بكل معنى الكلمة، وترافقت هذه السمة بأنفة الاقطاعية التي امتازت بها عائلات تلك المرحلة، هذه الأنفة ساهمت في تكوين شخصية صلبة لا تقبل بالأمر المفعول بسهولة، خاصة وأن والده كان على خلاف مع رئيس الجمهورية شكري القوتلي على قطعة أرض في الغوطة، هذه الخلفية أكسبته أيضا سمة الاستقلالية التي دفعت به للعمل الدؤوب لتشكيل كتلة من ( الضباط الشوام) وقيامه بتمرد على الشيشكلي أبان حكمه الذي أودعه السجن وسرحه من الجيش الذي أعيد إليه بعد الانقلاب على الشيشكلي، مما دفع بالآخرين لحساب حسابٍ له في كل خطوة يخطوها..

بعد تسلمه رئاسة الشعبة الثالثة في قيادة الأركان أقدم المالكي على تسريح المقدم غسان جديد والذي كان نجمه قد راح يلمع في رئاسة الكلية الحربية في حمص وقيادته لكتلة الضباط القوميين الاجتماعيين في الجيش وتسلمه مهمة عميد دفاع في الحزب السوري القومي الاجتماعي، لكن ما الدافع لتسريح الشهيد غسان جديد؟ هذا ما لا يمكن الجزم به هل هو تخوفٌ منه أم إيحاء من كتلته التي ضمت بعثيين يؤيدون الحوراني نظرا لانتماء أخيه رياض المالكي لحزب البعث مما قربه من البعثيين عموما وأكسبه العداء لأكرم الحوراني نتيجة للدور الذي لعبه الأخير في انتخابات 1954 واجتهاد الحوراني في تبرئة نفسه من (ذلة) انتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي في العام 1936 ، هذه الخطوة التي أقدم عليها المالكي كانت المدخل لمقتله، فهي نقطة الضعف التي نفذ منها المتآمرون لضرب الحزب السوري القومي الاجتماعي، والذي كان قد لاقى نجاحا في أوساط الشعب مما دفع بمن اغتالوا سعادة للتفكير باغتيال الحزب الذي بات يُخشى جانبه في أوساط الجيش والسياسيين بعد أن دفع وهج دم سعادة لانخراط الكثيرين فيه لما اشتهر به من نبذ الطائفية وأفكاره العلمية التي تضمنها مؤلفه نشؤ الأمم..

لم يكن المالكي مستهدفا من الحزب، ولم يكن ليشكل خطرا عليه، فقوة الحزب في ذلك الحين كانت أقوى من المالكي وكتلته، بل على العكس، فقد كانت مواقف المالكي من محاولات الضباط البعثيين ـ وتحديدا أولئك المؤيدين للحوراني ـ للوحدة مع مصر، سببا في تقربه من الحزب السوري القومي الاجتماعي، هذا التقارب غير المعلن، وتخوفا من تشكيل كتلة من الضباط (الشوام) والضباط القوميين الاجتماعيين يحول دون الوحدة، كان الباب الذي نَفَذَ منه المتآمرون الذاهبون للوحدة، لترشيح المالكي ليكون كبش فداء لضرب الحزب والتخلص من انتقاداته واعتراضه على السياق الذي يعمل به بعض الضباط للوحدة مع مصر، هكذا اجتمعت الأهداف مع أدواتها، كان التخطيط لجريمة اغتياله قد بوشر به منذ حل محمود رياض سفيرا لمصر في سورية وعمله الدؤوب للاتصال بالضباط وبعض السياسيين لتشكيل ورقة ضغط على رئيس الجمهورية تساهم في التقارب السوري ـ المصري، وتلاقي هذا العمل من قبل السفير المصري، مع تعيين عبد الحميد السراج رئيسا للمكتب الثاني، عبد الحميد، المعجب بشخصية عبد الناصر والمأخوذ بها لدرجة تطوعه لخدمة أهدافها في سورية والمتستر بالبعث ومن مؤيدي الحوراني، فكلاهما حموي، وكلاهما نتيجة ذات النشأة وإن اختلفت نشأة الحوراني الاقطاعية المتخلفة عن نشأة السراج في عائلة جد محافظة متوسطة الحال..

لم يكن المالكي طائفيا، وهذا ما يحول دون اعتبار تسريحه للمقدم الشهيد غسان جديد قائما على هذا البعد، وهذا بالذات ما يدفع لترجيح كون التسريح تم بإيحاء أحد ممن حوله، وما يزيد هذا الترجيح رجحانا أنه كان على موعد مع المقدم جديد في اليوم التالي لحادثة الاغتيال وفق ما يزعمه بعض من عاصروا تلك المرحلة..

لقد ركزت مجمل محاضر الاستجواب على علاقة المقدم الشهيد العدائية للعقيد المالكي والتي، وفق تلك المحاضر، كانت سببا في تخطيط المقدم الشهيد للنيل من المالكي عبر تجنيده لمخلوف والدبوسي وعبد الرحيم لتنفيذ خطة الاغتيال المزعومة، وتجاهلت علاقة المالكي بزوجة السفير الأمريكي في دمشق، والتي سربت له أن حياته مهددة ودعته للذهاب بمهمة دبلوماسية خارج سورية لو لم تكن على علم بما يحاك ضده في كواليس السفارة الأمريكية بدمشق، والسؤال هل كانت المخابرات الأمريكية على علم بما يدور في خفايا وكواليس السفارة المصرية وعلاقة هذه ـ عبر السراج ـ بما يخططه محمود رياض بعد الإيحاء للأخير بتدبير هذه اللعبة من قبل الحكومة المصرية المحسوبة آنذاك على التحالف الغربي الذي كان يخوض صراعا داخليا على مناطق النفوذ بين بريطانيا وفرنسا من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى ، مما يوحي بتدخل أمريكي في حادثة الاغتيال ويثير جملة من التساؤلات التأكيدية على ضلوع المخابرات الأمريكية في لعبة الاغتيال التي سبق ونوهنا عنها بعدم اختلاف لعبة الاغتيال هذه، عن حادثة اغتيال الرئيس الأمريكي جون كندي مما يفسر هروب أركان السفارة من دمشق الى بيروت فور وقوع الحادثة وليس كما ادعت محاضر التحقيق بأن اتهام جهة أمريكية بالتآمر على الدولة السورية ـ كما ادعى خالد بكداش تحت قبة البرلمان السوري ـ عبر اعتماد تلك المحاضر ومطالعة النيابة العامة في تأويل رسائل الشرابي ..

من يطالع “مذكرات سياسي مخضرم” والتي نتابع نشرها على هذه الصفحة، يتبين وبسرعة أن حزب البعث لم يكن بأكثر من تجمع عاطفي يقول بوحدة عربية لا يفقه أي من قيادييها معناها أو عواملها أو عناصرها أو ما تؤول اليه أو ما تستهدفه أو.. كما ويدرك أن هشاشة قياداته وضعفها حمّلت بعض عناصرها قيادة الحركات التي جعلت الحزب في مقدمة الأحزاب الأكثر وضوحا وتنظيما ورؤية عقدية لا يقاربها الشك، لقد كانت قواعد حزب البعث هي الأكثر دقة وتنظيما من قياداتها، بل وأكثر وأعمق رؤية منها، وانها كانت سياسية أكثر من كونها عقائدية، وأن اليها يعود الفضل باستلام البعث قيادة أكبر كيانين في الأمة السورية ، العراق والشام، وأن قيادات البعث التقليدية، الأرسوزي، عفلق، البيطار، الحوراني، إنما كانت تجني نتائج فعل تلك العناصر على الأرض، أكثر من ذلك، نجد البعث أنه مجرد أفراد نذروا أنفسهم لتطلعاتهم بعيدا عن مهادنات قياداتهم، عملوا وانتصروا واستفادوا من كل حدث، صغيرا كان أم كبيرا، ولم يأخذوا لقياداتهم أي اعتبار في ما عزموا العمل من أجله لكنهم كانوا يتحدثون ويفعلون ما يقومون به باسم البعث.. وإن كان كل ما تقدم عاملا من عوامل انهيار البعث بمعناه التنظيمي والفكري وليس العقدي، بعد أن تسلمت قياداته مقاليد السلطة حيث استفرد البعثيون بعضهم ببعض وتصفية أكثرهم بأيدي بعضهم لبعض وتلاشت قياداتهم التاريخية بعد أن أضحت السلطة بأيدي أعضاء الحزب، قيادات هشة لم تكن يوما بقيادات قادرة على تحمل مسؤولياتها بدئا من حل عفلق لحزب البعث أيام حسني الزعيم الى حل البعث أيام الوحدة..

الحزب السوري القومي الاجنماعي

غالبا ما نحمّل الآخرين مسؤوليات عبثنا في العمل السياسي الذي كان وما زال يفتقد الى أدنى مقوماته وعوامله وأسبابه، فجاءت النتائج كارثية على النحو الذي انتهت اليه “لعبة الاغتيال”.

في السياسة، وفي علم السياسة، هناك مبدأ يقول” بقدر ما تملك من المعلومات، بقدر ما يكون قرارك صائبا” ولهذا نجد مختلف دول العالم تسخر الكثير من الجهود لخدمة أهدافها عبر الكثير من الوسائل، أبرزها، بل وأهمها، العمل المخابراتي بما يعنيه من دس الجواسيس في مختلف قطاعات الكيانات السياسية القائمة وتأمين مستلزماته من المال والنساء وشراء ذوي النفوس الضعيفة او المتعاطفة مع الأهداف المنشودة..وما أدل على ذلك قصبة الجاسوس الاسرائلي كوهين في الأيا التي تلت استلام البعث للسلطة في الجمهورب السورية.

وعليه، يمكن القول أن السياسة الحزبية التي انتهجتها القيادات الحزبية في ذلك الحين مسؤولة مسؤولية مباشرة عن استهداف الحزب من القوى المضادة، فهي الى جانب افتقارها لأدنى المعلومات عن تلك القوى، لم تكن بقادرة حتى على التعامل مع تلك المعلومات القليلة التي كانت بين أيديها بل وكانت عاجزة عن حماية قواها المتمثلة في المنتمين الى الحزب والذين تعرضوا للقتل والاغتيال نتيجة الصدامات التي كانت تقع بينهم وبين قوى البعث والشيوعيين، حتى والمتعاطفين معه وجماهيريته التي تمحورت حول عائلات اقطاعية انفرط عقدها عند الصدمة التي تعرض لها الحزب، كانت تعيش في فراغ نسجته طوباوية القيادات المنصرفة عن الساحة السياسية بموجب خلافاتها وصراعاتها على السلطة التي لم تكن في واقع الحال شيئا على الساحة السياسية الفعلية من جهة وانخراطها نتيجة الهشاشة العقدية في أحلاف وعلاقات سخرتها لخدمة أغراضها، فسعادة الثوري، الرافض، المقاوم، التغيري، غير المهادن، المواجه، الواضح والجلي في كل شأن من شؤون حياته العامة والخاصة..، لم يكن يعني لها شيئا، اكتفت بوهج دمه، لتقيم صرحا لأوهامها وخلافاتها، فسعادة القائل ” الشيوعية والرأسمالية صنوان” لم يعنِ لهذه القيادات سوى الانجرار وراء السياسة الغربية التي كانت ما تزال تعتبر الساحة السورية مرتعا لها، معلنة محاربتها للشيوعية وتاركة الحبل على الغارب بما يتعلق بالسياسة الغربية، مؤيدة “حلف بغداد” سائرة في الركب الغربي المؤيد “لإسرائيل”..

لم نكن نود الخوض في معترك ما تقدم، لو لم نكن نؤمن أن الهشاشة العقدية التي كانت تتمتع بها قيادات الأمس ـ وحتى اليوم ـ كانت وراء مختلف النكبات والنكسات والهزائم التي مني بها الحزب، والتي راح ضحيتها المئات إن لم نقل الألوف من القوميين الاجتماعيين ومواطنيهم، وتمحورت سياسة الحزب بالتالي حول الصراع على السلطة المتمثل في التعديلات الدستورية التي عملت على تأكيد هذا الصراع بمختلف مجالات العمل السياسي المتبع حتى اللحظة..

السياسة التي اتبعتها قيادات الأمس، أودت بالحزب ومكنت خصومه وأعداءه من النيل منه..

لم تكن “لعبة اغتيال” المالكي سوى بعضا من نتائج تلك السياسة، التي لم تتعظ منها بل وسارت في ركبها مؤكدة بشكل أو بآخر أنها من تخطيط وتنفيذ قيادات حزبية “منحرفة” عن خط سعادة الثوري، لم يسترعِ انتباهها لماذا اغتيل غسان جديد دون جورج عبد المسيح المتهم الأول حزبيا بهذه اللعبة، لم يسترع انتباهها أنه جاء تأكيدا على ما حفلت به محاضر الاستجواب من اتهامه بالتخطيط والتنفيذ، وأنه انتقام لما أقدم عليه من اغتيال المالكي، والحيلولة دونه ودون الإدلاء بمعلومات تفضح تلك اللعبة التي طالت الحزب، وأن تلك القيادات لم تفطن لضرورة ادلائه بمثل هذه المعلومات خاصة بعد ما نقله البعض عن أن لقاء كان معدا له مع العقيد المالكي في اليوم التالي لحادثة الاغتيال وأن الاغتيال جاء ليحول دون ذاك اللقاء مما قد يفسر إلحاح السفير المصري ضرورة حضوره لمباراة الاغتيال ، كما ادعى بعض من لعبوا دورا في التمهيد لهكذا لقاء، لكنها مضت باتهامها لرئاسة الحزب بالمسؤولية كرئيس، على الرغم من أن محاضر الاستجواب كما جلسات المحاكمة كما مطالعة النيابة العامة ركزت بمختلف اتهاماتها على أن التخطيط والتنفيذ كان برعاية الشهيد غسان جديد ولم تأتِ على ذكر رئيس الحزب إلا في أحكامها التي تحمله مسؤولية ما جرى..

المتابع لسياسة الحزب آنذاك، يصاب بخيبة أمل كبيرة، خاصة عندما يتساءل عن الدوافع والأسباب التي دفعت لانتهاج سياسة موالية للغرب الداعم بالمطلق للكيان اليهودي في فلسطين!!، بل وكيف استمرت في سياستها حتى بعد اتضاح أن الغرب بمختلف أدواته سعى للنيل من الحزب باعتباره العدو الواضح والجلي للكيان اليهودي!!، وحتى بعد اغتيال المالكي، كيف بررت لنفسها التعامل مع نوري السعيد والملك حسين؟ وكيف تغافلت عن التطورات اللاحقة لانقلاب عبد الناصر وبدء التحول من الغرب الى الشرق؟ كيف استمرت في عدائها للاتحاد السوفيتي المؤيد للقضية القومية في فلسطين على الرغم من كونه الدولة الأولى التي اعترفت بذاك الكيان؟ كيف انعزلت عن مواجهة الاندفاع العارم باتجاه مصر عبد الناصر؟ كيف لم تنهج نهج التوافقات والمصالحات والتحالفات مع مختلف الأحزاب السورية القائمة في حينه اتقاء العزلة أولا والحيلولة دون الاستفراد ثانيا والانخراط في معترك الحياة السياسية أخيرا!!!، أم أنه كان قد فات الأوان وسبق السيف العذل، نتيجة السياسات التي اتبعتها أيام الشيشكلي؟!! هل طغت خلافاتها على كل ما تقدم؟!!!!!!

محمود رياض السفير المصري في سورية 1955

يقول محمود رياض في مذكراته:”.. وحدث تطور جديد عندما لمس الرئيس عبد الناصر الدور الذي يمكن أن تلعبه سورية في الساحة العربية، فسعى الى توطيد العلاقات معها وقرر تعيني سفيرا لمصر في سورية في ربيع 1955 للقيام بهذه المهمة وأطلق يدي لتحقيق هذا الهدف.. ولم أكن في حاجة لوقت طويل لتوطيد علاقاتي مع كافة الأحزاب السورية ومع قيادات الجيش، وقد لمست قوة المشاعر العربية في سوريا ومساندة الشعب العفوية لكل قضية عربية وايمانه العميق بالوحدة العربية..” يتابع قائلاً:”.. وعندما تبين للسوريين الدور القيادي لعبد الناصر في العمل على استقلال كافة الشعوب العربية والتخلص من السيطرة الأجنبية واصراره على سياسة عدم الانحياز والسعي من أجل وحدة العمل العربي، أصبحت مصر أقرب ما يكون لقلب كل سوري.. وعندما لمست هذه المشاعر القوية اقترحت على الرئيس عبد الناصر في شهر يوليو1955 عقد اتفاقية عسكرية مع سورية وانشاء قيادة عسكرية موحدة يمكن أن تنضم لها الأردن فيما بعد.. وكنتُ أرى أن نجاح الدول الثلاث في إقامة وحدة عسكرية سيحول دون فيام إسرائيل بأي عدوان على الدول العربية.. وقد تردد الرئيس عبد الناصر في البداية بسبب تخوفه من ان تؤدي الخلافات بين الأحزاب السورية الى عرقلة الاتفاقية فيسيء الاخفاق الى دور مصر السياسي في العالم العربي إلا أن تردده زال عندما أكدت له أن قادة الجيش السوري يؤيدون الاتفاق وأنه لا توجد معارضة بين السياسيين لمثل هذا الاتفاق.. ” ما بين سطور وحروف ونقاط ما تقدم يمكننا أن نلمح كيف تشكلت لدى محمود رياض فكرة تصفية الحزب باغتيال العقيد المالكي، فاطلاق يده في الشأن السوري لم يكن سوى التمهيد لاحتواء سورية وعملها في خدمة الأغراض الناصرية التي ولا شك، أنها كانت أغراضا صحيحة وسليمة تغافلتها السياسة السورية نتيجة الصراعات التي كانت تدور في أروقة الحكم السوري والانقلابات المتكررة التي كانت تعصف بتلك السياسة، ولا شك أن محمود رياض قد تجاهل في مختلف محاولاته الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان منخرطا انخراطا تاما في تأييده “لحلف بغداد” وسيره في الركب الغربي الذي انقلب على عبد الناصر بعد أن كان قد تولى تهيئة الحكم له من خلال الصراع على مناطق النفوذ بين أوروبا وأمريكا في ذلك الحين، كما تجاهل في اتصالاته العقيد المالكي نظرا لتوجه الأخير نحو الكتلة الشرقية ومعارضته للتدخل المصري في الشأن السوري..

بالطبع يأتي كلام محمود رياض بعد أن تمت تصفية المالكي والحزب معا، لكن ما سبق ذلك كان يقوم على ما نتج عن صداقاته مع كل من أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج اللذان زوداه بمختلف المعلومات التي يحتاجها وتزيح عن كاهلهما عبء المالكي والحزب معا

جمال حماد الملحق العسكري في السفارة المصرية بدمشق :

ولد جمال حماد في مدينة القاهرة في 10 مايو سنة 1921 م .وتوفي يوم الخميس 27-10-2016 والده هو الشيخ إبراهيم محمد حماد من قرية “شبرا ريس” بمركز شبراخيت محافظة البحيرة، وهو من خريجى الأزهر الشريف وكان يعمل مدرسا للغة العربية، فتعلم منه ابنه جمال علوم اللغة العربية والشعر والتاريخ.

حياته العسكرية

بعد حصوله على شهادة البكالوريا التحق جمال حماد بالكلية الحربية وتخرج منها في منتصف إبريل عام 1939 وكان من زملائه الذين تخرجوا معه في نفس الدفعة كل من المشير عبد الحكيم عامر، وصلاح سالم، وصلاح نصر النجومى مدير المخابرات العامة الأسبق.

بدأ خدمته العسكرية في السودان ثم انتقل لمنطقة القناة ثم إلى الإسكندرية.

أثناء الحرب العالمية الثانية، عمل مدرسا لمادة التكتيك العسكري والأسلحة في مدرسة المشاة والكلية الحربية في مصر بين عامي 1942و 1946

تولى جمال حماد أركان حرب سلاح المشاة (قبل قيام ثورة يوليو) وكان برتبة صاغ (رائد)، وكان اللواء محمد نجيب مديراً لإدارة المشاة، وتعرف عليه عن قرب وازداد به وثوقا، فانضم في هذه الفترة لتنظيم الضباط الأحرار عام 1950 عن طريق صديقه الصاغ أ.ح عبد الحكيم عامر، واشترك في الفاعليات الأولى لثورة 23 يوليو 1952، وكتب بنفسه البيان الأول للثورة الذي ألقاه البكباشى أنور السادات صباح يوم 23 يوليو من مقر هيئة الإذاعة.

اتصل جمال حماد بعد ذلك باللواء محمد نجيب الذي حضر بسيارته الخاصة إلى مبنى رئاسة الجيش بعد أن تم الاستيلاء عليه بمقدمة الكتيبة الأولى مشاه التى يقودها البكباشى يوسف صديق والذي لولاه لفشلت الثورة وذلك لأن الملك فاروق الذي كان يحتفل بتشكيل وزارة الهلالى في قصر رأس التين بالإسكندرية، علم بالأمر وكلف الفريق حيدر باشا بالقضاء على هذه الحركة الذي كلف بدوره الفريق حسين فريد رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الذي اجتمع بكبار قيادات الجيش لمناقشة، وبينما هو جالس في مكتبه وصلت قوات يوسف صديق وتم القبض عليه وهو مجتمع بهم، ونجحت الثورة وغادر الملك يوم 26 يوليو 1952 بعد أن وقع على التنازل عن العرش لابنه الرضيع أحمد فؤاد الثانى

تولى جمال حماد بعدها منصب مدير مكتب القائد العام محمد نجيب، ووتطور الأحداث وحدثت خلافات داخل مجلس قيادة الثورة الذي كان رجاله من أنصار جمال عبد الناصر. بعد أحداث فبراير ومارس 1954، قدم نجيب استقالته ورجع تحت ضغط الإرادة الشعبية، ولكنه كان بلا سلطات لأن السلطات التى كانت بيده انتزعت منه فتولى قيادة الجيش الصاغ عبد الحكيم عامر الذي تم ترقيته أربعة ترقيات دفعة واحدة إلى رتبة اللواء، وتولى عبالناصر منصب رئيسس الوزراء واصبح نجيب رئيسا بلا صلاحيات إلى أن تم القبض عليه وتحديد إقامته في فيلا زينب الوكيل حرم النحاس باشا.

عارض اعتقال محمد نجيب ووضعه محددا إقامته في فيلا المرج 18 عاما وأوضح في كتبه ان لنجيب فضل في نجاح الحركه كضابط برتبه لواء معروف للشارع المصري وانه بدونه كانت نسبه الفشل ستكون أعلي لان الباقين شخصيات غير معروفه داخل مصر او خارجه.

بعد الإطاحة بمحمد نجيب أنتدب للعمل ملحقا عسكريا لمصر بين عامي 1952 و1957 في كل من سوريا ولبنان والأردن والعراق.

عين محافظا لكفر الشيخ ثم محافظا للمنوفية وذلك بين عامي 1965و 1968

بعدما نضجت فكرة تصفية الحزب السوري القومي الاجتماعي بتصفية العقيد المالكي، في رأس محمود رياض، أوعز للّواء جمال حماد بالتخطيط التنفيذي لهذا الهدف، بناء على المعلومات التي زوده بها كلٌ من أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج، كان استهداف الحزب مبنيا على تلك المعلومات، التي كان محورها أن الحزب السوري القومي الاجتماعي يدور في فلك السياسة الأمريكية التي كانت قد بدأت بالتخلي عن عبد الناصر نظرا لميوله للكتلة الشرقية وضلوعه مباشرة في انشاء منظمة” دول عدم الانحياز” كما وأن الحزب كان قد أعلن عداءه للشيوعية واصراره على محاربتها وتأييده لحلف بغداد..

وعلى الرغم من أن قيادة الحزب لم تكن في مستوى محاربة الشيوعية، أو التأثير في سياسة حلف بغداد، لكنها أرادت من وراء ذلك إعلان ولائها للغرب الأمريكي ( على الرغم من معرفة قيادته بأن هذا الغرب هو الذي يمد دولة “إسرائيل” بكل مستلزمات تفوقها على الدول المحيطة بها والتي تشكل ـ من وجهة نظر السياسة “الإسرائيلية” ـ خطرا عليها لتبرير ابتزازها للغرب بدعمها سياسيا واقتصاديا وعسكريا ) كسبا لحليف يساعدها على الخروج من حصار القوى السياسية الأخرى لها بعد مؤتمر حمص، نتيجة انخراطها في سياسية الشيشكلي، حتى بات الحزب معروفا “بحزب الشيشكلي” إضافة لقصورها بمعرفة ما يدور بالخفاء، وبنتائج انطوائها وعزلتها ومشاركتها في الحياة السياسة، فقد بات من السهل النيل منها ومن الحزب بصورة عامة، وقد شاركها في العداء لثورة 22 يوليو، العقيد المالكي على الرغم من ميوله الشرقية، وامتعاضه من تدخلات محمود رياض في الشؤون السورية، وعلاقته المعروفة بالسفارة الأمريكية عبر زوجة السفير الأمريكي، التي نبهته لما يدور حوله من شبهات قد تودي بحياته ونصحته بمغادرة البلاد، ومحاولاته الدؤوبة لإنشاء كتلة متراصة من الضباط( الشوام) ولربما أن ماساهم في ضرورة تصفيته المعلومات التي وردت عن محاولاته ضم الضباط القوميين الاجتماعيين لهذه الكتلة بما يحول دون قوة الضباط البعثيين المناوئين له خاصة جماعة الحوراني وامكانية لقائه بغسان جديد في اليوم التالي للجريمة( هذا إذا كانت هذه المعلومة صحيحة) مما يشكل عقبة أمام الحوراني والسراج التائقين للوحدة مع مصر..

فوفق ما نرجحه بناء على الوقائع التي جاء بها التحقيق وعلى ما صرح به كل من حماد والنحلاوي، أن محمود رياض أوعز لجمال حماد بالتخطيط لتنفيذ هذه التصفية الثنائية أملا في تهيئة أجواء الوحدة كما دونها رياض في مذكراته، فما كان من سبيل لحماد لإنجاز مهمته سوى الاستعانة بالسراج لتحديد العناصر المؤتمنة على سر التصفية، فكان اقتراح السراج لكل من أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي، أما القاتل الحقيقي فكان كما تذهب الترجيحات لكونه مصري الجنسية أو عبد المجيد جمال الدين الذي اختفى أثره بعد الحادثة ، لذا كان لا بدَّ من تأمين الساتر لتنفيذ الجريمة ( لم يأتي التحقيق على بيان لماذا وضعت ومن وضعها ولماذا وبأمر من تم تنفيذها، لكن جمال حماد هو الوحيد الذي جاء على ذكرها وبرر وضعها )، وذلك بوضع الألواح المعدنية خلف المنصة وشبك صفي الكراسي بشكل لا يمكن من خلاله فكها ليجلس عليها المدعوون( والتي جاءت وفق ما نرجحه بأمر من أكرم ديري باعتباره المسؤول عن أمن المنصة وسلامة المدعويين ) لتأمين وضوح الرؤية للقاتل، وتحديده موقع الشهيد ياسين عبد الرحيم ليكون كبش الفداء لهذه الجريمة من خلال معرفة أكرم ديري لعناصره في الشرطة العسكرية ومعرفة عبد الكريم النحلاوي لما ادعاه بوجود مخبر أبلغ المالكي بأن هناك من يود النيل منه، وهذه هي المعلومات التي أدلى بها كل من حماد والنحلاوي بعد ما يزيد على النصف قرن من الجريمة،

4 ـ أكرم الحوراني:

شخصية تختزن في دواخلها جملة من التناقضات أبرزها أنها تقول ما لا تؤمن به وتسلك عكس ما تقوله، الغاية لديها تبرر الوسيلة، لا تتورع، خدمة لغاياتها، من سلوك مختلف السبل لتحقيقها، وتكتشف أنها أخطأت، فتنقلب على ما سعت اليه، مهما تتطلب ذلك من وسائل..

لقبه معارفه وأصدقاءه بــ (الجنرال ذو اللباس المدني) لممارساته التي طبعت لفترة تزيد على العقد، السياسة السورية بطابعها التناقضي والمسلكي المتقلب وفق مزاجية تسلك بتناقضاتها تحقيق رغباتها، شخصية كان لها تأثير كبير في مجرى الأحداث خلال عقد الخمسينيات من القرن المنصرم، ذو خلفية دينية متخلفة لم تبارحه طوال حياته، يدين الطائفية ويمارسها في السر والعلن تحت شعارات مختلفة “أقلية وأكثرية”، سليل عائلة اقطاعية، يدين الاقطاع حتى لا يتحمل آثامه، مدافعا عن الفلاحين لتجيشهم لتحقيق مآربه السياسية، اشتراكي على الطريقة السوفيتية..

ما تقدم، لا يستند لما جاء في مذكراته التي بلغت أكثر من ثلاثة آلاف صفحة، يكذب في الكثير من الأحداث التي يتطرق لها ، حاقد من طراز رفيع، أناني لدرجة يبدو فيها أنه ضد ذاته، يُنصب من نفسه حكماً ومقياسا للصحة والخطأ..

قد نكون متجنين عليه بنظر البعض، لكننا إذ نسقط ما تقدم على مسيرته السياسية، نتأكد من صحة ما نذهب اليه في رسم معالم شخصية معقدة أشد التعقيد، متناقضة بكل ما في الكلمة من معنى وأبعاد، مغرقة في ذاتيتها لدرجة أنها لم تتمكن من الخروج من أعماقها حتى أواخر أيامه..

مسيرته الحياتية، خير معين لنا في ما نحن ماضون اليه، ولد الحوراني في حماة عام 1914 أما اليوم والشهر فلا يعرفه كما جاء في مذكراته، لم يكتشف ذلك إلا بعد محاولته التسجيل في الجامعة اليسوعية في بيروت لدراسة الطب لكنه عاد الى دمشق بعد اشتراكه بالتخطيط والتنفيذ لاغتيال النائب صبحي بركات، حيث درس المحاماة وزاولها قي دمشق، انتسب الى الحزب السوري القومي الاجتماعي في عام 1936 وانسحب منه بعد اقل من عام..

تحت عنوان ( التجربة والخطأ) يؤرخ الحوراني تجربته في الحزب، يقول: “عام 1937 انقلبت (المناقشات الودية والحضارية) الى مقاومة ضارية ضد انتشار الحزب السوري القومي بالاعتداء على أعضائه واجبارهم على الانسحاب علنا والقسم على القرآن توثيقا لانسحابهم فاضطرت الأكثرية الساحقة أن تعلن انسحابها.. ومع أن حملة الكتلة الوطنية في حماة قد توقفت بعد أن أعلن الكثيرون من منتسبيه انسحابهم وبعد أن أظهر الرأي العام وبعض شباب الكتلة نزاهة وتقدمية واشمئزازهم من تلك الحملة، فإنني أعلنت حل الحزب في حماة أواخر 1937 وانتهى الأمر بالنسبة لي على الصعيدين الحزبي والسياسي..” وعلى الرغم من أن الحوراني يعيد انسحابه من الحزب لجملة عوامل عقدية، فإننا لا نعتقد أنه كان صادقا في ذلك، فحملة الكتلة الوطنية التي دفعت بالكثيرين للانسحاب من الحزب لم تستثنيه، فقد أقسم كغيره على القران توثيقا لذلك، خاصة وأنه ابن عائلة اقطاعية لا شك أن لعائلته صلة بالكتلة الوطنية التي كانت عبارة عن تجمع لجملة من العائلات الاقطاعية ترفع الدين شعارا لمصالحها، وخاصة في حماة حيث التعنت الديني كان قد بلغ أعلى مستوياته، نقول ذلك، بناءً على ما جاء في كتيب “سامي الجندي” (البعث) حيث يقول :”تعرفت على الأستاذ الحوراني سنة 1941، كان يُلِّحُّ على نظرية الأرض التي تكون الأمة، فلم يخفَ عليَّ أنه متأثر بآراء الحزب السوري القومي..”

في عام 1943 انتخب عضواً في البرلمان السوري، مستفيدا بالدرجة الأولى من موروثه الاقطاعي ومن الشهرة التي نالها أبان انتسابه للحزب، ومؤازرته (لانتفاضة الفلاحين) في ريف حماة الغربي، وعلى الرغم من كونه عضواً في البرلمان السوري فقد ساهم في معارك فلسطين عام 1948، عين وزيرا للزراعة في حكومة هاشم الأتاسي واستقال منها ثم عين وزيرا للدفاع في حكومة خالد العضم واستقال منها قبل أن يُتِمَّ العام فيها / نيسان 1949 /..

في عام 1951 أسس حزب الشباب في حماة ومن ثم أطلق عليه اسم الحزب العربي الاشتراكي وفي عام 1952 اندمج في حزب البعث العربي ، وأصبح أحد أهم أركان حزب البعث العربي الاشتراكي الى جانب عفلق والبيطار، كان ما يزال يعاني من انتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي، يقول في مذكراته التي باشر بكتابتها في أوال سبعينيات القرن المنصرم : “لم يجد الخصوم في سيرة حياتي غير التركيز على استغلال انتسابي للحزب القومي السوري، في عام1936، لكن هذا التركيز لم يترك أثر على المستوى الشعبي والجماهيري، بل إن نجاحي في انتخابات 1943 أظهر أن الشعب يُكِنُّ لي حبا ودعما يفوق ما كنت أنتظره، ولم تترك هذه التجربة في نفسي أي عقدة بل كان لها نتائج إيجابية على المستوى الشخصي والشعبي ..”

ما تقدم يُظهر تقلبات الحوراني وكأنه لا يعرف ما يريد، لكن تاريخيته تبين لنا ما كان يعاني منه نفسيا مما دفعه للتآمر على الحزب السوري القومي الاجتماعي والتبرؤ منه عملياً بعدما شعر بقوة كتلته العسكرية المدمجة بكتلة الضباط البعثيين، حيث تمكن من تقرير الكثير من سياسات سورية في ذلك الحين، خاصة وأنه كان على صلة وثيقة بعبد الحميد السراج المعجب بعبد الناصر والمتستر في حزب البعث الجديد، حيث التقى إعجابهما بالمهمة التي كان قد كلف بها محمود رياض من قبل عبد الناصر، يقول في مذكراته:” :”.. وحدث تطور جديد عندما لمس الرئيس عبد الناصر الدور الذي يمكن أن تلعبه سورية في الساحة العربية، فسعى الى توطيد العلاقات معها وقرر تعيني سفيرا لمصر في سورية في ربيع 1955 للقيام بهذه المهمة وأطلق يدي لتحقيق هذا الهدف.. ولم أكن في حاجة لوقت طويل لتوطيد علاقاتي مع كافة الأحزاب السورية ومع قيادات الجيش..” أن يطلق عبد الناصر يد محمود رياض للعبث في السياسة السورية، وأن لا يكون رياض بحاجة لوقت طويل لتوطيد علاقاته مع الأحزاب وقيادات الجيش، مسألة ملفتة للنظر إذا ما نُظر اليها من زاوية الحوراني والسراج، فكلاهما متطوعان طوعا لخدمة مآرب عبد الناصر عبر محمود رياض، حيث لا ينكر أي منهما حماسه للوحدة مع مصر ولكل منهما مبرراته وأهدافه، وهما بكل تأكيد متفقان في الوسائل، فالحوراني الذي ابتدأ حياته السياسية بمحاولة اغتيال لم يكن ببعيد عن أساليب السراج في القمع والتعذيب الذي وطده فور تسلمه رئاسة المكتب الثاني بدمشق، ولكل منهما مبرراته في انتهاجها في سبيل تحقيق ما يصبوان اليه، وبالتحديد العمل على تحقيق الوحدة الاندماجية مع مصر، وازالت مختلف عقباتها المتمثلة بالحزب السوري القومي الاجتماعي وعدنان المالكي كما بات واضحا في سياق هذه الدراسة، ومما لا شك فيه أنه بعدما نضجت فكرة الاغتيال في رأس محمود رياض أسر بها لعبد الحميد السراج الذي تداولها مع أكرم الحوراني ولقيت ترحيبا من الأخير ففيها تبرئته تاريخيا من انتسابه للحزب بالتآمر عليه وتصفية أحد ألد أعدائه عدنان المالكي الذي راح يُظهر امتعاضه من تدخلات رياض في السياسة السورية من جهة وعبر عبد الحميد السراج الذي كان يعمل المالكي على ازاحته من منصبه كرئيس للمكتب الثاني من جهة ثانية كذلك خصومته لأكرم الحوراني الذي عارض ترشيح أخيه رياض المالكي في انتخابات 1954 كما مرَّ معنا آنفا، مما دفع بأكرم الحوراني لتكليف النقيب بشير صادق بإبلاغ البعثيين مدنيين وعسكريين وجوب مهاجمة العقيد المالكي في المحافل والمناسبات كافة وإفشال مخططاته ومساعيه والتبرؤ منه ونفي أية علاقة له بحزب البعث العربي الاشتراكي.. هكذا التقت أهداف رياض والسراج والحوراني، وهذا ما ثبت بعدما أنجزت لعبة الاغتيال التي نحن بصدد كشف بعض جوانبها المغفلة بالنسبة للكثيرين ممن تناولوها..

في عام 1941 يلتقي سامي الجندي بأكرم الحوراني، في الأولى يقول ما أوردناه أنفا، في لقائه الثاني بأكرم الحوراني يقول:” وجدت حين قابلته للمرة الثانية عام 1948 أن فكره قد تغير جذريا عما في المرة الأولى، فهو يتأثر بتجربته أولا، لا يغيب عنه الواقع، يتشبث به ليستمد منه التعليل..” ربما أراد الجندي مدح الحوراني، لكنه أخطأ التعبير، فالحوراني واقعي بنظر الجندي، وتاليا فالواقع المعاش دليل الحوراني لتعليل مواقفه، فهو إذن عملي لا يرعوى في خطاه عن تغيير مواقفه ونظرته للأمور، لا تعنيه المبادئ كثيرا، فالواقع هو الدليل الذي يقيم عليه مواقفه ويتبعه بكل ما فيه من تناقضات، هذه المسألة بالذات وفق ما نعتقد، كانت وراء اندماجه في البعث العربي، وأيضا، في خلافاته مع عفلق والبيطار، وانعكست وفق معاصريه في كتلة الضباط الاشتراكيين والضباط البعثيين، كلاهما في حزب واحد، لكنهما مختلفان يقول سامي الجندي:” وحدت المعركة، ضد الشيشكلي، الحزبين فكان منهما مزيج عجيب أسمه البعث العربي الاشتراكي ما عاد غير تجمع مهلهل فقد شخصية الحزبين، حقق نجاحات كبيرة لكن السوس كان ينخره من الداخل، لا أعني من ذلك اعتراضا على الاسم.. وانما على نهاية منطقين كان كل منهما ضروري للمرحلة وولادة منطق مشوه عشوائي..” مما يعني أن المنطق الذي حكم تصرفات الحوراني وكتلته في الحزب، كان على خلاف إن لم نقل نقيض توجهات عفلق والبيطار، وبما يعني أيضا، أن الحوراني الواقعي وجد في الواقع ما يبرر تصرفاته، تعاون بشكل مطلق مع السراج المحسوب على كتلته في حزب البعث، مارس عبر السراج ديموقراطيته التي أشبعنا بها تنظيرا، السراج الناصري قلبا وقالبا والمتستر بحزب البعث، يعبث والحوراني بمصير الدولة، كانت الوحدة مع عبد الناصر وكأنها غايته التي ناضل من أجلها ردحا من الزمن، بذل في سبيل تحقيقها كل جهد تمكن منه، وعندما تشكل الوفد المفاوض لمحادثات الوحدة سرا وسافر سرا الى القاهرة* مستثنياً إياه، تقبل ما جاء به ممتعضا، كما يقول في مذكراته، لكنه أبى معارضته لما اعتبره متعللا بأن ذلك ( خيانة قومية) قبل شرط عبد الناصر بحل الأحزاب في سورية، أي الغاء التعددية الحزبية وتاليا الديموقراطية التي كانت تُدار في شكليتها الدولة، كانت مساعيه للوحدة قد انتهت الى حل البعث العربي الاشتراكي وبقية الأحزاب، لكن شرط عبد الناصر أراح الحوراني من أعباء (ولادة منطق مشوه عشوائي..) وفق توصيف الجندي، كافأه عبد الناصر بتسميته نائبا لرئيس ” الجمهورية العربية المتحدة” وكعادته، يكتشف متأخرا أن مساعيه الحثيثة لتحقيق الوحدة لم تأتِ أكلها، وأن تسميته نائبا للرئيس، لم يكن يعني شيئا أمام الصلاحيات الممنوحة لعبد الحكيم عامر ولعبد الحميد السراج بإطلاق يد الأخير على ما شاءت في كل ما يتعلق “بالإقليم الشمالي”، وما هذه التسمية إلا تحييدا له عن لعب أي دور تقريري في السياسة، فيستقيل من منصبه ويتنحى جانبا فاسحا المجال لعبد الحميد السراج أن يتبوأ منصبه كنائب للرئيس، ويعود الى دمشق ومنها الى بيروت حيث يشرع في مهاجمة عبد الناصر متهما إياه بالتعاون مع( إسرائيل) وبأن الوحدة مع مصر ما هي في حقيقة الأمر إلا احتلالا مصريا لسورية، وفور وقوع الانفصال، أيده الحوراني وتصدر دعاته، وفور وقوع انقلاب البعث في الثامن من أذار، يُعتقل الحوراني ويُزُجَّ به في السجن، وأطلق سراحه بعد فترة وجيزة ليستقر في لبنان، ليباشر كتابة مذكراته بعدما استقال من العمل السياسي كليا، بلغت مذكراته ثلاثة آلاف وستمائة وخمسين صفحة، يؤرخ فيها مسيرته السياسية من بداياتها ويضفي عليها صبغته الشخصية في إيجاد مبررات مواقفه، من لبنان الى العراق فباريس فعمان حيث استقر بها حتى وفاته في 24 شباط 1996 عن عمر ناهز الخامسة والثمانين ودفن فيها بحفل اقتصر على بعض من عرفوه في عمان..

 

* ـ تشكل الوفد من كل (عفيف البزرة، امين الحافظ، اكرم الديري، حسين حده، جمال الصوفي، بشير صادق، محمد البشير، احمد حنيدي، طعمه العود الله، ياسين فرجاني، مصطفى حمدون، وعبد الغني قنوت)

عبد الحميد السراج:

 أو “السلطان الأحمر” تيمناً بالسلطان العثماني عبد الحميد الذي اقترنت باسمه أبشع مجازر التاريخ “الإبادة الأرمنية”..

لم يكن السراج رجلا عاديا، كان رجلا من نوع آخر، طبع النظم العربية كافة بطابعه الاستبدادي الذي لا يعرف أي نوع من قيم الانسان، ليست الغاية عنده تبرر الوسيلة، بل الوسيلة التي ليس لها من غاية سوى رؤية دم خصومه السياسيين وإذلالهم وسماع صرخاتهم وهم يتأوهون، دموي لدرجة بات الدم مقرونا باسمه، كان ربه الأوحد، جمال عبد الناصر، يتعبده في صحوه ونومه، يراه بطلا من أبطال الوحدة العربية، برأيه كان عبد الناصر منطلق وطريق وغاية الوحدة من المحيط الى الخليج، خدمه بإخلاص وتفانى في اخلاصه، لم يكن يعبأ بكونه رئيس جهاز لخدمة الدولة السورية، كان عميلا لعبد الناصر، خادما مطواعا طيعاً، كل ما يرضي عبدالناصر، كان برأيه الحق والحقيقة، لم يعكر صفو طاعته، سوى المشير عبد الحكيم عامر، تنازع معه الصلاحيات، فنصبه عبد الناصر نائبا له، تحييدا له، شغل منصب وزير الداخلية في “الإقليم الشمالي” ( سورية)، فروَّع مناصريه قبل منازعيه، كان شعار المرحلة التي تجمعت بيده مختلف السلطات / كل مواطن خفير/ بمعنى أن كل مواطن ما هو إلا عنصرا من عناصره، تقع عليه مهمة نقل كل ما يسمعه اليه، بات الأب يخشى ولده والولد يخشى أبيه..

ولد عبد الحميد السراج في مدينة حماة، في الثاني والعشرين من أيلول ( وهو اليوم الذي استقال فيه من منصب نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة وذات اليوم الذي توفي فيه في القاهرة عام2013 عن ثمانية وثمانين عاما) عام 1925 في عائلة متزمتة دينياً،  انتسب الى الشرط المنية وتولى مهمة الاشراف على بيت دعارة وتزوج من إحدى العاملات فيه، وجدت بعد تسلمه رئاسة المكتب الثاني مقتولة بالقرب من أحد فروع نهر بردى، عمل بجد على نيل الشهادة القانوية ونجح بها، انتسب الى الأكاديمية الحربية في حماة وتخرج منها برتبة ضابط ومن ثم أوفد الى باريس ودرس في كلية أركان حرب وتخرج منها في عام 1947، كتن الحارس الشخصي لحسني الزعيم ، انقلب عليه فور تسلم الشيشكلي الحكم، كما ساهم في انقلاب الشيشكلي وعليه، بعد الشيشكلي عين ملحقا عسكريا في السفارة السورية في باريس، في آذار 1955 عين رئيسا للمكتب الثاني، عبادته لعبد الناصر قادته الى محمود رياض لينقل الأخير لعبد الناصر تمكنه من استمالة رئيس المخابرات العسكرية السورية الى جانبه، ومن خلاله تمكن رياض من استمالة مجموعة كبيرة من الضباط البعثيين ـ والذين كانوا يرهبون السراج ـ الى جانبه ، كان عبد الحميد السراج يتطلع لقيادة ناصر للأمة العربية فساهم في تحقيق الوحدة السورية ـ المصرية بعدما أطاح بمعارضيها، بالتآمر على الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتياله للعقيد المالكي حيث تولى مختلف شؤون التحقيق في هذه العملية وكان وراء اعدام اثنين من( المتهمين) بالعملية بعدما تمت تصفية الثالث لتكتمل اللعبة، في عام 1957 حاك عملية اغتيال الشهيد غسان جديد وفي اغتيال “فرج الله الحلو” الأمين العام للحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني فإذابه بالأسيد بعدما ضجت وسائل الاعلام الروسية باختفائه وتدخل كل من نهرو وتيتو وشوإنلاي وسوكارنو بموضوع فرج الله الحلو وطالبوا عبد الناصر بالتحقيق باختفائه، فطلب عبد الناصر من السراج إخفاء كل أثر ينم على أن فرج الله الحلو كان معتقلا في دمشق، فكان أن أمر السراج بإذابة جثته بالأسيد ورميها في مجارير المدينة، هكذا كان الحزب الشيوعي السوري واللبناني والعراقي عرضة لتنكيل السراج فزجت كوادره في السجون التي امتلأت بالشيوعيين، عمل على اغتيال “نسيب المتني” نقيب المحررين اللبنانيين واتهام كميل شمعون باغتياله لتأجيج السخط الشعبي ضد تجديد كميل شمعون لرئاسة الجمهورية، قام باغتيال رئيس الوزراء الأردني هزاع المجالي المحسوب على القوميين الاجتماعيين حين ذاك للجم العداء الأردني للوحدة السورية ـ المصرية ،كثيرون لاقوا حتفهم في أقبية السراج أبرزهم “سعيد الدروبي” الشيوعي الذي فارق الحياة في أقبية التعذيب السراجي،  كذلك عمد الى اغتيال الصحافي اللبنانب كامل مروة ،كل من دخل السجن في عهده خرج منه معطوبا بعاهة دائمة هذا اذا لم يكن قد توفي أثناء عمليات التعذيب، استظل عبد الحميد السراج حزب البعث اللاهث للوحدة تخلصا من صراعاته الداخلية عبر أكرم الحوراني الذي تعاطف معه ومطلب الوحدة مع مصر، حتى ولو كان ذلك لقاء انهاء حزب البعث في سورية تلبية لمطلب عبد الناصر بإنهاء التعددية الحزبية والصحافية وكل ما من شأنه التخلص من تبعية ناصر، وكان السراج اليد الطولى لناصر في سورية حين تجمعت لديه كل السلطات يوم تسلم وزيرا للداخلية في “الإقليم الشمالي” وكذلك لبنان والأردن والعراق، وبعد أن اشتد بينه وبين المشير عامر الصراع على السلطة في سورية، عمل عبد الناصر على تحييده في هذا الصراع فعينه نائبا لرئيس الجمهورية خلفا لأكرم الحوراني، حيث استقال من منصبه قبل وقوع انقلاب الانفصال بستة أيام، وكان قد أوصل لعبد الحكيم عامر معلومة أن انقلابا يعده رئيس مكتبه عبد الكريم النحلاوي، فلم يصدقه المشير واتهمه بالكذب، وفور وقوع الانقلاب، زُجَّ بعبد الحميد السراج بسجن المزة باعتباره نائبا لرئيس الجمهورية، عمل عبد الناصر جهده لفك أسر كاتم أسراره فطلب من فؤاد شهاب التعاون لفرار السراج من السجن الذي كلف رئيس مخابراته سامي الخطيب وبالتعاون مع كمال جنبلاط للقيام بتلك المهمة، حيث تمكن نزير رشيدـ المحسوب على الضباط الأحرار ـ والمتواجد في دمشق من تكليف رئيس حرس سجن المزة منصور الرواشدة الناصري الاتجاه بفتح باب الزنزانة والهروب مع السراج والوصول الى دير العشاير حيث كان في استقباله سامي الخطيب الذي رافقه حتى مطار بيروت الدولي حيث حطت طائرة مصرية بعد أن طلب قائدها السماح له بالهبوط الاضطراري في المطار والتي حملته الى القاهرة ليستقبله عبد الناصر استقبالا رسميا في القصر الجمهوري وليغدق عليه بسخاء الجنسية المصرية وتبعاتها من المسكن والمأكل حتى تاريخ وفاته..

يقول محمد معروف عن عبد الحميد السراج :” كان عبد الحميد السراجمرافقا لحسني الزعيم وكان برتبة ملازم ثاني من ملاك الشرطة العسكرية، اتصل بي اللواء سامي الحناوي وطلب مني تفتيش منزل حسني الزعيم علي أجد فيه بعض المستندات التي تدينه وتبرر أو تضفي الشرععية على اعدامه، استدعيت عبد الحميد السراج ليرافقني وذلك لمعرفته بدخائل المنزل، والمكاتب بصفته مرافقا سابقا لحسني الزعيم استقبلتنا زوجة حسني الزعيم وكان الخوف والحزن باديا على وحهها، كانت حاملا وعلى وشك الولادة كنت أعرفها عندما كنت طالبا في المدرسة الحربية في حلب، وكنا طلاب الحربية نتردد على مقهى يدعى “الطبخ نفخ” وكانت تسكن في المبنى نفسه، وهي من عائلة كريمةتدعي آل اليافي، قدمت لها التعازي ثم أعلمتها بأنني سأقوم بتفتيش المنزل وكلفت عبد الحميد السراج بالمهمة، أخذ يفتح أدراج المكاتب بعصبية ويوجه الاتهامات لزوجة الزعيم بأنها عبثت بالمحتويات وأخفت الكثير منها، وتجبر عليها فأخذت تبكي بحرقة وأقسمت أنها لم تمد يدها الى شيء، لم يعجبني تصرف السراج، تجاه سيدة أعدم زوجها وكان هو مرافقا له وقد فعل ذلك لإرضائي والتقرب مني، واعتبرت تصرفه غير أخلاقي بل وانتهازيا، فأمرته بالعودة الى مركز الشرطة، وطلبت منها أن تعطيني الوثائق التي بحوزتها، قاقسمت للمرة الثانية أنها لم تمد يدها الى شيء وأن جميع محتويات المكاتب لا تزال على حالها، لم أرَ أو أعثر على ما يستحق الذكر، وسألتها إذا كانت بحاجة الى شيء، فقالت بأن سيارتها الخاصة قد صودرت وأنها بحاجة اليها من وقت لآخر لزيارة الطبيب، فأعدت لها السيارة وأعطيتها رقم هاتفي للإتصال بي عند الحاجة.. عدت الى مركز الشرطة وفور وصولي، اتصلت بالمقدم فيصل الأتاسي رئيس الشعبة الأولى وطلبت منه أن ينقل عبد الحميد السراج من الشرطة العسكرية الى القامشلي، وفي صباح اليوم التالي زارني العقيد أديب الشيشكليفي مكتبي وقال لي مازحا،” يا أخ محمد أنا شو عملك ؟ لماذا طلبت نقل الصبي تبعي الى القامشلي، بررت أسباب نقله وقلت أن انطباعي عنه أنه انتهازي ولا مجال ٌبقائه في الشرطة العسكرية فطلب مني أن أترك الموضوع للمكتب الأول، وأخذ الهاتف دون أن يستشيرني وطلب من المقدم فيصل الآتاسي وقال له تكلم مع المقدم معروف، وبإلحاح من الشيشكلي، الذي كنت أحبه واحترمه تركت للمقدم أتاسي حرية نقله الى المكان الذي يريد.

كانت هذه الحادثة عقدة السراج تجاهي، وبلغ به الحقد أن عمل بكل الوسائل على تصفيتي في لبنان مع المقدم غسان جديد ولكنني كنت أكثر حذرا وحيطة منه وكثيرون من الذين كانوا قربين منهكانوا يبلغوني بمخططاته لأخذ الحذر في الوقت المناسب.     

لقد كانت النوازع الشخصية المتلبسة القضايا القومية هي التي قادت لصراع دموي في حقبة الخمسينات على السلطة، فقد تلبَّسَ كل طامحٍ للسلطة، قضية قومية، من هنا كان انقلاب حسني الزعيم ـ ردا على نكبة فلسطين ـ فاتحة عهد انتهى لكل تلك المآسي التي عاشها الشعب السوري، لقد طبعت تلك الحقبة البلاد العربية كافة بطابعها السوري، انقلاب عسكري يتقمص ثوب الثورة، في سورية كما في العراق كما في مصر والسودان واليمن وليبيا .. مختلف تلك الثورات رفعت شعار الاشتراكية ردا على ما خلفه الاستعمار من أنظمة اقطاعية عبثت بمصالح الشعب لصالح بقائها على رأس الهرم السلطوي خدمة لمصالح استعمارية محورها تكريس بقاء (اسرائيل) قوة عسكرية تهدد أمن جرانها، كانت قضية فلسطين هي العنوان الأبرز في كل مجريات الأمور التي أطاحت بكل القيم الوطنية والقومية التي تلبستها نوازع محض شخصية، أفسدتها الحزبية التي كانت الوسيلة الوحيدة لبلوغ المطامح الشخصية غايتها، والحزبية بدورها، قامت على مخلفات ثقافة عثمانية بالتحديد، أفسدت أيضا كل ما كان نقيا صافيا فطريا لدى فئات الشعب كافة وبثت الكره والحقد كل فئة على أخرى، الحزبية التي التقت بعضها مع بعض على أهداف كبرى، ما لبثت أن وقعت في فخ الأكثرية والأقلية، فكانت مأوى الأقليات على اختلافها، بهدف كسر الطوق الذي ضُربَ حولها من منطلق ديني يتلبس العروبة واهما أنها الطريق الوحيد للم الشمل الوطني والقومي، دون الأخذ بعين الاعتبار أن مختلف فئات الشعب لم ترقَ لدرجة المواطنة، شعوبٌ حديثة الاستقلال في إدارة قضاياها، على أي مستوى كان، نادت بالقومية الديموقراطية ومارست كل ما في الفردية والأنانية والشخصانية من عاهات وعيوب، بلوغ الديموقراطية بأساليب ومنطلقات غير ديموقراطية، الانقلابية واحدة من تلك الوسائل التي أقرَّتْ فشل التنظيمات الديموقراطية في بلوغ هدفها، تشابكت الأهداف الاستعمارية بالأهداف الوطنية والقومية فتاهت “الجماهير” في أزقة العمالة، بدى كل ما هو غير منتمٍ لما ينتمي اليه الآخر عميلاً مرتزقاً انتهازياً وصولياً .. الى ما هنالك من نعوت أفسدت على الوطنية وطنيَّتها، فانكفأت هذه الى انانيتها، فما نشأت عليه كان المعجم الذي ترجم لها كل ما يجري أمامها من مثالب لا تراها إلا هي ذاتها بينما الآخرون لا يرون ما تراه…

مختلف الشخصيات التي لعبت دورا في لعبة اغتيال المالكي، كانوا في النسق الآنف الذكر، على الرغم من تقارب البيئات الاجتماعية التي ينتمون اليها والثقافات التي غزت عقولهم وغرست فيها صحوتها الشخصانية، توحدهم الأهداف وتباعدهم المطامح الشخصية، في واقعة اغتيال المالكي، نجد مختلف توصيفات ما تقدم، عبد الحميد السراج المتلبس البعثية، لم يجد في البعث تلك الشخصية الآثرة التي وجدها في جمال عبد الناصر فاستحال عميلا لعبد الناصر طائعا مطواعا، أكرم الحوراني الذي رأى في البعث خشبة خلاص أمته، وجد في عبد الناصر ما يريحه من عبء ما طمحَ اليه في البعث العربي ومن ثم البعث العربي الاشتراكي، ليخيب أمله بناصر، فينكفئ لكتابة مذكراته التي يبرر بها فشل قوميته العربية في تحقيق مبتغاه الشخصاني كقائد للأمة العربية، معتقدا أن مؤازرته لثورة فلاحي حماة، تكفي ليكون القائد “الجماهيري” بلا منازع، أكرم ديري يلتصق بالبعثية الناصرية طائعا مطواعا أيضا لعبد الحميد السراج في مختلف تطلعات الأخير السياسية والأمنية، عبد الكريم النحلاوي الذي لم يستطع الخروج من دمشقيته، يزج برفاق الأمس بالسجن( عبد الحميد السراج) ويطالب بترحيل أكرم ديري الى حيث مأواه الأخير، مصر، عصام المحايري الذي أقرَّ وثبَّتَ تهمة الاغتيال في الحزب السوري القومي الاجتماعي، يثأر بذلك من عبد المسح الذي أطاح برئاسته للحزب..

الضحايا في هذه الواقعة هم وحدهم الذين ما التبست عليهم وطنيتهم  وقوميتهم الاجتماعية ، الشهداء غسان جديد بديع مخلوف عبد المنعم دبوسي، والمغدور يونس عبد الرحيم..

أكرم ديري:

.ولد الديري لأسرة دمشقية معروفة ونشأ فيها وتعلم في مدارسها الابتدائية والإعدادية ونال الشهادة الثانوية منها. في نهاية عام 1945 انتسب إلى الكلية العسكرية وهي الدورة التي سبقت الإستقلال حيث كان رئيس أركانها الزعيم ( العميد ) الركن عبد الله عطفة , وفي بداية عام 1948 تخرجت هذه الدورة استثنائياً بسبب نشوب حرب 1948 و تخرج فيها الديري برتبة ملازم , دخل حرب فلسطين عام 1948 حيث أبلى بلاءً حسناً ، وكان مضرب المثل في الشجاعة والإقدام مما منحه ترفيعاً استثنائياً لرتبة ملازم أول في بداية عهد حسني الزعيم , حين اغتيل العقيد عدنان المالكي عام 1955 , كان الديري قائداً للشرطة العسكرية في منطقة دمشق , و اعتبره البعض من المسؤولين عن اغتياله, اقترحه اللواء توفيق نظام الدين رئيس الأركان العامة بدلاً من عبد الحميد السراج في رئاسة الشعبة الثانية لكن العقيد عفيف البزري فضل تعيينه مديراً ل الكلية العسكرية , و حين عُين البزري رئيساً للأركان عين الديري قائداً للجبهة الفلسطينية .

تم اختياره ليكون عضواً في مجلس القيادة العسكرية الأعلى للجيش و القوات المسلحة الذي تشكل في أواخر عام 1956 من 24 ضابط من قادة الجيش السوري – بالإضافة للعقيد عبد المحسن أبو النور الملحق العسكري المصري – حكموا سوريا في الظل و فرضوا أجندتهم على الحياة السياسية..

كان أكرم الديري، أحد أعضاء الوفد العسكري السوري الذي ذهب إلى القاهرة مطالباً بالوحدة الفورية في شباط 1958، واحداً من بين 14 ضابط سوري سافروا سراً إلى مصر ضمن وفد عسكري لإجراء مفاوضات الوحدة مع الرئيس جمال عبد الناصر والتي انتهت بإعلان الوحدة وقيام الجمهورية العربية المتحدة في شباط 1958. وقد فاوض عبد الناصر وعبد الحكيم عامر طيلة أيام 13-16 يناير ، وتكللت المهمة بالاتفاق العام على الوحدة ولإكمال المهمة وصل وزير الخارجية السوري صلاح الدين البيطار، يوم 16 يناير للتوقيع بالحروف الأولى ميثاق الوحدة بين سوريا و مصر.

اتبع دورة أركان حرب في دمشق و عُين رئيساً ل الشعبة الثالثة في الجيش الأول خلفاً ل العقيد أحمد عبد الكريم الذي أصبح وزيراً تنفيذياً للشؤون البلدية و القروية في الإقليم الشمالي، بعد استقالة الوزراء البعثيين عرضت عليه الشؤون الإجتماعية و العمل التي كان يشغلها عبد الغني قنوت فقبلها و سُرح من القوات المسلحة برتبة عميد ركن وباشر أعماله بالوزارة التنفيذية , لكنه أبقى صلاته القوية مع ضباط الجيش الأول من الدمشقيين و على رأسهم المقدم حيدر الكزبري , و عن طريقه علم العقيد عبد الحميد السراج بتكتل الضباط الشوام الذي قام بإنقلاب الإنفصال . كان من المعارضين لتفرد عبد الحميد السراج بالسلطة في الإقليم الشمالي , فسافر و بعض الوزراء إلى القاهرة للطلب من الرئيس جمال عبد الناصر الحد من سلطات عبد الحميد السراج فأخد الرئيس بملاحظاتهم و عين عبد الحميد السراج نائباً له , كما اشتُهر باعتراضه على قرارات التأميم في يوليو 1961، لكنه في النهاية انصاع للقرار الجماعي .

يوم الإنفصال في أيلول 1961 كانت شعبة الاستخبارات العسكرية قد علمت بالتحرك الإنفصالي وأخطرت المشير عامر في استراحته فاتصل بالفريق جمال الفيصل قائد الجيش الأول وبرؤساء الشُعَب في الأركان ليتوجهوا فوراً إلى مقارهم واتصل بالوزراء العسكريين ليصلوا إلى الأركان بالترتيب وهم طعمة العودة الله، أحمد حنيدي، جادو عز الدين , أكرم الديري و جمال الصوفي . و قد أصيب الديري بشظية في قدمه بعد إطلاق المقدم حيدر الكزبري النار على الأرض نتيجة مشادة كلامية بينه و بين الديري . وبعد تفاوض المشير مع الإنفصاليين اتفقو على إنهاء الحركة شريطة تخفيف عدد الضباط المصريين إضافة إلى إجراء عدد من التنقلات في الجيش ، وطلب ترحيل كل من اللواء أنور القاضي، العقيد أحمد علوي، العقيد أحمد زكي، العقيد محمد استنبولي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية إلى القاهرة إضافة إلى طعمة العودة الله، أحمد حنيدي ، جادو عز الدين , أكرم الديري و جمال الصوفي وهم الوزراء العسكريين , وقد رحل الوزراء فعلاً في الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم نفسه واتفق الطرفان على إنهاء حالة العصيان بمجرد إتمام عملية الترحيل ولكن الإنفصاليين غدروا بالمشير و نكروا وعودهم و قاموا بترحيله مع الفريق جمال الفيصل إلى القاهرة معلنين انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة .

عينه الرئيس جمال عبد الناصر رئيساً لوفد الجمهورية العربية المتحدة إلى مؤتمر شتورا عام 1962 للنظر في شكوى سوريا مما دعته تدخل مصر في شؤنها الداخلية .

توفي عام 1990.

من الملفت للانتباه، أن مختلف الشخصيات التي وحدتها واقعة اغتيال الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتيال المالكي، قد باعد ما بينها الصراع على النفوذ والسلطة، فبمجرد تحقيق الوحدة، برئاسة ناصر ونيابة أكرم الحوراني، احتدم الخلاف بين السراج وأكرم الحوراني على صاحب النفوذ الأقوى في سورية “الإقليم الشمالي” فقد تسلم السراج زمام الأمور في سورية كوزير للداخلية وأطلقت يده في كل أمر وشأن، بقرار ودعم من عبد الناصر وبات كل من فيها تحت سيطرته وقبضته المخابراتية، بينما هُمِشَ أكرم الحوراني في سلطاته كنائب للرئيس، فمثل هذا المنصب لا يقدم ولا يؤخر في شيء، كائن ما كان، فما كان من الأخير إلا وأن يستقيل احتجاجا على ذلك، وقد سبق ونوهنا الى أن مسلكية أكرم الحوراني في المسؤوليات لا تتعدى القبول والاستقالة بسرعة، فهو غير قادر على العمل الجماعي، يعتبر أنه هو الحق وما عداه فهو باطل، هكذا كان على الدوام، تحمل مسؤولية وزير دفاع ليستقيل بعدها بأشهر كذلك عندما تسلم وزارة الزراعة واستقال بعد أشهر أيضا، كذلك كان الوضع بين أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي، فقد لمع نجم أكرم ديري وخبا نجم عبد الكريم النحلاوي، على الرغممن تسلمه نائبا لمدير إدارة شؤون الضباط في الجيش الأول، فقد تقلب الأول في المسؤوليات زمن الوحدة وتسلم في نهاية الأمر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وعلى الرغم من اعتراضه على قرارات التأميم وقبوله بها في نهاية المطاف، بقي محتلا لمهامه وعلاقاته بالضباط الشاميين تحديدا، حيث تمكن من قيام عبد الكريم النحلاوي بالإعداد للانقلاب على الوحدة فأبلغ عبد الحميد السراج بذلك الذي أبلغ المشير عامر بالانقلاب لكن الأخير لم يصدقه معتبرا ذلك توريطا له نتيجة احتدام الخلاف بين الاثنين على الصلاحيات والمسؤوليات، ولم يغفر عبد الكريم لأكرم الديري خيانته هذه ، فكان من شروط عبد الكريم النحلاوي تسفيره الى القاهرة مع مجموعة الضباط الذي وقفوا ضد انقلاب الانفصال، لم يكتفِ عبد الكريم النحلاوي بذلك فزجَّ بعبد الحميد السراج بالسجن.. هكذا كان أمر جميع من تعاونوا على اغتيال الحزب باغتيال المالكي،

7 ـ عبد الكريم لنحلاوي:

ولد عبد الكريم النحلاوي في دمشق عام 1926 في عائلة متوسطة الحال من الأحياء القديمة في دمشق، نشأ وشب في حي قبر عاتكة، ودرس في المدارس الحكومة الابتدائية والثانوية وتخرج منها عام 1948، كان ينوي دراسة الطب وتحول إلى الكلية الحربية بسبب الظروف التي حدثت في ذلك الوقت بحرب فلسطين ونشأة دولة إسرائيل لذلك قرر ينتسب إلى الكلية الحربية من أجل أن المساهمة في حرب فلسطين. تخرج من الكلية الحربية عام 1950 برتبة ملازم ثاني، ثم تدرج في المناصب حتى رتبة عقيد أركان حرب. هو عسكري سوري، قائد ومخطط الانقلاب العسكري في 1961 الذي أدى إلى انفصال سوريا عن مصر في الوحدة التي نشأت بين القطرين تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة. وقد قام في 28 آذار/مارس 1962، بانقلاب عسكري آخر، بقيادته الشخصية هذه المرة. قام بحل البرلمان وإقالة حكومة معروف الدواليبي. وقد وقع انقلاب عسكري ضد “النحلاوي” في مارس 1963. أبعد العقيد عيد الكريم النحلاوي بعد الانقلاب الأخير بيومين حيث غادر البلاد بعد اجتماع عقد في حمص لمجموعة من الضباط العسكريين الاشتراكيين والقوميين برئاسة أمين الحافظ حيث غادر البلاد إلى سويسرا ومنها إلى بون وبقي في ألمانيا قبل أن يقرر العودة إلى البلاد خلال الفترة التالية ثم يبعد مرة أخرى إلى ألمانيا بقرار من رئيس الأركان اللواء نامق كمال تجنبا لإثارة البلبلة في صفوف الجيش الذي شهد في فترة تواجد النحلاوي عصيانا في قطعة قطنا استهدفت الإطاحة بالفريق عبد الكريم زهر الدين الذي أزاح الكثير من الضباط وقام بتسريحهم من الخدمة أو أبعدهم إلى مناصب في وزارة الخارجية.

كان عبد الكريم النحلاوي مستقيماً في انضباطه المسلكي ومحافظا في سلوكه الاجتماعي ودمشقياً بامتياز. ورغم أن الرجل كان عسكرياً إلا أنه كان لا يحب أن تصل الأمور مهما وصلت إلى إهدار نقطة دم واحدة، وقد صرح بذلك عندما سأل لماذا لم يستمر في مسيرته رغم استطاعته الثبات في مكانه فأجاب عندما تصل الأمور إلى مفترق طرق وإحدى الطرق يؤدي إلى هدر نقطة دم واحدة يستحيل اختيار هذا الحل ، وأن الجيش وجد لحماية الشعوب ومحاربة أعداءها والخلافات الحاصلة لا يمكن أن تؤدي للعنف مهما وصلت، وكان متعاطفاً مع الإخوان المسلمين.

في عهد الوحدة، عمل المقدم عبد الكريم النحلاوي نائبا لمدير إدارة شؤون الضباط في الجيش الأول، والتي يرأسها العميد أحمد علوي، أحد أصفياء المشير عبد الحكيم عامر وهو المنصب الهام الذي سمح للنحلاوي بالتحكم بتنقلات الضباط طالما كسب ثقة المشير عامر. تحلى النحلاوي بالكتمان، وأظهر كل آيات الولاء والطاعة لقائده عامر، الذي كان يبادله محبة واصطفاء.

شهد صيف 1961 – وبالأخص بعد صدور قرارات التأميم – تحركات حثيثة للتآمر على الوحدة، حتى أن هاني الهندي قطب حركة القوميين العرب أتى للسراج بقائمة من 37 ضابطاً يتآمرون للانقلاب وعلى رأسهم النحلاوي. أوصل السراج القائمة لعبد الناصر الذي سارع بسؤال عامر عن كاتم أسراره السوري – النحلاوي – فما كان من عامر إلا أن دافع عنه بشدة متهماً السراج بأنه يستهدف “رجاله” وأنها دسيسة لا تستحق مجرد الالتفات إليها. ابتدأ التحضير لانقلاب الانفصال جرى منذ أوائل الربيع، وبسببه قام ملك الأردن حسين بن طلال بالاعتذار العلني من عبد الناصر في رمضان/آذار 1961 عما سلف، حتى يبعد أنظار الأخير عنه، بينما هو منهمك في العمل على إنهاء الوحدة عبر صلة خاله الشريف ناصر مع حيدر الكزبري قائد سلاح الهجانة السوري.

أيد كل من الأردن والسعودية، انقلاب الانفصال ، فعندما خُلِعَ الملك سعود على يد أخيه الملك فيصل ذهب سعود إلى مصر، وعندما واجهه عبد الناصر بإنفاقه 7 مليون جنيه استرليني لتنظيم انقلاب الانفصال في سوريا، فرد عليه سعود بأن المبلغ المنفق كان 12 مليوناً وليس 7 ملايين…

غادر النحلاوي سوريا في يناير 1963 و بعد انقلاب 8 مارس 1963 تم تسريحه من الجيش فاتجه إلى السعودية حيث عمل فيها محاسباً في إحدى الشركات التجارية في الرياض حتى تقاعد بسبب سنه.

عصام المحايري:

مما لا شك فيه أن عصام المحايري رجل من رجالات النهضة السورية القومية الاجتماعية ، رجل يشهد له تاريخه أنه عمل جاهدا ليكون الحزب الذي انتمى اليه من الأحزاب التي يعتدُّ بها وأن يكون الحزب الذي يقرر مصير الأمة التي آمن بها، قضى حياته مناضلا صلبا مؤمناً بسعادة والقضية التي بذل دمه في سبيلها، وأنه ـ عصام المحايري ـ بذل عمره في سبيل ما آمن به وما زال أمينا على عقيدته وعاملا على انتصارها رغم بلوغه من العمر عتيا.. حاول جاهدا أن يبلغ ما أراد لحزبه أن يكونه، فتعثر حينا ونجح حينا آخر، لكنه رغم هذه وتلك من العثرات والأخطاء التي هي من طبيعة العمل السياسي، بقي على ما هو عليه، لم يفتت من عزيمته ما انتهى اليه الحزب، وما نعتقده أنه ما زال مصرا على صحة انتمائه وأمينا عليها، ولم ينتهي به الحال كما انتهى اليه أكرم الحوراني ـ على سبيل المثال ـ مستقيلا مما دعا اليه ومن السياسة وأعبائها، معتكفا على كتابة مذكراته تاركا تاريخه ومريديه شريدي الحال لا يعرفون أية وجهة يتجهون..

يمكننا القول أن عصام المحايري، قد نجح في كل ما صبا اليه على الصعيد الشخصي، لكن، لا يمكننا تعميم ذلك على مسيرته الحزبية وتاليا مسيرة الحزب السوري القومي الاجتماعي، التي حملت من الكوارث ما يعجز الانسان عن تصديقه بأن حزباً تعرض لما تعرض له هذا الحزب كان يمكن له أن يبقى على قيد الحياة، وما ذلك إلا بفضل مؤسسه وزعيمه أنطون سعادة الذي بقي نبراسا لكل الأجيال التي عاصرت أحداثه والأجيال التي لم تكن قد ولدت بعد استشهاده، فسعادة كان القدوة التي اقتدت بها أجيال هذا الحزب العنيد والعاصي على أن يكون له قبرا تحت الشمس، إذ أن سعادة كان لها الزعيم والقائد والقدوة، المعلم والهادي، في مسيرتها الوعرة التي خطتها بدمائها وأرواحها وملذات حياتها، ذلك أن القيادات التي جاءت بعد الهادي والمعلم، لم تكن في مستواه تضحية واخلاصا وفداءً،

كل ما تقدم ينزوي في بقعة مهملة من الضوء عندما يكون البحث متناولاً قيادات هذا الحزب التاريخية التي أثبتت بما لا يقبل جدالاً ولا نقاشاً أنها أودت به في صراعها الذي لم يتنزه يوماً عن صغائر العلاقات الشخصية التي سمحت لكل من هذه القيادات تناول الأخرى بوصمة الخروج على العقيدة والنظام فأجازت لنفسها تسليط سيفهما على رقاب قياداته كما أعضائه، فأفرغته من كوادر عملاقة أثبتت أنها فوق مستوى تلك القيادات دون أدنى شك، والتي أبقت على انتمائها لسعادة وعقيدته رغم ما لقيته من تلك القيادات التي، أيضا، لم تفقه معنى القيادة بل تنازعتها مع سواها بابتذال عزَّ نظيره!!

عصام المحايري واحدٌ من تلك القيادات التي لعبت دورا مهما على مدى تاريخ الحزب، كان وما يزال من أبرز قياداته حتى ليمكن القول أنه القيادي الذي لم يغب تأثيره الكبير في مجريات الأحداث التي عصفت بالحزب، وتحديدا في لعبة اغتيال المالكي التي وضعت الحزب على مفترق طرق بين الحياة والموت.

لقد انطلت اللعبة على الجميع بمن فيهم عصام المحايري، دون أن تكون لها من الوقائع ما يفيد بأن وراءها تخطيطا وتنفيذا الحزب السوري الاجتماعي، حيث كان المجلس الأعلى مجتمعا وقد فوجئ الجميع بالنبأ، ففي مرويات عصام المحايري عن وقائع الاغتيال يقول/.. على انه لم تمض ربع ساعة على المكالمة الهاتفية، حتى دخل الى مكان الاجتماع الرفيق فؤاد جديد فبادر للقول بصوت متهدج: قتل عدنان المالكي، والذي قتله يونس عبد الرحيم../ وعلى الرغم من هذا القول لا يتفق مع تصريح جبران جريج لزوجة عفيف البزري في بيروت قائلاً:” .. وأثناء الاجتماع دخل علينا فؤاد جديد أخو غسان، وضرب سلاما عسكريا وقال ( نفذت المهمة واغتيل عدنان المالكي,,) وساد الاضطراب المجلس وسألنا جورج عبد المسيح كيف تم هذا الأمر دون علمنا؟ وقمنا عليه قال ليس هناك وقت للتفسير انهم سيلاحقون القوميين فليتدبر كل واحد أمره..”  لكنه ـــ قول عصام المحايري ـــ يعكس أن القيادة الحزبية لم تكن على علم مسبق بما يجري التخطيط له من قبل رياض والسراج وبين هذا والحوراني..

فأكرم ديري بإجهازه على الرفيق يونس مبرئا نفسه من تهمة قتله بقوله(قتلت حالك..) كان قد الصق تهمة الاغتيال بالحزب وأخذ الجميع على حين غرَّة باعتقاله مباشرة ناصر هزير دون الآخرين المتواجدين على المنصة، وأطلق دون سابق انذار وتفويض من قبل الجهات الرسمية (المحامي العام) حملة اعتقال واسعة طالت خلال ساعات كل من فؤاد جديد ـ حيث كان المقصود غسان جديد ـ وعصام المحايري وبديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي، كمتهمين رئيسيين في هذه اللعبة.

في مروياته عن اغتيال المالكي ، ما يزال مصرا على لصق التهمة بعبد المسيح وتاليا بالحزب السوري القومي الاجتماعي، على الرغم من كونه أحد المتهمين الرئيسيين فيها وأحد الذين استمعوا لأقوال الشهيدين مخلوف ودبوسي في جلسات المحكمة بتاريخ 27 /9 / 1955حيث نفى الاثنان أية علاقة لهما باغتيال المالكي، وكما سبق وذكرنا أن الصاق التهمة بعبد المسيح لا يبرئ الحزب من الجريمة التي ارتكبها باسمه السراج والحوراني والديري ..

الكارثة الحقيقية، لم تكن في اعتقال أعضاء الحزب، بل في الرسالة التي وجهها عصام المحايري من سجن المزة التي أكدت وثبتت التهمة على الحزب، هذه الرسالة التي اعتمدتها القيادة الحزبية كمصدر موثوق في طردها لعبد المسيح فأكدت هي الأخرى التهمة ومن دون أية قرائن لديها سوى ما طبعه في الأذهان قتل يونس عبد الرحيم وإشاعة انتحاره وإلصاق تهمة الاغتيال به وأكدته الرسالة المذكورة.

إن اعتقال كوادر الحزب فور وقوع الجريمة لا يعني سوى أن التخطيط لتنفيذ الجريمة كان قد سبقه قرار بمتابعة هؤلاء ومراقبتهم للقبض عليهم فور تنفيذ الجريمة، فأكرم ديري الذي يعرف يونس عبد الرحيم باعتباره عنصرا من عناصره ويعرف مستوى صدق انتمائه الحزبي، كان قد اقترحه كمنفذ للجريمة وحدد له مكانه على المنصة مع ترصده ومتابعة تحركاته لحظة بلحظة قبل ذلك ولأكثر من شهر، ومعرفة بمن يتصل ومن يزوره وأي الأماكن يتواجد بها، إذ لم تأتي شهادة ناصر هزير المعتقل الأول وآخر من تحدث وترافق مع الشهيد يونس، على ذكر أي من الذين تم اعتقالهم في الدفعة الأولى، ذلك أن بعضهم قد اعتقل بالشارع (بديع مخلوف) دون التأكد من هويته أو ورود اسمه في شهادة ناصر هزير كذلك كان الحال بالنسبة لعصام المحايري وفؤاد جديد وعبد المنعم دبوسي، مما يضفي على الاعتقال تهمة الترصد عن سابق اصرار وتصميم ودون انذار.

ما تضمنته رسالة عصام المحايري من سجنه تعتبر صك براءة للمتهمين الحقيقيين في التخطيط والتنفيذ وتأكيدا على أن الحزب وراء الاغتيال بل وإصدار حكم الاعدام بحق كل من بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي، مما سمح للمحكمة الصورية التي انعقدت في دمشق من اصدار حكمها على الرفقين بديع ومنعم دون الأخذ بأقوالهما أمامها وإنكارهما كل ما جاء في محاضر جلسات التحقيق..

وحتى لا يكون كلامنا ملقاً على عواهنه، سنأتي على تحليل ما تضمنته تلك الرسالة وندقق في مصادرها أو قرائنها نفيا أو تأكيدا لما أوردناه آنفا:

” يؤسفني ما يترامى إلي من أن اقلاما قومية اجتماعية في لبنان تقوم بحملة تضليل وتنشر ترهات تصورني فيها في التحقيق الذي جرى ويجري معي، أن أظافري قد اقتلعت ويداي قد كويت بالزيت المغلي بل وأن عيني قد قلعت أو كادت إلى نحو ذلك من الأباطيل.

لقد كنت أتمنى على رفقائي في لبنان أن يمسكوا اقلامهم إلا على الواجب الذي يمليه على قومي اجتماعي سلوكه تجاه الجريمة النكراء والمأساة المفجعة التي أودت بحياة العقيد المالكي، هذه الجريمة البشعة ويؤلمني أن أصارح رفقائي، أنها ليست وليدة يونس عبد الرحم القاتل الذي انتحر أو قتل بعد الاغتيال مباشرة بل ان وراء يونس و يا للعار، أيدي بعض المسؤولين الحزبيين الذين خططوا ودبروا ودفعوا للجريمة الآثمة.

وواجب أقلام القوميين الاجتماعيين هو الاهتمام بهذه الناحية الخطيرة والاليمة جدا فلا ينساقوا وراء العاطفة الشخصية وينسوا واجبهم في تناول وضعية المجرمين.

ان حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين تعني، ويا للخجل أن هؤلاء خانوا الحزب وخانوا دستوره كما خانوا قسم المسؤولية الذي أدوه.

هذه الخيانة تفرض علينا أن نثور على أصحابها ونصب نقمتنا عليهم، ونعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم، لا أن نحصر الثورة على موضوع توقيف الرفقاء الذين أوقفوا ونسج الروايات حول هذا التوقيف، هذه الكلمة التي أسوقها لرفقائي كم أكون شاكرا للصحافة في الشام ولبنان نقلها إليهم لتتضح لكل رفيق الحقائق حول هذه الجريمة النكراء، ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أيا كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”.

سجن المزة 21-6-55

عصام المحايري.”

هذه الرسالة لا تترك مجالا للشك بأن عصام المحايري ينافي الحقيقة كليا، إن لجهة التعذيب الذي تعرض له بداية اعتقاله كما يقول في مروياته عن اعتقال المالكي أو في اعتباره ” ان حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين” أو في قوله” هذه الخيانة تفرض علينا أن نثور على أصحابها ونصب نقمتنا عليهم، ونعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم” أو في قوله ” ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أيا كانوا عقابهم وجزاءهم الحق” أو في اصراره بعد مرور ما يقارب النصف قرن ويزيد على أن عبد المسيح وراء اغتيال المالكي، يقول في مروياته:” ومع اصراري على عدم علاقة الحزب بالاغتيال، تمت مواجهتي مع بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي اللذين كانا يخضعان للاستجواب في تلك الاثناء. وفي هذه المواجهة التي رتبها أكرم ديري شخصياً قال لهما: “احكوا.. احكوا… ما زال يقول ليس لنا علاقة!!”. فاضطرا الى إعادة اعترافاتهما أمامي، التي تشير إلى دور لعبد المسيح واسكندر شاوي اللذين كانا يجتمعان اليهما في حلقة مع يونس عبد الرحيم، وان عبد المسيح طرح في أحد الاجتماعات مسألة اغتيال المالكي، وان يونس ابلغ كلاً منهما انه سيتولى التنفيذ.. رسخ لديّ منهج التفريق أو الفصل ما بين مسؤولية الحزب، ومسؤولية عبد المسيح، وذلك مع دخولي السجن، حيث تعززت هواجسي القديمة بعد ان استمعت الى إفادتي بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي..” ولجهة التعذيب يقول :”..ذهبت مع الشرطة العسكرية، وفي مقرها فوجئت بذلك الاستقبال السيئ، المليء بالإهانات الجسدية والمعنوية، إذ بادر الى مساعدتي على المشي بعد هذا “الاستقبال” شخص اسمه ماجد شاكر، كان وكيلاً في الجيش وهو من أصدقاء يونس، الذي كان يخدم في الشرطة العسكرية. يونس كان معلناً لهويته الحزبية بشكل صارخ، ولا يتحدث إلاّ عن الحزب وسط أصدقائه ورفقائه، فيأتي لهم بجريدة الحزب “البناء”، ومن الواضح أنه خلق مناخاً موالياً للحزب ومتعاطفاً معه، ومن أعضاء هذا المناخ كان ماجد شاكر الذي أخذ لي تحية، وبدأ يساعدني، ويرجح أنه استطاع اخفاء هويته الحزبية..” بالطبع ما يصفه من إهانات جسدية ومعنوية لا يقرنه بعضويته بالمجلس النيابي التي تكسبه حصانة تحول دون اعتقاله والتي تجاوزها أكرم ديري حتى قبل عودة السراج الى دمشق من تل منين!؟ وقد تكون تلك الإهانات لم تبلغ المستوى الذي يصفه على مستواه الشخصي، لكنه ، وفق ما جاء في أقوال الشهداء مخلوف و دبوسي و الشهود صواف وهزير، كان على مستوى التوصيف الذي جاء في الرسالة،(1)

يقول:”.. هذه الجريمة البشعة.. ليست وليدة يونس عبد الرحم القاتل الذي انتحر أو قتل بعد الاغتيال مباشرة بل ان وراء يونس و يا للعار، أيدي بعض المسؤولين الحزبيين الذين خططوا ودبروا ودفعوا للجريمة الآثمة..” هذا الإقرار بضلوع( بعض المسؤولين الحزبيين ..) يثبت أن الحزب بمسؤوليه كان وراء التخطيط والتنفيذ ــــــــ سوى ما كان قد قرره رياض والسراج وأكرم الحوراني ونفذه كل من أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي وعبد المجيد جمال الدين ــــــ لكن ومن دون أية قرائن كانت لدى عصام المحايري، خصوصا وأنه لم يطلع على مجريات التحقيق التي كانت تتم بتكتم شديد من جهة ولأنه أسير سجن منفرد لم يخالط به أيٌ من السجناء الآخرين المتهمين بما هو متهمٌ به،

يقول في رسالته موضوع البحث :” هذه الخيانة تفرض ..(أن) نعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم،..(و) أن ينال المجرمون، أيا كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”. فهو بهذا القول يحكم على المتهمين بالإعدام قبل المحكمة الصورية التي أنزلت بهم العقوبة ذاتها ونفذتها تأكيدا لما خطط له المجرمون الحقيقيون.. أو كما يقول هاني الشمعة وكان أول من تنبه لكون الاغتيال مؤامرة وراءها من نصبوا أنفسهم حكاما بها، يقول: ” في قاعة المحكمة التي وضعت أبرياء في قفص الاتهام، والمجرمين الحقيقيين في قاعة النظارة..”

يقول هاني الشمعة : لننظر الآن كيف صدرت الأحكام في هذه القضية التي كانت نقطة تحول في تاريخ سورية. ولا يمكن للإنسان أن يعلق على أحكام كهذه لأنها أصلاً مليئة بالمفارقات والمخالفات. ولم تكن الفترة التي انقضت بين الاغتيال وبين صدور الحكم وهي حوالي سنة إلا كي “يغسلوا” أدمغة الناس بتثبيت الجريمة على الحزب القومي السوري، لأن التحقيقات التي جرت مع أفراد هذا الحزب قد استدعت تغيير الحقيقة عدة مرات، واضطر عبد الحميد السراج وأكرم الديري والملازم أول عبد المجيد جمال الدين أن يتصدّوا للتحقيق، ويمزقوا كثيراً من الإفادات والأوراق لأنها لم تعجبهم ولم يقتنعوا بأسلوبها في تغيير الحقيقة، وقام أكرم الديري بكتابة ما يشبه “سيناريو” لتمثيل جريمة القتل في الملعب البلدي، ووضع المساعد بديع مخلوف ممثلاً رئيسياً في هذا السيناريو، واضطر الديري مع السراج وغيرهما أن يمارسوا التعذيب العنيف على بديع مخلوف لمدة تزيد عن الشهر كي يؤدي دوره في التمثيل، ولكن بديع مخلوف عجز عجزاً تاماً عن ذلك لأنه لا علاقة له إطلاقاً، لا هو ولا عبد المنعم الدبوسي بهذه الجريمة… وأعُدما ككبش فداء… حتى إنني سمعت من زوجة عبد المنعم الدبوسي مرة في فترة استراحة المحكمة قولها على لسان زوجها: “إنني أعرف أنني سأموت.. لا تسامحيني ذرة واحدة إذا كان لي علم من قريب أو بعيد في هذه الجريمة، وأستطيع أن أقول ذلك عن صديقي بديع مخلوف بكل ثقة.. وأمام الله والناس..”

عبد الهادي البكار من موقعه الإعلامي، وصوته الجهوري الذي كان عاملا إعلاميا في التطبيل والتذمير لعبد الناصر والوحدة العربية من المحيط الى الخليج يقول في مذكراته” أوراق مجهولة من تاريخ سورية الحديث” صدر في بيروت عام 2008:”  أنه تأكد له خلال العقود الأخيرة “اعتلال الفكرة القومية العربية وربما اضمحلالها في العالم العربي، كما تأكد خلالها احتياج بلاد الشام الى استنهاض قوتها الذاتية الإقليمية”، وبأن دعوة أنطون سعادة الى توحيد الاشلاء والأجزاء السورية لم تكن هي الخطأ او الانحراف بل كانت هي الصواب..

وهكذا بعد هذه العقود رأى البكار أن خير ما يقدمه هو صراحته وجرأته في قول الحق عن تلك الفترة التي كان من رموزها والتي يراجعها الأن بكل مسؤولية أمام الأجيال التي لم تعشها والتي قد تحمل بعض الأوهام عنها.

وفي هذه المراجعة النقدية لتلك الفترة يتوقف البكار طويلاً عند حدث مهم كان له أكبر الأثر في تاريخ سورية المعاصر ألا وهو اغتيال العقيد عدنان المالكي في 22/4/1955م خلال حضوره مباراة في كرة القدم، الذي اتهم به فوراً الحزب القومي السوري مما أدى الى اندفاع حزب البعث والحزب الشيوعي السوري للبطش بالحزب القومي السوري من دون أي اعتبار للجوانب الإجرائية والقانونية والإنسانية.

فالبكار قام بمراجعته الدقيقة لما حصل ليصل الى استنتاج بل الى اقتناع بأن ما حدث كان مفبركا للتخلص من هذه القوة السياسية المهمة (الحزب القومي السوري) التي كانت تنادي بوحدة بلاد الشام (سورية الكبرى) وتناهض الصهيونية. ويذكر للتدليل على ذلك أنه كان في دار الاذاعة السورية يتابع على الهواء مباشرة المباراة في كرة القدم بين سورية ومصر حين سمع أصوات الرصاص التي وجهت للمالكي ثم الضجة التي أعقبها اعلان المذيع عن سقوط المالكي. وفي تلك اللحظة كان يتابع معه المباراة المذيعة عبلة الخوري (ابنة اخ فارس الخوري رئيس الوزراء الاسبق وشقيقة سامي الخوري أحد أبرز القياديين في الحزب القومي السوري آنذاك) والعقيد برهان قصاب حسن شقيق المحامي نجاة قصاب حسن (من قادة الحزب الشيوعي السوري آنذاك). وعندما تعرض المالكي للرصاص التفت العقيد قصاب حسن الى عبلة الخوري ليقول لها “راح تخسروا كثير يا عبلة”!

وما حدث بعد ذلك بساعات كان أمرا يصعب تصديقه الآن. فقد اندفع رجال الشرطة العسكرية (قبل أن يثبت أي شيء أو قبل أن يصدر أي تصريح رسمي او اتهام قانوني) الى مقر وبيوت قادة الحزب القومي السوري ليصادروا كل الوثائق وليعتقلوا العشرات دون أي تفويض قانوني من احد. وما حدث بعد ذلك كان أسوأ بكثير بعد ان نشر في 29/7/1955 قرار الاتهام حيث أصدرت الحكومة السورية قرارا بحل الحزب وتسريح كل الموظفين المنتمين الى هذا الحزب بالإضافة الى تقديم 140 من قادة الحزب الى المحاكمة وطلب الإعدام على ثلاثين منهم!

ولم تكتف الحكومة السورية، التي أصبحت تحت تأثير الضباط البعثيين واليساريين، بهذه التصفية للحزب في سورية بل ان المخابرات السورية قامت بدورها في ملاحقة الضباط العسكريين والقادة المدنيين للحزب القومي السوري الذين لجأوا الى لبنان وعلى رأسهم العقيد غسان جديد( الشقيق الأكبر لصلاح جديد)، الذي تم اغتياله في بيروت في 1956.

وبالاضافة الى تشكيكه في مسؤولية الحزب القومي السوري عن اغتيال المالكي، التي أدت الى تصفية الحزب في سورية لصالح حزب البعث والحزب الشيوعي، يكشف البكار بجرأة عن كيفية تشويه الإذاعة السورية لمحاكمة الوزير السابق الدكتور منير العجلاني وغيره من كبار الشخصيات السورية المتعاطفة مع الحزب القومي السوري في كانون الثاني 1957 بحجة التآمر على سورية.

وهكذا يكشف البكار انه كان يقوم يومياً بالذهاب الى قاعة المحاكمة لتسجيل ما يدور فيها، ثم يعود بشرائط التسجيل الى الإذاعة السورية ليسلمها الى المحامي نجاة قصاب حسن الذي كان يجري “المونتاج” لها ثم يطلب من البكار ان يقرأ بصوته الهادر ما يكتبه هو عن هذه المحاكمة.

ويعترف البكار أن قصاب حسن كان يعمل بتعليمات من عبد الحميد السراج، وكان بالمونتاج الذي يقوم به يسعى الى “كل ما كان شأنه الإيحاء بأن المتهمين مدانون، بل ومعترفون بأن أحدا منهم غير بريء من التهمة الموجهة له “(ص 158)”.

ومع هذا الاعتراف يقول البكار بمرارة : “أشهد اليوم بعد مرور حوالي ستة وأربعين سنة على إذاعة تلك التسجيلات عبر موجات الاذاعة السورية ان ما كان يسمعه المواطنون في تلك الأيام بصوتي وبأصوات المتهمين لم يكن هو حقيقة كل ما كان جرى في قاعة المحاكمة… التي كانت تهدف الى اطلاق الرصاصة الأخيرة على الحزب القومي السوري”. ولذلك يستذكر الآن عذاب الضمير: “كنت أنفرد وحيداً في أية غرفة كان يمكنني الانفراد فيها لأداري خجلي والحزن العميق وعذاب الضمير، فقد كان ما يفعله الأستاذ نجاة قصاب حسن بالأشرطة في لعبة المونتاج يخلق في نفسي حزناً عميقاً “(ص159).

وفي المقابل كان ما يحير البكار ولا يستطيع أن يجد له تفسيراً هو الاعتراض على أي توجه وحدوي لسورية مع العراق او مع بقية اجزاء بلاد الشام (الأردن) والاقرار فقط بوحدة سورية مع مصر الأبعد. وفي هذا السياق يعترف البكار الآن بأنه خلال عهد الوحدة بين سورية ومصر “لم ينتبه كثيرون بل جميع المشاركين بقيادة التجربة من موقع او آخر الى ما كان يجب التنبه إليه، وهو أن هوية المزاج المصري الجغرافي تختلف عن هوية المزاج السوري، أي ان كلاً من الطرفين كان يجهل هوية مزاج الآخر. ولقد كنت احد هؤلاء الذين عانوا كثيراً من (تفرعن) الذين تسيدوا علينا خلال سنوات الوحدة السورية المصرية “(ص79).

كل ما تقدم يثبت ويدين كل من تجرأ وأدان الشهداء يونس وبديع ومنعم، في هذه الجريمة النكراء التي أزالت من طريق الوحد السورية ـ المصرية عقبتين رئيسيتين من أمامها الحزب السوري القومي الاجتماعي وعدنان المالكي، والتي أجمع كل من تناولها على براءة الحزب من دم المغدور، والتي ما زالت آثارها تعصف في الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أكدت الأحداث صوابية نظرته لمختلف الأحداث السياسية وعوامل ودوافع مجرياتها حتى اللحظة .

( محاكمات 24/ ـــ جلسة 7/9 / 1955 ) يقول الشهيد بديع مخلوف يقول أمام المحكمة :”قبل أن أدلي بإفادتي، ألتمس من المحكمة الموقرة أن تسمح لي بأن أعرض عليها مراحل التحقيق الذي جرى معي وكيفية أخذ الافادات مني، فقد انقضى علينا أربعة أشهر ونحن نتعذب وننتظر اللحظة التي نقف فيها أمام المحكمة لندلي عما لاقيناه من عذاب، فلقد ضربنا ضربا شديدا وعذبنا عذابا لم يذقه المسيحيون الأوائل على أيدي الرومان الوثنيين، وأن التعذيب كان متنوعا فقد جلدنا بالسياط وجرى التيار الكهربائي بأجسادنا كما هددتُ بإجراء الفعل الشنيع بي وبإخوتي ، لذلك فإن جميع الإفادات التي سبق أن أدليت بها غير صحيحة ولقد أخذت مني تحت التعذيب الفظيع..

( محاكمات 27 ـــ جلسة 27/9 /1955 ) الشهيد عبد المنعم دبوسي يقول في المحكمة :”..أنني برئ من الجرائم المنسوبة الي وكل ما ورد في إفادتي السابقة مما يدينني قد أخذت مني تحت جميع أنواع التعذيب الوحشية.. أنني أنكر إفاداتي السابقة وليس لي علاقة بمقتل العقيد عدنان المالكي.. ولا صحة لما ورد في افادتي السابقة عن عزمي وعزم يونس على قتل العقيد يوم الجلاء ولا صحة أيضا لمواجهة اسكندر شاوي لنا يوم الجلاء ..فقد أخذت هذه الافادة مني تحت تأثير الضغط من قبل الشرطة العسكرية ، وهم حزبيون ..المحققون العسكريون الرئيس يوسف أغا والعقيد الرافعي والرئيس محمد الجراح وأخذو يحققونمعي ويأخذون الافادات فكنت لا أوافق على كل ما كان يملى علي فأجلوا التحقيق الى اليوم التالي حيث جلبوا بديع مخلوف وكشفوا عن جسمه وماذا حلَّ به فعندئذ اضطررت الى الموافقة على ما يملى علي ( وسرد منعم كيف أخذ المحققون افادته فقال هددوني بعرضي فاضطررت الى موافقتهم على كل شيء حتى صار معي متل ( نعم محمد أفندي) وقالوا لي إن لم تكن هذه الافادات تعجبك فبإمكانك أن تقول ما تشاء أمام المحكمة فقلت لهم ( لتكون المحكمة متل ه التحقيق) وقالوا لي أيضا ( كما أعدموا زعيمكم بدكون تموتوا كلكم ) ولقد قضيت بالسجن أربعة أشهر وأنا أنتظر هذه اللحظة لأتمكن من أن أدلي بكل ما عندي وعلى هذا الشكل أخذت إفادتي ..”

في الفصل الأخير من هذه اللعبة، سنعمد الى رسم سيناريو التخطيط وفق ما جاء في سيرة رجالاتها من أقوال وسمات شخصية تميزت بها كل شخصية عن الأخرى في وصفها لما جرى، بينما سنعمد في كتابة سيناريو التنفيذ على ما جاء في أقوال الشهداء بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي وكل من الشاهدين مروان صواف وناصر هزير،
مع ضرورة التذكير، بأن كل من تناول هذه الواقعة، أكد بشكل أو بآخر، أنها كانت مؤامرة حيكت بدقة، وأدى مخططوها ومنفذوها أدوارهم تحت غطاء القانون الذي جيِّر تحويرا واجتهادا وتفسيرا وتأويلاً، لخدمة أغراضهم، وأن الجميع أخذ على حين غفلة فانطلت بمختلف اشكالياتها عليهم، قيادة حزبية وأعضاء وجماهير، ومما زاد في الطين بلة، أن قياديي الحزب، ولحساسيات فردية لا ترقى لمستوى ما تنكبوه من مهام ومسؤوليات، أكدوا ما ذهبت اليه من اتهامات وإدانات يكفي للدلالة على ذلك قول عصام المحايري في رسالته المنوه عنها آنفا، “وتعززت هواجسي القديمة..”
لم تأخذ المحكمة، التي شُكلت من أعضاء هم من ألد أعداء الحزب السوري القومي الاجتماعي، بعثيون وشيوعيون كانت تحزباتهم فوق القانون، بأي من بأقوال المتهمين الرئيسيين، الشهداء مخلوف ودبوسي، بل على العكس فقد اعتمدت أقوال الشهود، كأقول مبرمة صاجقة لا يرقى اليها الشك، والتي وضعت في مقرات المكتب الثاني، وفق ما ارتأ مخططو المؤامرة ومنفذوها، وكانوا بمجملهم من شارك بتنفيذها بمهمات رسمية لم تكشف حتى تاريخه،
أرادت المحكمة أن تثبت أن الشهيدين مخلوف ودبوسي مكلفان بقتل الشهيد عبد الرحيم ، فألبستهما ـــــ عبر شهود لا ندري كيف تمَّ انتقاءهم أو اختيارهم من مجموع ما كان محتشداً في الملعب ــــ ،تهمة حمل السلاح لتنفيذ هذه المهمة، ولما لم يكن قد ثبت ذلك بالمطلق، وفق الشهيدين مخلوف ودبوسي، وحتى من خلال الشهود، الذين لم يشاهدوا سلاحا بل توقعوا ذلك، فقد ثُبِتَتْ التهمة دون وازع، وما نعتقده وتدل عليه مجريات التخطيط والتنفيذ أن هؤلاء الشهود، هم مَنْ تمَّ تكليفهم بمراقبة منزل الشهيد عبد الرحيم الذي رشحه لهذه المهمة أكرم ديري ــ كما سيرد لاحقا ــ ومنهم تمَّ اشراك الشهيدين مخلوف ودبوسي بهذه التهمة نتيجة ترددهما المستمر والمتواصل على منزل الشهيد عبد الرحيم، الموضوع تحت المراقبة من قبل أكرم ديري.
على سبيل المثال الشاهد ياسين التكريتي يقول:” يوم الحادث، كنت وشقيقي وطالب صباغ وكذا زهير ديا ، نتفرج على المباراة التي كانت دائرة في الملعب البلدي فجلس شقيقي وأنا في صف وأمامنا مباشرة جلس طالب وزهير وكنا نبتعد عن المنصة ثلاثة أمتار حتى الخمسة على أكثر تقدير وكنا في الجهة اليسرى بالنسبة للناظر الى الملعب من المنصة، ولقد استرعى انتباهي وجود رقيب أشقر اللون يتحادث مع جندي آخر لا أعرف رتبته ولا أستطيع بيان تفاصيله بدقة إلا أن هذا الرقيب الأشقر والذي فهم بعد بعدئذ أنه الدبوسي قد رأيته مع المدنيين عندما قام رجال الشرطة بعد الحادث مباشرة بفصل المدنيين عن العسكريين في الملعب، فهذا الرقيب الأشقر اللون الذي رأيته بالقرب من المنصة قد كان منحازا مع الفئة المدنية بعد الحادث كما تبين فلفت نظري طالب الى ذلك وكان الرقيب المذكور تعروه صفرة وكأنما قام بعمل ما وواضعا يده على الباتل دريس كأنه يحمل شيئا فتصدى السيد طالب الى أحد أفراد الشرطة ولفت نظره الى وضعية هذا الرقيب فلم يكترث بادئ الأمر وعندما التحق هذا الشرطي بل عندما لحق هذا الشرطي الرقيب المذكور غاب عن الأنظار بين الناس وبعدئذ شاهدت وطالب المذكور نفسه قريبا من المستشفى أي على الرصيف القائم في منعطف دار الآثار وكذلك قام طالب بمحاولة ثانية لإلقاء القبض على هذا الرقيب حيث نادى الرقيب منير فتوحي فلحق به منير مع بعض رجال الشرطة ولكنه لم يفلح وغاب عن أنظارهم على ما يظهر ذلك الرقيب الذي نوهت عنه..(المحضر 47)
الشاهد “زهير ديا” يقول:”.. كنت جالسا والسيد طالب الصباغ وبعدنا بصف آخر جلس ياسين ابراهيم التكريتي، وكنا جميعا بعيدين عن المنصة خمسة أمتار، وكنت منصرفا بكليتي الى المباراة عندما سمعنا صوت العيارات النارية فركض الجنود وأنزلونا من أمكنتنا الى أرض الملعب، وهناك لفت نظري طالب المذكور الى رقيب في الجيش واضعا يده بشكل زاوية كأنما يحمل شيئا على الباتل دريس وكان هذا الشيء على ما أذكر ظاهرا من انتفاخ جيبه، وما شابه ذلك ، وأنه قصير القامة أشقر الشعر أحمر الوجه، له شاربان كثيفان ويحمل وسامين مما يدل على أنه رقيب محترف وكان هذا الرقيب بحالة غير طبيعية إذ كان يدخن لفافته بشكل مضطرب، طلب رفيقنا السيد طالب من أحد شرطة الجيش أن يلقي القبض عليه فلم يلبي طلبه، بعد ئذن اختلط بيننا نحن المدنيين وغاب عنا حتى إذا سمح لنا بالخروج الى خارج الملعب، التقينا به ثانية وذلك بعد أن خرجنا من الملعب كما بينت فكلف طالب أحد رجال الشرطة العسكرية وأظن أنه عريف وطلب منه أن يلقي القبض عليه ولكن على ما يظهر لم يكترث ذلك العريف لطلب طالب المذكور ولا أعرف إذا كان قد لحق العريف بالرقيب الأول الموصوف أعلاه أو لا، لأني كنت مقصرا عن طالب بسبب الزحام الحاصل عند مخرج الملعب..
س: ما الذي لفت نظرك واستقرَّ في مخيلتك بعد اطلاق النار؟
ج : حركات الرقيب المريبة والتي كانت غير طبيعية حيث كان يغدو ويروح في الممر في أسفل المدرج الثاني وأزيد أنه في أسفل المكان الذي يقعد فيه المذيع في المباراة عادة وهو محل مخصص للجنود حيث احتجزنا هناك بعد اطلاق النار..(المحضر رقم 48)
أما الشاهد ابراهيم التكريتي فيقول: “..كان طالب وزهير المذكورين في صف يتقدم صفنا الذي كنا نجلس فيه .. وفي أثناء المباراة كان يلتفت كثيرا الى الوراء حتى سمعنا الأعيرة النارية والتفتنا فشاهدنا رقيبا مصوبا مسدسه باستقامة أفقية فظننا بادئ الأمر أنه حماس للعب، وقد كثر اللغط وقام الناس وتوجهوا صوب المنصة فأخذ الجنود ينزلون الناس من المدرج الى الملعب فلفت نظرنا طالب الصباغ الى رقيب أشقر الشعر اختلط مع الناس وكانت تعلوه صفرة (مرتبك ملته) ويده مسددة شيئا لم أتبينه بل ويضعها على الباتل دريس فطلب رفيقنا طالب من أحد رجال الشرطة العسكرية أن يلقي القبض على هذا الشخص فلم يلتفت الشرطي اليه ثم كلف شرطيا آخر فلم يلب طلبه وبعد أن سمح لنا بالخروج من الملعب وبوصولنا الى منتهى مدخل الملعب بالقرب من دار الآثار شاهدنا ذلك الرقيب الأشقر يخرج مع القوم بعدئذ طلب رفيقنا طالب من الوكيل في شرطة الجيش مناديا له ( سيد منير سيد منير ) وأشار طالب الى الرقيب المذكور أن يلقي القبض عليه وعبثا لحق به منير مع أفراد الشرطة فلم يجتمعوا به ..( المحضر رقم 49)
أما طالب صباغ وهو الموظف في الشعبة الرابعة من الأركان العامة الذي كان من لفت نظر الشهود الآخرين، فيقول:” ( صفحات مفقودة)..على هذا الشكل طول المدة التي ظللت بها واقفا، وقد استرعى انتباه بعض الحاضرين فيرى بهذه القضية حتى أنه عندما أراد أن يشعل سيجارة كان متحيرا كيف يستطيع اشعالها لأن يده الثانية كانت بانعطافها الى أسفل بطنه، وقد كلفت أحد أفراد الشرطة العسكرية بإلقاء القبض عليه بالنظر للريبة التي انتابتني من وضعه وسلوكه أشرت اليه ولكنه لم يستطع أن ينتبه بين الناس لكثرة الأشخاص والازدحام وأذكر هذا الرقيب كان عند فتح الباب وسمح للناس بالانصراف بعد أن كانوا محجوزين ، كان أول المسرعين للانصراف ولذلك ضاع عن الشرطي الذي كلفته إلقاء القبض عليه، في تيار الناس الجاري وقد شاهدت عريفا بالشرطة آخر وطلبت منه اللحاق به لكنه لم يرد علي ، ثم حاولنا ثانية مع الوكيل منير فتوحي وقد التقينا ب في الطريق ولكن الرقيب الأول قد غاب عن أنظارنا وهذه معلوماتي فقد شاهد هذا الرقيب غلاما كان الى جانبي وإني مستعد أن أتعرف عليهم أي الوكيل والرقيب الأول فيما عرضا علي وهذه افادتي,,” ( المحضر رقم 11 تاريخ 22/4/ 1955)
على الرغم من التناقضات في أقوال الشهود، في وصف الصباغ لمجريات القاء القبض على الشهيد دبوسي، فإن الصباغ قد أدلى بشهادته في ذات اليوم الذي وقع فيه الحادث، ولم نتبين كيف تمّ استدعاءه أو إحضاره للإدلاء بأقواله، وهل حضر من تلقاء نفسه، ومن هو قاضي التحقيق أو المحقق الذي استمع اليه، واتخذا قرارا بإلقاء القبض على مخلوف ودبوسي على الرغم من عدم معرفة الصباغ بإسميهما من خلال الوصف والذي جاء على نحو من الصدفة كما جاء بأقوال الشهود، مما يعني في هذه الحال أن مخطط إلقاء القبض قد سبقته مراقبة لهما ومعرفة اسميهما ومكان سكنهما، وتاليا الصاق تهمة حمل السلاح وتكليفهما من قبل الشهيد غسان جديد بقتل الشهيد يونس !!!؟

ماذا يقول الشهيدين بصدد ما يقوله طالب الصباغ وشهوده؟
في المحضر رقم 31 تاريخ 23/4/55 ، يقول الشهيد بديع مخلوف بما يتعلق بأقوال الصباغ:” إن هذا القول غير صحيح والواضح أني كنت واقفا في المدرج المفروش بالمقاعد الخشبية ، وقد حاولت أن أصعد الى القسم الآخر إلا أن أحد أفراد الشرطة أشار اليَّ بأن أرجع الى مكاني فعدت وجلست في مكاني ثم شاهدت الرقيب أول دبوسي مع الرقيب عردوس يجلسان بل يستندان الى الحاجز الخشبي ، فأشرت لهما وقلت ألا تجلسان فقالا سنأتي بعد قليل ثم قال بعد قليل لا لم يلتفتا الي فقلت في نفسي ( يصطفلو) ثم جلست. “
يضيف الشهيد مخلوف في المحضر رقم (106) تاريخ 26/4/55 ما يلي:
س:” يسند اليك جرم حمل سلاح بقصد اقتراف جناية ، فماذا تقول؟
ج :” إن المسدس الذي يخصني هو من نوع (بربللو) نوع تسعة ملمتر، وقد أعطيته لمنعم الدبوسي قبل أربعة أيام من الحادث، على ما أذكر وذلك بسبب ذهابه الى الحدود فاستعاره مني وأما مسدس البكرة الذي أدليت عنه في مختلف إفاداتي، فإنه من اسكندر شاوي وهو الذي أعطيته الى أحمد وزهير بعد الحادث ولقد كان هذا المسدس في بيتي وأعطيته من هنا الى زهير قتلان ولم أعطه اليه بطريقي الى بيتي بل حملته من بيتي وذهبت مع زهير الى بيته وقلت له أن يعطيه الى اسكندر شاوي وكان به ست بندقات.
س: سبق لك وذكرت في افادتك أنك كنت تحمل مسدس في الملعب البلدي والآن أتيت لتقول بأنك ذهبت الى البيت مع زهير قتلان وأخذت مسدسك وأعطيته لزهير قتلان في بيته فما معنى هذا التناقض؟
ج ـ نعم قلت ذلك لقاضي التحقيق والآن أقول الحقيقة .”
مما يعني أن الشهيد مخلوف لم يكن يحمل مسدسا في الملعب البلدي، وفق ما جاء بإفادته بالمحضر رقم(5) حيث يقول:” وبعد أن وقع الحادث ..وخشيت أن يجري تفتيش ويُعثر على المسدس ويصادر، فأسرعت الى بيتي والتقيت بفؤاد جديد عند الخياط مقابل.. العسكرية فرويت له قصة القتل وطلبت منه أن يبلغ زهير قتلان اذا كان في المكتب لأراه فورا فذهب وكنت وقفت أنتظره قريبا من شرطي النقطة بالشهداء فحضر ورويت له الحادث على الطريق وقلت له سأترك عندك المسدس لتسلمه الى اسكندر شاوي عندما يتيسر له الفرصة ومعه ستة خرطوشات ..
أمام المحكمة،(محاكمات ـ 25جلسة 7/9/1955 ـ 11 ) ينكر الشهيد مخلوف كل ما تضمنته محاضر التحقيق، يقول إضافة لما ورد سابقا:” قبل أن أدلي بإفادتي ألتمس من المحكمة الموقرة أن تسمح لي بأن أعرض عليها مراحل التحقيق الذي جرى معي وكيفية أخذ الإفادات مني، فقد انقضى علينا أربعة أشهر ونحن نتعذب وننتظر اللحظة التي نقف فيها أمام المحكمة لندلي بما لاقيناه من عذاب، فلقد ضربنا ضرباً وعذبنا عذابا لم يتعذبه المسيحيون في أوائل عهد المسيحية على أيدي الوثنيين وأن التعذيب كان متنوعا فلقد جلدنا بالسياط وجرى التيار الكهربائي في أجسادنا كما هددت بإجراء الفعل الشنيع بي وبأخوتي، لذلك فإن جميع الإفادات السابقة، التي سبق وأدليت بها غير صحيحة ولقد أخذت مني تحت التعذيب الفظيع، ..إن غسان ( يقصد المقدم الشهيد غسان جديد) لم يكلفني بقتل العقيد المالكي وإني لم أدله على يونس، ولا صحة لما ورد بإفادتي السابقة حول هذه النقطة بل هي من بنات أفكاري ولقد كنت مجبرا على هذه الأقوال وكان المحققون يقولون لي” نحن لا نريدك بل نريد الأكبر منك”.. إن غسان لم يدلني على اسكندر شاوي لأخذ المسدس منه.. إن يونس لم يذكر أمامي انه كان مصمما على قتل العقيد يوم عيد الجلاء. ولا صحة لما ورد على لساني في افاداتي السابقة من انني جمعت اسكندر شاوي ويونس ومنعم في غرفتي يوم عيد الجلاء .. ان منعما ويونس لم يذكرا لي ان غسان جديد امرهما بقتل العقيد في ذلك اليوم.. ـ في صباح يوم الحادث حضر الى بيتي زهير قتلان وذلك باعتباره طالبا وباعتبار ابن عمي حسن منفذ عام الطلبة ثم حضر فؤاد جديد وربما كان له عمل مع المنفذ ثم حضر الرقيب الاول حليم خوري وذلك لدراستنا معا اللغة الفرنسية ثم حضر يونس لزيارتي حوالي الساعة /10/ ثم خرج حسن مخلوف ابن عمي وزهير قتلان وفؤاد جديد وبقي حليم ويونس ثم حضر محمد قصاب وان يونس صديقي وكان يتردد سابقا علي كثيرا .. تناولت طعام الغداء مع منعم في نادي النقباء وكنت غير مسلح حوالي الساعة /1/ او/1.30/ وقد شربت في النادي زجاجتين بيرة للترفيه..اننا لم نذهب بسيارة نزار شورى الى الملعب لأننا لم نكن في ذلك الحين قد قررنا الذهاب الى المباراة كما انني لم اعلم بالمباراة الا في ساعة متأخرة.. وفي الملعب , عندما وصلنا الى الى جانب المنصة وجدنا ابراهيم صواف الذي سلم علينا فرددنا عليه التحية وعندما شاهدته قلت له ” هه, انت هون” فلم يجبني وقد بقيت مع منعم. ثم التفت منعم فرأى محمود عردوس فقال لي هذا هو محمود عردوس واريد ان اسأله عما جرى بينه وبين زوجته فحضر محمود واعطيته مكاني ليتسنى له الكلام مع منعم ثم اردت ان اجلس على الكرسي فمنعني الشرطي لان هذا المحل مخصص للمدعوين فنزلت ولكني لم اشاهد منعما وعردوس شاهدتهما بعد لحظة عند الحاجز الخشبي مستندين اليه يتكلمان معا..

في المحضر (رقم 27تاريخ 23/4/1955) يقول الشهيد عبد المنعم دبوسي في ادعاءات طالب الصباغ :
“س: ماذا كنت تحمل داخل الجاكيت( الباتلدريس) بعد الحادث وقد شوهدت من قبل طالب صباغ عاطف يدك على حزام الباتلدريس طوال المدة التي بقيت فيها في الملعب الى أن خرجت منه؟”
ج ـ لم أكن أحمل شيئا وكانت يداي مسبلتان كعادتهما ولم يكن هناك شيئا غير طبيعي.
س: يقول الشاهد طالب صباغ بأنه شاهدك مع الوكيل بديع خلف المنصة طوال المدة قبل اللعب رغم وجود الأماكن الفارغة وقد أثرت الشبهة والاستغراب يوم جلسوكما رغم وجود مقاعد فما هو السبب وماذا تقول عن قوله هذا؟
ج:” لا صحة لهذا القول فإنني لم أقف مع الوكيل بديع أبدا وإنما كان وقوفي مع الرقيب عردوس وهذه إفادتي.”
أمام المحكمة، يقول الشهيد دبوسي:”.. ـ سئل عن الجرائم المسندة اليه فاجاب انني بريء من الجرائم المنسوبة الي وكل ما ورد في افاداتي السابقة مما يدينني قد اخذ مني تحت جميع انواع والوحشية.
ـ انني انكر افاداتي السابقة وليس لي علاقة بمقتل العقيد عدنان المالكي .. وان جورج عبد المسيح لم يحضر لبيتي ولا صحة لما ورد في افادتي السابقة عن حضوره.. انني اخذت من بديع مسدسا ” بريتا” بعد تاريخ 1/8/954 لانه صديقي وذلك على اثر حادثةدخول شخص مجنون لداري وخوف زوجتي ولم يعطني بديع مسدسا ” بربلو” قبل عشرة ايام وانما اعارني اياه يوم الاربعاء قبل الحادث وذلك بمناسبة سفري بمهمة الى الحدود ولقد اعطاني المسدس بناء على طلبي. ولا صحة لما ورد في افادتي السابقة عن عزمي على قتل العقيد مع يونس يوم عيد الجلاء بل لا صحة لما ورد بافادتي السابقة عن عزمي وعزم يونس على قتل العقيد يوم عيد الجلاء في مقهى الرشيد ولا صحة ايضا لمواجهة اسكندر شاوي لنا يوم عيد الجلاء ونصحه لنا بعدم الاقدام على الاغتيال. ولقد اخذت هذه الافادة مني تحت تأثير الضغط من قبل شرطة الجيش وهم حزبيون ومنهم الرئيس حديقة من سلاح المدرعات وقالوا لي ” ان هذا الضابط هو الذي شخخ حسني الزعيم”. ثم حضر المحققون العسكريون وهم الرئيس صلاح يوسف آغا والعقيد الرافعي والرئيس محمد الجراح واخذوا يحققون معي ويأخذون الافادات فكنت لا اوافق على كل ما يملى علي فاجلوا التحقيق الى اليوم التالي حيث جلبوا بديع مخلوف وكشفوا عن جسمه وماذا حل به فعندئذ اضطررت الى الموافقة على ما يملى علي ( وسرد منعم كيف اخذ المحققون افادته فقال لقد هددوني بعرضي فاضطررت الى موافقتهم على كل شيئ حتى صار معي مثل ” نعم محمد افندي” وقالوا لي ان لم تكن هذه الافادات تعجبك فبامكانك ان تقول ما تشاء امام المحكمة فقلت لهم ” لتكون المحكمة مثل هالتحقيق” وقالوا لي ايضا ” كما اعدموا زعيمكم بدكم تموتو كلكم” ولقد قضيت بالسجن اربعة اشهر وانا انتظر هذه اللحظة لأتمكن من ان ادلي بكل ما عندي. وعلى هذا الشكل اخذت افادتي. ملاحظة ـ وهنا احتد رئيس المحكمة وانّب منعما على كلامه وخاصة جملته ” لتكون المحكمة مثل هالتحقيق” وطلب الرئيس الى منعم ان يكون اكثر تهذيبا وادبا).. تغديت مع بديع يوم الحادث بنادي النقباء وشرب بديع بيرة وشرب ايضا عرقا (ضحك) ضيافة من بعض الجوار ولم يذكر بديع ان يونس ينوي قتل العقيد. وقبل الغداء ذهبت الى بيت بديع لان من عادتي ان اذهب كل يوم جمعة الى بيت بديع لان زوجتي حزبية وتعقد

محاكمات ـ 28
جلسة 7/9/1955 ـ 14
منعم دبوسي ـ 2
اجتماعات يوم الجمعة حوالي الظهر فآخذها واذهب الى بيت بـديع. وزوجتي حـزبية ولكنني لست حزبيا انما اؤمن بالعقيدة القومية الاجتماعية.
ـ انني لم اغير محلي عند بدء المباراة.
ـ استوضح المتهم عما ورد بافادة الشاهد طالب صباغ فاجاب ان ما افدتكم الآن هو الحقيقة.
ـ استوضح المتهم عما ورد على لسان ابن اخيه الشاهد محمود بن ثابت دبوسي من انه غير محله فاجاب انني لم اغير محلي.
ـ استوضح المتهم فاجاب ان بديع مخلوف هو الذي قال لي بان اسلم المسدس الى محي الدين ريشة.
ـ استوضح المتهم عن المقابلة الجارية بينه وبين بديع مخلوف في التحقيق من جهة اعترافاته الصريحة فاجاب لا صحة لذلك وانها اخذت مني تحت الضرب.
ـ استوضح المتهم فاجاب انني لم اذهب بعد القتل الى البيت مع زوجتي لاحراق اوراق حزبية بل انني ذهبت الى البيت فقط معها.. ـ استوضح المتهم فاجاب انه ليس بينه وبين الشاهد اسماعيل عبد اللطيف شيخ احمد اية عداوة.
ـ استوضخ المتهم فاجاب ان يونس عبد الرحيم قبل ظهر يوم الجمعة حضر الى داري ليأخذ مني مبلغ مئة ليرة سورية كنت قد استدنتها منه فاعطيته خمسين فقط ثم ذهبت واياه الى بيت بديع مخلوف.
ـ استوضح المتهم فاجاب لقد وصلنا الى بيت بديع الساعة 12.15 تقريبا. ولقد غادر يونس البيت بعد وصولنا له بحوالي خمس دقائق. وانني لا اعلم الى اين ذهب.
ـ استوضح المتهم فاجاب لا اعلم اذا كان بديع يعرف انني سأعود يوم الخميس ام لا حيث انني لم اكن اعلم ذلك انا نفسي.
ـ استوضح المتهم فاجاب ان نزار شورى اوقف السيارة امام بيته. وبعد ان نزلنا من السيارة قرب البرلمان قلت لبديع فلنذهب الى غرفتك لنودع المسدس فقال بديع انه يخشى ان يفوتنا الوقت لان المباراة ستبدأ عما قليل. واننا لم نستعمل سيارة نزار شورى لايصالنا الى الملعب لانها ليست ملكا لنا وليست تحت تصرفنا كما اننا لم نكن متأكدين حينما نزلنا منها اننا سنذهب الى المباراة. ولكننا بعد خروجنا من النادي قررنا الذهاب الى المباراة واننا لم نكن نعلم بالمباراة الا عندما اخبرنا ذلك ابراهيم صواف قبل دخولنا النادي مباشرة.

اسئلة النيابة: س ـ لماذا نفيت بعض الافادات ومنها انك ستقتل العقيد اذا لم يقتله يونس؟
ج ـ كانوا يتساهلون معي احيانا بالإنكار ومن جملة ما تساهلوا معي ايضا شهادة طالب صباغ.
ـ لا صحة لما ورد بافادتي امام قاضي التحقيق من انني اكرر افادتي السابقة.. ـانني لم اكن مسلحا في الملعب اذ انني اودعت المسدس الذي كان معي في بيت اخي ثابت قبل الذهاب الى الملعب وذلك عندما اعتذر بديع عن الذهاب الى غرفته لايداع المسدس بحجة ضيق الوقت فمررنا على بيت اخي حيث اودعت المسدس هناك..”
تتطابق أقوال الشهيدين كما هو وارد أعلاه، وتاليا، تسقط تهمة حمل السلاح والتخطيط والتنفيذ عن الشهيد دبوسي ايضا، يدعم ذلك أن الشهيدين لم يكونا على علم بالمباراة إلا عندما أخبرهما بذلك الرفيق الصواف، فقررا الذهاب..

كما سبق ونوهنا، من أن المحكمة، لم تأخذ بأي من أقوال الشهيدين مخلوف ودبوسي، واكتفت بما جاء بمحاضر التحقيق التي أُخذت عنوة تحت الضغط النفسي والتعذيب، والتي تنفي عنها( أي المحاضر) أية صفة للموضوعية وبيان الحقيقة، وأن اعتماد تلك المحاضر يخالف أبسط القواعد القانونية، ولم تكتفِ المحكمة بذلك بل تجاهلت كل ما يدعم هذه أقوال الشهيدين، وكان أبرزها تقريري الكشف عن جثماني الشهيدين يونس والمالكي، بل والأنكى من كل ما تقدم تجاهل البحث في محضر الكشف عن مسرح الجريمة التي وقعت، فهذا المحضر يبين بما لا يقبل الشك أن ما كشف عنه ينفي تهمة الاغتيال التي اتهم بها الشهيد يونس بوضوح وجلاء.
فقد جاء بمحضر الكشف على مسرح الجريمة ما يلي:

4 ـ وقائع قاضي التحقيق العسكري
يوم الحادث
وقائع قاضي التحقيق ـ 1
في الساعة السابعة عشر من تاريخ 22/4/1955 وردتني انا قاضي التحقيق العسكري الرئيس صلاح يوسف آغا هاتفا من الشرطة العسكرية يفيد باغتيال العقيد عدنان المالكي رئيس الشعبة الثالثة بالاركان العامة بالملعب ومقتل رقيب آخر من شرطة الجيش وقد توجهت فورا الى مركز الشرطة العسكرية حيث فهمنا ان الرقيب المقتول يونس من مرتبات شرطة الجيش قسم التحقيق وانه هو الذي اقدم على قتل العقيد عدنان المالكي وانتحر اثر ذلك بمسدس حسب ما فهمناه في مركز الشرطة العسكرية.
وعليه توجهت برفقة الرقيب الاول عمر فاروق من مرتبات شعبة التحقيق الذي انتدبته كاتبا للضبط الى الملعب البلدي وهناك وفي مكان الحادث شاهدنا على المنصة الرئيسية بقعتين كبيرتين من الدماء عرفنا ان احدها نجم عن العقيد والاخرى قد نجمت عن اصابة القاتل وان الاولى تقع في داخل المنصة والاخرى قرب الحاجز الخشبي الواقع كما ابرز الينا احد رجال الشرطة العسكرية الذي كان هناك وهو الوكيل ماجد شاكر عمرتين احداهما عائدة للعقيد والاخرى عائدة للقاتل الرقيب الاول يونس عبد الرحيم وقد شوهدت على عمرة القاتل ثقبا والعمرة تحمل شارة الشرطة العسكرية وقد فوضت الشرطة بتنظيم مخطط الحادث واخذ بعض الصور وله وحفظت العمرتان بعد ختمهما بالشمع الاحمر ومن ثم عدنا الى مركز الشرطة العسكرية حيث وجدنا النائب العام العسكري والعقيد محمد الرافعي هناك ومعه الملازم عبد المجيد جمال الدين من مرتبات الشرطة العسكرية والمسدس الذي اقدم الرقيب الاول يونس عبد الرحيم على قتل العقيد عدنان المالكي ومن ثم استعمله لانتحاره هو المسدس من نوع قرق قله صنع تركية عيار 9 مم وهو خاص بالضباط الاتراك حسبما هو منقوش عليه باللغة التركية كما قدم مذخر لهذا المسدس يحوي ثلاث طلقات فقط وقدم ايضا غلافين التقطا من مكان الحادث مع طلقة كاملة اخرى وقد افاد الخبير العسكري الملازم عيسى عجي من مرتبات الشرطة العسكرية وبعد اداء اليمين القانونية المنصوص عنه في المادة 41 من اصول المحاكمات الجزائية بعد اعتماده من قبلنا لمعرفة عدد الطلقات المطلوقة لان المذخر يتسع لثماني طلقات وقد اطلق منها اثنتين بدليل الغلافين الفارغين هناك واطلقت طلقة الى ولكنها لم تشتعل ولا يمكن معرفة محتويات المذخر من الطلقات.
وقد فهم ان الرئيس محمد الجراح معاون النائب العام العسكري قد ذهب الى المستشفى العسكري للكشف على جثتي العقيد عدنان المالكي والرقيب الاول يونس عبد الرحيم ولذى اقتضى التنويه.
وقد فهمنا من الملازم عيسى عجي رئيس الشعبة السير في الشرطة العسكرية انه سمع اثر الحادث وتجمع الناس في الملعب البلدي حول المكان الذي وقع فيه بان القاتل الرقيب الاول يونس ينتمي الى الحزب القومي السوري.
اقرر استماع اقوال الملازم عيسى المذكور ومصادرة المسدس الآنف الذكر مع الطلقات وختمها بالشمع
الملازم عيسى عجي الخبير قاضي التحقيق العسكري
التوقيع الرئيس صلاح يوسف آغا
التوقيع
كاتب الضبط
في مناقشة ما جاء به محضر الكشف على مسرح الجريمة نتبين أولاً أن هناك فارغتين لطلقتين والطلقة التي قيل أنها أجدبت، فأين هي فارغة الطلقة التي (انتحر) بها الشهيد يونس عبد الرحيم؟ حيث تكررت في أقوال الشهود أنهم سمعوا صوت لثلاث طلقات، مع أن الواقع هو أن هناك أربع طلقات، اثنتان استقرتا في جسد المالكي وثالثة استقرت في الفخذ الأيسر للشهيد يونس، أما الرابعة فهي التي لم يُسمع لها صوت في الصخب الذي رافق الاغتيال والقتل، وهي التي استقرت في رأس الشهيد يونس وأطلقها أكرم ديري عليه..
متجاوزين أسئلتنا السابقة، ومتابعين لما جاء به هذا المحضر، نتبين أن المحضر لم يُشرْ الى عيار الفارغتين والطلقة التي أجدبت واكتفى بالدلالة على أن المسدس المصادر هو من عيار 9ملم، متجاهلا ضرورة المطابقة بين الفارغتين والمسدس! وإذ ما كانت الفارغتان قد أطلقتا من هذا المسدس أم من سواه والبعد الذي أطلقت منه الرصاصات القاتلة، وهذه مسألة من بديهيات التحقيق والكشف على مسرح الجريمة،
يشير المحضر الى ” وقد فهمنا من الملازم عيسى عجي رئيس الشعبة السير في الشرطة العسكرية انه سمع اثر الحادث وتجمع الناس في الملعب البلدي حول المكان الذي وقع فيه بان القاتل الرقيب الاول يونس ينتمي الى الحزب القومي السوري..” بمعنى أن الملازم عجي، لم يرى يونس يطلق النار على العقيد وعلى نفسه، هكذا كان قد (سمع) على الرغم من أنه كان المسؤول المباشر عن عناصر حراسة المنصة، حيث يقول في شهادته وفق ما جاء بالمحضر رقم (1) من محاضر النيابة العسكرية :” وبعد مضي ربع ساعة على اللعب في الشوط الاول سمعنا طلقات نارية من جهة المدرج الكبير وعندما توجهنا بنظرنا الى جهة المدرج المذكور شاهدنا بعض الجمهور ينهض عن مقاعده ويتوجه نحو الخلف وبصورة خاصة تحت المنصة الرئيسية فاسرعنا الى مكان التجمهر وصعدنا الى المنصة حيث علمنا ان العقيد المالكي قد اصيب بالطلقات التي سمعناها وان هناك احد افراد الشرطة العسكرية قد اطلق النار عليه ثم اطلق على نفسه واثناء تجمهر الحضور كان الناس يتناقلون مختلف الاحاديث ويتساءلون عن ميول القاتل السياسية وقد سمعت اثناء ذلك من شخص اظن انه الرقيب الاول في الشرطة العسكرية الذي كان واقفا بقربي يقول ان يونس عبد الرحيم الذي قيل فيما بعد انه هو القاتل ينتمي الى الحزب السوري القومي وهذا كل ما سمعته واعرفه..”
وكما سبق وأشرنا الى أن أحدا من عناصر الحراسة لم يستدعَ للشهادة، خاصة وأنهم كانوا يتحلقون حول الشهيد يونس كما جاء في شهادة الشهيد دبوسي قوله:” .. وقد شاهدت الرقيب الاول يونس عبد الرحيم واقفا خلف المنصة وكان بقربه بعض افراد الشرطة العسكرية واذ بي فجأة اسمع صوت طلق عيار ناري ومن ثم تبعه طلق آخر ولم اعد اشاهد اثناءهما الرقيب الاول يونس..”
كل ما اعتمدته المحكمة من أقوال من اعتبرتهم شهودا، كان مجرد توقع واحتمال وسماع أقوال آخرين، بدئا من طالب صباغ وشهوده، الى الملازم عجي الى من تضمنهم محضر ضبط إفادته وهم ” استلمنا من الملازم عيسى عجي قائمة بأسماء بعض الضباط والمدنيين الذين فهم انهم لديهم معلومات الحادث حين وقع وهم الملازم عبدالكريم نحلاوي الاستاذ كامل البني الزعيم امين ابو عساف والسيد انور تللو المقدم عبدالهادي الشامي الرئيس زهير عقيل السيد احمد نونو الرئيس كلاس السيد جميل حاصباني, فحفظت لدينا. 22/4/1955
كاتب الضبط قاضي التحقيق العسكري
الرئيس صلاح يوسف آغا”
هؤلاء الشهود الذين تضمنتهم لائحة الملازم عجي، لم يستدعَ أياً منهم للشهادة سوى عبد الكريم النحلاوي وكامل البني، وكلا الأخيرين أحدهما مشارك في الجريمة والآخر بعثي..
في المحضر رقم (3) تاريخ22/4/1955 يقول كامل البني:”.. وبفعل منعكس التفت الى جهة الصوت فأبصرت شخصا عسكريا وبيده المسدس مشهرا ووجهه ممتقع وهو يحمله بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم فصحت فورا واذا بي اشاهد الطلقة الثانية تنطلق الى جهة المنصة الرئيسية وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت ان صاحب المسدس اخذ يعالجه كأن المسدس توقف عن الانطلاق وكان بعض الموجودين من الضباط على المنصة الرئيسية قد اسرعوا نحوه وكنت في هذه الفترة اتقدم بسرعة نحوه وانا اصيح فانطلقت الثالثة ولا ادري كيف كان اتجاهها وكنت لاحظت ان صاحب المسدس بعد الطلقة الثانية اخذ يتراجع الى الخلف ولم انتبه اذا كان وهو يتراجع قد ولى ظهره للناس اما زال موليا وجهه نحوه ولما شاهدت العقيد مصابا اتجهت نحوه ولم اعرف ما جرى للمعتدي وقد احاط الضباط بالعقيد وحملوه وقد استرخى رأسه والدماء تنزف منه ولم اسمع اذا كان قد تكلم لان الضباط هم الذين احاطوا به وهذه مشاهداتي.”
كامل البني هذا، اذا لم يكن من عناصر المكتب الثاني ، فهو بلا شك بعثي، كما تضمنته أقوال من كتبوا في هذه الجريمة الضبابية، ومع ذلك فهو لا يقول أنه شاهد الشهيد يونس يطلق النار على العقيد أو على نفسه، جل ما يقوله لا يمكن الاعتماد عليه في ادانة الشهيد يونس، فقوله:” شخصا عسكريا وبيده المسدس مشهرا ووجهه ممتقع وهو يحمله بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم..” لا يعني أنه هو الذي أطلق الرصاصة الأولى، أو انه أطلق الثانية، فقول الشاهد البني:”.. واذا بي اشاهد الطلقة الثانية تنطلق الى جهة المنصة الرئيسية وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت ان صاحب المسدس اخذ يعالجه كأن المسدس توقف عن الانطلاق..” لا يعني أيضا أن الشهيد يونس هو مُطلق النار، هو شاهد الطلقة تنطلق باتجاه المنصة، لكنه لم يشاهد مُطلقها، لكنه يشير الى احتمال أن يكون الشهيد يونس هو مطلقها بقوله:” وكنت لاحظت ان صاحب المسدس بعد الطلقة الثانية اخذ يتراجع الى الخلف ولم انتبه اذا كان وهو يتراجع قد ولى ظهره للناس اما زال موليا وجهه نحوه ( أي للناس)..” هناك إذن من يشهر مسدسا وهناك طلقات رصاص، بالنسبة للبني، ثلاث طلقات لم يستطع البني تحديد مُطْلِقِها، فالأولى كان قد سمعها، أما الثانية:” اشاهد الطلقة الثانية تنطلق الى جهة المنصة الرئيسية..” أما الثالثة:”.. فانطلقت الثالثة ولا ادري كيف كان اتجاهها..” هذا التوصيف بمجمله لا يعني بأية حال أن الشهيد يونس هو مطلق النار، لكن شهره للمسدس” بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم..” وفق توصيف البني، يعني أنه حين سمع أصوات الرصاص أشهر مسدسه دفاعا عن النفس وتصديا للمهاجمين، طالما أن البني لم يفصح في إفادته أنه شاهد الشهيد يونس يطلق النار إن على العقيد أو على نفسه..”
عبد الكريم النحلاوي في شهادته ينحى منحىً آخر، يقول في المحضر 30 ـ 1:
“.. سمعت صوت طلق ناري عادي صادر عن ناحية الخلف فالتفت.. وفور التفاتي الى الرقيب يونس المذكور سمعت معه صدور طلقة اخرى وهي الطلقة الثانية ورأيته مادا يده يسدد على امتدادها باتجاه العقيد مالكي. ..وقبل ان اصل اليه لم تطلق معه الطلقة الثالثة التي اطلقها ايضا اذ اجدبت فرأيته يبدل الطلقة باخرى (يخرطشها) ليتابع الاطلاق وعندما رآني اقترب منه سدد المسدس نحوي ولكنه خوفا من ان يقبض عليه حيا ادار فوهة المسدس نحو صدغه الايمن واطلق الطلقة الثالثة التي انطلقت وفي ذلك الوقت كنت وصلت اليه تماما واخذت منه المسدس ووقع هو على الارض.. رأيت القاتل يسدد المسدس في ذلك الاتجاه عندما اراد ان يطلق الطلقة الثالثة التي اجدبت فانني لا اعرف فيما اذا كان يود الاطلاق على الزعيم شقير مع العقيد مالكي او لا ..”
تليت عليه صفحته البالغة صفحتين الا ربعا فصادق عليها بتوقيعه. 4/5/1955
المساعد: التوقيع الشاهد: الوقيع قاضي التحقيق: التوقيع
في المحضر (محضر 65 ـ 2 تاريخ 26 /5/1955 ) يضيف قائلاً :”..انني اصر على ان الطلقة الثالثة لو لم تجدب كانت موجهة الى الزعيم رئيس الاركان لانه على استقامة واحدة مع المغدور.”
تليت عليه افادته البالغة نصف الصحيفة فصدقها بتوقيعه بتاريخ 26/5/1955
الشاهد قاضي التحقيق المنتدب
فعبد الكريم النحلاوي، لم يشاهد الشهيد يونس يطلق النار سوى على نفسه؟! مؤكدا انتحاره، هو أخذ المسدس من يده قبل سقوطه على الأرض،( نتيجة إصابته بفخذه الأيسر)، ليجهز عليه أكرم ديري.. مُبرئا نفسه من قتله بصراخه” قتلت حالك..” عبد الكريم النحلاوي يصر على أن الطلقة الثالثة لو لم تجدب لكانت قد استهدفت الزعيم رئيس الأركان، لو أن المحكمة كانت على قدر المسؤولية ودققت بإفادة النحلاوي، لتبين لها أن هناك طلقتين أطلقتا على العقيد المالكي أما الثالثة فقد(أجدبت) بما يعني أن هناك صوت لطلقتين وليس لثلاث باعتبار أن الثالثة قد أجدبت فلم تصدر صوتا، مما يفيد أيضا ان الرصاصة الرابعة هي التي أودت بحياة الشهيد عبد الرحيم والتي لم تسمع للجلبة التي رافقت الطلقتين الأوليتين..