قراءة في واقعة اغتيال عدنان المالكي

 

                        (نسخة منقحة ومزيدة)

قراءة في محاضر جلسات محاكمات الجراح 1955    

واقعة اغتيال عدنان المالكي

                     

 

مقدمة

ليست هذه القراءة الأولى من نوعها ، فقد سبقتها قراءات ودراسات كثيرة، لكنها تبقى محاولة للكشف عن ما غفل عنه الآخرون… 

لم تكن واقعة اغتيال العقيد المالكي، مجرد حادثة، ذلك أنها حققت أهدافها في دمار للحزب السوري القومي الاجتماعي والذي ما تزال نتائجها فاعلة فيه حتى اللحظة، كما انها خلفت وراءها عشرات الشهداء والمعاقين وذوي العاهات الدائمة وشردت آلاف الأسر التي ما تزال تحصد نتائجها حتى اليوم، وأسرتي واحدة من تلك الأسر، وعندما نقول أنها ليست بواقعة عابرة انتهت الى ما انتهت اليه، نستذكر اغتيالات سبقتها لا تقل عنها خطورة، ولم تحظَ بذات الأهمية، ذهب ضحيتها مدنيون الرفيق ” مجيب المرشد” والذي قتل على يد الملازم اول عبد الحق شحادة المساعد الاول لأديب الشيشكلي،  وعسكريون  العقيد” محمد ناصر” والذي خطَّ بيده أسماء قاتليه، المقدم إبراهيم الحسيني رئيس الشعبة “الثانية” في مخابرات الجيش، وشاركه بالاغتيال الملازم عبد الغني قنوت من ضباط الشعبة الثانية وهو من جماعة أكرم الحوراني ومن مدينة حماه أيضاً.. وقد برأت قاتليه محكمة الشيشكلي، لم ينتحر أو بالأحرى يُقتل المتهم الأول فيها كما قُتِلَ الشهيد يونس عبد الرحيم، تقلد القائمون فيها مناصب رفيعة في الدولة السورية، فعبد الغني قنوت تقلد منصب وزير، عبد الكريم النحلاوي قاتل الشهيد يونس، وخلال سنوات خمس، يصل لرتبة عقيد ويقوم بانقلاب على الوحدة التي كانت مؤامرة المالكي سعيا وراءها..

إن المتابع لإضبارة واقعة المالكي سيفاجئ بالكثير الكثير من المغالطات فيها، فهي مصنفة بطريقة لا تفضي الى تكوين رأي، تتماهى فيها الأحداث لتصب في قناة واحدة هي اتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي كمخططٍ ومنفذٍ لها حيث تشكل المصادرات من وثائق الحزب أكثر من ثلثي صفحاتها..

لم تحظَ هذه الواقعة، بالدراسة والتعمق الكافيين لما ورد في متن وقائعها، من أية جهة كانت، حزبية وغير حزبية، وجلَّ ما طرح حولها كان مجرد تحليل لنتائجها ولم يكن نقدا ونقضا لها، لجملة من العوامل، أهمها على الاطلاق الوضع الحزبي الذي بقي مضطربا بعدها، وبأن ما جاء بها هي من “أقولٍ” للمتهمين دون أدنى تدقيق في مدى ومستوى تناقضها بعضها ببعض، مما دفع الكثير من القيادات الحزبية التاريخية للإقرار بأن الحزب كان وراء هذه الحادثة المشؤومة من تاريخه، والتي أدت بطبيعة الحال لبلوغ هذه المرحلة التي يحياها اليوم، ولعل أبرز ما قيل في هذا الموضوع رسالة عصام المحايري التي تقرُّ اقرارا رسميا بمسؤولية الحزب عنها.. لم تكن دماء القومين تعني لهذه القيادات شيئا، فهي على اختلاف مسؤولياتها ذهبت هدرا، وكما لم يقف الحزب موقفا يعاكس ما تقدم حيال اغتيال الرفيق مجيب المرشد و محمد ناصر، وقف صامتا على اغتيال محمود نعمة وغسان جديد والعميد عبيد وكمال خير بك وغيرهم كُثُر.. لم يطالب حين كان على وفاق مع السلطة بمحاكمة المسؤولين عن هذه الاغتيالات، لربما للحفاظ على مواقع مسؤوليه وصيغة الوفاق مع السلطة ، كانت مواقف قياداته مزدوجة الرؤية، فعلى سبيل المثال، وفيما لو صدقت محاضر الاستجواب ـ وهذه مسألة مشكوك بها بالمطلق، كما سيلي من مقارنات بينها وبين جلسات المحكمة ـ ولكنها اعتمدت من السلطة الحزبية، والتي اتهمت جورج عبد المسيح بالوقوف خلف الواقعة، وتاليا طرده ( راجع الملحق رقم 2) من الحزب لكن هذه القيادات استثنت الشهيد غسان جديد من مساءلته عن كونه المحرِّض الرئيس للاغتيال ـــ وفق ما جاء بمحاضر الاستجواب ـــ ولم تتخذ بحقه أي إجراء؟!!!

إن التمعن والتدقيق بما جاء بهذه المحاضر، يثبت بما لا يقبل الجدل أنها وضعت وفق الغاية التي انتهت اليها، وأن مختلف الأقوال المنسوبة لل”متهمين” فيها، إن صحَّ ما جاء فيها، كانت تنطلق من أن التهمة هي أن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو المخطط والمنفذ لهذه الجريمة، لأنها اقتصرت على أعضاء الحزب دون أية جهة أخرى، على سبيل المثال لا الحصر، لم يستدعى أيٌ من عناصر الشرطة العسكرية الذين تواجدوا بأمر من “أكرم ديري” على المنصة الرئيسة، واكتفي تقرير تشريح جثمان الشهيد يونس عبد الرحيم على الوصف دون الإشارة للمسدس المستخدم( والذي يُفترض أن يكون من عيار( 7ملم) وليس من عيار( 9ملم) ، نلاحظ إنه ورد في المحضر “وجد في جثة المالكي مدخلين لطلقتين من عيار7 ملم، بينما ورد في تقرير الكشف عن مكان الجريمة: “الملازم عبد المجيد جمال الدين من مرتبات الشرطة العسكرية، قدم المسدّس الذي أقدم الرقيب أول يونس عبد الرحيم على قتل العقيد عدنان المالكي به ومن ثم استعمله لانتحاره، هو مسدّس من نوع قراقلا صنع تركيا عيار 9 ملم”. والرصاص الذي اخترق جسده، وجيء بأثنين من أفراد الشرطة العسكرية غير الذين يفترض تواجدهم مع الشهيد للتعريف بالشهيد على أنه” يونس عبد الرحيم”.. وأكرم ديري الذي يعتبر شريكا أساسيا في الجريمة، شوكت شقير عبد الكريم النحلاوي الذي قتل الشهيد عبد الرحيم، أكرم الحوراني الذي ” لم يسأل عن الجهة المنفذة عند تلقيه نبأ اغتيال العقيد المالكي؟؟؟!” لأنه كان يعرفها معرفة تامة، أكرم الحوراني هذا والملقب “بالجنرال ذو اللباس المدني” يكافأ على تخطيطه لإقصاء عقبات الوحدة مع مصر (المالكي والحزب القومي) بمسؤولية نائب رئيس “الجمهورية العربية المتحدة” ليكتشف أنه مجرد واجهة لا عمل لها، فيستقيل من منصبه ومن السياسة على وجه العموم.. لم يستدعِ للتحقيق من أذاع نبأ اغتيال المالكي ومن لقنه أن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو المنفذ لهذا الاغتيال، وهل كان هذا المذيع يعرف يونس عبد الرحيم وعضويته في الحزب، حتى يُطلق مثل هذا الاتهام مباشرة على الهواء، لم تأتي محاضر الاستجواب أيضا على استجواب مرسل رسالة التهديد، والتي تضمنتها اضبارة التحقيق، التي وصلت الى العقيد المالكي وفق ما جاء بتصريح عبد الكريم النحلاوي حتى أنها لم تأتي على ذكر من وردت أسماءهم في تلك الرسالة المزعومة والتي نعتقد ـــ في حال صحتها ـــ أنها مرسلة من مخبر يعمل في المكتب الثاني وبناء على توجيهات هذا المكتب والتي أدرجت في المحاضر كمستند اتهام ، لقد زجَّ عبد الكريم النحلاوي بعبد الحميد السراج بالسجن لأنه كان يدرك مدى تآمره مع عبد الناصر وأنه لن ينجو منه في حال بقاء الأخير حراً طليقا، ولقد استخدم عبد الناصر نفوذه وسخر مختلف أجهزته لهروب عبد الحميد السراج من الاعتقال، ذلك أن عبد الناصر كان يدرك مدى خطورة المعلومات التي لدى السراج، لقد استقبله عبد الناصر استقبال الفاتحين وأكرمه حتى موته..

إن خفايا هذه الواقعة تكمن في ما بين سطور اضبارة الدعوى ذاتها، فتناقض أقوال “المتهمين” بين المحاضر التي كتبها المحقق العسكري وفق غاية تثبيت التهمة على القوميين، وبين أقوالهم أمام المحكمة العسكرية، تُبرز أن ما جاء بالمحاضر كما أسلفنا هي أقوال الادعاء العام توَّجها باستخلاص نتائجها من حوادث يومية عابرة لا معنى لها في سياق الجريمة والتي هي محور القضية، ولعل قائمة الاتهام تبرز أن موضوع الدعوى لم يكن هو المهم بقدر ما كان التآمر على الحزب لإقصائه عن الساحة السياسية، فلقد تصدرت تهم/ انتماء لحزب سياسي ـــ بالنسبة للعسكريين، وتنظيم عسكرين في الحزب وقبول عسكريين في حزب سياسي و الانتماء لحزب سياسي غير مرخصو الانتماء الى جمعية سرية وتحريض عسكريين وعصيان غسان جديد وحيازة سلاح ودس الدسائس لدى دولة أجنبية وشل الدفاع الوطني و اثارة عصيان مسلح واقتناء وصنع مواد متفجرة واثارة حري طائفية واقتراف جرائم تنفيذا لأغراض الجمعية السرية والتحريض على القتل والاشتراك به والتدخل فيه ../ لتأتي القضية الأساس في ذيل هذه القائمة من الاتهامات وتتلخص في / قبل يوم الحادث ، يوم الحادث، بعد الحادث ..وأخيرا تهمة إخفاء مجرم/ وإن كنا سنتابع تحليل مجمل هذه الاتهامات وكيفية تأويلها والاجتهاد بها وتفسيرها في سياق هذه القراءة، فإن الملفت فيه، وخاصة في مطالعة رئيس المحكمة العسكرية، الذي نصب من نفسه فيلسوفا اجتماعيا راح يشرح العقيدة القومية الاجتماعية التي لم يفقه حتى أعتى عتاتها من المسؤولين الحزبيين كيف انتهى لكونها تتعارض مع دستور الجمهورية السورية الذي يعتبر الجمهورية السورية واحدة من الجمهوريات العربية ذات الطابع المحمدي والسني تحديدا وكأن الحزب الشيوعي السوري وحزب الاخوان المسلمين يقولان بانتماء سورية الى العالم العربي !!!

لقد كانت مختلف الأحزاب تنهج ذات النهج الذي انتهجه الحزب، بل وبفعالية أكبر وأكثر خطورة وأخص في هذا المجال حزب البعث والإخوان المسلمين، أما الحزب الشيوعي، فقد كان خارج هذا السياق والسبب يكمن في كونه حزبا ذا عقيدة ((( ملحدة ))) أما الكتلة الوطنية وحزب الشعب ، فلم يأبها لما كان يدور حولهما لكونهما الأكثر شعبية فهذان الحزبان يضمان مجموعة من اقطاعييِّ الدولة ورأسمالييِّها، والتي كانت تعتمد على الوجهين لاستقطاب دعاتها ومريديها.. وأما الأحزاب الأخرى فقد كان قادتها اقطاعيون ورأسماليون تنتهى قيادتهم لأحزابهم بوصولهم للمجلس النيابي ..

إن حادثة اغتيال المالكي لهي في مواصفاتها واشكالياتها، تبقى نموذجا لحادثة اغتيال الرئيس الأمريكي “جون كندي” والتي تقف وكالة الاستخبارات الأمريكية وراءها حيث أقدم “جاك روبي” اليهودي على قتل ” لي هارفي أوزولد” المتهم الأول في اغتيال الرئيس كندي فطمست الجريمة بمقتله.

لم تُثر قضية قضائية من التساؤلات ما أثارته واقعة المالكي، وهي لذلك تكتنه من الغموض مما يدفع لطرح كم من التساؤلات يصعب في كثير منها الإجابة عليها، وكلٌ منها يحاول الإضاءة على جانب منها، دون الجوانب الأخرى، وغموض هذه الواقعة، يدفع من جهة ثانية لكثير من التأويلات والاجتهادات وأقوال لشهود تتوافق وقناعاتهم السياسية أو الاجتماعية والدينية في كثير من الأحيان، مما يزيد في صعوبة إمكانية جلاء حقيقة ما جرى كما هو دون زيادة أو نقصان وبموضوعية بقدر ما تسمح به الوقائع التي بين أيدينا، فمختلف وجهات النظر محتملة التصديق لما فيها من مبررات تقوم على جملة من التأويلات والاجتهادات والوقائع المفترضة أو الواقعية، بل وكلما أغرقت هذه الواقعة في القدم، كلما ازدادت التساؤلات حولها لما قد يتكشف من جوانبها من خلال مذكرات هذا أو ذاك من أولئك الذي عاصروها..

في محاولتنا الكشف عما جرى وكيف حدث ما حدث، لن نعتمد على ما قيل وما قد يقال، ولا على ما اجتهد به هذا وأول ذاك واستنتج ثالث ، بل سنعمد لجلاء الحقيقة من خلال التناقضات التي حفلت بها محاضر الاستجواب وجلسات المحاكمة ومطالعة النيابة العامة، ولن تتعدى محاولتنا أشخاصها الرئيسين / الشهداء يونس وبديع ومنعم/ وأخيرا الرفيق المتهم إبراهيم الصواف والشهود ناصر هزير  وعردوس، فمثل هذه هي فقط ما تحمل في مضمونها الحقيقية، ما تبقى من اضبارة الواقعة لا يتعدى كونه تأويلات ٌرأت أن الحزب كان وراء التخطيط لها كما التنفيذ، فعلى سبيل المثال، عندما يطلب أحد محامي الدفاع الكشف على جثمان الشهيد يونس على اعتبار أن الكشف الطبي المدرج في مستندات الاضبارة لم يُشرْ الى نوعية الرصاصات التي اخترقت جسده ومصدرها وبعدها عن جسده ولا الى نوعية المسدس المستخدم في الاغتيال المزعوم، ويُردُّ طلبه عملا “بحرمة الموتى”، فماذا يعني ذلك؟ والعرف القضائي أباح الكشف على جثامين الموتى حتى بعد قرن من الزمن من انقضاء الجريمة، ألا يعني التستر على الحقائق التي يمكن لها أن تتكشف نتيجة الكشف الطبي الدقيق على الأقل، الكشف عن البعد الذي أطلقت منه الرصاصات القاتلة لكلا الشهيدين! وهل كان انتحارا أم اغتيالا؟! للشهيد يونس؟

ما يثير الاستغراب هو الفاصل الزمني بين الاغتيال والقاء القبض على الشهيدين بديع ومنعم، وأنه لو كانا على صلة بالاغتيال لكانا قد تدبرا أمرهما في التواري عن أنظار المخابرات أو الشرطة العسكرية ، كما يفترض أن تقتضيه خطة الاغتيال بعد وقوعها، ، هذا الفاصل الزمني، كان يكفي كليهما لبلوغ الحدود السورية اللبنانية على أقل تعديل والمرور دون أدنى تحفظ عليهما، وعلى افتراض أنهما عسكريان ويتطلب خروجهما إذنا بذلك لكانا التجأ الى بعض رفاقهم في المناطق الحدودية الزبداني مثلا أو مضايا أو.. لسلوكهما طريقا بريا عبر الحدود الى لبنان سيرا على الاقدام وهذه مسألة لا تتطلب الكثير من الحذق والمهارة كما هو معروف!؟ والسؤال الذي يطرحه هذا الفاصل هو: من أوعز للشرطة العسكرية باعتقالهما بعد أقل من أربع ساعات على وقوع الحادثة بل والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو: مع من أجريت التحقيقات الأولية لتقرير أن بديع ومنعم هما الشريكان بالجريمة؟!خاصة وأن محاضر الاستجواب لم تأتِ على ذكر من هم أقرب الى الشهيد يونس، ونقصد المجموعة المكلفة من قبل أكرم ديري بحراسة المنصة الرئيسية، والذي قام هو بنفسه بتوزيع عناصرها على الأماكن المخصصة لهم؟ مختلف التساؤلات المطروحة أعلاه، لم تأتِ محاضر الاستجواب ولا جلسات المحاكمة ولا مطالعة النيابة العامة على بيان أو التلميح لها في معرض سردها لوقائع الحادثة وما سبقها وما تبعها!! وفي هذه التساؤلات يكمن سر القضية وحقيقتها!

لم تأتِ أيٍ من وقائع محاضر الاستجواب أو جلسات المحكمة أو مطالعة النيابة العامة على كيفية معرفة الشهداء يونس وبديع ومنعم بحضور العقيد المالكي للمباراة؟!على افتراض صحة ما جاء في محاضر الاستجواب  هل كان توقعا منهم فأصاب بهم مقتلا؟! أم أن السفير محمود رياض قد أخبرهم بحضوره!!أم أن شوكت شقير أشار لأكرم ديري بذلك ليهيئ الأجواء للتخلص من المالكي نتيجة العداء أو الخصومة أو اختلاف وجهات النظر بينهما؟! وما إذ كان رجال الشرطة العسكرية بكامل سلاحهم أم أنهم كانوا عُزَّلاً منه؟ وما هي فائدتهم في الحالة الأخيرة؟ هل كان الدافع للشهيد يونس ليشهر سلاحه بعد سماعه الطلقات الأولى التي استهدفت العقيد، دفاعا عن العقيد أم أنه شهره ليقتل به العقيد بعد مقتل الأخير؟ مما أثار الشكوك حوله ليرديه قتيلا اكرم ديري او عبد الكريم النحلاوي ؟؟!! هل كان دفاعا عن النفس فأرداه رصاص المتآمرين قتيلاً؟ لماذا لم يأتِ عبد الكريم النحلاوي بشهادته أمام المحكمة العسكرية بدمشق ما راح يفصله وبثوانيه على قناة الجزيرة بعدما يقارب السبعون عاما عليها؟!! تساؤلاتٌ وتساؤلات تبقى تتكاثر كلما أوغل المرء في هذه القضية الغامضة والتي باتت غايتها معروفة لدى الجميع لكن خفاياها ما تزال في غموضها وريبتها..

سنحاول في هذه الدراسة فكَّ بعض طلاسمها وفق المخطط التالي: 1 ـ سنقتصر في دراستنا على “المتهمين” الثلاث / بديع منعم صواف/ دون الدخول في ما راحت اضبارة التحقيق والاستجواب وتساؤلات المحكمة ومطالعة النيابة العامة على بيانه بغية تضليل القارئ لها من بلوغ النتيجة المرجوة منها. 2 ـ وسنقتصر على ما جاءت به جلسات المحاكمة العلنية بدمشق ونسقطه على ما جاءت به مطالعة النيابة العامة ومحاضر الاستجواب، في محاولة للكشف عن ما غمُضَ من هذه القضية..

هاني الشمعة وهو من أقدم الصحفيين السوريين يقول:” أعتقد أن مسألة اغتيال العقيد عدنان المالكي كانت معدّة وبشكل مسبق ودقيق.. كان من الممكن إجراء المباراة في الملعب الأول، لأن الملعب البلدي كان يضم أصلاً خمسة ملاعب لكرة القدم، الدولي فيها هو الملعب الأول، يليه بالأهمية الملعب الرابع، وقد أقيمت “لعبة الاغتيال” في هذا الملعب – الملعب الرابع. الملعب الأول فيه سدة يجلس فيها كبار المسؤولين، ولكن لا بدّ أن يجلس أو يقف خلفهم بعض المتفرجين، أما الملعب الرابع، فإن مدرّج المواطنين يقع تحت السدة الرئيسية، وبذلك يصبح المسؤولون الجالسون في السدة غير محميين من الخلف بكتل من المتفرجين.. في السدة الأولى جلس الزعيم شوكت شقير رئيس الأركان برغم إنه قليلاً ما كان يحضر المباريات الرياضية، وجلس على يمينه السفير المصري بدمشق محمود رياض، وعن يساره رئيس فريق الجيش المصري، وخلفه الملحق العسكري المصري جمال حماد، وفي النسق التالي وهو أقرب إلى حرس الشرطة العسكرية “أُجلِس” العقيد عدنان المالكي، وحوله بعض الضبّاط.. أما خلف العقيد المالكي والضبّاط الذين كانوا معه، فكان هناك شرطيان عسكريان).. اذن كانت “لعبة الاغتيال” كما يسمها هاني الشمعة تقتضي فراغا وراء المالكي ليتسنى لمطلق النار تصيد كلٍ من الشهيد يونس والعقيد المالكي..

الدقائق الخمس الفاصلة بين الطلقة الأولى والطلقة الثالثة التي أودت بحياة الشهيد يونس والعقيد المالكي، وهي الدقائق الكارثية بالنسبة للحزب السوري القومي الاجتماعي خاصة ولسورية عامة، ستكون، حيث نتبين من هم المخططون والمنفذون الحقيقيون لهذه الجريمة ذلك بدراستنا لأقوال بعض الشهود العيان الفعليين، غير أولئك الذين استعانت بهم المحكمة كشهود إثبات الجريمة..

ننقل فيما يلي أقوال بعض الحضور للمباراة يوم الحادث ونبرز التناقضات فيما بينها وبين ما جاءت به محاضر الاستجواب أو إفادات الشهود العيان وفي مقدمتهم “ناصر هزير” المكلف من قبل أكرم ديري بحراسة المنصة:

وأول ما يسترعي انتباهنا، الحاجز الذي وُضع بين المنصة وما خلفها  والذي لم يأتي غير اللواء حماد على ذكره والسبب الدافع لوضعه، والذي وضع خلف المنصة الرئيسية لم يكن لصد الرياح، كما ادعى اللواء جمال حماد في لقائه على قناة الجزيرة، بل لتخفي مُطلق النار على العقيد المالكي والشهيد يونس، فأجواء نيسان كانت حارة ولا وجود لرياح وإن وجدت فهي نسائم ربيع نسيان، الرقيب أول “ناصر هزير” وفي التحقيق معه في مخفر شرطة موقع دمشق التابع للسرية الأولى يقول:”… فوجدت هنالك الوكيل الأول سعيد حاج حسين جالساً على كرسي في الصف الأمامي، فجلست بقربه وقد غيرت أنا وإياه مكاننا عدة مرّات هرباً من الشمس حينما تغطينا..”، والسؤال: من كلف القائمين على وضعه بوضعه ومتى وضع وما المسافة الزمنية بين وضعه وتقرير إقامة المباراة؟ يكذب اللواء حماد أيضا عندما يقول:”.. ولم يكن بعد هذا الصف أي صفوف أخرى..” بينما يقول الملازم أول عبد الكريم النحلاوي في شهادته أمام المحكمة العسكرية في دمشق وفق ما جاء بالمحضر رقم (30) والذي أنكره النحلاوي في شهادته على قناة الجزيرة، يقول:”.. وخلف هذا الصف من الكراسي يوجد صفّان فارغان من الكراسي لم يسبق أن شاهدت وضعهما في المباريات السابقة..”

ويكذب اللواء حماد عنما يقول:”.. وما كاد يلمح العقيد عدنان دخول العميد توفيق نظام الدين فكان مؤدبا جدا في منتهى الأدب فترك مقعده ودعا العميد توفيق نظام الدين للجلوس مكانه لعدم وجود أمكنة في الصف الثاني اللي كنا بنجلس فيه..” ذلك أن الأمر الإداري الصادر من قبل أكرم ديري لعناصر الشرط العسكرية وفق الأمر الإداري رقم 4212/س1 (يعين الملازم عيسى عجي مع كل من الرقباء الآتية أسماءهم منير فتوحي والرقيب أول يونس عبد الرحيم والرقيب أول ماجد حافظ والوكيل فارس عزي و الرقيب أحمد أيوبي للإشراف على تنظيم منصة المدعوين كما ويكلف بتوجيه المدعوين الى المقاعد المعدة لهم ويجري ذلك بالاتفاق مع ضابط الرياضة) إذن فالأماكن كانت معدة مسبقا، هذا ما يؤكده الرقيب أول ناصر هزير.. ويبين فيه كذب  اللواء حماد حينما يقول في شهادته في مخفر موقع دمشق:”.. فوقفت أنا من أمام المنصّة وعلى يمينها كي أحافظ على نظام الجلوس في الكراسي المعدّة لبطاقات الدعوة، والموجودة أمام المنصّة..” ، وفق الأمر الإداري الذي نصه أكرم ديري نفسه وشهادة الرقيب ناصر هزير، إن هذا الوصف الدراماتيكي لمجريات الأحداث، يشير الى أن اللواء حماد كان وراء اقتراح وتنفيذ وضع الحاجز خلف المنصة الرئيسية باعتباره الوحيد الذي أشار اليه وبرر وجوده (لحجب الرياح) عن المنصة مبررا أن وراء هذه الألواح صيادون يصطادون العصافير عندما سمع الطلقات الأولى؟!

يقول الرقيب أول في إفادته في المخفر المذكور:”.. فالتفتُ وإذ بالضبّاط يحملون العقيد عدنان المالكي مضرَّجاً بدمه، وأثناء ذلك أي بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس أكرم ديري يسرع خلف المنصّة، فرافقته في نظري، وبهذه الثانية صدر طلق آخر. كان الرئيس أكرم يقف فوق شخص يقول له قتيل مرمي في الأرض ويقول له “قتلت حالك يا كلب” فنظرت في وجه القتيل، وإذا به الرقيب الأول يونس عبد الرحيم..” مما يشير الى أن هناك فاصلا زمنيا بين الطلقتين اللتين استهدفتا العقيد المالكي والطلقة الثالثة والتي كانت على الأرجح من أحد شخصين، أولهما أكرم ديري وثانيهما عبد الكريم النحلاوي حيث كانا يجلسان الى يسار المنصة الرئيسية جنبا الى جنب، يقول عبد الكريم النحلاوي في ذات المحضر الذي أنكره:”.. وقد جلست بجانب الرائد أكرم ديري، على حذاء صف العقيد مالكي تماماً في الجهة اليسرى بالنسبة للناظر نحو الملعب، وفي الصف الثاني من الكراسي الكائنة على يسار المنصّة بالنسبة للناظر للملعب..” يضيف واصفا ردة فعله ـ على قناة الجزيرة قائلاً:” بعد بدء المباراة بثلاثين دقيقة تقريبا سمعت صوت طلق ناري عادي صادر من الناحية الخلفية فالتفتت وإذ بي أرى الرقيب يونس عبد الرحيم وكان واقفا خلف الصفين الفارغين الكائنين وراء صف العقيد المالكي ولم يكن فيهما أي شخص ويقع مكان وقوفه حذاء واحد تقريبا من العقيد المالكي والأشخاص الجالسين أمامه أي الزعيم شقير أيضا ، وفور التفاتتي الى الرقيب يونس المذكور، سمعت معه صدور طلقة أخرى وهي القاتلة (أي الطلقة الثانية )، ورأيته مادا يده يسدد على امتدادها باتجاه العقيد المالكي، وقد اضطربت لهذه المشاهدة ونهضت فورا واتجهت نحو القاتل وكان على بعد ثلاثة أمتار من مكان جلوسي وعلى مبعدة متر ونصف خلف العقيد وقبل أن أصل اليه لم تنطلق معه الطلقة الثالثة التي أطلقها أيضا اذ أجدبت، فرأيته يبدل الطلقة بأخرى يخرطشها ليتابع الاطلاق وعندما رآني اقترب منه سدد المسدس نحوي ولكنه خوفا من أن يُقبض عليه حيا أدار فوهة المسدس نحو صدغه الأيمن وأطلق الثالثة التي انطلقت ، وقي ذلك الوقت كنت قد وصلت اليه تماما وأخذت المسدس منه ووقع على الأرض والتفت تحو صفوف المنصة فشاهدن العقيد يترنح على الكرسي الجالس عليه ثم يقع على الأرض..” وهنا لا بدَّ من الأخذ بعين الاعتبار الفارق الزمني بين الطلقتين اللتين أودتا بحياة العقيد المالكي والثالثة (أو بالأخرى الرابعة كما سنتبين لا حقا) التي أصابت الشهيد يونس عبد الرحيم في ساقه الأيسر، ، فوفق شهادة الرقيب أول ناصر هزير انطلقت الطلقة الثالثة بينما كان العسكريون يحملون على أكتافهم العقيد وبين ادعاء عبد الكريم النحلاوي بأن العقيد كان ما يزال جالسا في مقعده حين اطلق الشهيد يونس على نفسه الطلقة الثالثة.. يكذب عبد الكريم النحلاوي في شهادته هذه، فهو وكما يقول، فور انطلاق الطلقة الأولى(  وفور التافتتي الى الرقيب يونس المذكور، سمعت معه صدور طلقة أخرى..) أي الطلقة الثانية، أي أن الرقيب يونس والذي كان تحت بصره لم يكن مطلقها، عندما سمع صوت الطلقة الثانية، ومما يعني أيضا أن الفاصل الزمني بين قيامه من مقعده ووصوله الى حيث الشهيد يونس هو الفاصل بين الطلقتين الأوليتين والطلقة ألثالثة والتي أصابت الشهيد يونس من مطلق النار المتستر بالحاجز الفاصل بين المنصة وما وراءها..

هذا مشهد يتكرر في إفادات كثيرة منها ما يتفق وشهادة الرقيب ناصر هزير ومنها ما يؤكد شهادة عبد الكريم النحلاوي وفي شهادة اللواء حماد الذي صرح على قناة الجزيرة بما يلي:” ، وجلس العميد توفيق نظام الدين بجانبي ولسوء الحظ انتقل العقيد عدنان إلى الصف الثالث الذي كان ورائي مباشرة ولم يكن بعد هذا الصف أي صفوف أخرى، كان موجود بعد الصف الثالث الحراس اللي بيحرسوا المدرج وهم من الشرطة العسكرية وده اللي ساعد القاتل على أن يضع المسدس بينه وبين دماغ أو رأس عدنان المالكي سنتمترات ما فيش تنشين ولا حاجة حطه قدامه على طول، بعدين فجأة وخلال هجمة من فريق الجيش السوري على الفريق المصري كلنا منتبهين إلى هذا الموضوع إذا بنا نسمع أصوات طلقات رصاص فظيعة متواصلة وبعدين أنا وجدت كل من في المدرج يلقي بنفسه على الأرض( إلا جمال حماد)   علشان خاطر أنا مش عارف إيه الحكاية.. أيوه أنا شفت ده، هو شفته بوضوح لأنني كنت عمال أكلم عدنان المالكي، حتى الصور اتخذت تجدني أنا باصص للخلف وبأكلمه وهو بيكلمني وبعدين أنا التفت على الهجمة بقى اللي حصلت فراح ذاك حاطط المسدس وراء رأسه مباشرة ببضع سنتمترات وأطلق النار، أنا بقى بصيت شفت لقيت القاتل بيحط المسدس في اتجاه صدغه وأطلق النار وشفت اللهب بتاع الطلقات اللي ضربها على صدغه” اللواء جمال حماد يؤكد انتحار الشهيد يونس حتى أنه رأى اللهب ( بتاع الطلقات..) نجد( في المحضر رقم 31 )  و الذي يتضمن شهادة أحمد الفتيح امين عام وزارة التربية يقول:” وقد رأيته يتحرك من مكانه إلى الخلف بنصف متر تقريباً، بحيث أصبح مكان وقوفه بعد ذلك على حذاء العقيد مالكي تماماً، ورأيته يصوب المسدّس إلى رأسه وأطلق النار على نفسه، ثم ترنح فرأيت شخصاً عسكرياً لم أنتبه إلى رتبته أو إلى هيئته إطلاقاً، يقترب منه قادماً من الجهة اليمنى بالنسبة له، وعسكرياً آخر لم أعرف رتبته ولم أنتبه إلى رتبته إطلاقاً، يتقدّم نحوه قادماً من الجهة اليسرى( وفق شهادة الفتيح فإن أكرم ديري جاء من الجهة اليسرى بعدما ـ ووفق شهادة هزير “بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس أكرم ديري يسرع خلف المنصّة، فرافقته في نظري، وبهذه الثانية صدر طلق آخر” ـ . حين أوشك الرقيب الأول القاتل على السقوط، وبعد وقوعه على الأرض أمسك به من كان قادماً من الجهة اليسرى (أكرم ديري)، وحرّكه بحركة لم أنتبه إليها تماماً، عند ذاك التفتُّ جهة العقيد مالكي فوجدته جالساً على كرسيه بصورة طبيعية وحانياً رأسه إلى الجانب، ورأيت الدم ينفر من جانب “نقرته” من الجهة اليسرى بغزارة، فعلمت عندئذ أن إطلاق النار من قبل الرقيب القاتل كان موجهاً إليه،) إذن وفي اللحظة التي انطلقت فيها الرصاصة الثانية القاتلة توجه كلٌ من أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي فأحاطا بالشهيد يونس وأردياه قتيلا، اذن أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي  كانا يجلسان بجانب بعضهما البعض وبعد سماعهما صوت الطلقات الأولى والثانية، توجه عبد الكريم النحلاوي مباشرة نحو الشهيد يونس بينما توجه أكرم ديري الى خلف المنصة ومن ثم الى الشهيد يونس، فالمسافة الزمنية بين الطلقتين الأوليتين والطلقة الثالثة كانت كافية ليتأكد أكرم ديري من فرار القاتل الكامن وراء حاجز حماد ويعود الى الشهيد يونس ويرديه قتيلا ..

وفي نفس اليوم الذي وقعت في حادثة الاغتيال أُخذت شهادة كامل البني كشاهد عيان والذي قال:” وبفعل منعكس التفتُّ إلى جهة الصوت فأبصرت شخصاً عسكرياً وبيده المسدّس مشهراً ووجهه ممتقع، وهو يحمله بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم، فصحت فوراً.. وإذا بي أشاهد الطلق الثاني ينطلق إلى جهة المنصّة الرئيسية ( البني الذي رأى الشهيد يونس مشهرا مسدسه وهو يحمله بوضعية الحذر والهجوم لم ير الشهيد يونس يطلق النار على المالكي بعد الطلقة الأولى لكنه بعد الطلقة الثانية رأى الشهيد يونس يعالج مسدسه ولم يره يطلق الطلقة الثانية باتجاه العقيد.. فكيف لم بره يطلق الطلقة الثانية على العقيد وهو المتابع لحركة الشهيد يونس قبل الطلقة الثانية؟؟؟)، وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت أن صاحب المسدّس أخذ يعالجه، كان المسدّس توقف عن الانطلاق، وكان بعض الموجودين من الضبّاط على المنصّة الرئيسية قد أسرعوا نحوه، وكنت في هذه الفترة أتقدّم بسرعة نحوه وأنا أصيح، فانطلقت الثالثة ولا أدري كيف كان اتجاهها، و كنت لاحظت أن صاحب المسدّس بعد الطلقة الثانية أخذ يتراجع إلى الخلف، ولم أنتبه إذا كان وهو يتراجع قد ولى ظهره للناس، أو مازال مولياً وجهه نحوه، ولما شاهدت العقيد مصاباً اتجهت نحوه ولم أعرف ما جرى للمعتدي، وقد أحاط الضبّاط بالعقيد وحملوه، وقد استرخى رأسه والدماء تنزف منه” على الرغم من أن كامل البني وهو بعثي، يؤكد وجود الفتيح الى جوار العقيد، على خلاف الصورة، لكنه لا يشبر إلا الى الطلقتين الأوليتين أما الثالثة فقد سمعها دون الإشارة الى كونها استقرت في رأس الشهيد يونس مما يعني أنه لم يرَ أن الشهيد يونس قد انتحر وفق مزاعم حماد والنحلاوي..

4 – هكذا يؤكد البعض بينما ينفي الآخرون انتحار الشهيد يونس، لكن المسافة الزمنية بين الطلقتين الأوليتين والطلقة الثالثة هي التي تحسم الموضوع، ما يمكن الركون اليه وفق أقوال الشهود هو تأكيد الشاهد ناصر هزير على أنه في اللحظة التي انطلقت فيها الطلقة الثالثة كان العقيد محمولا على أكتاف الجنديين، وليس كما ادعى الفتيح والنحلاوي أن العقيد كان ما يزال على مقعده، فبالعودة لشهادة النحلاوي تبقى المسافة التي قطعها بين مقعده ومكان تواجد الشهيد وإعادة الشهيد يونس تلقيم مسدسه هي المسافة الزمنية الفاصلة بين الطلقتين الأوليتين والطلقة الثالثة ، هذا ما يؤكده البني في شهادته أيضا، عندما يقول:” وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت أن صاحب المسدّس أخذ يعالجه، كان المسدّس توقف عن الانطلاق، وكان بعض الموجودين من الضبّاط على المنصّة الرئيسية قد أسرعوا نحوه، وكنت في هذه الفترة أتقدّم بسرعة نحوه وأنا أصيح، فانطلقت الثالثة ولا أدري كيف كان اتجاهها..”  يؤكد البني أنه لم ير الشهيد يونس ينتحر وإنما قتل والقاتل واحد من اثنين، أكرم ديري وفق الشاهد هزير والنحلاوي وفق شهادته بالذات.

إذا صحَّ ما تقدم، فمقتل الشهيد يونس، يؤكد أن مؤامرة حيكت لتصفية العقيد المالكي المزاحم لشقير على رئاسة الأركان باتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي بالتخطيط لمقتله لمعارضته غير المعلنة للوحدة مع مصر، وهو الموقف الذي قد يجمع بين الحزب والمالكي في هذه المؤامرة.

لكن ما يزيد الترجيح المتقدم رجحانا، هو ما أشار اليه الرقيب أول ناصر هزير بقوله:” وأثناء جلوسنا، وإذ برقيب طويل الجسم عريض المنكبين ممتلئ الصحة أسمر اللون على رأسه عمرة من عمرات الجيش القديمة “مبرغلة” يتقدّم نحونا ويسألنا من هو الرقيب يونس عبد الرحيم، فأشرت على يونس بيدي وقلت له “حضرته” فقال له الرقيب “بتسمح أنا عاوزك لك معي مكتوب” فنهض يونس من مكانه ومشى مع ذلك الرقيب حتى وقفا بعيداً عنا قليلاً، وتحت شجرة من شجر الكينا هناك.. وشاهدت الرقيب وقد أخرج من جيبه ورقة عادية دون مغلف ومطوية بيضاء فتحها يونس وقرأها ووضعها في جيبه في البنطلون، وعاد بعدها يونس وجلس على نفس الكرسي السابق، وذهب الرقيب الطويل بحال سبيله ولم أعد أراه بعد ذلك مطلقاً.” تلك الورقة التي دسَّها الشهيد يونس في جيبه بعد قراءتها، لم تظهر في مختلف مستندات القضية ولم يأتي أحدا على ذكرها، فهل بقيت في جيب الشهيد ولم ينتبه اليها أحد، أم أنها صُدرت واختفت كغيرها من الوثائق الكثيرة التي تنفي التخطيط والتنفيذ السوري القومي الاجتماعي لهذه المؤامرة!!

ما الذي كانت تتضمنه تلك الرسالة التي حملها شخص لا يعرفه الشهيد يونس؟ هي بالتأكيد لا تتعلق بأي شأن عائلي خاص ليحملها اليه شخص لا يعرفه، أم أنها رسالة تتضمن تحذيرا حزبيا من القيام بأي عمل طائش ضد العقيد المالكي؟ أو أمرا حزبيا بضرورة تنفيذ ما تمَّ الاتفاق عليه؟ ومن كان مرسلها؟ ولماذا اختفت على الرغم من أن الرقيب أول ناصر هزير قد أشار اليها مما كان يتوجب العودة لجثمان الشهيد لتفقدها وتفقد مضمونها!!!

إن في اختفاء هذه الرسالة، ما يشير الى أنها لا تتفق ونسق سير المؤامرة، بل إنها تأكيد على أن الحزب لا علاقة له بهذه المؤامرة، ومهما يكن من أمر مضمونها، فاختفائها يترك تساؤلات عدة عن مرسلها! ومن هو هذا الشخص الذي سلمها له؟ مختلف التساؤلات الواردة أعلاه تم تجاهلها من قبل هيئة المحكمة ومحاضر الاستجواب، مما يترك مجالا رحبا للتساؤل عن سبب اختفائها..

هنا لا بدَّ لنا، استطرادا، من لفت الانتباه لما تعنيه تبرئة الحزب من جريمة اغتيال المالكي واتهام جهة مسؤولة فيه بذلك؟

يتشدق كثيرون بشهادات لأشخاص يبرؤون الحزب من هذه الجريمة، أبرزهم على الاطلاق كان عصام المحايري الذي أكد أن جهة ما هي المسؤولة عن هذه الجريمة وعلى ضرورة الاقتصاص من منفذيها!!!

قد يكون عصام المحايري محقا فيما ذهب اليه، على الرغم من أنه لا يملك الدلائل على ما أكد عليه، لكنه في تأكيده المتقدم أخفى بل وعتَّمَ على من هم الضالعون في هذه المؤامرة، فتبرئة الحزب باتهام جهة مسؤولة فيه لا يعني براءته في أية حال، ومهما يكن من أمر هذه الجريمة التي عفى عليها الزمن، فإن العودة اليها تبقى شأنا حزبيا محضا يختص بتفاصيل دقيقة من تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكيف تمت معالجة قضاياه المصيرية بغباء عزَّ نظيره، كما وقد تلهم البعض من عناصر هذا الحزب لدراسة تفاصيل أخرى من تاريخه، على سبيل المثال المحاولة الانقلابية الفاشلة 1960 – 1961!! أو دراسة تاريخ شخصيات لعبت دورا مهما في تاريخه، على سبيل المثال، شوقي خيرالله، الذي كان على بعد أمتار من محاكمة سعادة وأول من علم بإعدامه وأول من شارك في الانقلاب الستيني وكان سببا من أسباب فشله..

5 – إن في اختفاء الرسالة التي حملها شخص لا يعرفه الشهيد يونس، وتاليا، عدم التحقيق في من هو مُرسلها ومن هو حاملها، يؤكد ما ذهب اليه “هاني الشمعة” بقوله (.. التحقيقات التي جرت مع أفراد هذا الحزب قد استدعت تغيير الحقيقة عدة مرات، واضطر عبد الحميد السراج وأكرم الديري والملازم أول عبد المجيد جمال الدين أن يتصدّوا للتحقيق، ويمزقوا كثيراً من الإفادات والأوراق لأنها لم تعجبهم ولم يقتنعوا بأسلوبها في تغيير الحقيقة..)

تولى عبد الحميد السراج بالتعاون مع شوكت شقير رئيس الأركان العامة، مسؤولية قاضي تحقيق عسكري بعدما أزاح الرائد صلاح يوسف أغا عن هذه المسؤولية كما أبعد العقيد محمد الرافعي كنائب عام عسكري ليتولى ذات المنصب، ونصَّبَ من نفسه مدعيا عاما، هكذا اجتمعت كل المهام الادعاء بيد السراج، وسارت بهديها المحاكمات.. وساعده في مجريات التحقيق أكرم ديري وعبد المجيد جمال الدين، هذا الذي حضر فجأة الى مسرح الجريمة متفحصا وجوه من تجمعوا حول الشهيد يونس.. يقول الرقيب ناصر هزير ( وحضر على إثرها إلى المنصّة(؟!) الملازم عبد المجيد جمال الدين، ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليل، ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالباً إليَّ الذهاب إلى المركز حيث أوقفت..) وما نعتقده أن هذا الأخير هو الذي نفذ عملية اغتيال العقيد المالكي، فحضوره المفاجئ وإشارته للوكيل منير فتوحي باعتقال الرقيب ناصر، تشير لما كان مخططا له حيث تولى أكرم ديري مهمة تهيئة الأجواء لهذه العملية فحدد للرقيب يونس مكانه، بناء على ما كان يعرفه عن الشهيد، أما المنفذ فكان عبد المجيد، فأكرم ديري كما يقول الشاهد ناصر هريز. وأثناء ذلك أي بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس أكرم ديري يسرع خلف المنصّة..) ـ خلف المنصة أي خلف الألواح التي وضعت لصد الرياح كما ادعى اللواء حماد،ـ رجل الأمن المصري او عبد المجيد جمال الدين، مشيرا اليه بالحضور الى المنصة.. ومن ثم عاد الى حيث الشهيد يونس فقتله أو سبقه الى ذلك عبد الكريم النحلاوي، مدعيا أنه انتحر.. هذا ما ينفيه اللواء الطيار المتقاعد راشد كيلاني في مذكراته إذ يقول: ( وجدت القاتل مرمياً على الأرض، فقد قُتل هو بدوره، من قِبَل أحد المشتركين في هذه المؤامرة، بقصد إخفاء الجريمة..) أما هاني الشمعة فيقول: (أعتقد أن مسألة اغتيال العقيد عدنان المالكي كانت معدّة وبشكل مسبق ودقيق.. إن عبد الرحيم لم ينتحر ولم يُقتل في ساحة الجريمة!!)

جاء في تقرير “الطبيب الشرعي” وفق ضبط محضر التشريح “كُلف الطبيب الشرعي العسكري المرشح متين طباخ لإجراء الكشف وبيان أسباب الوفاة بعد تحليفه اليمين القانونية المنصوص عليها في الملحق 41 من الأصول الجزائي. “الطبيبً متين طباخ، هو ضابط يؤدي الخدمة العسكرية وبرتبة مرشح!!! فلماذا لم يكلف طبيبٌ شرعي من العاملين في الجيش خاصة وأن الطبيب قاضي التحقيق العسكري صلاح يوسف آغا كان موجودًا في مقر الشرطة العسكرية قريبًا من المستشفى العسكري..

يشير محضر التشريح الى أنه (وجد في جثة المالكي مدخلين لطلقتين من عيار7 ملم..) بينما ورد في تقرير الكشف عن مكان الجريمة: “وقدم الملازم عبد المجيد جمال الدين من مرتبات الشرطة العسكرية، المسدّس الذي أقدم الرقيب أول يونس عبد الرحيم على قتل العقيد عدنان المالكي به ومن ثم استعمله لانتحاره، هو مسدّس من نوع قراقلا صنع تركيا عيار 9 ملم” .كذلك يشير محضر تشريح جثمان الشهيد يونس الى مدخل لطلقة من عيار 7 ملم فهل كانت هذه هي الثغرة التي كشفت أن الجريمة

محضر تشريح جثمان عدنان المالكي:

( في هذا اليوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر نيسان عام ألف وتسعمئة وخمس وخمسين- نحن الرئيس محمد الجراح معاون النائب العام العسكري بدمشق، بناء على الإخبار الهاتفي من قبل الشرطة العسكرية بوقوع اعتداء في الملعب البلدي فقد أسرعت من التلّ ووصلت المستشفى العسكري في الساعة الثامنة عشرة والخمس دقائق. وقد علمت أن المصاب العقيد عدنان المالكي موجود في غرفة التشريح. ولدى وصولي إلى هناك وجدت العقيد ممددًا على سرير، بل نقالة الإسعاف وهو شاب فوق الثلاثين من العمر يبلغ الخامسة والثلاثين طويل القامة. أبيض اللون. حليق اللحية والشارب ملطخ وجهه بالدماء وكذلك عنقه وعلى كتفه. وقد لوحظ في أعلى العظم الفقري على خط يوازي النائي الخشائي مدخل جرح بقطر سبعة مليمتر تقريبًا وهذا الجرح غير نافذ من الجهة الثانية ولوحظ على عينه اليمنى انتفاخ بلون أزرق شمل الجفن السفلي الأيمن. وكما لوحظ وجود مدخل جرح آخر في الكتف اليسرى عند التقائه مع أسفل العنق. وفوهة خروج بهذا الجرح في أسفل العنق الأيسر من أعلى الصدر بقطر ثمانية مليمترات تقريبًا وقطر المدخل سبعة مليمترات تقريبًا. والعقيد يلبس كلسون أبيض من نسيج الكتان.

ليس في جسمه آثار خلاف ما ذكر والشرشف الذي كان ملفوفًا فيه ملوث بالدماء تحت كتفيه. وقد كلف بكتابة هذا الضبط العريف أحمد حاضري رقم 62589 من فوج الشرطة العسكرية.

ومن أجل بيان أسباب الوفاة كلف الطبيب الشرعي العسكري المرشح متين طباخ لإجراء الكشف وبيان أسباب الوفاة بعد تحليفه اليمين القانونية المنصوص عليها في الملحق 41 من الأصول الجزائي. وقد قال لدى الاطلاع على جثة العقيد عدنان المالكي المعرف عنها بواسطة العريف أحمد حاضري والرقيب علي مرشاق. تبين أنها لشخص طويل القامة حليق اللحية والشارب أبيض اللون أشقر شعر الرأس تقريبًا. وفي الرأس على العظم الفقري وعلى خط يوازي النائي الخشائي فوهة دخول الرصاص غير نافذ قطر الفوهة نحو سبعة مليمترات. وعلى العين اليمنى انتفاخ أزرق يشمل الجفن الأسفل منها أيضًا. وكما أن آخر الكتف الأيسر عند التقائه مع أسفل العنق من الخلف مدخل رصاصة أي مرمى ناري بقطر سبعة مليمترات. وفوهة خروج بهذا المرمى واقعة في أسفل العنق من الأمام عند أعلى الصدر من الجهة اليسرى بقطر ثمانية مليمترات. فوهة الخروج مستديرة كفوهة الدخول. وقال الطبيب الشرعي بأنه سيقدم تقريرًا على حدة يبين فيه أسباب الوفاة وقد أنهى الكشف وختم في الساعة الثانية عشرة والنصف في المستشفى العسكري بحضور الطبيب الشرعي المرشح متين طباخ وطبيب المستشفى الرئيس الأول محمد حسن السعدي والرقيب الشرطي علي مرشاق وقد وقع على هذا الضبط من قبلهم.

دمشق في 22/4/1955

كاتب الضبط الرقيب علي مرشاق طبيب المستشفى الطبيب الشرعي العسكري معاون النائب العام العسكري

رسالة (راجع الملحق رقم1) عصام المحايري التي يُقر فيها بأن الحزب كان وراء الجريمة دون أية مستندات لديه، هي التي أعطت الضوء الأخضر للسراج لمتابعة مخططه في الصاق التهمة بالحزب

إن لإقرار عصام المحايري بأن ” حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين تعني، ويا للخجل أن هؤلاء خانوا الحزب وخانوا دستوره كما خانوا قسم المسؤولية الذي أدوه.. ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أياً كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”. لا يُبرئ الحزب، بل يدينه إدانة كاملة تامة مطلقة، إذ، ليس شرطاً، أن يعمم مسؤولو الحزب قراراتهم، السياسية بالتحديد، على القواعد الحزبية، خاصة ما كان منها متعلقاً بأمن الحزب، وهنا لا تنفصل ولا يمكن فصل المسؤولية فيتحملها المسؤولون دون الرفقاء، فالمسؤولية، هي مسؤولية الحزب، أكان المخطط رئيساً أم كان الرفيق منفذا، هذا لجهة المسؤولية الحزبية عن جريمة لم يرتكبها مسؤولو الحزب أو أيٍ من أعضائه، جريمة انطلت ادعاآتها على المسؤولين والرفقاء والمواطنين على مختلف مستوياتهم ومسؤولياتهم.. ذلك أن حبكتها كانت محبكة بشكل دقيق ومنظم، ومحسوبة ثوانيها ثانية إثر أخرى، أما لجهة أن التعذيب لم يطال عصام المحايري وحده، فقد يكون صحيحا، لكنه طال كل ما عداه، وقد أشرنا سابقا لهذه المسألة، لكننا نضيف ما يقوله الشهداء دبوسي ومخلوف وصواف أمام المحكم حيث أنكر الثلاثة مختلف الإفادات التي سجلها السراج والديري وجمال الدين، ودبجوها وفق ما كان مخططاً لها، يقول الرفيق الشهيد بديع مخلوف أمام المحكمة:” قبل أن أدلي بإفادتي ألتمس من المحكمة الموقرة أن تسمح ليبأن أعرض عليها مراحل التحقيق الذي جرى معي وكيفية أخذ الإفادات مني، فقلد انقضى علينا أربعة أشهر ونحن نتعذب، وننتظر اللحظة التي نقف فيها أمام محكمتكم لندلي بما لقيناه من عذاب فقد ضربنا ضربا شديدا وعذبنا عذابا لم يتعذبه المسيحيون الأوائل على أيدي الرومان والوثنيين، وأن التعذيب كان متنوعا، فلقد جُلدنا بالسياط وجرى التيار الكهربائي بأجسادنا كما هددت بإجراء الفعل الشنيع بي وبأخوتي لذلك فكل إفاداتي السابقة غير صحيحة ولقد أخذت مني تحت هذا التعذيب الفظيع..”

الشاهد محمود عردوس يقول:” والله أكلت قتلة وانا موقوف هيك وما بعرف ليش موقوف وبعمري ما انتسبت لحزب وما بعرف شو كانت افادتي كان محروق نفس نفسي.. لقد ضُربت قبل إعطاء الإفادة وبعدها، أكلت قتلة جحش ما بيحملها انني أكلت قتلة يوم إعطاء الإفادة وبعده “

أما الشهيد دبوسي فيقول ردا على سؤال المحكمة ـ سئل عن الجرائم المنسوبة اليه فأجاب:” إنني بريء من الجرائم المنسوبة إليَّ وكل ما ورد في إفاداتي السابقة مما يدينني قد أخذ مني تحت جميع أنواع التعذيب الوحشية.. وسئلَ: لماذا نفيت بعض الافادات ومنها أنك ستقتل العقيد اذا لم يقتله يونس؟ فأجاب:” لا صحة لإفادتي أمام قاضي التحقيق.. كانوا يتساهلون معي أحيانا بالإنكار..

للتعذيب تتمة، لكن التهمة تبقى هي أساس وجوهر هذه القراءة:

اغتيال المالكي كما هو مرجح، تمَّ باتفاق بين محمود رياض السقير المصري وعبد الحميد السراج وبشراكة مع أكرم الحوراني وبغطاء من شوكت شقير رئيس الأركان العامة، أما المنفذون فالمرجح أنهم أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي للتغطية على مطلق النار عبد المجيد جمال الدين أو أحد أفرادالسفارة المصرية في دمشق..

عدنان المالكي كان على عداء مع كل من شوكت شقير وعبد الحميد السراج كما كان على خلاف مع غسان جديد وكذلك مع أكرم الحوراني، على خلفية وقوف الأخير ضد ترشيح أخيه رياض للانتخابات عام 1954 وهذا ما أثار العقيد عدنان المالكي ودفع بأكرم الحوراني لتكليف النقيب بشير صادق بإبلاغ البعثيين مدنيين وعسكريين وجوب مهاجمة العقيد المالكي في المحافل والمناسبات كافة وإفشال مخططاته ومساعيه والتبرؤ منه ونفي أية علاقة له بحزب البعث العربي الاشتراكي.. وعلى الرغم من تفجعه على اغتيال المالكي، في مذكراته، وعدم سؤاله عن الجهة المنفذة للجريمة، فإن ما نُقل عن لسانه من أحد المقربين اليه، يبدو صحيحا ” منيح يلي قتلوه وإلا كنا رح نتدابح معو..”

أما بالنسبة لمحمود رياض فكان عداء المالكي له يقوم على أن السفير المصري كان يتدخل في كل كبيرة وصغيرة في سورية، هذا ما نقلته أيضا زوجة عفيف البزري القائد العام للجيش والقوات المسلحة، عن لسان زوجها لدى لقائه بمحمود رياض، تقول:”.. ﻜﺎﻨﺕ ﻤﺘﺎﻋﺒﻲ ﻜﺜﻴﺭﺓ ﻤﻊ ﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﺤﺘﻰ ﻀﻘﺕ ﺒﻪ ﺫﺭﻋﺎً. ﺍﺴﺘﺩﻋﻴﺘﻪ ﻭﻗﻠﺕ ﻟﻪ “ﺃﺭﻴﺩ ﺃﻥ ﺃﻓﻬﻡ ﻤﻌﻨﻰ ﺘﺼﺭﻓﺎﺘﻜﻡ ﻓﻲ ﺴﻭﺭية، ﺘﺘﺩﺨﻠﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺭﺓ ﻭﺍﻟﻜﺒﻴﺭﺓ ﻜﺄﻥ ﺒﻠﺩﻨﺎ ﺤﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻫﺭﺓ؟ ﺘﺸﺩﻭﻥ ﺃﺯﺭ ﻫﺫﺍ ﻭﺘﻔﺘﺭﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺫﺍﻙ. ﺘﻀﻌﻭﻥ ﺃﻴﺩﻴﻜﻡ ﺒﺄﻴﺩﻱ ﺍﻷﻭﺒﺎﺵ، ﺘﻭﺯﻋﻭﻥ ﺍﻟﺭﺸﺎﻭﻱ. ﺘﻅﻨﻭﻥ ﺸﻴﺌﺎً ﻴﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻨﺎ؟ ﺃﻟﻴﺱ ﺤﺭﺍﻤﺎً إعطاء ﺍﻷﻤﻭﺍل ﻟﺼﻌﻠﻭﻙ ﻭﺠﻤﺎﻋﺘﻪ ﺍﻟﺯﻋﺭﺍﻥ، ﻴﻜﺜﺭ ﺘﺨﺭﻴﺒﻬﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺩ، ﻴﺭﻜﺒﻭﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ، ﻭﻴﻼﺤﻘﻭﻥ ﺍﻟﺒﻨﺎﺕ، ﻭﻴﺭﻭﺠﻭﻥ ﺍلإﺸﺎﻋﺎﺕ ﻴﺸﻭﻫﻭﻥ ﺴﻤﻌﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻤﻌﺭﻭﻓﻴﻥ ﺒﻨﻅﺎﻓﺘﻬﻡ ﻭﻴﺭﻓﻌﻭﻥ ﺸﻌﺒﻴﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻻ ﺘﺴﺘﺄﻫل إﻻ ﺍﻟﺼﻔﻊ.. ﻤﺎﺫﺍ ﺘﺭﻴﺩﻭﻥ ﺒﻬﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ؟ ﻤﺎ ﺩﺨﻠﻜﻡ ﺒﻤﺸﺎﻜﻠﻨﺎ ﻭﺨﻼﻓﺎﺘﻨﺎ؟ ﺠﺎﻴﻴﻥ ﺘﻤﺩﻨﻭﻨﻨﺎ؟ ﻨﺤﻥ ﻫل ﻨﺘﺩﺨل ﺒﻤﺸﺎﻜﻠﻜﻡ ﻭﺨﻼﻓﺎﺘﻜﻡ؟ ﺃﻤﻭﺭﻨﺎ ﺃﺨﻲ ﻨﺤﻥ ﻨﺤﻠﻬﺎ.. ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺭﺸﻭﺍﺕ اﺼﺭﻓﻭﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺸﻌﺒﻜﻡ ﺍﻟﺠﺎﺌﻊ، ﺍﺒﻨﻭﺍ ﺒﻀﻌﺔ ﻤﺩﺍﺭﺱ ﻴﻨﻘﺹ ﻤﻥ ﻋﻨﺩﻜﻡ ﺒﻀﻌﺔ ﺃﻤﻴﻴﻥ.. ﺍﻓﺘﺤﻭﺍ ﻟﻜﻡ ﻤﺴﺘﺸﻔﻰ ﻫﻨﺎ ﻭﻤﺴﺘﺸﻔﻰ ﻫﻨﺎﻙ ﻴﺨﻠﺹ ﻤﻥ ﺍﻟﻭﺠﻊ ﺒﻀﻌﺔ ﻤﺭﻀﻰ.. ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺃﻨﺕ ﺴﺎﻜﺕ؟ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ ﻴﺭﻀﻰ ﻋﻤﺎ ﺘﻔﻌﻠﻪ؟ ﺴﺄﺒﻌﺙ إليه ﺒﺭﺴﺎﻟﺔ ﺃﺴﺎﻟﻪ..).

وتتابع الأيوبي نقلاً عن زوجها أن السفير المصري ردّ قائلاً: (ﻭﺍﷲ ﻋﻡ ﺘﺤﺭﺠﻨﻲ ﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﻘﻴﺩ.. ﺃﻨﺎ ﻤﺎﺍﻋﺭﻓﺵ ﻏﻠﻁﻲ. ﻤﺵ ﻋﺎﺭﻑ ﺍﻟﻠﻲ ﻤﺯﻋﻠﻙ ﻤﻨﻲ.. ﺤﻘﻙ ﻋﻠﻲ أن ﻜﻨﺕ ﻏﻠﻁﺎﻥ، ﺒﺱ ﺨﻠﻠﻲ ﺩﻱ ﺒﻴﻨﻨﺎ ﻤﺎ ﻴﻨﻘﻁﻌﺵ ﻋﻴﺸﻲ، ﺘﺤﺭﻙ ﻏﻀﺏ ﺍﻟﺭﻴﺱ ﻋﻠﻲ.. ﺃﻨﺎ ﻤﺵ ﻗﺼﺩﻱ إﻻ ﺍﻟﺨﻴﺭ.. ﻤﺼﺭ ﻭسورية ﺩﻭل أخوات.. ﻜﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﻤﺼﺭ ﻓﺩﺍ سورية.. ﻴﻤﻜﻥ ﺃﻨﺎ ﺒﺨﺒﻁ.. ﻤﺎ ﺍﻋﺭﻓﺵ ﻜﻭﻴﺱ ﺃﺘﺼﺭﻑ.. ﻋﻨﺩﻜﻡ ﻫﻭﻥ ﻤﺜل ﻤﺎ ﺒﺘﻬﻴﺄ ﻟﻲ ﺸﻭﻴﺔ ﺤﺴﺎﺴﻴﺎﺕ.. ﻨﺎﺱ ﺒﺘﻜﺭﻩ ﻨﺎﺱ، ﻭﻨﺎﺱ ﺒﺘﻐﻴﺭ ﻤﻥ ﻨﺎﺱ، ﻭﻨﺎﺱ ﺒﺘﻔﺘﺭﻱ ﻋﻠﻰ ﻨﺎﺱ.. – ﻻﺯﻡ ﺘﻌﺭﻑ ﺃﻨﺎ ﻋﻤﺭﻱ ﻤﺎ ﺍﻓﺘﺭﻴﺕ ﻭﻻ ﻜﺭﻫﺕ ﺃﺤﺩﺍ ﻟﺴﺒﺏ ﺸﺨﺼﻲ.. ﺼﺤﻴﺢ ﻫﻨﺎﻙ ﺘﻴﺎﺭﺍﺕ، ﺃﻨﺎﺱ ﻴﺭﻴﺩﻭﻥ ﺒﻴﻊ ﺃﻨﻔﺴﻬﻡ، ﻭﺃﻨﺎﺱ ﺒﺎﻋﻭﻫﺎ، ﻭﺃﻨﺎﺱ ﻴﻨﺘﻘﻠﻭﻥ ﻓﻲ ﺴﻭﻕ ﺍﻟﻨﺨﺎﺴﺔ ﻤﻥ ﺴﻴﺩ ﻵﺨﺭ.. ﻫﺫﻩ ﺍﻷﺸﻜﺎل ﺘﺠﺩﻫﺎ ﻓﻲ ﻜل ﻤﻜﺎﻥ ﻤﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ.. ﺃﻨﺎ ﻜل ﻤﺎﻴﻬﻤﻨﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ ﻭﺴﻴﺎﺩﺘﻪ ﻭﺤﺭﻤﺘﻪ، ﻭﺃﻗﻑ ﻓﻲ ﺼﻑ ﺠﻤﺎﻫﻴﺭﻩ ﺃﻋﺎﺩﻱ ﻤﻥ ﻴﻌﺎﺩﻴﻬﺎ ﻭﺃﺼﺎﺩﻕ ﻤﻥ ﻴﺼﺎﺩﻗﻬﺎ.. ﻓﻲ ﺠﻭ ﺍﻟﻤﺅﺍﻤﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺤﺎﻙ ﻋﻠﻰ سورية ﻤﻥ ﻭﺍﺠﺒﻲ إنقاذها ﻭﻓﻀﺢ ﺍﻟﺨﻭﻨﺔ ﻓﻴﻬﺎ.. ﻭﺍﻟﺠﻴﺵ ﻤﻌﻲ ﻓﻫﻡ ﺃﺒناء ﻫﺫﻩ ﺍﻷمة ﺍﻷﺒﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻤﺎ ﺃﺤﻨﺕ ﻋﺒﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻴﺦ ﺭﺃﺴﻬﺎ..- ﺃﻨﺎ ﺒﺘﻤﻨﻰ ﺘﻔﻬﻤﻨﻲ ﻜﻭﻴﺱ.. ﻤﺎ ﻴﺤﺼﻠﺵ ﺴﻭﺀ ﺘﻔﺎﻫﻡ ﺒﻴﻨﻨﺎ.. ﺩﻨﺎ ﺒﻌﺘﺯ ﺒﺼﺩﺍﻗﺔ إنسان ﺯﻴﻙ.. ﻟﻪ ﻤﺜل ﻭﻋﻴﻙ ﻭﺠﺩﺍﺭﺘﻙ، ﺩﻨﺎ ﻋﻨﺩﻱ ﻜﺴﺏ ﺜﻘﺘﻙ ﺒﻌﻤﺭﻱ.)

ﻜﺎﻥ ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻴﻠﻭﻡ ﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﻭﻴﻘﻭل ﻟﻪ “ﻫل ﺘﺘﻌﺎﻤﻠﻭﻥ ﻤﻊ ﺯﻋﺭﺍﻥ؟” ﺩﻤﺸﻕ ﻜﺎﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺩﻋﺎﻴﺔ ﻤﻀﺎﺩﺓ ﻟﻠﺒﻜﺎﻴﺸﺔ ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻗﻀﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺍلإﺨﻭﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻥ.. ﻭﻜﺎﻥ ﻴﺸﺎﻉ ﺒﺄﻥ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻨﺎﺼﺭ ﺤﺭّﺽ ﻓﻴﺼل ﻋﺴﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻗﺘل ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻓﺭﻓﺽ..” وتتابع الأيوبي بالقول: “ﻟﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﻤﻭﺍﻗﻑ ﻤﺸﺒﻭﻫﺔ ﺘﻀﻊ ﻋﻠﻰ ﺘﺼﺭﻓﺎﺘﻪ ﻋﻼﻤﺔ ﺍﺴﺘﻔﻬﺎﻡ ﻜﺒﻴﺭﺓ. ﻭﻜﺎﻥ وراء ﻗﺘل “ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ” ﻜﻤﺎ ﻋﺭﻓﺕ ﻫﺫﺍ ﻤﺘﺄﺨﺭﺍً..” وعلى الرغم من أنها تشير الى شراكة بين عبد المسيح وغسان جديد كمخططين ومنفذين لهذه الجريمة، واتفاقهما مع عبد الناصر، كما تقول، يبعد الشبهة عنهما طالما أن الحزب كان ضد الوحدة مع مصر وهذا ما وضعه بنفس الخانة التي أشارت لها حول المالكي، وطالما أنها نقلت ما أسرَّ لها به جبران جريج عن مسؤولية عبد المسيح في جريمة المالكي ويونس عبد الرحيم…!!

كان العداء مع غسان جديد قد انتهى بإقالة الأخير وتسريحه من الجيش، أما عداءه لشوكت شقير وعبد الحميد السراج فقد اصطدم بكثير من العقبات التي حالت دون إمكانية إزاحتهما، اذ كانت لهما صداقات مع المقربين من العقيد المالكي وبعض الضباط المتنفذين.. ينقل شمس الدين العجلاني عن الضابط ” محمد معروف” (رئيس المكتب الثاني بعد انقلاب الحناوي ) ،  قوله:” كان عدنان المالكي منذ أن تسلم الشعبة الثالثة بعد ذهاب الشيشكلي قد ناصب العداء كلا من شوكت شقير رئيس الأركان، والمقدم عبد الحميد السراج رئيس الشعبة الثانية وعمل على إزاحتهما ، وحملهما الكثير من التبعات التي حصلت أثناء حكم الشيشكلي، ولولا مساندة العقيد أبو عساف لشقير وكان له كلمة نافذة في الجيش كما كانت تجمعهما بعض الروابط الاجتماعية، ولولا بعض رفاق السراج من حماة، عسكريين ومدنيين، لكان عدنان المالكي أبعدهما منذ اليوم الأول من عودته الى الجيش، وهما كانا يعلمان بذلك..”

نقطة الضعف التي كانت منفذا لتنفيذ إزاحة المالكي، كانت غسان جديد، فهو “العلوي” المسرح من الجيش والمنتمي لحزب ينتمي معظم ابناء طائفته له، خاصة والأجواء كانت ما تزال مشحونة ضد الطائفة العلوية، فقد أعدم شنقا سليمان المرشد، وتبع ذلك اغتيال الرفيق مجيب المرشد،وكان الحزب يناصب الوحدة مع مصر العداء لتعارضها مع مبادئه، كما كان العقيد المالكي يناصبها العداء، ويقف حجرة عثرة في وجه محمود رياض وممتعض من تدخلاته في الشأن السوري، وخوفا من أن يتطور هذا العداء لوحدة بين طرفيه، كان لا بد من التخطيط لإزاحتهما معا، “عصفورين بحجر واحد”..

هذه هي الأجواء التي مهدت لاغتيال المالكي، ما تلى ذلك مجرد كلام، “فحاميها حراميها” كما يقول المثل الشعبي و” بيقتل القتيل وبيمشي بجنازتو” هكذا تنطح السراج للدفاع عن المالكي بعد اغتياله..

ناصر هزير، أول الموقفين دون الآخرين المتواجدين لحراسة المنصة، بناءً على أوامر من أكرم ديري؟!! وتوقيفه يثير جملة من التساؤلات: ناصر هزير يقول في افادته” وحضر على إثرها إلى المنصّة الملازم عبد المجيد جمال الدين، ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليل، ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالباً إليَّ الذهاب إلى المركز حيث أوقفت.” لماذا أشار عبد المجيد الى الوكيل بتوقيف الرقيب ناصر؟ هل لكونه آخر الذين التقوا الشهيد يونس؟ وفق ما جاء بإفادته، هناك احتمال أن تكون نظرات الرقيب ناصر لعبد المجيد قد أثارت شكوك الأخير حوله؟! مما يضفي على توقيفه دون الآخرين الموجودين على المنصة، مزيدا من الشكوك حول الدور الذي لعبه عبد المجيد في “لعبة الاغتيال” وفق تعبير هاني الشمعة..

لم يأتِ الرقيب أول ناصر هزير وهو أول الموقوفين، على ذكر أيٍ من الشهيدين بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي كما لم تشير محاضر الاستجواب الى استجواب أي من المكلفين بحراسة المنصة، كشهود عيان على الحادثة للدلالة على أي منهما، فكيف تم الاستدلال عليهما بعد ساعات من وقوع الحادث؟..

فإذا ابتدأت المباراة في تمام الساعة الثانية والنصف تماما، وكان إطلاق النار على العقيد المالكي وبعده على الرقيب الشهيد يونس عبد الرحيم في الساعة الخامسة إلا عشرين دقيقة، وكان اعتقال الشهيد عبد المنعم دبوسي في تمام الساعة التاسعة مساءً وفق ما جاء بإفادة زوجة الشهيد دبوسي:” .. وحوالي الساعة التاسعة إلا ربع، عاد وأخذني الى البيت وما كنا نجلس حتى حضر شرطيان عسكريان وألقيا القبض عليه..” مما يعني أن بيت عبد المنعم كان مراقبا ولأنه فور دخوله تمَّ القبض عليه، لسنا هنا معنيين بمتى أمر الشرطيان العسكريان بمراقبة البيت، لكننا نشير الى المسافة الزمنية التي انتهى فيها التحقيق لإلقاء التهمة على دبوسي بالشراكة بالجريمة، إنها فقط أربع ساعات، كانت كافية لوصول دبوسي ومنعم الى لبنان، لو كان ما اتهما به حقيقيا، كما أشرنا سابقا.. كما وألقي القبض على الشهيد بديع مخلوف في الشارع وبتمام الساعة الثامنة والنصف أي بعد حوالي الثلاث ساعات والنصف.

عصام المحايري اعتقل قبل الشهيدين بساعتين، الساعة السابعة، أي بعد ساعة من الكشف الطبي على جثماني يونس والمالكي من قبل عبد الحميد السراج..

عندما نطرح تساؤلاتنا، فإننا نتهم المعني في التساؤل، ففي التساؤل إجابته، والوقائع واضحة وضوح الشمس، وليس فيها أيُّ التباس، فلقد أُخذ الحزب ومعه جماهيره ومواطنيه على حين غرة، ولم يبقى أمامهم سوى الاعتراف بجناية لم يرتكبها أيٌ من قياداته أو أعضائه، في المحاكمات، استمع كافة المتهمين لأقوال الشهداء عبد منعم دبوسي وبديع مخلوف، كذلك إبراهيم الصواف وهزير وعردوس، ما تبقى من شهود، كانوا في أكثريتهم شهود زور، كان على المتهمين كافة، اعتماد أقوال الشهداء مخلوف ودبوسي، والشهود الذين أكدوا بشكل أو بآخر على براءتهم مما نُسب إليهم، لا أن يردوا على الاتهام بالتبرير، وأن يصححوا تساؤلات أيٍ من أعضاء المحكمة والادعاء العام ولا أن ينساقوا في السياق الذي أراده المتآمرون الحقيقيون، كان الواجب يقتضي تبرئة رئيس الحزب آنذاك، جورج عبد المسيح ومعه الشهيد المقدم غسان جديد لا اتهامه، كان لاتهام عبد المسيح في التخطيط للاغتيال، أثره على مجرى التحقيق، إذ أن الاتهام أكد تورط بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي ويونس عبد الرحيم في التنفيذ وقاد الى إعدامهما كما تمت التغطية على من أطلق النار على الشهيد يونس والعقيد المالكي، ولم تقف الأمور عند هذا الحد بل كان في اتهام عبد المسيح تغطية بل وتعمية على المخططين لهذه الجريمة وعلى القاتل الحقيقي، كما أسلفنا سابقا..

هاني الشمعة، كان أكثر موضوعية من كل من كتب في هذه الواقعة التي انتهت الى ما انتهينا اليه اليوم دولة وحزبا، يقول هاني الشمعة في هذه المحاكمات: “باعتباري كنت شاهدا في الملعب البلدي لحظة الحادث، ثم في قاعة المحكمة التي وضعت أبرياء في قفص الاتهام والمجرمين الحقيقين في قاعة النظارة..” أما عن الشهيد مخلوف فيقول: “قام أكرم ديري بكتابة ما يشبه “سيناريو” لتمثيل جريمة القتل في الملعب البلدي، ووضع المساعد بديع مخلوف ممثلا رئيسيا في هذا السيناريو، واضطر الديري مع السراج وغيرهما، أن يمارسوا التعذيب العنيف على بديع مخلوف، لمدة تزيد عن الشهر كي يؤدي دوره في التمثيل، لكن بديع مخلوف عجز عجزا تاما عن ذلك لأنه لا علاقة له اطلاقا، لا هو ولا عبد المنعم دبوسي بهذه الجريمة.. وأعدما كبشي فداء..” وينقل عن لسان زوجة الشهيد دبوسي ما قاله لها: “أنني أعرف أنني سأموت، لا تسامحيني ذرة واحدة إذا كان لي علم من قريب أو بعيد في هذه الجريمة..” من هنا كانت أحكام الإعدام الصادرة بحق ثمانية عشر من أعضاء الحزب ثلاثة منهم كانوا في قفص الاتهام، أحكاما جائرة تعدت الوقاحة والصفاقة وعملت على استغباء الجميع بمن فيهم من كانوا خارج قاعة المحكمة من قيادي الحزب..

 تقول زوجة عفيف البزري: “في بيروت قابلت أيضا، جبران جريج وأهداني مجلداته الثلاث عن الحزب القومي السوري، قال لي( كان جورج عبد المسيح رئيسا لمجلس العمد، فجمعنا يوم مقتل المالكي، وجئنا من لبنان الى دمشق، وأثناء الاجتماع، دخل علينا فؤاد جديد أخو غسان وضرب سلاما عسكريا وقال:” نفذت المهمة واغتيل عدنان المالكي” وساد الاضطراب المجلس وسألنا عبد المسيح كيف تمَّ هذا الأمر دون علمنا ؟ وقمنا عليه، قال ليس هناك وقت للتفسير، إنهم سيلاحقون القوميين، فليتدبر كل واحدٍ أمره حتى لا تعتقلوا، وقال غسان جديد، إنهم سيقبضون على أول الجميع باعتباري كنت على خصام مع المالكي..) أما عفيف البزري فيقول:” من قتل المالكي قتل أنطون سعادة وغسان جديد..”

في مدونة تحمل عنوان/ عصام المحايري يروي وقائع اغتيال عدنان المالكي1-3 / يسرد تفاصيل ابلاغهم (كمجلس عُمُدْ) واقعة اغتيال المالكي، بين مكالمة وردت أجاب عليها عبد المسيح بقوله: “هادا حكي ما بينحكى ع التلفون، هادا دس مكتب تاني  ..دخل فؤاد جديد مكان الاجتماع مبادرا للقول بصوت متهدج: قتل عدنان المالكي والذي قتله يونس عبد الرحيم..” متابعا سرده تفاصيل مجريات الأمور بعد الحادث:” فقال غسان جديد وأنا أذهب معكم، فالتفتُّ الى غسان مستفهماً؟ فقال لي أأنت لا تذهب أيضاً؟ فأجبته ولماذا أذهب؟ وأنت أيضاً لماذا ستذهب؟ فأجابني قائلاً: القاتل رقيب في الجيش، قومي اجتماعي، وعلوي أيضاً. غداً سيقولون غسان جديد له علاقة بالمسألة حتماً، فلا أريد أن أقعد ستة أشهر بالمزة “يقصد السجن”. ريثما يتضح أنه ليس لي علاقة. ثم عاد ليكرر علي: ألا تذهب أنتَ؟ فأجبته: لا.. “متابعا سرده على مدى تسع وعشرين صفحة يأتي بها على ذكر الشهيدين بديع مخلوف ويونس عبد الرحيم فيقول” ومع اصراري على عدم علاقة الحزب بالاغتيال، تمت مواجهتي مع بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي اللذين كانا يخضعان للاستجواب في تلك الاثناء. وفي هذه المواجهة التي رتبها أكرم ديري شخصياً قال لهما: “احكوا.. احكوا… ما زال يقول ليس لنا علاقة!!”. فاضطرا الى إعادة اعترافاتهما أمامي، التي تشير إلى دور لعبد المسيح واسكندر شاوي اللذين كانا يجتمعان اليهما في حلقة مع يونس عبد الرحيم، وان عبد المسيح طرح في أحد الاجتماعات مسألة اغتيال المالكي، وان يونس ابلغ كلاً منهما انه سيتولى التنفيذ..” تحت التهديد بالضرب والتعذيب والتهديد من قبل أكرم ديري اضطر كل من الشهيدين لإعادة ما جاء في محاضر التحقيق والاستجواب، التي أنكرا ما جاء بها  وعلى مسمع من المتهمين جميعا ومن جملتهم عصام المحايري والذي ما زل مصرا على اتهام عبد المسيح ومخلوف ودبوسي وعبد الرحيم، مثبتا جرم الاغتيال على قيادة الحزب وهذا ما أشرنا اليه آنفا بأنه ادانة للحزب وتغطية على المدبر لهذه الجريمة، …

بين ما يقوله هاني الشمعة وعفيف البزري وما يقوله جبران جريج أو عصام المحايري بونٌ شاسع لعبت فيه الأنانيات والشخصانية والحساسيات الحزبية دورا أُسدل فيه الستار على المخطط والمنفذ لجريمة راح ضحيتها الحزب السوري القومي الاجتماعي.

 ما تنبأ به الشهيد عبد المنعم، كان صحيحا، يقول في عرضه لما تعرض له من تعذيب: “.. لقد أُخذت هذه الإفادة تحت تأثير الضغط من قبل شرطة الجيش، وهم حزبيون ومنهم الرئيس حذيفة من سلاح المدرعات وقالوا لي(إن هذا الضابط هو الذي شخخ حسني الزعيم) ثم حضر المحققون العسكريون وهم الرئيس صلاح يوسف أغا والعقيد الرافعي والرئيس محمد الجراح وأخذوا يحققون معي ويأخذون الافادات فكنت لا أوافق على كل ما يُملى علي، فأجلوا التحقيق الى اليوم التالي، حيث جلبوا بديع مخلوف وكشفوا عن جسمه وماذا حلَّ به، فحينئذٍ اضطررتُ الى الموافقة على ما يُملى عليَّ، وسرد منعم كيف أخذ منه المحققون إفادته وقال لقد هددوني بعرضي فاضطررت الى موافقتهم على كل شيء حتى صار معي متل “نعم محمد أفندي” وقالوا لي إذا كانت هذه الإفادات ما بتعجبك فيمكنك أن تقول ما تشاء أمام المحكمة فقلتُ لهم” لتكون المحكمة متل هل التحقيق” وقالوا أيضا” كما أعدموا زعيمكم بدكم تموتوا كلكم” ولقد قضيت بالسجن أربعة أشهر وأنا أنتظر هذه اللحظة لأتمكن من أن أدلي بكل ما عندي، وعلى هذا الشكل أخذت إفادتي، وهنا احتدَّ رئيس المحكمة(( يلي فيه شوكة بتنخذو)) وأنَّب منعما على كلامه، وخاصة جملته ( لتكون المحكمة متل هل التحقيق) وطلب الرئيس من منعم أن يكون أكثر تهذيباً وأدباً!!

وكما تجاهل المتهمون اعترافات الشهيدين وبقية الشهود، تجاهلت المحكمة اعترافاتهما أمامها واعتمدت محاضر الاستجواب التي أخذت منهما عنوة تحت مختلف أنواع التعذيب، ولأنها كُتبت وفق ما أراده السراج، جاءت أحكامها تدينها أكثر بكثير ممن أمامهما، فمعظم أعضاء المحكمة هم بعثيون ومن جماعة أكرم الحوراني، بدر الدين علوش رئيسا وهو حموي ومن أشد أنصار أكرم الحوراني والمقدمين مظهر وصفي وعفيف البزري(يميل الى الشيوعية) عضوين والمقدم بشير الطباع عضوا متمما وحمدي الصالح نائبا عاما، والرئيس محمد الجراح ومحمد عابدين معاونين للنائب العام، ولم يُكتفَ بذلك بل إن محامو الادعاء أغلبهم بعثيون ولهم خلفيات معادية للحزب السوري القومي الاجتماعي، وعلى رأسهم خليل كلاس والذي شغل مدير مكتب حسني الزعيم والذي وجدها فرصة للنيل من القوميين الذين أعدموا حسني الزعيم أو تمَّ الإعدام باسمهم، عبد الحليم قدور، عبد الرحمن مارديني ، رياض المالكي، عبد الفتاح الزلط، فكانت الاحكام على شاكلة الحكام الذين تلبسوا القضاء تلبسا، بعضهم كان حاقدا غير نزيه في معالجته للقضية وبعضهم الآخر مأجور يتزلف عبد الحميد السراج الذي أصبح في ما بعد نائبا لرئيس “الجمهورية العربية المتحدة” خلفا لأكرم الحوراني، تكريما لهما من عبد الناصر لما بذلاه من جهود في تحقيق الوحدة السورية ـ المصرية بإزاحة مختلف عقباتها ( الحزب السوري القومي الاجتماعي والعقيد المالكي) وأجبرا شكري القوتلي على الاستقالة بعدما تأكد أن انقلابا شبه عسكري قد وقع لكن وبصمت أدهش جميع من عايشوا تلك المرحلة..

هاني الشمعة يقول:” يونس عبد الرحيم لم ينتحر ولم يقتل في ساحة الجريمة..” مؤيدا بذلك ما جاء بالكشف الطبي على جثمان الشهيد يونس:”.. وجهه ملطخ بالدماء والدم لا يزال ينزف من أذنه اليسرى وفخذيه ملطختين بالدماء أيضا، وكذلك ساعداه وكفيه.. ” فإذا كان الدم ما يزال ينزف من أذنه اليسرى، وكان قد مضى على الحادث ما يقارب الساعتين على أقل تعديل، فكيف للدم أن يستمر بالنزيف لو كان قد قتل في مكان الجريمة كما ادعى قاتلاه؟ ومن ثم الإشارة لفخذيه الملطختان بالدماء، فهل كان النزيف قد وصل الى فخذيه معا؟ أم أن الطلقة الثالثة أخطأت الهدف فأصيب بفخذه الأيسر، وللتستر على الإصابة تجاهل الكشف الطبي الطلقة التي أصابت الشهيد يونس في فخذه فوقع على أثرها على الأرض ليكمل أكرم ديري أو عبد الكريم النحلاوي مهمة القتل المباشر؟

هاني الشمعة هو الوحيد الذي اعتمد أقوال الشهيدين مخلوف ودبوسي، يقول: “اضطر الديري والسراج أن يمارسوا التعذيب العنيف على بديع مخلوف لمدة تزيد عن الشهر كي يؤدي دوره في التمثيل، ولكن بديع مخلوف عجز عجزا تاما عن ذلك عن ذلك لأنه لا علاقة له لا هو ولا عبد المنعم الدبوسي بهذه الجريمة، وأعدما كبشي فداء..” وهذا بالضبط ما أفاد به الشهيد بديع مخلوف أمام المحكمة التي تجاهلت تجاهلا تاما اعترافاته أمامها، ففي جلسة المحكمة بتاريخ 7/9/1955 وردا على تساؤل المحكمة (هل كان تمثيل المتهم ورفاقه للحادث تمثيلا صحيحا؟) أجاب ” إنني لم أعد أذكر يوم تمثيل الحادث والأوضاع التي وقفنا بها، وكنا نقف في المكان الذي يقال لنا أن نقف فيه، فقد كان المحققون ينظرون في الإفادات ويشيرون علينا لنقف، ولا أذكر المحقق الذي كان يدلنا على أمكنة وقوفنا لكثرة المحققين..”

الرفيق المجند مروان صواف يقول”.. وعند إطلاق النار، هرعت الى الرقيب أو القتيل فحملته مع عدد من العرفاء والمجندين بعد أن طلب الينا بعض الضباط ذلك..” وهو هنا لا يشير لكون الشهيد يونس كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة في الملعب، لكنه يشير الى أن الرقيب يونس لم ينتحر وإنما قتل لكنه حكما كان فاقدا للوعي بعدما أطلق عليه أحد قاتليه النار..

يقول الشهيد مخلوف، في محضر التحقيق:” إنني حين ذهبت مع الرقيب الأول محمد منعم دبوسي الى الملعب يوم الحادث، من أجل تنفيذ ما صممنا عليه وكان قد سبقنا اليه الرقيب يونس عبد الرحيم ، أي أننا ذهبنا لتنفيذ قتل العقيد المالكي بناء على الخطة السابقة التي تلقيناها من المقدم غسان جديد / معا/ بل بقتله في أي فرصة ، ولكنني كنت أعتقد تماما بأن الرقيب الأول عبد الرحيم هو الذي سينفذ قتل العقيد المالكي لوحده، وكنت بناء على طلب المقدم غسان جديد قاصدا قتل الرقيب الأول يونس عبد الرحيم إذا لم ينفذ قتل العقيد ويقتل نفسه بعد قتله للعقيد المالكي، دون أن يكون للمدعى عليه للرقيب الأول محمد منعم دبوسي أو الرقيب أول يونس عبد الرحيم علم بأنني سأقتل الرقيب يونس اذا لم يقتل نفسه بعد قتل العقيد بناء على طلب من المقدم غسان جديد..” وفي ذات المحضر يقول الشهيد عبد المنعم دبوسي ردا على سؤال المحقق:” سئل المدعى عليه الرقيب الأول محمد منعم فأجاب أن ما قاله الوكيل بديع صحيح تماما وأقره بالحرف الواحد من أننا كنا عازمين حين ذهبنا الى الملعب البلدي، ولم يكن لي علم بأن / او/ بل الوكيل سيقوم بقتل الرقيب الأول يونس اذا لم يقتل نفسه بعد قتل العقيد، وكنت عالما بان الرقيب يونس عبد الرحيم سيقتل العقيد المالكي لأنه أخذ هذا العمل على عاتقه..” في هذا المحضر نطالع أن قتل العقيد المالكي تم عن سابق إصرار وتصميم، وأن المحضر لا يترك مجالا للشك بأن المقدم غسان جديد، هو المخطط وأن المنفذون هم مخلوف ودبوسي وعبد الرحيم، لكننا وأمام المحكمة وفي جلسة 7/9/55 ، نطالع عكس ما تقدم، إذ يقول الرقيب أول عبد المنعم دبوسي وردا على السؤال ( جاء بأقوال الوكيل بديع مخلوف مرة أخرى أيضا، أنه كان اتفق معك ومع الرقيب الأول يونس عبد الرحيم أن يقوم بقتل العقيد كل واحد منكم حين تسنح الفرصة اذا لم تسنح للآخر وقد أعدَّ الرقيب يونس نفسه وراء المنصة ليبدأ بالتنفيذ، وعند بدء اللعب اقترب من الوكيل مخلوف وأسر له أن الطلقة أجدبت فقال له الوكيل مخلوف ( الحمد لله ما ضرو) فقال الرقيب يونس ( هلاء بتشوف) وبعد قليل انطلقت الطلقات الثلاث التي قُتل بها العقيد وقتل الرقيب يونس نفسه بإحداها فماذا تقول بذلك) يرد الرقيب عبد المنعم قائلا:” لا صحة لما يدعيه بديع مخلوف من هذه الناحية اذ لم نتفق أي أنا والوكيل المذكور والرقيب يونس على أن يقتل العقيد مالكي أي واحد منا حين تسنح له الفرصة ..” أما الشهيد مخلوف فيقول:” انني لا أعلم لماذا أقدم يونس على فعلته ولو كنت أعلم لأخبرت الحكومة أو لكنت امتنعت عن الذهاب الى الملعب.. إنني اذكر أن قاضي التحقيق ذكر لي عند أخذ افادتي أن الكراسي التي كانت في القسم الخلفي لمكان العقيد متشابكة بحيث لا يمكن رفع أي منها.. في هذه الناحية وعن الشخص الذي وضع الكراسي بهذا الشكل .. وأن الحقيقة تظهر فيما لو توسع التحقيق..”

يتكرر في محضر التحقيق تعبير” قتل العقيد المالكي” دون مبرر، ففي هذا التكرار ما يشير الى أن المحضر الذي اعتمدته المحكمة في الحكم على الشهيدين كُتب بما أفاد به المحقق وليس ما أفاد به الشهيدان أمامها، ثم أن المحقق الذي أفاد بوضعية صفي الكراسي المتشابكة أشار الى عدم معرفة من وضع الكراسي على هذا الشكل، ولماذا وضعت على النحو الذي أشار اليه المحقق!!كما ويرد في محضر التحقيق أن الشهيد عبد الرحيم” وقد أعدَّ الرقيب يونس نفسه وراء المنصة ليبدأ بالتنفيذ..” مع أن الرفيق المجند صواف أشار في معرض وصفه الى”.. وبعد هذا تابعت سيري والرقيب الأول يونس عبد الرحيم لداخل الملعب لاستلام مركز عملنا أو خدمتنا على المنصّة.. وبعد مضي ما يقارب أو يزيد عن عشرين دقيقة على غياب يونس عني، وإذا به يعود ويجلس بقربي ولم أنتبه مطلقاً من أيه جهة كان قدومه، ولم ألاحظ عليه أي اضطراب أو أي شيء غير عادي.. وبعد ذلك بقليل جاء نحونا الملازم عبد المجيد جمال الدين، وقال مؤنِّباً إيانا بقوله “يلا كل واحد محلو الناس يجلسون على الكراسي بدون بطاقات”. فنهضنا على الفور وذهبنا كلٌّ إلى مكان عمله. ” يستدل من وصف الرفيق صواف أن الأمكنة كانت موزعة على العناصر المكلفة بحراسة المنصة من قبل عبد المجيد جمال الدين، وأن الشهيد يونس لم يعد” نفسه وراء المنصة ليبدأ بالتنفيذ..” كما ورد بمحضر التحقيق..

يقول الصواف في شهادته أمام المحكمة:” وردا على سؤال رئيس المحكمة / سئل المتهم عن التهم الموجهة اليه وهي التحريض على قتل العقيد المالكي والاشتراك فيه.. / فأجاب ” إنني لا أعلم شيئا عنها وأنا برئ منها وأنكر افاداتي السابقة لأنها أخذت مني تحت الضغط والكهرباء والضرب..” وكما لم تراعِ المحكمة أقوال الشهيدين بديع ودبوسي تجاهلت اعتراف الصواف أمامها معتمدة محاضر التحقيق، وكم وراء هذا التجاهل من أسباب وأسرار، فعلى سبيل المثال، عندما يأتي إبراهيم الصواف على ذكر المجند السادات قائلا:” ذهبت الى الطرف الأيمن للمنصة وقد شاهدت يونس عبد الرحيم( القاتل)واقفا خلف المنصة يشرب كأس عرق سوس، وبعد بدء المباراة بمقدار عشرة دقائق أو خمسة عشر دقيقة كنت واقفا عند الدرج الأيمن من المنصة فحضر يونس وقال بأمر من الرئيس أكرم ديري أن أذهب الى الباب وأخبر الشرطة العسكرية بالسماح بالدخول بعد عشر دقائق من الإخبار وعندما وصلت الى أسفل الدرج شاهدت المجند جبان فقال لي بعد أن أعلمته بمهمتي أن لديه موتوسيكل وسيقوم بالمهمة بدلا عني فرجعت الى مكاني السابق حيث كنت أقف ووقف الى جانبي الجندي السادات وبعد وقوفي معه بضع دقائق طلب الي السادات أن نذهب الى تحت لنشاهد المباراة بشكل أفضل وعندما وصلت الى أسفل الدرج غاب عن ناظري السادات وبعد وقوفي بدقيقتين سمعت صوت عيار طلق ناري ..”

في ترتيب الأحداث نلحظ تكليف أكرم ديري ليونس بأن يذهب الصواف الى الباب الرئيسي، وبعد أن تيلغ الصواف الأمر عاد الى ذات المكان الذي وقف فيه بعد أن كلف المجند الجبان بالمهمة، كان لا بد في هذه الحال من تكليف المجند السادات بإزاحة الصواف عن مسرح الجريمة وبناء على أوامر أكرم ديري بكل تأكيد، وقد تمت إزاحته!! فلماذا كان المطلوب إزاحة الصواف عن مكانه؟ لم تستدعِ المحكمة المجند السادات للتحقق من صحة افادة الصواف في الحد الأدنى ولماذا اختفى السادات عند وصول الصواف الى اسفل الدرج؟ هنا يأتي دور عبد المجيد جمال الدين في اعتقاله كأول المعتقلين في “لعبة الاغتيال” كما يصفها هاني الشمعة؟؟!

لم تأتِ “لعبة الاغتيال” من فراغ، كانت مقدمتها تكمن في قول راشد الكيلاني:” من قتل المالكي قتل أنطون سعادة وغسان جديد..” وكما لعبت مصر والسعودية دور “الكومبارس” في اغتيال سعادة، لعب أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج هذا الدور، في “لعبة الاغتيال” هذه، كان الدافع لها ما رأته الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها “اسرائيل” في الخطر الذي يشكله الحزب السوري القومي الاجتماعي على مصالحهما، ففي الإسلام في رسالتيه يقول سعادة عبارته الشهيرة”.. ما من عدوٍ يقاتلنا في ديننا وأرضنا إلا اليهود..” مؤكدا على ذلك في محاضرته الرابعة على:” إن في سورية عناصر وهجرات كبيرة متجانسة من المزيج السوري الأصلي يمكن أن تهضمها الأمة إذا مر عليها الزمن الكافي لذلك، ويمكن أن تذوب فيها وتزول عصبياتها الخاصة. وفيها هجرة كبيرة لا يمكن بوجه من الوجوه أن تتفق مع مبدأ القومية السورية هي الهجرة اليهودية. إنها هجرة خطرة لا يمكن أن تهضم، لأنها هجرة شعب اختلط مع شعوب كثيرة فهو خليط متنافر خطر وله عقائد غريبة جامدة وأهدافه تتضارب مع حقيقة الأمة السورية وحقوقها وسيادتها مع المثل العليا السورية تضارباً جوهرياً. وعلى السوريين القوميين أن يدفعوا هذه الهجرة بكل قوتهم” هذا لجهة الحركة الصهيونية أما الجانب الأكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فكان الجانب الاقتصادي الذي نبه اليه سعادة قبل غيره وفوجئت به أمريكا وذلك في مقالته ” البترول سلاح انترنسيوني لم يستخدم بعد” والذي سرَّعَ في عملية تصفيته.. يضاف الى ما تقدم ما سبق ونبه اليه من خطر الدعوة الوهابية في مؤلفه “الإسلام في رسالتيه” حيث يقول:” فالناظم (رشيد سليم الخوري) بعد أن يجعل لبغداد حظ العودة إلى سالف عزها دون حاجة إلى سيوف الصحراء يجعل دمشق في مقام العجز عن النهوض بنفسها، فهي لا رجاء لها بنفض الذل إلا أن تفد عليها جنود الوهابية، متابعا قوله:” واليومَ تقولُ العربةُ بمذهبٍ جديد في الإسلام يرمي إلى جعل الدين عبارة عن عبادة بسيطةٍ توافق النفسية العربية: الوهّابية..” وكان قبل كل هذا قد نبه في الأول من تشرين الأول عام 1924 في مقال عنونه ” الفاتح العربي الجديد” وأرَّخ فيه كيفية قيام دولة آل سعود، كل ما تقدم ساهم بشكل أو بآخر من اتحاد خصوم وأعداء الحزب وعزمهم على تصفيته كليا من الساحة السياسية، فكان المالكي كبش الفداء وكان الهدف تصفية الحزب السوري القومي الاجتماعي..

لكن وقبل أن نعيد سيناريو هذه “اللعبة” لنتعرف على كيفية التخطيط والتنفيذ وكذلك الأبطال الذين قدموا لنا لعبة الاغتيال هذه ، دعونا نتعرف على البطل الرئيسي لهذه اللعبة :

  • يونس عبد الرحيم

المتأمل في وجه الشهيد يونس عبد الرحيم، تطالعه على الفور سمة الطيبة التي تتصف بها البيئة القروية التي نشأ بها كما نلمح صفاءًها ونقاءها، ففي تقاسيم الوجه نلمح أيضا تناسقا لا يوحي بأنه يشكو من عقدة الحقد أو الغيرة أو الكبرياء والتعنت في الرأي ولا حتى في صلابة المواقف ففي عينه من البراءة ما يكفي للدلالة على عمق النظرة وبعض من الحزن والألم الذي ولا شك أنه عاناه في صغره فما كان له سوى الجيش مخرجا منه، كغيره من شباب ذاك الجيل، كان الجيش ملاذه من كثير من المعاناة التي كانت سمة مرحلة ما بعد الاستقلال التي أججت في نفوس أبناء جيله مختلف النزعات الطائفية والعرقية والطبقية التي جاءت لتؤكدها “عقيدة” البعث العروبية التي اعتمدت العقيدة المحمدية منبعا لمختلف متجهاتها التي لم تكن سوى قاعدة لها في استقطاب العامة من الشعب المفطور على الإرث العثماني، التدين والتعصب الديني وهذا ما نلمحه في مقدمة مذكرات أكرم الحوراني الذي نشأ في الكتاتيب التي اعتمدت القرآن في التدريس كما نلمحها أيضا في المبادئ التي اعتمدها زكي الأرسوزي في الحزب الذي لم يرَ النور* ، وإن كان التعصب الديني في ذلك الحين، أقل بكثير مما نعانيه اليوم، لكنه كان منطلقا للكثير من المنتمين للبعث ـ في ما بعد تسلمه السلطة كانت الوظيفة هي الدافع للانتماء الحزبي والذي انفرط عقده بعد الأحداث الدموية في ما نعانيه حاليا ـ مجمل الذين انتموا في بدايات البعث لم يطالعوا أو يقرؤا سوى بيانات تؤجج النزوع العروبي ـ المحمدي، لم يكن للبعث عقيدة ولا نظام حزبي ولا دستور ولا مبادئ* كل ما في الأمر أنه اعتمد النزعات الأوروبية للتحرر من ربقة الكنيسة ، اللغة، الدين، العادات والتقاليد، التاريخ المشترك، الآمال، والعنصرية التي اعتمدت “السلالة” لدم عربي استثنى مختلف شرائح المجتمع السوري الأخرى، وهذه ما كانت دافعا للشهيد يونس للانتماء للحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي تجاوز كل ما تقدم بإقامة عقيدته على مبادئ علمية بحتة وانتهى للقول بالأمة السورية، وإن كان يطالع ـ يونس ـ بعض الأفكار الماركسية ويعجب بها من حيث نفيها للطبقية والعرقية وتحديدا للدين “كأفيون للشعوب” مخدرا لها، كان يونس قد أُعِدَّ لدورة عسكرية في فرنسا، لكنه استثنيَ منها، وفي قرارة نفسه أن المذهب وراء ذلك الاستثناء، والذي غلَّفه “بالواسطة” التي كان بحاجة لها على حد تعبير أخيه حسن، “لم يكن يونس متأففا من شيء سوى ما يغلف به القادة المدنيون والعسكريون على حدٍ سواء في ذلك الحين دعواتهم القومية العربية..”، والتي تبين فيما بعد أنها انتهت الى مزبلة التاريخ بعد تجزئتها المجتمع لعرقيات وطوائف ومذاهب زيادة على التجزئة السياسية التي خلفها الاستعمار الأوروبي، ووفق ما جاء ببعض الشهادات أنه لم يكن يبد آراءه في التجمعات التي كان يحضرها، بل وكان يتجنب ذلك أيضا. يقول شقيقه حسن أمام المحكمة العسكرية:”.. إذا ما تجلت له حقيقة آمن بها ولا يخونها مطلقا.. أخي مثلا كان عسكريا يطبق القانون العسكري على نفسه قبل الآخرين، لم يلبس سوى البوط العسكري مذ انتمى للجيش، كان يغسل ثيابه بيده لأن الأوامر العسكرية تقتضي ذلك.. حسن المنتمي للحزب السوري القومي الاجتماعي لم يكن يعرف أن شقيقه يونس قد انتمى للحزب مع علمه أنه كان يقرأ مجمل أفكاره كما كان يقرأ لجورج حنا الشيوعي ويحبه ويؤيد بعض ما يقوله على الرغم من تناقضها ومبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي.. يتابع شقيق يونس حسن قائلا:” ألقي القبض علي في الطريق على اعتبار أني قومي وبالطريق قالو لي إن جماعة بالحزب القومي قتلوا أخي حتى لا يفشي أسرار الحزب وأنهم جاؤوا بي للتعرف على جثته..” في المحكمة وردا على سؤال المحامي عبد الفتاح الزلط: إذا تبين لك أن القتل من تدبير الحزب فماذا تقول؟ يجيب حسن قائلا: ما بقدر اجزم، لا أستطيع ابداء راي يخل بالواقع.. “الزلط” يسأل: إذا ثبت؟! أخالف ما يثبت.” في الإجابة الأخيرة لحسن شقيق يونس تتضح أولى معالم هذه اللعبة.  محمد صارم (شاهد) يقول بالشهيد يونس:” بعد ان استلقيت انا ويونس في فراش واحد اخذت اقرأ له قطعة من شعري المنثور وهي قطعة غزلية فهيج يونس واعطاني ورقة وقلما واملى علي هذه العبارات ” انا من انا, انا زوبعة من تلك الزوابع الكثيرة التي تثور, انا رصاصة في مسدس الامة..” أما إبراهيم طيبا (شاهد) يقول:”  انه عندما كان يرد اسم الزعيم شوكت شقير على لسانه كان لا يصفه بالزعيم انما يقول رئيس الأركان العامة وعندما كنا نسأله عن سبب عدم وصف رئيس الأركان بلقبه العسكري ” زعيم” كان يجيب ” لا يوجد زعيم سوى أنطون سعادة..” الشهيد بديع مخلوف يقول:” :  ان من جملة الأشياء التي كان يتصلب برأيه يونس بها هي انتقاده للمسؤولين في الجيش فكان يقول ان الانتساب للكلية العسكرية والتطوع والدورات كانت على اساس طائفي وكان يونس يعني بالمسؤولين الضباط الموجودين في الاركان دون تسمية اسماء..”أمين غنام (متهم) يقول:”اني اعرف ان يونس منتسب للحزب وانه عنيد فاذا اعتقد لفكرة فمن الصعب اقلاعه عنها..” يقول محمد صارم المحضر رقم(76) :” اني لا اعلم شيئا عن علاقة يونس عبد الرحيم بالمقدم غسان جديد الا اني شاهدت يونس المذكور وبيده جريدة يتصفحها واذ به يقول سننتقم من الذي سرحه ولم اعلق أهمية على كلامه هذا لعدم معرفتي نتائجه وكان يونس يتحمس للحزب كثيرا ويطالع كثيرا ما يتعلق بالحزب…”

 

الشهيد العقيد عدنان المالكي (الضحية)

لم تكن خصومات العقيد المالكي هي التي أودت به، لكنها طموحاته كما تصورها الأخرون عنه، وأخص بالذكر محمود رياض، أكرم الحوراني، عبد الحميد السراج، شوكت شقير، الأول كان قد ضاق ذرعا بانتقاداته له من تدخلاته في الشأن السوري، أما الثاني، فقد تخوف من تدخلاته في الشأن الحزبي عبر أخيه المحسوب على ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار الذي رشحه أكرم الحوراني بديلا له في انتخابات 54، أما الثالث، وإن كان حذرا من المالكي، فهو بتعاونه مع محمود رياض قد ضاق ذرعا أيضا بانتقادات المالكي، خاصة وانه اتخذ من البعث ستارا لتبعيته لعبد الناصر، ووجد في محمود رياض ملاذه في تقربه من “الرئيس”.. 

لقد أثرت نشأة المالكي الاقطاعية في اكتسابه بعضا من صفاتها، ولازمته طوال حياته القصيرة، ولد عام 1919 وتدرج في مدارس دمشق حتى نال الشهادة الثانوية والتي أهلته لدخول الكلية الحربية، تلك النشأة ساهمت ومناهج التدريس التي كانت قد اتبعتها دولة الانتداب خارج أطر الكتاتيب في صقل مواهبه الشخصية واكتسابه بعض المرونة الفكرية العلمية ، التي تمحورت حول القوة العسكرية، خاصة وأن والده قد شارك في معركة ميسلون تحت قيادة الشهيد البطل يوسف العظمة، مما أكسبه صفة الوطنية التي كانت تفتقد لها بقية العائلات الاقطاعية والتي عملت مع قوات الانتداب خدمة لمصالحها الذاتية، كما وأهلته اقطاعية والده على اكتساب الكثير من الامتيازات وأبرزها إيفاده لدورة عسكرية في فرنسا وكان متقدما على زملائه فيها، وشغل بالتالي الكثير من الوظائف العسكرية، خاض معارك فلسطين وأصيب في إحداها في رأسه، لكن اصابته لم تحل دون الانخراط في معاركها الأخرى بعد شفائه، كان المالكي وطنيا بكل معنى الكلمة، وترافقت هذه السمة بأنفة الاقطاعية التي امتازت بها عائلات تلك المرحلة، هذه الأنفة ساهمت في تكوين شخصية صلبة لا تقبل بالأمر المفعول بسهولة، خاصة وأن والده كان على خلاف مع رئيس الجمهورية شكري القوتلي على قطعة أرض في الغوطة، هذه الخلفية أكسبته أيضا سمة الاستقلالية التي دفعت به للعمل الدؤوب لتشكيل كتلة من ( الضباط الشوام) وقيامه بتمرد على الشيشكلي أبان حكمه الذي أودعه السجن وسرحه من الجيش الذي أعيد إليه بعد الانقلاب على الشيشكلي، مما دفع بالآخرين لحساب حسابٍ له في كل خطوة يخطوها..

بعد تسلمه رئاسة الشعبة الثالثة في قيادة الأركان أقدم المالكي على تسريح المقدم غسان جديد والذي كان نجمه قد راح يلمع في رئاسة الكلية الحربية في حمص وقيادته لكتلة الضباط القوميين الاجتماعيين في الجيش وتسلمه مهمة عميد دفاع في الحزب السوري القومي الاجتماعي، لكن ما الدافع لتسريح الشهيد غسان جديد؟ هذا ما لا يمكن الجزم به هل هو تخوفٌ منه أم إيحاء من كتلته التي ضمت بعثيين (عفلقيين) نظرا لانتماء أخيه رياض المالكي لحزب البعث مما قربه من البعثيين عموما وأكسبه العداء لأكرم الحوراني نتيجة للدور الذي لعبه الأخير في انتخابات 1954 واجتهاد الحوراني في تبرئة نفسه من (ذلة) انتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي في العام 1936 ، هذه الخطوة التي أقدم عليها المالكي كانت المدخل لمقتله، فهي نقطة الضعف التي نفذ منها المتآمرون لضرب الحزب السوري القومي الاجتماعي، والذي كان قد لاقى نجاحا في أوساط الشعب مما دفع بمن اغتالوا سعادة للتفكير باغتيال الحزب الذي بات يُخشى جانبه في أوساط الجيش والسياسيين بعد أن دفع وهج دم سعادة لانخراط الكثيرين فيه لما اشتهر به من نبذ الطائفية وأفكاره العلمية التي تضمنها مؤلفه نشؤ الأمم..

لم يكن المالكي مستهدفا من الحزب، ولم يكن ليشكل خطرا عليه، فقوة الحزب في ذلك الحين كانت أقوى من المالكي وكتلته، بل على العكس، فقد كانت مواقف المالكي من محاولات الضباط البعثيين ـ وتحديدا أولئك المؤيدين للحوراني ـ للوحدة مع مصر، سببا في تقربه من الحزب السوري القومي الاجتماعي، هذا التقارب غير المعلن، وتخوفا من تشكيل كتلة من الضباط (الشوام) والضباط القوميين الاجتماعيين يحول دون الوحدة، على الرغم من تسريحه للمقدم الشهيد غسان جديد، كان الباب الذي نَفَذَ منه المتآمرون الذاهبون للوحدة، لترشيح المالكي ليكون كبش فداء لضرب الحزب والتخلص من انتقاداته واعتراضه على السياق الذي يعمل به بعض الضباط للوحدة مع مصر، هكذا اجتمعت الأهداف مع أدواتها، كان التخطيط لجريمة اغتياله قد بوشر به منذ حل محمود رياض سفيرا لمصر في سورية وعمله الدؤوب للاتصال بالضباط وبعض السياسيين لتشكيل ورقة ضغط على رئيس الجمهورية تساهم في التقارب السوري ـ المصري، وتلاقي هذا العمل من قبل السفير المصري، مع تعيين عبد الحميد السراج رئيسا للمكتب الثاني، عبد الحميد، المعجب بشخصية عبد الناصر والمأخوذ بها لدرجة تطوعه لخدمة أهدافها في سورية والمتستر بالبعث ومن مؤيدي الحوراني، فكلاهما حموي، وكلاهما نتيجة ذات النشأة وإن اختلفت نشأة الحوراني الاقطاعية المتخلفة عن نشأة السراج في عائلة جد محافظة متوسطة الحال..

لم يكن المالكي طائفيا، وهذا ما يحول دون اعتبار تسريحه للمقدم الشهيد غسان جديد قائما على هذا البعد، وهذا بالذات ما يدفع لترجيح كون التسريح تم بإيحاء أحد ممن حوله، وما يزيد هذا الترجيح رجحانا أنه كان على موعد مع المقدم جديد في اليوم التالي لحادثة الاغتيال وفق ما يزعمه بعض من عاصروا تلك المرحلة..

لقد ركزت مجمل محاضر الاستجواب على علاقة المقدم الشهيد العدائية للعقيد المالكي والتي، وفق تلك المحاضر، كانت سببا في تخطيط المقدم الشهيد للنيل من المالكي عبر تجنيده لمخلوف والدبوسي وعبد الرحيم لتنفيذ خطة الاغتيال المزعومة، وتجاهلت علاقة المالكي بزوجة السفير الأمريكي في دمشق، والتي سربت له أن حياته مهددة ودعته للذهاب بمهمة دبلوماسية خارج سورية والتي كانت على علم بما يحاك ضده في كواليس السفارة الأمريكية والمصرية بدمشق، والسؤال هل كانت المخابرات الأمريكية على علم بما يدور في خفايا وكواليس السفارة المصرية وعلاقة هذه ـ عبر السراج ـ بما يخططه محمود رياض بعد الإيحاء للأخير بتدبير هذه اللعبة من قبل الحكومة المصرية المحسوبة آنذاك على التحالف الغربي الذي كان يخوض صراعا داخليا على مناطق النفوذ بين بريطانيا وفرنسا من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى ، مما يوحي بتدخل أمريكي في حادثة الاغتيال ويثير جملة من التساؤلات التأكيدية على ضلوع المخابرات الأمريكية في لعبة الاغتيال التي سبق ونوهنا عنها بعدم اختلاف لعبة الاغتيال هذه، عن حادثة اغتيال الرئيس الأمريكي جون كندي مما يفسر هروب أركان السفارة من دمشق الى بيروت فور وقوع الحادثة وليس كما ادعت محاضر التحقيق بأن اتهام جهة أمريكية بالتآمر على الدولة السورية ـ كما ادعى خالد بكداش تحت قبة البرلمان السوري ـ عبر اعتماد تلك المحاضر ومطالعة النيابة العامة في تأويل رسائل الشرابي ..

لم يكن المالكي نزيها في إدارته لشؤون الشعبة الثالثة، فموجة التسريحات التي طالت عددا من الضباط القوميين وآخرين، فور تسلم المالكي رئاسة الشعبة الثالثة، كانت كما يصفها المقدم حسين الحكيم في المحضر رقم(47)  قائلا:” : ولم ازل اردد ان تسريحي كان بشكل تعسفي لأنه كان نتيجة التباغض وتحقيق لم يبلغ نهايته المرجوة وقد تألفت لجنة من ثلاثة ضباط بحثت اوضاعي واجرت معي تحقيقا الي كان من نتيجته التسريح وفي خلال خدمتي كنت ابدأ اتطلع الى وحدة الصف كما بينت ولم اتهم بعمل ما من شأنه ان يحمل على معنى العصيان ولو كان في الامر نوع من ذلك لما اكتفت رئاسة الاركان بهذا التدبير الذي هو التسريح فهذا السكوت الطويل الذي يمتد الى ما قبل سبعة شهور وعلى وجه الضبط كان تاريخ التسريح 5/10/1954 دليل على ان ليس في الامر جرم استحق الحساب عليه وعلى اي حال فاني اذكر ان الضابط الذي نسب الي امر تحريضه هو جميل زهر الدين المقدم في الجيش وقد اجرى حوله بل حول حادثته المعروفة ـ اي استنفار فوجه في قطنا ـ تحقيق ادى بالنتيجة الى براءته فاذا كانت فعلته اصلا قد برئ منه فكيف يحاسب بل فكيف يحاسب فرعا من هذا الموضوع…

س ـ لماذا ترجو ان لا يفسر عملك ونشاطك الماضي في الجيش ضد الحزبية بانه ضد العقيد عدنان؟

ج ـ لان, بل ان بعض الضباط كانوا يعتقدون ان المرحوم العقيد عدنان كان يتبنى اتجاها سياسيا خاصا في الجيش يؤيده فيه ضباط ذوو ميول اشتراكية وكنت انا ومعي بعض الضباط لا نحب اتجاهات معينة في الجيش وبطبيعة الحال قد يفسر موقفنا بانه تبني موقف معاكس للعقيد عدنان وان لي تقريرا خطيا ينوه بهذه المشاكل قبل تسريحي بقليل.   ومعنى المشاكل التي اشرت اليها أن القيادة العامة كانت تسلك في تصرفاتها الادارية سلوكا لا يستطيع مجموع الضباط تفسيره الا انه اتجاه حزبي لمصلحة بعض الضباط وللمصلحة العامة.

واضرب على سبيل المثال ان ضابطين استنفرا مرة قطعتيهما بدون امر وترك احدهما مناوبته في قيادة الجبهة ويذهب لاستنفار بطاريته وعلم بذلك العقيد مالكي مباشرة بدون طريق رؤسائهم ووضعا عملهما بانه رد على ما علما من استنفار في فيق توجسا من نوايا رئيسه وخشية على العهد  لما بل استعلم العقيد عدنان من آمر اللواء العقيد شعراني والذي كان آمر جبهة بالوكالة اخبره ان الاستنفار في فيق كان احتياطا لحركات اليهود ومشاوراتهم ولما علم بذلك العقيد عدنان اكتفى بتأنيب الضابطين فقط بينما اتخذ اجراءات قاسية بحق ضباط آخرين لاخطاء اقل منها وبدون تحقيق عميق ادت الى نقلهم فورا..

 س ـ هل ذهبتم بعد ذلك الى حمص وذكرتم الحادثة او ذكرتم وقائع ثانية تتعلق بالجيش ولها تأثير على نظامه واستقراره؟

ج ـ تتمة لما دار من حديث بيني وبين المقدم جميل زهر الدين اضيف ان المقدم جميل ظهر له التأثير الشديد وقال اذا كانوا يريدون ان يقتلوني فليكن ذلك في قطعتي بقطنا وقد حمل معه من عندي زجاجة ويسكي وقال انه لا يقبل ان يلقى القبض عليه كالفار.   وعندما ذهبت الى حمص وكنت مأذونا في طريقي الى مصياف لارى زوجة المقدم غسان جديد واسألها عن المعاملة التي تعرضت لها في الطريق اي سؤال زوجها عن المعاملة فالتقيت به في داره بحمص واخبرني امر تعدي الشرطة العسكرية لسيارته ونقلت له ايضا ما آل اليه امر المقدم حميل زهر الدين وللغضب والاسف لما حصل وكان بشكل موحد لتلافي مثل هذه القضايا مع رئيس الاركان.   وقد حرف عن لساني هذه الوقائع الرئيس معين عرنوق وكان سمعها مني عندما كنت في بيت المقدم غسان بحمص وبالغ فيها ذاكرا انني اخبرتهم بان جميل زهر الدين يهيئ استنفارا في قطنا فاتصل الرئيس معين بالعقيد محمود شوكت واتصل هذا برئيس الاركان وعمل على اخراجي من حمص وبنتيجة ذلك كان تسريحي من الجيش قبل ان يحققوا معي او يوجهوا الي اي سؤال, هذا مع العلم ان المقدم زهر الدين اصل الحادثة احيل الى مجلس تأديبي وبرئ بالإجماع..”

 

الحزب السوري القومي الاجتماعي

غالبا ما نحمّل الآخرين مسؤوليات عبثنا في العمل السياسي الذي كان وما زال يفتقد الى أدنى مقوماته وعوامله وأسبابه، فجاءت النتائج كارثية على النحو الذي انتهت اليه “لعبة الاغتيال”.

في السياسة، وفي علم السياسة، هناك مبدأ يقول” بقدر ما تملك من المعلومات، بقدر ما يكون قرارك صائبا” ولهذا نجد مختلف دول العالم تسخر الكثير من الجهود لخدمة أهدافها عبر الكثير من الوسائل، أبرزها، بل وأهمها، العمل المخابراتي بما يعنيه من دس الجواسيس في مختلف قطاعات الكيانات السياسية القائمة وتأمين مستلزماته من المال والنساء وشراء ذوي النفوس الضعيفة او المتعاطفة مع الأهداف المنشودة.. وما أدل على ذلك قصبة الجاسوس الاسرائيلي كوهين في الأيام التي تلت استلام البعث للسلطة في الجمهورية السورية.

وعليه، يمكن القول أن السياسة الحزبية التي انتهجتها القيادات الحزبية في ذلك الحين مسؤولة مسؤولية مباشرة عن استهداف الحزب من القوى المضادة، فهي الى جانب افتقارها لأدنى المعلومات عن تلك القوى، لم تكن بقادرة حتى على التعامل مع تلك المعلومات القليلة التي كانت بين أيديها بل وكانت عاجزة عن حماية قواها المتمثلة في المنتمين الى الحزب والذين تعرضوا للقتل والاغتيال نتيجة الصدامات التي كانت تقع بينهم وبين قوى البعث والشيوعيين، حتى والمتعاطفين معه وجماهيريته التي تمحورت حول عائلات اقطاعية انفرط عقدها عند الصدمة التي تعرض لها الحزب، كانت القيادات تعيش في فراغ نسجته طوباويتها المنصرفة عن الساحة السياسية بموجب خلافاتها وصراعاتها على السلطة التي لم تكن في واقع الحال شيئا على الساحة السياسية الفعلية من جهة وانخراطها نتيجة الهشاشة العقدية في أحلاف وعلاقات سخرتها لخدمة أغراضها، فسعادة الثوري، الرافض، المقاوم، التغيري، غير المهادن، المواجه، الواضح والجلي في كل شأن من شؤون حياته العامة والخاصة..، لم يكن يعني لها شيئا، اكتفت بوهج دمه، لتقيم صرحا لأوهامها وخلافاتها، فسعادة القائل ” الشيوعية والرأسمالية صنوان” لم يعنِ لهذه القيادات سوى الانجرار وراء السياسة الغربية التي كانت ما تزال تعتبر الساحة السورية مرتعا لها، معلنة محاربتها للشيوعية وتاركة الحبل على الغارب بما يتعلق بالسياسة الغربية، مؤيدة “حلف بغداد” سائرة في الركب الغربي المؤيد “لإسرائيل”..

لم نكن نود الخوض في معترك ما تقدم، لو لم نكن نؤمن أن الهشاشة العقدية التي كانت تتمتع بها قيادات الأمس ـ وحتى اليوم ـ كانت وراء مختلف النكبات والنكسات والهزائم التي مني بها الحزب، والتي راح ضحيتها المئات إن لم نقل الألاف من القوميين الاجتماعيين ومواطنيهم، وتمحورت سياسة الحزب بالتالي حول الصراع على السلطة المتمثل في التعديلات الدستورية التي عملت على تأكيد هذا الصراع بمختلف مجالات العمل السياسي المتبع حتى اللحظة..

السياسة التي اتبعتها قيادات الأمس، أودت بالحزب ومكنت خصومه وأعداءه من النيل منه..

لم تكن “لعبة اغتيال” المالكي سوى بعضا من نتائج تلك السياسة، التي لم تتعظ منها بل وسارت في ركبها مؤكدة بشكل أو بآخر أنها من تخطيط وتنفيذ قيادات حزبية “منحرفة” عن خط سعادة الثوري، لم يسترعِ انتباهها لماذا اغتيل غسان جديد دون جورج عبد المسيح المتهم الأول حزبيا بهذه اللعبة، لم يسترع انتباهها أنه جاء تأكيدا على ما حفلت به محاضر الاستجواب من اتهامه بالتخطيط والتنفيذ، وأنه انتقام لما أقدم عليه من اغتيال المالكي، والحيلولة دونه ودون الإدلاء بمعلومات تفضح تلك اللعبة التي طالت الحزب، وأن تلك القيادات لم تفطن لضرورة ادلائه بمثل هذه المعلومات خاصة بعد ما نقله البعض عن أن لقاء كان معدا له مع العقيد المالكي في اليوم التالي لحادثة الاغتيال وأن الاغتيال جاء ليحول دون ذاك اللقاء مما قد يفسر إلحاح السفير المصري ضرورة حضوره لمباراة الاغتيال ، كما ادعى بعض من لعبوا دورا في التمهيد لهكذا لقاء، لكنها مضت باتهامها لرئاسة الحزب بالمسؤولية كرئيس، على الرغم من أن محاضر الاستجواب كما جلسات المحاكمة كما مطالعة النيابة العامة ركزت بمختلف اتهاماتها على أن التخطيط والتنفيذ كان برعاية الشهيد غسان جديد ولم تأتِ على ذكر رئيس الحزب إلا في أحكامها التي تحمله مسؤولية ما جرى..

المتابع لسياسة الحزب آنذاك، يصاب بخيبة أمل كبيرة، خاصة عندما يتساءل عن الدوافع والأسباب التي دفعت لانتهاج سياسة موالية للغرب الداعم بالمطلق للكيان اليهودي في فلسطين!!، بل وكيف استمرت في سياستها حتى بعد اتضاح أن الغرب بمختلف أدواته سعى للنيل من الحزب باعتباره العدو الواضح والجلي للكيان اليهودي!!، وحتى بعد اغتيال المالكي، كيف بررت لنفسها التعامل مع نوري السعيد والملك حسين؟ وكيف تغافلت عن التطورات اللاحقة لانقلاب عبد الناصر وبدء التحول من الغرب الى الشرق؟ كيف استمرت في عدائها للاتحاد السوفيتي المؤيد للقضية القومية في فلسطين على الرغم من كونه الدولة الأولى التي اعترفت بذاك الكيان؟ كيف انعزلت عن مواجهة الاندفاع العارم باتجاه مصر عبد الناصر؟ كيف لم تنهج نهج التوافقات والمصالحات والتحالفات مع مختلف الأحزاب السورية القائمة في حينه اتقاء العزلة أولا والحيلولة دون الاستفراد ثانيا والانخراط في معترك الحياة السياسية أخيرا!!!، أم أنه كان قد فات الأوان وسبق السيف العذل، نتيجة السياسات التي اتبعتها أيام الشيشكلي؟!! هل طغت خلافاتها على كل ما تقدم؟!!!!!!

محمود رياض السفير المصري في سورية 1955

يقول محمود رياض في مذكراته:     “.. وحدث تطور جديد عندما لمس الرئيس عبد الناصر الدور الذي يمكن أن تلعبه سورية في الساحة العربية، فسعى الى توطيد العلاقات معها وقرر تعيني سفيرا لمصر في سورية في ربيع 1955 للقيام بهذه المهمة وأطلق يدي لتحقيق هذا الهدف.. ولم أكن في حاجة لوقت طويل لتوطيد علاقاتي مع كافة الأحزاب السورية ومع قيادات الجيش، وقد لمست قوة المشاعر العربية في سوريا ومساندة الشعب العفوية لكل قضية عربية وايمانه العميق بالوحدة العربية..” يتابع قائلاً:”.. وعندما تبين للسوريين الدور القيادي لعبد الناصر في العمل على استقلال كافة الشعوب العربية والتخلص من السيطرة الأجنبية واصراره على سياسة عدم الانحياز والسعي من أجل وحدة العمل العربي، أصبحت مصر أقرب ما يكون لقلب كل سوري.. وعندما لمست هذه المشاعر القوية اقترحت على الرئيس عبد الناصر في شهر يوليو1955 عقد اتفاقية عسكرية مع سورية وانشاء قيادة عسكرية موحدة يمكن أن تنضم لها الأردن فيما بعد.. وكنتُ أرى أن نجاح الدول الثلاث في إقامة وحدة عسكرية سيحول دون قيام إسرائيل بأي عدوان على الدول العربية.. وقد تردد الرئيس عبد الناصر في البداية بسبب تخوفه من ان تؤدي الخلافات بين الأحزاب السورية الى عرقلة الاتفاقية فيسيء الاخفاق الى دور مصر السياسي في العالم العربي إلا أن تردده زال عندما أكدت له أن قادة الجيش السوري يؤيدون الاتفاق وأنه لا توجد معارضة بين السياسيين لمثل هذا الاتفاق..” ما بين سطور وحروف ونقاط ما تقدم يمكننا أن نلمح كيف تشكلت لدى محمود رياض فكرة تصفية الحزب باغتيال العقيد المالكي، فاطلاق يده في الشأن السوري لم يكن سوى التمهيد لاحتواء سورية وعملها في خدمة الأغراض الناصرية التي ولا شك، أنها كانت أغراضا صحيحة وسليمة تغافلتها السياسة السورية نتيجة الصراعات التي كانت تدور في أروقة الحكم السوري والانقلابات المتكررة التي كانت تعصف بتلك السياسة، ولا شك أن محمود رياض قد تجاهل في مختلف محاولاته الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان منخرطا انخراطا تاما في تأييده “لحلف بغداد” وسيره في الركب الغربي الذي انقلب على عبد الناصر بعد أن كان قد تولى تهيئة الحكم له من خلال الصراع على مناطق النفوذ بين أوروبا وأمريكا في ذلك الحين، كما تجاهل في اتصالاته العقيد المالكي نظرا لتوجه الأخير نحو الكتلة الشرقية ومعارضته للتدخل المصري في الشأن السوري..

بالطبع يأتي كلام محمود رياض بعد أن تمت تصفية المالكي والحزب معا، والملاحظ في تلك المذكرات ، أن محمود رياض يتجاهل  تجاهلا تاما الاشارة الى حادثة اغتيال المالكي على الرغم من أهميتها في تلك المرحلة، ولعل هذا التجاهل يضعنا أمام أسبابه والتي تشير الى أن هذا التجاهل ما هو إلا تجنبا للبحث في حادثة غيرت مصير سورية والعالم العربي برمته، مما يزيد في مدى صحة شبهات اشتراكه فيها كرأس مدبر لها،  لكن ما سبق ذلك كان يقوم على ما نتج عن صداقاته مع كل من أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج اللذان زوداه بمختلف المعلومات التي يحتاجها وتزيح عن كاهلهما عبء المالكي والحزب معا

 

جمال حماد الملحق العسكري في السفارة المصرية بدمشق (العقل التنفيذي)

ولد جمال حماد في مدينة القاهرة في 10 مايو سنة 1921 م .وتوفي يوم الخميس 27-10-2016 والده هو الشيخ إبراهيم محمد حماد من قرية “شبرا ريس” بمركز شبراخيت محافظة البحيرة، وهو من خريجى الأزهر الشريف وكان يعمل مدرسا للغة العربية، فتعلم منه ابنه جمال علوم اللغة العربية والشعر والتاريخ.

حياته العسكرية

بعد حصوله على شهادة البكالوريا التحق جمال حماد بالكلية الحربية وتخرج منها في منتصف إبريل عام 1939 وكان من زملائه الذين تخرجوا معه في نفس الدفعة كل من المشير عبد الحكيم عامر، وصلاح سالم، وصلاح نصر النجومى مدير المخابرات العامة الأسبق.

بدأ خدمته العسكرية في السودان ثم انتقل لمنطقة القناة ثم إلى الإسكندرية.

أثناء الحرب العالمية الثانية، عمل مدرسا لمادة التكتيك العسكري والأسلحة في مدرسة المشاة والكلية الحربية في مصر بين عامي 1942و 1946

تولى جمال حماد أركان حرب سلاح المشاة (قبل قيام ثورة يوليو) وكان برتبة صاغ (رائد)، وكان اللواء محمد نجيب مديراً لإدارة المشاة، وتعرف عليه عن قرب وازداد به وثوقا، فانضم في هذه الفترة لتنظيم الضباط الأحرار عام 1950 عن طريق صديقه الصاغ أ.ح عبد الحكيم عامر، واشترك في الفاعليات الأولى لثورة 23 يوليو 1952، وكتب بنفسه البيان الأول للثورة الذي ألقاه البكباشى أنور السادات صباح يوم 23 يوليو من مقر هيئة الإذاعة.

اتصل جمال حماد بعد ذلك باللواء محمد نجيب الذي حضر بسيارته الخاصة إلى مبنى رئاسة الجيش بعد أن تم الاستيلاء عليه بمقدمة الكتيبة الأولى مشاه التى يقودها البكباشى يوسف صديق والذي لولاه لفشلت الثورة وذلك لأن الملك فاروق الذي كان يحتفل بتشكيل وزارة الهلالى في قصر رأس التين بالإسكندرية، علم بالأمر وكلف الفريق حيدر باشا بالقضاء على هذه الحركة الذي كلف بدوره الفريق حسين فريد رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الذي اجتمع بكبار قيادات الجيش لمناقشة، وبينما هو جالس في مكتبه وصلت قوات يوسف صديق وتم القبض عليه وهو مجتمع بهم، ونجحت الثورة وغادر الملك يوم 26 يوليو 1952 بعد أن وقع على التنازل عن العرش لابنه الرضيع أحمد فؤاد الثانى

تولى جمال حماد بعدها منصب مدير مكتب القائد العام محمد نجيب، وتتطور الأحداث وحدثت خلافات داخل مجلس قيادة الثورة الذي كان رجاله من أنصار جمال عبد الناصر. بعد أحداث فبراير ومارس 1954، قدم نجيب استقالته ورجع تحت ضغط الإرادة الشعبية، ولكنه كان بلا سلطات لأن السلطات التى كانت بيده انتزعت منه فتولى قيادة الجيش الصاغ عبد الحكيم عامر الذي تم ترقيته أربعة ترقيات دفعة واحدة إلى رتبة اللواء، وتولى عبدالناصر منصب رئيس الوزراء واصبح نجيب رئيسا بلا صلاحيات إلى أن تم القبض عليه وتحديد إقامته في فيلا زينب الوكيل حرم النحاس باشا.

عارض اعتقال محمد نجيب ووضعه محددا إقامته في فيلا المرج 18 عاما وأوضح في كتبه ان لنجيب فضل في نجاح الحركة كضابط برتبه لواء معروف للشارع المصري وانه بدونه كانت نسبه الفشل ستكون أعلي لان الباقين شخصيات غير معروفه داخل مصر او خارجه.

بعد الإطاحة بمحمد نجيب أنتدب للعمل ملحقا عسكريا لمصر بين عامي 1952 و1957 في كل من سوريا ولبنان والأردن والعراق.

عين محافظا لكفر الشيخ ثم محافظا للمنوفية وذلك بين عامي 1965و 1968

بعدما نضجت فكرة تصفية الحزب السوري القومي الاجتماعي بتصفية العقيد المالكي، في رأس محمود رياض، أوعز للّواء جمال حماد بالتخطيط التنفيذي لهذا الهدف، بناء على المعلومات التي زوده بها كلٌ من أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج، كان استهداف الحزب مبنيا على تلك المعلومات، التي كان محورها أن الحزب السوري القومي الاجتماعي يدور في فلك السياسة الأمريكية التي كانت قد بدأت بالتخلي عن عبد الناصر نظرا لميوله للكتلة الشرقية وضلوعه مباشرة في انشاء منظمة” دول عدم الانحياز” كما وأن الحزب كان قد أعلن عداءه للشيوعية واصراره على محاربتها وتأييده لحلف بغداد..

وعلى الرغم من أن قيادة الحزب لم تكن في مستوى محاربة الشيوعية، أو التأثير في سياسة حلف بغداد، لكنها أرادت من وراء ذلك إعلان ولائها للغرب الأمريكي ( على الرغم من معرفة قيادته بأن هذا الغرب هو الذي يمد دولة “إسرائيل” بكل مستلزمات تفوقها على الدول المحيطة بها والتي تشكل ـ من وجهة نظر السياسة “الإسرائيلية” ـ خطرا عليها لتبرير ابتزازها للغرب بدعمها سياسيا واقتصاديا وعسكريا ) كسبا لحليف يساعدها على الخروج من حصار القوى السياسية الأخرى لها بعد مؤتمر حمص، نتيجة انخراطها في سياسية الشيشكلي، حتى بات الحزب معروفا “بحزب الشيشكلي” إضافة لقصورها بمعرفة ما يدور بالخفاء، وبنتائج انطوائها وعزلتها ومشاركتها في الحياة السياسة، فقد بات من السهل النيل منها ومن الحزب بصورة عامة، وقد شاركها في العداء لثورة 22 يوليو، العقيد المالكي على الرغم من ميوله الشرقية، وامتعاضه من تدخلات محمود رياض في الشؤون السورية، وعلاقته المعروفة بالسفارة الأمريكية عبر زوجة السفير الأمريكي، التي نبهته لما يدور حوله من شبهات قد تودي بحياته ونصحته بمغادرة البلاد، ومحاولاته الدؤوبة لإنشاء كتلة متراصة من الضباط( الشوام) ولربما كان هذا ماساهم في ضرورة تصفيته،

 المعلومات التي وردت عن محاولاته ضم الضباط القوميين الاجتماعيين لهذه الكتلة بما يحول دون قوة الضباط البعثيين المناوئين له خاصة جماعة الحوراني وامكانية لقائه بغسان جديد في اليوم التالي للجريمة( هذا إذا كانت هذه المعلومة صحيحة) مما يشكل عقبة أمام الحوراني والسراج التائقين للوحدة مع مصر..

فوفق ما نرجحه انه بناء على الوقائع التي جاء بها التحقيق وعلى ما صرح به كل من حماد والنحلاوي، أن محمود رياض أوعز لجمال حماد بالتخطيط لتنفيذ هذه التصفية الثنائية أملا في تهيئة أجواء الوحدة كما دونها رياض في مذكراته، فما كان من سبيل لحماد لإنجاز مهمته سوى الاستعانة بالسراج لتحديد العناصر المؤتمنة على سر التصفية، فكان اقتراح السراج لكل من أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي، أما القاتل الحقيقي فكان كما تذهب الترجيحات لكونه مصري الجنسية أو عبد المجيد جمال الدين الذي اختفى أثره بعد الحادثة ، لذا كان لا بدَّ من تأمين الساتر وحال بتشابك الكراسي بعد الصف الثالث، من جلوس من يحملون بطاقات وراء العقيد المالكي، لتنفيذ الجريمة ( لم يأتي التحقيق على بيان لماذا وضعت ومن وضعها ولماذا وبأمر من تم تنفيذها، لكن جمال حماد هو الوحيد الذي جاء على ذكرها وبرر وضعها )، وذلك بوضع الحاجز خلف المنصة وشبك صفي الكراسي بشكل لا يمكن من خلاله فكها ليجلس عليها المدعوون( والتي جاءت وفق ما نرجحه بأمر من أكرم ديري باعتباره المسؤول عن أمن المنصة وسلامة المدعوين ) لتأمين وضوح الرؤية للقاتل، وتحديده موقع الشهيد ياسين عبد الرحيم ليكون كبش الفداء لهذه الجريمة من خلال معرفة أكرم ديري لعناصره في الشرطة العسكرية وتحديدا انتماء الشهيد يونس للحزب السوري القومي الاجتماعي وتعصبه له، ومعرفة عبد الكريم النحلاوي لما ادعاه بوجود مخبر أبلغ المالكي بأن هناك من يود النيل منه، وهذه هي المعلومات التي أدلى بها كل من حماد والنحلاوي بعد ما يزيد على النصف قرن من الجريمة،

4 ـ أكرم الحوراني:

شخصية تختزن في دواخلها جملة من التناقضات أبرزها أنها تقول ما لا تؤمن به وتسلك عكس ما تقوله، الغاية لديها تبرر الوسيلة، لا تتورع، خدمة لغاياتها، من سلوك مختلف السبل لتحقيقها، وتكتشف أنها أخطأت، فتنقلب على ما سعت اليه، مهما تتطلب ذلك من وسائل..

لقَّبه معارفه وأصدقاءه بــ (الجنرال ذو اللباس المدني) لممارساته التي طبعت لفترة تزيد على العقد، السياسة السورية بطابعها التناقضي والمسلكي المتقلب وفق مزاجية تسلك بتناقضاتها تحقيق رغباتها، شخصية كان لها تأثير كبير في مجرى الأحداث خلال عقد الخمسينيات من القرن المنصرم، ذو خلفية دينية متخلفة لم تبارحه طوال حياته، يُدين الطائفية ويمارسها في السر والعلن تحت شعارات مختلفة “أقلية وأكثرية”، سليل عائلة اقطاعية، يدين الاقطاع حتى لا يتحمل آثامه، مدافعا عن الفلاحين لتجيشهم لتحقيق مآربه السياسية، اشتراكي على الطريقة السوفيتية..

ما تقدم، يستند لما جاء في مذكراته التي بلغت أكثر من ثلاثة آلاف صفحة، يكذب في الكثير من الأحداث التي يتطرق لها ، حاقد من طراز رفيع، أناني لدرجة يبدو فيها أنه ضد ذاته، يُنصب من نفسه حكماً ومقياسا للصحة والخطأ..

قد نكون متجنين عليه بنظر البعض، لكننا إذ نسقط ما تقدم على مسيرته السياسية، نتأكد من صحة ما نذهب اليه في رسم معالم شخصية معقدة أشد التعقيد، متناقضة بكل ما في الكلمة من معنى وأبعاد، مغرقة في ذاتيتها لدرجة أنها لم تتمكن من الخروج من أعماقها حتى أواخر أيامه..

مسيرته الحياتية، خير معين لنا في ما نحن ماضون اليه،

ولد الحوراني في حماة عام 1914 أما اليوم والشهر فلا يعرفه كما جاء في مذكراته، لم يكتشف ذلك إلا بعد محاولته التسجيل في الجامعة اليسوعية في بيروت لدراسة الطب لكنه عاد الى دمشق بعد اشتراكه بالتخطيط والتنفيذ لاغتيال النائب صبحي بركات، حيث درس المحاماة وزاولها قي دمشق، انتسب الى الحزب السوري القومي الاجتماعي في عام 1936 وانسحب منه بعد اقل من عام..

تحت عنوان ( التجربة والخطأ) يؤرخ الحوراني تجربته في الحزب، يقول: “عام 1937 انقلبت (المناقشات الودية والحضارية) الى مقاومة ضارية ضد انتشار الحزب السوري القومي بالاعتداء على أعضائه واجبارهم على الانسحاب علنا والقسم على القرآن توثيقا لانسحابهم فاضطرت الأكثرية الساحقة أن تعلن انسحابها.. ومع أن حملة الكتلة الوطنية في حماة قد توقفت بعد أن أعلن الكثيرون من منتسبيه انسحابهم وبعد أن أظهر الرأي العام وبعض شباب الكتلة نزاهة وتقدمية واشمئزازهم من تلك الحملة، فإنني أعلنت حل الحزب في حماة أواخر 1937 وانتهى الأمر بالنسبة لي على الصعيدين الحزبي والسياسي..” وعلى الرغم من أن الحوراني يعيد انسحابه من الحزب لجملة عوامل عقدية، فإننا لا نعتقد أنه كان صادقا في ذلك، فحملة الكتلة الوطنية التي دفعت بالكثيرين للانسحاب من الحزب لم تستثنيه، فقد أقسم كغيره على القران توثيقا لذلك، خاصة وأنه ابن عائلة اقطاعية لا شك أن لعائلته صلة بالكتلة الوطنية التي كانت عبارة عن تجمع لجملة من العائلات الاقطاعية ترفع الدين شعارا لمصالحها، وخاصة في حماة حيث التعنت الديني كان قد بلغ أعلى مستوياته، نقول ذلك، بناءً على ما جاء في كتيب “سامي الجندي” (البعث) حيث يقول :”تعرفت على الأستاذ الحوراني سنة 1941، كان يُلِّحُّ على نظرية الأرض التي تكون الأمة، فلم يخفَ عليَّ أنه متأثر بآراء الحزب السوري القومي..”

في عام 1943 انتخب عضواً في البرلمان السوري، مستفيدا بالدرجة الأولى من موروثه الاقطاعي ومن الشهرة التي نالها أبان انتسابه للحزب، ومؤازرته (لانتفاضة الفلاحين) في ريف حماة الغربي، وعلى الرغم من كونه عضواً في البرلمان السوري فقد ساهم في معارك فلسطين عام 1948، عين وزيرا للزراعة في حكومة هاشم الأتاسي واستقال منها ثم عين وزيرا للدفاع في حكومة خالد العضم واستقال منها قبل أن يُتِمَّ العام فيها / نيسان 1949 /..

في عام 1951 أسس حزب الشباب في حماة ومن ثم أطلق عليه اسم الحزب العربي الاشتراكي وفي عام 1952 اندمج في حزب البعث العربي ، وأصبح أحد أهم أركان حزب البعث العربي الاشتراكي الى جانب عفلق والبيطار، كان ما يزال يعاني من انتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي، يقول في مذكراته التي باشر بكتابتها في أوال سبعينيات القرن المنصرم : “لم يجد الخصوم في سيرة حياتي غير التركيز على استغلال انتسابي للحزب القومي السوري، في عام1936، لكن هذا التركيز لم يترك أثر على المستوى الشعبي والجماهيري، بل إن نجاحي في انتخابات 1943 أظهر أن الشعب يُكِنُّ لي حبا ودعما يفوق ما كنت أنتظره، ولم تترك هذه التجربة في نفسي أي عقدة بل كان لها نتائج إيجابية على المستوى الشخصي والشعبي ..” راجع الملحق رقم( 3)

ما تقدم يُظهر تقلبات الحوراني وكأنه لا يعرف ما يريد، لكن تاريخيته تبين لنا ما كان يعاني منه نفسيا مما دفعه للتآمر على الحزب السوري القومي الاجتماعي والتبرؤ منه عملياً بعدما شعر بقوة كتلته العسكرية المدمجة(افتراضا) بكتلة الضباط البعثيين العفلقين، حيث تمكن من تقرير الكثير من سياسات سورية في ذلك الحين، خاصة وأنه كان على صلة وثيقة بعبد الحميد السراج المعجب بعبد الناصر والمتستر في حزب البعث الجديد، حيث التقى إعجابهما بالمهمة التي كان قد كلف بها محمود رياض من قبل عبد الناصر، يقول محمود رياض  في مذكراته :”.. وحدث تطور جديد عندما لمس الرئيس عبد الناصر الدور الذي يمكن أن تلعبه سورية في الساحة العربية، فسعى الى توطيد العلاقات معها وقرر تعيني سفيرا لمصر في سورية في ربيع 1955 للقيام بهذه المهمة وأطلق يدي لتحقيق هذا الهدف.. ولم أكن في حاجة لوقت طويل لتوطيد علاقاتي مع كافة الأحزاب السورية ومع قيادات الجيش..” أن يطلق عبد الناصر يد محمود رياض للعبث في السياسة السورية، وأن لا يكون رياض بحاجة لوقت طويل لتوطيد علاقاته مع الأحزاب وقيادات الجيش، مسألة ملفتة للنظر إذا ما نُظر اليها من زاوية الحوراني والسراج، فكلاهما متطوعان طوعا لخدمة مآرب عبد الناصر عبر محمود رياض، حيث لا ينكر أي منهما حماسه للوحدة مع مصر ولكل منهما مبرراته وأهدافه، وهما بكل تأكيد متفقان في الوسائل، فالحوراني الذي ابتدأ حياته السياسية بمحاولة اغتيال لم يكن ببعيد عن أساليب السراج في القمع والتعذيب الذي وطده فور تسلمه رئاسة المكتب الثاني بدمشق، ولكل منهما مبرراته في انتهاجها في سبيل تحقيق ما يصبوان اليه، وبالتحديد العمل على تحقيق الوحدة الاندماجية مع مصر، وازالت مختلف عقباتها المتمثلة بالحزب السوري القومي الاجتماعي وعدنان المالكي كما بات واضحا في سياق هذه الدراسة، ومما لا شك فيه أنه بعدما نضجت فكرة الاغتيال في رأس محمود رياض أسر بها لعبد الحميد السراج الذي تداولها مع أكرم الحوراني ولقيت ترحيبا من الأخير ففيها تبرئته تاريخيا من انتسابه للحزب بالتآمر عليه وتصفية أحد ألد أعدائه عدنان المالكي الذي راح يُظهر امتعاضه من تدخلات رياض في السياسة السورية من جهة وعبر عبد الحميد السراج الذي كان يعمل المالكي على ازاحته من منصبه كرئيس للمكتب الثاني من جهة ثانية كذلك خصومته لأكرم الحوراني الذي عارض ترشيح أخيه رياض المالكي في انتخابات 1954 كما مرَّ معنا آنفا، مما دفع بأكرم الحوراني لتكليف النقيب بشير صادق بإبلاغ البعثيين مدنيين وعسكريين وجوب مهاجمة العقيد المالكي في المحافل والمناسبات كافة وإفشال مخططاته ومساعيه والتبرؤ منه ونفي أية علاقة له بحزب البعث العربي الاشتراكي.. هكذا التقت أهداف رياض والسراج والحوراني، وهذا ما ثبت بعدما أنجزت لعبة الاغتيال التي نحن بصدد كشف بعض جوانبها المغفلة بالنسبة للكثيرين ممن تناولوها..

في عام 1941 يلتقي سامي الجندي بأكرم الحوراني، في الأولى يقول ما أوردناه أنفا، في لقائه الثاني بأكرم الحوراني يقول:” وجدت حين قابلته للمرة الثانية عام 1948 أن فكره قد تغير جذريا عما في المرة الأولى، فهو يتأثر بتجربته أولا، لا يغيب عنه الواقع، يتشبث به ليستمد منه التعليل..” ربما أراد الجندي مدح الحوراني، لكنه أخطأ التعبير، فالحوراني واقعي بنظر الجندي، وتاليا فالواقع المعاش دليل الحوراني لتعليل مواقفه، فهو إذن عملي لا يرعوى في خطاه عن تغيير مواقفه ونظرته للأمور، لا تعنيه المبادئ كثيرا، فالواقع هو الدليل الذي يقيم عليه مواقفه ويتبعه بكل ما فيه من تناقضات، هذه المسألة بالذات وفق ما نعتقد، كانت وراء اندماجه في البعث العربي، وأيضا، في خلافاته مع عفلق والبيطار، وانعكست وفق معاصريه في كتلة الضباط الاشتراكيين والضباط البعثيين، كلاهما في حزب واحد، لكنهما مختلفان يقول سامي الجندي:” وحدت المعركة، ضد الشيشكلي، الحزبين فكان منهما مزيج عجيب أسمه البعث العربي الاشتراكي ما عاد غير تجمع مهلهل فقد شخصية الحزبين، حقق نجاحات كبيرة لكن السوس كان ينخره من الداخل، لا أعني من ذلك اعتراضا على الاسم.. وانما على نهاية منطقين كان كل منهما ضروري للمرحلة وولادة منطق مشوه عشوائي..” مما يعني أن المنطق الذي حكم تصرفات الحوراني وكتلته في الحزب، كان على خلاف إن لم نقل نقيض توجهات عفلق والبيطار، وبما يعني أيضا، أن الحوراني الواقعي وجد في الواقع ما يبرر تصرفاته، تعاون بشكل مطلق مع السراج المحسوب على كتلته في حزب البعث، مارس عبر السراج ديموقراطيته التي أشبعنا بها تنظيرا، السراج الناصري قلبا وقالبا والمتستر بحزب البعث، يعبث والحوراني بمصير الدولة، كانت الوحدة مع عبد الناصر وكأنها غايته التي ناضل من أجلها ردحا من الزمن، بذل في سبيل تحقيقها كل جهد تمكن منه، وعندما تشكل الوفد المفاوض لمحادثات الوحدة سرا وسافر سرا الى القاهرة(راجع الملحق رقم 6) مستثنياً إياه، تقبل ما جاء به ممتعضا، كما يقول في مذكراته، لكنه أبى معارضته لما اعتبره متعللا بأن ذلك ( خيانة قومية) قبل شرط عبد الناصر بحل الأحزاب في سورية، أي الغاء التعددية الحزبية وتاليا الديموقراطية التي كانت تُدار في شكليتها الدولة، كانت مساعيه للوحدة قد انتهت الى حل البعث العربي الاشتراكي وبقية الأحزاب، لكن شرط عبد الناصر أراح الحوراني من أعباء (ولادة منطق مشوه عشوائي..) وفق توصيف الجندي،

من يطالع “مذكرات سامي الجندي( البعث) ، يتبين وبسرعة أن حزب البعث لم يكن بأكثر من تجمع عاطفي يقول بوحدة عربية لا يفقه أي من قيادييها معناها أو عواملها أو عناصرها أو ما تؤول اليه أو ما تستهدفه أو.. كما ويدرك أن هشاشة قياداته وضعفها حمّلت بعض عناصرها قيادة الحركات التي جعلت الحزب في مقدمة الأحزاب الأكثر وضوحا وتنظيما ورؤية عقدية لا يقاربها الشك، لقد كانت قواعد حزب البعث هي الأكثر دقة وتنظيما من قياداتها، بل وأكثر وأعمق رؤية منها، وانها كانت سياسية أكثر من كونها عقائدية، وأن اليها يعود الفضل باستلام البعث قيادة أكبر كيانين في الأمة السورية ، العراق والشام، وأن قيادات البعث التقليدية، الأرسوزي، عفلق، البيطار، الحوراني، إنما كانت تجني نتائج فعل تلك العناصر على الأرض، أكثر من ذلك، نجد البعث أنه مجرد أفراد نذروا أنفسهم لتطلعاتهم بعيدا عن مهادنات قياداتهم، عملوا وانتصروا واستفادوا من كل حدث، صغيرا كان أم كبيرا، ولم يأخذوا لقياداتهم أي اعتبار في ما عزموا العمل من أجله لكنهم كانوا يتحدثون ويفعلون ما يقومون به باسم البعث.. وإن كان كل ما تقدم عاملا من عوامل انهيار البعث بمعناه التنظيمي والفكري وليس العقدي، بعد أن تسلمت قياداته مقاليد السلطة حيث استفرد البعثيون بعضهم ببعض وتصفية أكثرهم بأيدي بعضهم لبعض وتلاشت قياداتهم التاريخية بعد أن أضحت السلطة بأيدي أعضاء الحزب، قيادات هشة لم تكن يوما بقيادات قادرة على تحمل مسؤولياتها بدئا من حل عفلق لحزب البعث أيام حسني الزعيم الى حل البعث أيام الوحدة.. كانت مكافأة عبد الناصر لأكرم الحوراني بتسميته نائبا لرئيس ” الجمهورية العربية المتحدة” وكعادته، يكتشف متأخرا أن مساعيه الحثيثة لتحقيق الوحدة لم تأتِ أكلها، وأن تسميته نائبا للرئيس، لم يكن يعني شيئا أمام الصلاحيات الممنوحة لعبد الحكيم عامر ولعبد الحميد السراج بإطلاق يد الأخير على ما شاءت في كل ما يتعلق “بالإقليم الشمالي”، وما هذه التسمية إلا تحييدا له عن لعب أي دور تقريري في السياسة، فيستقيل من منصبه ويتنحى جانبا المجال لعبد الحميد السراج أن يتبوأ منصبه كنائب للرئيس، ويعود الى دمشق ومنها الى بيروت حيث يشرع في مهاجمة عبد الناصر متهما إياه بالتعاون مع( إسرائيل) وبأن الوحدة مع مصر ما هي في حقيقة الأمر إلا احتلالا مصريا لسورية، وفور وقوع الانفصال، أيده الحوراني وتصدر دعاته، وفور وقوع انقلاب البعث في الثامن من أذار، يُعتقل الحوراني ويُزُجَّ به في السجن، ويطلق سراحه بعد فترة وجيزة ليستقر في لبنان، ليباشر كتابة مذكراته بعدما استقال من العمل السياسي كليا، بلغت مذكراته ثلاثة آلاف وستمائة وخمسين صفحة، يؤرخ فيها مسيرته السياسية من بداياتها ويضفي عليها صبغته الشخصية في إيجاد مبررات مواقفه، من لبنان الى العراق فباريس فعمان حيث استقر بها حتى وفاته في 24 شباط 1996 عن عمر ناهز الخامسة والثمانين ودفن فيها بحفل اقتصر على بعض من عرفوه في عمان..

عبد الحميد السراج:

 

 أو “السلطان الأحمر” تيمناً بالسلطان العثماني عبد الحميد الذي اقترنت باسمه أبشع مجازر التاريخ “الإبادة الأرمنية”..

لم يكن السراج رجلا عاديا، كان رجلا من نوع آخر، طبع النظم العربية كافة بطابعه الاستبدادي الذي لا يعرف أي نوع من قيم الانسان، ليست الغاية عنده تبرر الوسيلة، بل الوسيلة التي ليس لها من غاية سوى رؤية دم خصومه السياسيين وإذلالهم وسماع صرخاتهم وهم يتأوهون، دموي لدرجة بات الدم مقرونا باسمه، كان ربه الأوحد، جمال عبد الناصر، يتعبده في صحوه ونومه، يراه بطلا من أبطال الوحدة العربية، برأيه كان عبد الناصر منطلق وطريق وغاية الوحدة من المحيط الى الخليج، خدمه بإخلاص وتفانى في اخلاصه، لم يكن يعبأ بكونه رئيس جهاز لخدمة الدولة السورية، كان عميلا لعبد الناصر، خادما مطواعا طيعاً، كل ما يرضي عبدالناصر، كان برأيه الحق والحقيقة، لم يعكر صفو طاعته، سوى المشير عبد الحكيم عامر، تنازع معه الصلاحيات، فنصبه عبد الناصر نائبا له، تحييدا له، شغل منصب وزير الداخلية في “الإقليم الشمالي” ( سورية)، فروَّع مناصريه قبل منازعيه، كان شعار المرحلة التي تجمعت بيده مختلف السلطات / كل مواطن خفير/ بمعنى أن كل مواطن ما هو إلا عنصرا من عناصره، تقع عليه مهمة نقل كل ما يسمعه اليه، بات الأب يخشى ولده والولد يخشى أبيه..

ولد عبد الحميد السراج في مدينة حماة، في الثاني والعشرين من أيلول ( وهو اليوم الذي استقال فيه من منصب نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة وذات اليوم الذي توفي فيه في القاهرة عام2013 عن ثمانية وثمانين عاما) عام 1925 في عائلة متزمتة دينياً،  انتسب الى الشرط المدنية وتولى مهمة الاشراف على بيت دعارة وتزوج من إحدى العاملات فيه، وجدت بعد تسلمه رئاسة المكتب الثاني مقتولة بالقرب من أحد فروع نهر بردى، عمل بجد على نيل الشهادة الثانوية ونجح بها، انتسب الى الأكاديمية الحربية في حماة وتخرج منها برتبة ضابط ومن ثم أوفد الى باريس ودرس في كلية أركان حرب وتخرج منها في عام 1947، كان الحارس الشخصي لحسني الزعيم ، انقلب عليه فور تسلم الشيشكلي الحكم، كما ساهم في انقلاب الشيشكلي وعليه، بعد الشيشكلي عين ملحقا عسكريا في السفارة السورية في باريس، في آذار 1955 عين رئيسا للمكتب الثاني، عبادته لعبد الناصر قادته الى محمود رياض لينقل الأخير لعبد الناصر تمكنه من استمالة رئيس المخابرات العسكرية السورية الى جانبه، ومن خلاله تمكن رياض من استمالة مجموعة كبيرة من الضباط البعثيين ـ والذين كانوا يرهبون السراج ـ الى جانبه ، كان عبد الحميد السراج يتطلع لقيادة ناصر للأمة العربية فساهم في تحقيق الوحدة السورية ـ المصرية بعدما أطاح بمعارضيها، بالتآمر على الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتياله للعقيد المالكي حيث تولى مختلف شؤون التحقيق في هذه العملية وكان وراء اعدام اثنين من( المتهمين) بالعملية بعدما تمت تصفية الثالث لتكتمل اللعبة، في عام 1957 حاك عملية اغتيال الشهيد غسان جديد وفي اغتيال “فرج الله الحلو” الأمين العام للحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني فأذابه بالأسيد بعدما ضجت وسائل الاعلام الروسية باختفائه وتدخل كل من نهرو وتيتو وشوإنلاي وسوكارنو بموضوع فرج الله الحلو وطالبوا عبد الناصر بالتحقيق باختفائه، فطلب عبد الناصر من السراج إخفاء كل أثر ينم على أن فرج الله الحلو كان معتقلا في دمشق، فكان أن أمر السراج بإذابة جثته بالأسيد ورميها في مجارير المدينة، هكذا كان الحزب الشيوعي السوري واللبناني والعراقي عرضة لتنكيل السراج فزجت كوادره في السجون التي امتلأت بالشيوعيين، عمل على اغتيال “نسيب المتني” نقيب المحررين اللبنانيين واتهام كميل شمعون باغتياله لتأجيج السخط الشعبي ضد تجديد كميل شمعون لرئاسة الجمهورية، قام باغتيال رئيس الوزراء الأردني هزاع المجالي المحسوب على القوميين الاجتماعيين حين ذاك للجم العداء الأردني للوحدة السورية ـ المصرية ،كثيرون لاقوا حتفهم في أقبية السراج أبرزهم “سعيد الدروبي” الشيوعي الذي فارق الحياة في أقبية التعذيب السراجي،  كذلك عمد الى اغتيال الصحافي اللبناني كامل مروة ،كل من دخل السجن في عهده خرج منه معطوبا بعاهة دائمة هذا اذا لم يكن قد توفي أثناء عمليات التعذيب، استظل عبد الحميد السراج حزب البعث اللاهث للوحدة تخلصا من صراعاته الداخلية عبر أكرم الحوراني الذي تعاطف معه ومطلب الوحدة مع مصر، حتى ولو كان ذلك لقاء انهاء حزب البعث في سورية تلبية لمطلب عبد الناصر بإنهاء التعددية الحزبية والصحافية وكل ما من شأنه التخلص من تبعية ناصر، وكان السراج اليد الطولى لناصر في سورية حين تجمعت لديه كل السلطات يوم تسلم وزيرا للداخلية في “الإقليم الشمالي” وكذلك لبنان والأردن والعراق، وبعد أن اشتد بينه وبين المشير عامر الصراع على السلطة في سورية، عمل عبد الناصر على تحييده في هذا الصراع فعينه نائبا لرئيس الجمهورية خلفا لأكرم الحوراني، حيث استقال من منصبه قبل وقوع انقلاب الانفصال بستة أيام، وكان قد أوصل لعبد الحكيم عامر معلومة أن انقلابا يعده رئيس مكتبه عبد الكريم النحلاوي، فلم يصدقه المشير واتهمه بالكذب، وفور وقوع الانقلاب، زُجَّ بعبد الحميد السراج بسجن المزة باعتباره نائبا لرئيس الجمهورية، عمل عبد الناصر جهده لفك أسر كاتم أسراره فطلب من فؤاد شهاب التعاون لفرار السراج من السجن الذي كلف رئيس مخابراته سامي الخطيب وبالتعاون مع كمال جنبلاط للقيام بتلك المهمة، حيث تمكن نزير رشيدـ المحسوب على الضباط الأحرار ـ والمتواجد في دمشق من تكليف رئيس حرس سجن المزة منصور الرواشدة الناصري الاتجاه بفتح باب الزنزانة والهروب مع السراج والوصول الى دير العشائر حيث كان في استقباله سامي الخطيب الذي رافقه حتى مطار بيروت الدولي حيث حطت طائرة مصرية بعد أن طلب قائدها السماح له بالهبوط الاضطراري في المطار والتي حملته الى القاهرة ليستقبله عبد الناصر استقبالا رسميا في القصر الجمهوري وليغدق عليه بسخاء الجنسية المصرية وتبعاتها من المسكن والمأكل حتى تاريخ وفاته..

يقول محمد معروف عن عبد الحميد السراج :” كان عبد الحميد السراج مرافقا لحسني الزعيم وكان برتبة ملازم ثاني من ملاك الشرطة العسكرية، اتصل بي اللواء سامي الحناوي وطلب مني تفتيش منزل حسني الزعيم علي أجد فيه بعض المستندات التي تدينه وتبرر أو تضفي الشرعية على اعدامه، استدعيت عبد الحميد السراج ليرافقني وذلك لمعرفته بدخائل المنزل، والمكاتب بصفته مرافقا سابقا لحسني الزعيم استقبلتنا زوجة حسني الزعيم وكان الخوف والحزن باديا على وجهها، كانت حاملا وعلى وشك الولادة كنت أعرفها عندما كنت طالبا في المدرسة الحربية في حلب، وكنا طلاب الحربية نتردد على مقهى يدعى “الطبخ نفخ” وكانت تسكن في المبنى نفسه، وهي من عائلة كريمة تدعي آل اليافي، قدمت لها التعازي ثم أعلمتها بأنني سأقوم بتفتيش المنزل وكلفت عبد الحميد السراج بالمهمة، أخذ يفتح أدراج المكاتب بعصبية ويوجه الاتهامات لزوجة الزعيم بأنها عبثت بالمحتويات وأخفت الكثير منها، وتجبر عليها فأخذت تبكي بحرقة وأقسمت أنها لم تمد يدها الى شيء، لم يعجبني تصرف السراج، تجاه سيدة أعدم زوجها وكان هو مرافقا له وقد فعل ذلك لإرضائي والتقرب مني، واعتبرت تصرفه غير أخلاقي بل وانتهازيا، فأمرته بالعودة الى مركز الشرطة، وطلبت منها أن تعطيني الوثائق التي بحوزتها، فأقسمت للمرة الثانية أنها لم تمد يدها الى شيء وأن جميع محتويات المكاتب لا تزال على حالها، لم أرَ أو أعثر على ما يستحق الذكر، وسألتها إذا كانت بحاجة الى شيء، فقالت بأن سيارتها الخاصة قد صودرت وأنها بحاجة اليها من وقت لآخر لزيارة الطبيب، فأعدت لها السيارة وأعطيتها رقم هاتفي للاتصال بي عند الحاجة.. عدت الى مركز الشرطة وفور وصولي، اتصلت بالمقدم فيصل الأتاسي رئيس الشعبة الأولى وطلبت منه أن ينقل عبد الحميد السراج من الشرطة العسكرية الى القامشلي، وفي صباح اليوم التالي زارني العقيد أديب الشيشكلي في مكتبي وقال لي مازحا،” يا أخ محمد أنا شو عملك ؟ لماذا طلبت نقل الصبي تبعي الى القامشلي، بررت أسباب نقله وقلت أن انطباعي عنه أنه انتهازي ولا مجال ٌبقائه في الشرطة العسكرية فطلب مني أن أترك الموضوع للمكتب الأول، وأخذ الهاتف دون أن يستشيرني وطلب من المقدم فيصل الأتاسي وقال له تكلم مع المقدم معروف، وبإلحاح من الشيشكلي، الذي كنت أحبه واحترمه تركت للمقدم أتاسي حرية نقله الى المكان الذي يريد.

كانت هذه الحادثة عقدة السراج تجاهي، وبلغ به الحقد أن عمل بكل الوسائل على تصفيتي في لبنان مع المقدم غسان جديد ولكنني كنت أكثر حذرا وحيطة منه (من غسان) وكثيرون من الذين كانوا قربين منه كانوا يبلغوني بمخططاته لأخذ الحذر في الوقت المناسب.     

لقد كانت النوازع الشخصية المتلبسة القضايا القومية هي التي قادت لصراع دموي في حقبة الخمسينات على السلطة، فقد تلبَّسَ كل طامحٍ للسلطة، قضية قومية، من هنا كان انقلاب حسني الزعيم ـ ردا على نكبة فلسطين ـ فاتحة عهد انتهى لكل تلك المآسي التي عاشها الشعب السوري، لقد طبعت تلك الحقبة البلاد العربية كافة بطابعها السوري، انقلاب عسكري يتقمص ثوب الثورة، في سورية كما في العراق كما في مصر والسودان واليمن وليبيا .. مختلف تلك الثورات رفعت شعار الاشتراكية ردا على ما خلفه الاستعمار من أنظمة اقطاعية عبثت بمصالح الشعب لصالح بقائها على رأس الهرم السلطوي خدمة لمصالح استعمارية محورها تكريس بقاء (اسرائيل) قوة عسكرية تهدد أمن جرانها، كانت قضية فلسطين هي العنوان الأبرز في كل مجريات الأمور التي أطاحت بكل القيم الوطنية والقومية التي تلبستها نوازع محض شخصية، أفسدتها الحزبية التي كانت الوسيلة الوحيدة لبلوغ المطامح الشخصية غايتها، والحزبية بدورها، قامت على مخلفات ثقافة عثمانية بالتحديد، أفسدت أيضا كل ما كان نقيا صافيا فطريا لدى فئات الشعب كافة وبثت الكره والحقد كل فئة على أخرى، الحزبية التي التقت بعضها مع بعض على أهداف كبرى، ما لبثت أن وقعت في فخ الأكثرية والأقلية، فكانت مأوى الأقليات على اختلافها، بهدف كسر الطوق الذي ضُربَ حولها من منطلق ديني يتلبس العروبة واهما أنها الطريق الوحيد للم الشمل الوطني والقومي، دون الأخذ بعين الاعتبار أن مختلف فئات الشعب لم ترقَ لدرجة المواطنة، شعوبٌ حديثة الاستقلال في إدارة قضاياها، على أي مستوى كان، نادت بالقومية الديموقراطية ومارست كل ما في الفردية والأنانية والشخصانية من عاهات وعيوب، بلوغ الديموقراطية بأساليب ومنطلقات غير ديموقراطية، الانقلابية واحدة من تلك الوسائل التي أقرَّتْ فشل التنظيمات الديموقراطية في بلوغ هدفها، تشابكت الأهداف الاستعمارية بالأهداف الوطنية والقومية فتاهت “الجماهير” في أزقة العمالة، بدى كل ما هو غير منتمٍ لما ينتمي اليه الآخر عميلاً مرتزقاً انتهازياً وصولياً .. الى ما هنالك من نعوت أفسدت على الوطنية وطنيَّتها، فانكفأت هذه الى انانيتها، فما نشأت عليه كان المعجم الذي ترجم لها كل ما يجري أمامها من مثالب لا تراها إلا هي ذاتها بينما الآخرون لا يرون ما تراه…

مختلف الشخصيات التي لعبت دورا في لعبة اغتيال المالكي، كانوا في النسق الآنف الذكر، على الرغم من تقارب البيئات الاجتماعية التي ينتمون اليها والثقافات التي غزت عقولهم وغرست فيها صحوتها الشخصانية، توحدهم الأهداف وتباعدهم المطامح الشخصية، في واقعة اغتيال المالكي، نجد مختلف توصيفات ما تقدم، عبد الحميد السراج المتلبس البعثية، لم يجد في البعث تلك الشخصية الأثرة التي وجدها في جمال عبد الناصر فاستحال عميلا لعبد الناصر طائعا مطواعا، أكرم الحوراني الذي رأى في البعث خشبة خلاص أمته، وجد في عبد الناصر ما يريحه من عبء ما طمحَ اليه في البعث العربي ومن ثم البعث العربي الاشتراكي، ليخيب أمله بناصر، فينكفئ لكتابة مذكراته التي يبرر بها فشل قوميته العربية في تحقيق مبتغاه الشخصاني كقائد للأمة العربية، معتقدا أن مؤازرته لثورة فلاحي حماة، تكفي ليكون القائد “الجماهيري” بلا منازع، أكرم ديري يلتصق بالبعثية الناصرية طائعا مطواعا أيضا لعبد الحميد السراج في مختلف تطلعات الأخير السياسية والأمنية، عبد الكريم النحلاوي الذي لم يستطع الخروج من دمشقيته، يزج برفاق الأمس بالسجن( عبد الحميد السراج) ويطالب بترحيل أكرم ديري الى حيث مأواه الأخير، مصر، عصام المحايري الذي أقرَّ وثبَّتَ تهمة الاغتيال في الحزب السوري القومي الاجتماعي، يثأر بذلك من عبد المسح الذي أطاح برئاسته للحزب..

الضحايا في هذه الواقعة هم وحدهم الذين ما التبست عليهم وطنيتهم  وقوميتهم الاجتماعية ، الشهداء غسان جديد بديع مخلوف عبد المنعم دبوسي، والمغدور يونس عبد الرحيم..

أكرم ديري:

.ولد الديري لأسرة دمشقية معروفة ونشأ فيها وتعلم في مدارسها الابتدائية والإعدادية ونال الشهادة الثانوية منها. في نهاية عام 1945 انتسب إلى الكلية العسكرية وهي الدورة التي سبقت الاستقلال حيث كان رئيس أركانها الزعيم ( العميد ) الركن عبد الله عطفة , وفي بداية عام 1948 تخرجت هذه الدورة استثنائياً بسبب نشوب حرب 1948 و تخرج فيها الديري برتبة ملازم , دخل حرب فلسطين عام 1948 حيث أبلى بلاءً حسناً ، وكان مضرب المثل في الشجاعة والإقدام مما منحه ترفيعاً استثنائياً لرتبة ملازم أول في بداية عهد حسني الزعيم , حين اغتيل العقيد عدنان المالكي عام 1955 , كان الديري قائداً للشرطة العسكرية في منطقة دمشق , و اعتبره البعض من المسؤولين عن اغتياله, اقترحه اللواء توفيق نظام الدين رئيس الأركان العامة بدلاً من عبد الحميد السراج في رئاسة الشعبة الثانية لكن العقيد عفيف البزري فضل تعيينه مديراً ل الكلية العسكرية , و حين عُين البزري رئيساً للأركان عين الديري قائداً للجبهة الفلسطينية .

تم اختياره ليكون عضواً في مجلس القيادة العسكرية الأعلى للجيش و القوات المسلحة الذي تشكل في أواخر عام 1956 من 24 ضابط من قادة الجيش السوري – بالإضافة للعقيد عبد المحسن أبو النور الملحق العسكري المصري – حكموا سوريا في الظل و فرضوا أجندتهم على الحياة السياسية..

كان أكرم الديري، أحد أعضاء الوفد العسكري السوري الذي ذهب إلى القاهرة مطالباً بالوحدة الفورية في شباط 1958، واحداً من بين 14 ضابط سوري سافروا سراً إلى مصر ضمن وفد عسكري لإجراء مفاوضات الوحدة مع الرئيس جمال عبد الناصر والتي انتهت بإعلان الوحدة وقيام الجمهورية العربية المتحدة في شباط 1958. وقد فاوض عبد الناصر وعبد الحكيم عامر طيلة أيام 13-16 يناير ، وتكللت المهمة بالاتفاق العام على الوحدة ولإكمال المهمة وصل وزير الخارجية السوري صلاح الدين البيطار، يوم 16 يناير للتوقيع بالحروف الأولى ميثاق الوحدة بين سوريا و مصر.

اتبع دورة أركان حرب في دمشق و عُين رئيساً ل الشعبة الثالثة في الجيش الأول خلفاً ل العقيد أحمد عبد الكريم الذي أصبح وزيراً تنفيذياً للشؤون البلدية و القروية في الإقليم الشمالي، بعد استقالة الوزراء البعثيين عرضت عليه الشؤون الاجتماعية و العمل التي كان يشغلها عبد الغني قنوت فقبلها و سُرح من القوات المسلحة برتبة عميد ركن وباشر أعماله بالوزارة التنفيذية , لكنه أبقى صلاته القوية مع ضباط الجيش الأول من الدمشقيين و على رأسهم المقدم حيدر الكزبري , و عن طريقه علم العقيد عبد الحميد السراج بتكتل الضباط الشوام الذي قام بانقلاب الانفصال . كان من المعارضين لتفرد عبد الحميد السراج بالسلطة في الإقليم الشمالي , فسافر و بعض الوزراء إلى القاهرة للطلب من الرئيس جمال عبد الناصر الحد من سلطات عبد الحميد السراج فأخد الرئيس بملاحظاتهم و عين عبد الحميد السراج نائباً له , كما اشتُهر باعتراضه على قرارات التأميم في يوليو 1961، لكنه في النهاية انصاع للقرار الجماعي .

يوم الانفصال في أيلول 1961 كانت شعبة الاستخبارات العسكرية قد علمت بالتحرك الانفصالي وأخطرت المشير عامر في استراحته فاتصل بالفريق جمال الفيصل قائد الجيش الأول وبرؤساء الشُعَب في الأركان ليتوجهوا فوراً إلى مقارهم واتصل بالوزراء العسكريين ليصلوا إلى الأركان بالترتيب وهم طعمة العودة الله، أحمد حنيدي، جادو عز الدين , أكرم الديري و جمال الصوفي . و قد أصيب الديري بشظية في قدمه بعد إطلاق المقدم حيدر الكزبري النار على الأرض نتيجة مشادة كلامية بينه و بين الديري . وبعد تفاوض المشير مع الانفصاليين اتفقوا على إنهاء الحركة شريطة تخفيف عدد الضباط المصريين إضافة إلى إجراء عدد من التنقلات في الجيش ، وطلب ترحيل كل من اللواء أنور القاضي، العقيد أحمد علوي، العقيد أحمد زكي، العقيد محمد استنبولي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية إلى القاهرة إضافة إلى طعمة العودة الله، أحمد حنيدي ، جادو عز الدين , أكرم الديري و جمال الصوفي وهم الوزراء العسكريين , وقد رحل الوزراء فعلاً في الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم نفسه واتفق الطرفان على إنهاء حالة العصيان بمجرد إتمام عملية الترحيل لكن قيادة الانفصال رفضت الاتفاق مع المشير عامر  و قاموا بترحيله مع الفريق جمال الفيصل إلى القاهرة معلنين انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة .

عينه الرئيس جمال عبد الناصر رئيساً لوفد الجمهورية العربية المتحدة إلى مؤتمر شتورا عام 1962 للنظر في شكوى سوريا مما دعته تدخل مصر في شؤنها الداخلية .

توفي عام 1990.

من الملفت للانتباه، أن مختلف الشخصيات التي وحدتها واقعة اغتيال الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتيال المالكي، قد باعد ما بينها الصراع على النفوذ والسلطة، فبمجرد تحقيق الوحدة، برئاسة ناصر ونيابة أكرم الحوراني، احتدم الخلاف بين السراج وأكرم الحوراني على من هو صاحب النفوذ الأقوى في سورية “الإقليم الشمالي” فقد تسلم السراج زمام الأمور في سورية كوزير للداخلية وأطلقت يده في كل أمر وشأن، بقرار ودعم من عبد الناصر وبات كل من فيها تحت سيطرته وقبضته المخابراتية، بينما هُمِشَ أكرم الحوراني في سلطاته كنائب للرئيس، فمثل هذا المنصب لا يقدم ولا يؤخر في شيء، كائن ما كان، فما كان من الأخير إلا وأن يستقيل احتجاجا على ذلك، وقد سبق ونوهنا الى أن مسلكية أكرم الحوراني في المسؤوليات لا تتعدى القبول والاستقالة بسرعة، فهو غير قادر على العمل الجماعي، يعتبر أنه هو الحق وما عداه فهو باطل، هكذا كان على الدوام، تحمل مسؤولية وزير دفاع ليستقيل بعدها بأشهر كذلك عندما تسلم وزارة الزراعة واستقال بعد أشهر أيضا، كذلك كان الوضع بين أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي، فقد لمع نجم أكرم ديري وخبا نجم عبد الكريم النحلاوي، على الرغم من تسلمه نائبا لمدير إدارة شؤون الضباط في الجيش الأول، فقد تقلب الأول في المسؤوليات زمن الوحدة وتسلم في نهاية الأمر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وعلى الرغم من اعتراضه على قرارات التأميم وقبوله بها في نهاية المطاف، بقي محتلا لمهامه وعلاقاته بالضباط الشاميين تحديدا، حيث تمكن من قيام عبد الكريم النحلاوي بالإعداد للانقلاب على الوحدة فأبلغ عبد الحميد السراج بذلك الذي أبلغ المشير عامر بالانقلاب لكن الأخير لم يصدقه معتبرا ذلك توريطا له نتيجة احتدام الخلاف بين الاثنين على الصلاحيات والمسؤوليات، ولم يغفر عبد الكريم لأكرم الديري خيانته هذه ، فكان من شروط عبد الكريم النحلاوي تسفيره الى القاهرة مع مجموعة الضباط الذي وقفوا ضد انقلاب الانفصال، لم يكتفِ عبد الكريم النحلاوي بذلك فزجَّ بعبد الحميد السراج بالسجن.. هكذا كان أمر جميع من تعاونوا على اغتيال الحزب باغتيال المالكي،

7 ـ عبد الكريم لنحلاوي:

ولد عبد الكريم النحلاوي في دمشق عام 1926 في عائلة متوسطة الحال من الأحياء القديمة في دمشق، نشأ وشب في حي قبر عاتكة، ودرس في المدارس الحكومة الابتدائية والثانوية وتخرج منها عام 1948، كان ينوي دراسة الطب وتحول إلى الكلية الحربية بسبب الظروف التي حدثت في ذلك الوقت بحرب فلسطين ونشأة دولة إسرائيل لذلك قرر ينتسب إلى الكلية الحربية من أجل أن المساهمة في حرب فلسطين. تخرج من الكلية الحربية عام 1950 برتبة ملازم ثاني، ثم تدرج في المناصب حتى رتبة عقيد أركان حرب. هو عسكري سوري، قائد ومخطط الانقلاب العسكري في 1961 الذي أدى إلى انفصال سوريا عن مصر في الوحدة التي نشأت بين القطرين تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة. وقد قام في 28 آذار/مارس 1962، بانقلاب عسكري آخر، بقيادته الشخصية هذه المرة. قام بحل البرلمان وإقالة حكومة معروف الدواليبي. وقد وقع انقلاب عسكري ضد “النحلاوي” في مارس 1963. أبعد العقيد عيد الكريم النحلاوي بعد الانقلاب الأخير بيومين حيث غادر البلاد بعد اجتماع عقد في حمص لمجموعة من الضباط العسكريين الاشتراكيين والقوميين برئاسة أمين الحافظ حيث غادر البلاد إلى سويسرا ومنها إلى بون وبقي في ألمانيا قبل أن يقرر العودة إلى البلاد خلال الفترة التالية ثم يبعد مرة أخرى إلى ألمانيا بقرار من رئيس الأركان اللواء نامق كمال تجنبا لإثارة البلبلة في صفوف الجيش الذي شهد في فترة تواجد النحلاوي عصيانا في قطعة قطنا استهدفت الإطاحة بالفريق عبد الكريم زهر الدين الذي أزاح الكثير من الضباط وقام بتسريحهم من الخدمة أو أبعدهم إلى مناصب في وزارة الخارجية.

كان عبد الكريم النحلاوي مستقيماً في انضباطه المسلكي ومحافظا في سلوكه الاجتماعي ودمشقياً بامتياز. ورغم أن الرجل كان عسكرياً إلا أنه كان لا يحب أن تصل الأمور مهما وصلت إلى إهدار نقطة دم واحدة، وقد صرح بذلك عندما سأل لماذا لم يستمر في مسيرته رغم استطاعته الثبات في مكانه فأجاب عندما تصل الأمور إلى مفترق طرق وإحدى الطرق يؤدي إلى هدر نقطة دم واحدة يستحيل اختيار هذا الحل ، وأن الجيش وجد لحماية الشعوب ومحاربة أعداءها والخلافات الحاصلة لا يمكن أن تؤدي للعنف مهما وصلت، وكان متعاطفاً مع الإخوان المسلمين.

في عهد الوحدة، عمل المقدم عبد الكريم النحلاوي نائبا لمدير إدارة شؤون الضباط في الجيش الأول، والتي يرأسها العميد أحمد علوي، أحد أصفياء المشير عبد الحكيم عامر وهو المنصب الهام الذي سمح للنحلاوي بالتحكم بتنقلات الضباط طالما كسب ثقة المشير عامر. تحلى النحلاوي بالكتمان، وأظهر كل آيات الولاء والطاعة لقائده عامر، الذي كان يبادله محبة واصطفاء.

شهد صيف 1961 – وبالأخص بعد صدور قرارات التأميم – تحركات حثيثة للتآمر على الوحدة، حتى أن هاني الهندي قطب حركة القوميين العرب أتى للسراج بقائمة من 37 ضابطاً يتآمرون للانقلاب وعلى رأسهم النحلاوي. أوصل السراج القائمة لعبد الناصر الذي سارع بسؤال عامر عن كاتم أسراره السوري – النحلاوي – فما كان من عامر إلا أن دافع عنه بشدة متهماً السراج بأنه يستهدف “رجاله” وأنها دسيسة لا تستحق مجرد الالتفات إليها. ابتدأ التحضير لانقلاب الانفصال جرى منذ أوائل الربيع، وبسببه قام ملك الأردن حسين بن طلال بالاعتذار العلني من عبد الناصر في رمضان/آذار 1961 عما سلف، حتى يبعد أنظار الأخير عنه، بينما هو منهمك في العمل على إنهاء الوحدة عبر صلة خاله الشريف ناصر مع حيدر الكزبري قائد سلاح الهجانة السوري.

أيد كل من الأردن والسعودية، انقلاب الانفصال ، فعندما خُلِعَ الملك سعود على يد أخيه الملك فيصل ذهب سعود إلى مصر، وعندما واجهه عبد الناصر بإنفاقه 7 مليون جنيه استرليني لتنظيم انقلاب الانفصال في سوريا، فرد عليه سعود بأن المبلغ المنفق كان 12 مليوناً وليس 7 ملايين…

غادر النحلاوي سوريا في يناير 1963 و بعد انقلاب 8 مارس 1963 تم تسريحه من الجيش فاتجه إلى السعودية حيث عمل فيها محاسباً في إحدى الشركات التجارية في الرياض حتى تقاعد بسبب سنه.

عصام المحايري:

مما لا شك فيه أن عصام المحايري رجل من رجالات النهضة السورية القومية الاجتماعية ، رجل يشهد له تاريخه أنه عمل جاهدا ليكون الحزب الذي انتمى اليه من الأحزاب التي يعتدُّ بها وأن يكون الحزب الذي يقرر مصير الأمة التي آمن بها، قضى حياته مناضلا صلبا مؤمناً بسعادة والقضية التي بذل دمه في سبيلها، وأنه ـ عصام المحايري ـ بذل عمره في سبيل ما آمن به وما زال أمينا على عقيدته وعاملا على انتصارها رغم بلوغه من العمر عتيا.. حاول جاهدا أن يبلغ ما أراد لحزبه أن يكونه، فتعثر حينا ونجح حينا آخر، لكنه رغم هذه وتلك من العثرات والأخطاء التي هي من طبيعة العمل السياسي، بقي على ما هو عليه، لم يفتت من عزيمته ما انتهى اليه الحزب، وما نعتقده أنه ما زال مصرا على صحة انتمائه وأمينا عليها، ولم ينتهي به الحال كما انتهى اليه أكرم الحوراني ـ على سبيل المثال ـ مستقيلا مما دعا اليه ومن السياسة وأعبائها، معتكفا على كتابة مذكراته تاركا تاريخه ومريديه شريدي الحال لا يعرفون أية وجهة يتجهون..

 

يمكننا القول أن عصام المحايري، قد نجح في كل ما صبا اليه على الصعيد الشخصي، لكن، لا يمكننا تعميم ذلك على مسيرته الحزبية وتاليا مسيرة الحزب السوري القومي الاجتماعي، التي حملت من الكوارث ما يعجز الانسان عن تصديقه بأن حزباً تعرض لما تعرض له هذا الحزب كان يمكن له أن يبقى على قيد الحياة، وما ذلك إلا بفضل مؤسسه وزعيمه أنطون سعادة الذي بقي نبراسا لكل الأجيال التي عاصرت أحداثه والأجيال التي لم تكن قد ولدت بعد استشهاده، فسعادة كان القدوة التي اقتدت بها أجيال هذا الحزب العنيد والعاصي على أن يكون له قبرا تحت الشمس، إذ أن سعادة كان لها الزعيم والقائد والقدوة، المعلم والهادي، في مسيرتها الوعرة التي خطتها بدمائها وأرواحها وملذات حياتها، ذلك أن القيادات التي جاءت بعد الهادي والمعلم، لم تكن في مستواه تضحية واخلاصا وفداءً،

 

كل ما تقدم ينزوي في بقعة مهملة من الضوء عندما يكون البحث متناولاً قيادات هذا الحزب التاريخية التي أثبتت بما لا يقبل جدالاً ولا نقاشاً أنها أودت به في صراعها الذي لم يتنزه يوماً عن صغائر العلاقات الشخصية التي سمحت لكل من هذه القيادات تناول الأخرى بوصمة الخروج على العقيدة والنظام فأجازت لنفسها تسليط سيفهما على رقاب قياداته كما أعضائه، فأفرغته من كوادر عملاقة أثبتت أنها فوق مستوى تلك القيادات دون أدنى شك، والتي أبقت على انتمائها لسعادة وعقيدته رغم ما لقيته من تلك القيادات التي، أيضا، لم تفقه معنى القيادة بل تنازعتها مع سواها بابتذال عزَّ نظيره!!

 

عصام المحايري واحدٌ من تلك القيادات التي لعبت دورا مهما على مدى تاريخ الحزب، كان وما يزال من أبرز قياداته حتى ليمكن القول أنه القيادي الذي لم يغب تأثيره الكبير في مجريات الأحداث التي عصفت بالحزب، وتحديدا في لعبة اغتيال المالكي التي وضعت الحزب على مفترق طرق بين الحياة والموت.

 

لقد انطلت اللعبة على الجميع بمن فيهم عصام المحايري، دون أن تكون لها من الوقائع ما يفيد بأن وراءها تخطيطا وتنفيذا الحزب السوري الاجتماعي، حيث كان المجلس الأعلى مجتمعا وقد فوجئ الجميع بالنبأ، ففي مرويات عصام المحايري عن وقائع الاغتيال يقول/.. على انه لم تمض ربع ساعة على المكالمة الهاتفية، حتى دخل الى مكان الاجتماع الرفيق فؤاد جديد فبادر للقول بصوت متهدج: قتل عدنان المالكي، والذي قتله يونس عبد الرحيم../ وعلى الرغم من هذا القول لا يتفق مع تصريح جبران جريج لزوجة عفيف البزري في بيروت قائلاً:” .. وأثناء الاجتماع دخل علينا فؤاد جديد أخو غسان، وضرب سلاما عسكريا وقال ( نفذت المهمة واغتيل عدنان المالكي,,) وساد الاضطراب المجلس وسألنا جورج عبد المسيح كيف تم هذا الأمر دون علمنا؟ وقمنا عليه قال ليس هناك وقت للتفسير انهم سيلاحقون القوميين فليتدبر كل واحد أمره..”  لكنه ـــ قول عصام المحايري ـــ يعكس أن القيادة الحزبية لم تكن على علم مسبق بما يجري التخطيط له من قبل رياض والسراج وبين هذا والحوراني..

 

فأكرم ديري بإجهازه على الرفيق يونس مبرئا نفسه من تهمة قتله بقوله(قتلت حالك..) كان قد الصق تهمة الاغتيال بالحزب وأخذ الجميع على حين غرَّة باعتقاله مباشرة ناصر هزير دون الآخرين المتواجدين على المنصة، وأطلق دون سابق انذار وتفويض من قبل الجهات الرسمية (المحامي العام) حملة اعتقال واسعة طالت خلال ساعات كل من فؤاد جديد ـ حيث كان المقصود غسان جديد ـ وعصام المحايري وبديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي، كمتهمين رئيسيين في هذه اللعبة.

 

في مروياته عن اغتيال المالكي ، ما يزال مصرا على لصق التهمة بعبد المسيح وتاليا بالحزب السوري القومي الاجتماعي، على الرغم من كونه أحد المتهمين الرئيسيين فيها وأحد الذين استمعوا لأقوال الشهيدين مخلوف ودبوسي في جلسات المحكمة بتاريخ 27 /9 / 1955حيث نفى الاثنان أية علاقة لهما باغتيال المالكي، وكما سبق وذكرنا أن الصاق التهمة بعبد المسيح لا يبرئ الحزب من الجريمة التي ارتكبها باسمه السراج والحوراني والديري ..

 

الكارثة الحقيقية، لم تكن في اعتقال أعضاء الحزب، بل في الرسالة التي وجهها عصام المحايري من سجن المزة التي أكدت وثبتت التهمة على الحزب، هذه الرسالة التي اعتمدتها القيادة الحزبية كمصدر موثوق في طردها لعبد المسيح فأكدت هي الأخرى التهمة ومن دون أية قرائن لديها سوى ما طبعه في الأذهان قتل يونس عبد الرحيم وإشاعة انتحاره وإلصاق تهمة الاغتيال به وأكدته الرسالة المذكورة.

 

إن اعتقال كوادر الحزب فور وقوع الجريمة لا يعني سوى أن التخطيط لتنفيذ الجريمة كان قد سبقه قرار بمتابعة هؤلاء ومراقبتهم للقبض عليهم فور تنفيذ الجريمة، فأكرم ديري الذي يعرف يونس عبد الرحيم باعتباره عنصرا من عناصره ويعرف مستوى صدق انتمائه الحزبي، كان قد اقترحه كمنفذ للجريمة وحدد له مكانه على المنصة مع ترصده ومتابعة تحركاته لحظة بلحظة قبل ذلك ولأكثر من شهر، ومعرفة بمن يتصل ومن يزوره وأي الأماكن يتواجد بها، إذ لم تأتي شهادة ناصر هزير المعتقل الأول وآخر من تحدث وترافق مع الشهيد يونس، على ذكر أي من الذين تم اعتقالهم في الدفعة الأولى، ذلك أن بعضهم قد اعتقل بالشارع (بديع مخلوف) دون التأكد من هويته أو ورود اسمه في شهادة ناصر هزير كذلك كان الحال بالنسبة لعصام المحايري وفؤاد جديد وعبد المنعم دبوسي، مما يضفي على الاعتقال تهمة الترصد عن سابق اصرار وتصميم ودون انذار.

ما تضمنته رسالة عصام المحايري من سجنه تعتبر صك براءة للمتهمين الحقيقيين في التخطيط والتنفيذ وتأكيدا على أن الحزب وراء الاغتيال بل وإصدار حكم الاعدام بحق كل من بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي، مما سمح للمحكمة الصورية التي انعقدت في دمشق من اصدار حكمها على الرفقين بديع ومنعم دون الأخذ بأقوالهما أمامها وإنكارهما كل ما جاء في محاضر جلسات التحقيق..

وحتى لا يكون كلامنا ملقاً على عواهنه، سنأتي على تحليل ما تضمنته تلك الرسالة وندقق في مصادرها أو قرائنها نفيا أو تأكيدا لما أوردناه آنفا:

” يؤسفني ما يترامى إلي من أن اقلاما قومية اجتماعية في لبنان تقوم بحملة تضليل وتنشر ترهات تصورني فيها في التحقيق الذي جرى ويجري معي، أن أظافري قد اقتلعت ويداي قد كويت بالزيت المغلي بل وأن عيني قد قلعت أو كادت إلى نحو ذلك من الأباطيل.

 

لقد كنت أتمنى على رفقائي في لبنان أن يمسكوا اقلامهم إلا على الواجب الذي يمليه على قومي اجتماعي سلوكه تجاه الجريمة النكراء والمأساة المفجعة التي أودت بحياة العقيد المالكي، هذه الجريمة البشعة ويؤلمني أن أصارح رفقائي، أنها ليست وليدة يونس عبد الرحم القاتل الذي انتحر أو قتل بعد الاغتيال مباشرة بل ان وراء يونس و يا للعار، أيدي بعض المسؤولين الحزبيين الذين خططوا ودبروا ودفعوا للجريمة الآثمة.

وواجب أقلام القوميين الاجتماعيين هو الاهتمام بهذه الناحية الخطيرة والاليمة جدا فلا ينساقوا وراء العاطفة الشخصية وينسوا واجبهم في تناول وضعية المجرمين.

ان حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين تعني، وياللخجل أن هؤلاء خانوا الحزب وخانوا دستوره كما خانوا قسم المسؤولية الذي أدوه.

هذه الخيانة تفرض علينا أن نثور على أصحابها ونصب نقمتنا عليهم، ونعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم، لا أن نحصر الثورة على موضوع توقيف الرفقاء الذين أوقفوا ونسج الروايات حول هذا التوقيف، هذه الكلمة التي أسوقها لرفقائي كم أكون شاكرا للصحافة في الشام ولبنان نقلها إليهم لتتضح لكل رفيق الحقائق حول هذه الجريمة النكراء، ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أيا كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”.

سجن المزة 21-6-55

عصام المحايري.”

هذه الرسالة لا تترك مجالا للشك بأن عصام المحايري ينافي الحقيقة كليا، إن لجهة التعذيب الذي تعرض له بداية اعتقاله كما يقول في مروياته عن اعتقال المالكي أو في اعتباره ” ان حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين” أو في قوله” هذه الخيانة تفرض علينا أن نثور على أصحابها ونصب نقمتنا عليهم، ونعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم” أو في قوله ” ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أيا كانوا عقابهم وجزاءهم الحق” أو في اصراره بعد مرور ما يقارب النصف قرن ويزيد على أن عبد المسيح وراء اغتيال المالكي، يقول في مروياته:” ومع اصراري على عدم علاقة الحزب بالاغتيال، تمت مواجهتي مع بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي اللذين كانا يخضعان للاستجواب في تلك الاثناء. وفي هذه المواجهة التي رتبها أكرم ديري شخصياً قال لهما: “احكوا.. احكوا… ما زال يقول ليس لنا علاقة!!”. فاضطرا الى إعادة اعترافاتهما أمامي، التي تشير إلى دور لعبد المسيح واسكندر شاوي اللذين كانا يجتمعان اليهما في حلقة مع يونس عبد الرحيم، وان عبد المسيح طرح في أحد الاجتماعات مسألة اغتيال المالكي، وان يونس ابلغ كلاً منهما انه سيتولى التنفيذ.. رسخ لديّ منهج التفريق أو الفصل ما بين مسؤولية الحزب، ومسؤولية عبد المسيح، وذلك مع دخولي السجن، حيث تعززت هواجسي القديمة بعد ان استمعت الى إفادتي بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي..” ولجهة التعذيب يقول :”..ذهبت مع الشرطة العسكرية، وفي مقرها فوجئت بذلك الاستقبال السيئ، المليء بالإهانات الجسدية والمعنوية، إذ بادر الى مساعدتي على المشي بعد هذا “الاستقبال” شخص اسمه ماجد شاكر، كان وكيلاً في الجيش وهو من أصدقاء يونس، الذي كان يخدم في الشرطة العسكرية. يونس كان معلناً لهويته الحزبية بشكل صارخ، ولا يتحدث إلاّ عن الحزب وسط أصدقائه ورفقائه، فيأتي لهم بجريدة الحزب “البناء”، ومن الواضح أنه خلق مناخاً موالياً للحزب ومتعاطفاً معه، ومن أعضاء هذا المناخ كان ماجد شاكر الذي أخذ لي تحية، وبدأ يساعدني، ويرجح أنه استطاع اخفاء هويته الحزبية..” بالطبع ما يصفه من إهانات جسدية ومعنوية لا يقرنه بعضويته بالمجلس النيابي التي تكسبه حصانة تحول دون اعتقاله والتي تجاوزها أكرم ديري حتى قبل عودة السراج الى دمشق من تل منين!؟ وقد تكون تلك الإهانات لم تبلغ المستوى الذي يصفه على مستواه الشخصي، لكنه ، وفق ما جاء في أقوال الشهداء مخلوف و دبوسي و الشهود صواف وهزير، كان على مستوى التوصيف الذي جاء في الرسالة،(1)

يقول:”.. هذه الجريمة البشعة.. ليست وليدة يونس عبد الرحم القاتل الذي انتحر أو قتل بعد الاغتيال مباشرة بل ان وراء يونس و يا للعار، أيدي بعض المسؤولين الحزبيين الذين خططوا ودبروا ودفعوا للجريمة الآثمة..” هذا الإقرار بضلوع( بعض المسؤولين الحزبيين ..) يثبت أن الحزب بمسؤوليه كان وراء التخطيط والتنفيذ ــــــــ وهذا ما كان قد قرره رياض والسراج وأكرم الحوراني ونفذه كل من أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي وعبد المجيد جمال الدين ــــــ لكن ومن دون أية قرائن كانت لدى عصام المحايري، خصوصا وأنه لم يطلع على مجريات التحقيق التي كانت تتم بتكتم شديد من جهة ولأنه أسير سجن منفرد لم يخالط به أيٌ من السجناء الآخرين المتهمين بما هو متهمٌ به،

يقول في رسالته موضوع البحث :” هذه الخيانة تفرض ..(أن) نعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم،..(و) أن ينال المجرمون، أيا كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”. فهو بهذا القول يحكم على المتهمين بالإعدام قبل المحكمة الصورية التي أنزلت بهم العقوبة ذاتها ونفذتها تأكيدا لما خطط له المجرمون الحقيقيون..

ما يقوله عصام المحايري، لا يتفق مع ما قاله آخرون:

 يقول هاني الشمعة وكان أول من تنبه لكون الاغتيال مؤامرة وراءها من نصبوا أنفسهم حكاما بها، يقول: ” في قاعة المحكمة التي وضعت أبرياء في قفص الاتهام، والمجرمين الحقيقيين في قاعة النظارة.. لننظر الآن كيف صدرت الأحكام في هذه القضية التي كانت نقطة تحول في تاريخ سورية. ولا يمكن للإنسان أن يعلق على أحكام كهذه لأنها أصلاً مليئة بالمفارقات والمخالفات. ولم تكن الفترة التي انقضت بين الاغتيال وبين صدور الحكم وهي حوالي سنة إلا كي “يغسلوا” أدمغة الناس بتثبيت الجريمة على الحزب القومي السوري، لأن التحقيقات التي جرت مع أفراد هذا الحزب قد استدعت تغيير الحقيقة عدة مرات، واضطر عبد الحميد السراج وأكرم الديري والملازم أول عبد المجيد جمال الدين أن يتصدّوا للتحقيق، ويمزقوا كثيراً من الإفادات والأوراق لأنها لم تعجبهم ولم يقتنعوا بأسلوبها في تغيير الحقيقة، وقام أكرم الديري بكتابة ما يشبه “سيناريو” لتمثيل جريمة القتل في الملعب البلدي، ووضع المساعد بديع مخلوف ممثلاً رئيسياً في هذا السيناريو، واضطر الديري مع السراج وغيرهما أن يمارسوا التعذيب العنيف على بديع مخلوف لمدة تزيد عن الشهر كي يؤدي دوره في التمثيل، ولكن بديع مخلوف عجز عجزاً تاماً عن ذلك لأنه لا علاقة له إطلاقاً، لا هو ولا عبد المنعم الدبوسي بهذه الجريمة… وأعُدما ككبش فداء… حتى إنني سمعت من زوجة عبد المنعم الدبوسي مرة في فترة استراحة المحكمة قولها على لسان زوجها: “إنني أعرف أنني سأموت.. لا تسامحيني ذرة واحدة إذا كان لي علم من قريب أو بعيد في هذه الجريمة، وأستطيع أن أقول ذلك عن صديقي بديع مخلوف بكل ثقة.. وأمام الله والناس..”

عبد الهادي البكار من موقعه الإعلامي، وصوته الجهوري الذي كان عاملا إعلاميا في التطبيل والتذمير لعبد الناصر والوحدة العربية من المحيط الى الخليج يقول في مذكراته” أوراق مجهولة من تاريخ سورية الحديث” صدر في بيروت عام 2008:”  أنه تأكد له خلال العقود الأخيرة “اعتلال الفكرة القومية العربية وربما اضمحلالها في العالم العربي، كما تأكد خلالها احتياج بلاد الشام الى استنهاض قوتها الذاتية الإقليمية”، وبأن دعوة أنطون سعادة الى توحيد الاشلاء والأجزاء السورية لم تكن هي الخطأ او الانحراف بل كانت هي الصواب..

وهكذا بعد هذه العقود رأى البكار أن خير ما يقدمه هو صراحته وجرأته في قول الحق عن تلك الفترة التي كان من رموزها والتي يراجعها الأن بكل مسؤولية أمام الأجيال التي لم تعشها والتي قد تحمل بعض الأوهام عنها.

وفي هذه المراجعة النقدية لتلك الفترة يتوقف البكار طويلاً عند حدث مهم كان له أكبر الأثر في تاريخ سورية المعاصر ألا وهو اغتيال العقيد عدنان المالكي في 22/4/1955م خلال حضوره مباراة في كرة القدم، الذي اتهم به فوراً الحزب القومي السوري مما أدى الى اندفاع حزب البعث والحزب الشيوعي السوري للبطش بالحزب القومي السوري من دون أي اعتبار للجوانب الإجرائية والقانونية والإنسانية.

فالبكار قام بمراجعته الدقيقة لما حصل ليصل الى استنتاج بل الى اقتناع بأن ما حدث كان مفبركا للتخلص من هذه القوة السياسية المهمة (الحزب القومي السوري) التي كانت تنادي بوحدة بلاد الشام (سورية الكبرى) وتناهض الصهيونية. ويذكر للتدليل على ذلك “أنه كان في دار الاذاعة السورية يتابع على الهواء مباشرة المباراة في كرة القدم بين سورية ومصر حين سمع أصوات الرصاص التي وجهت للمالكي ثم الضجة التي أعقبها اعلان المذيع عن سقوط المالكي. وفي تلك اللحظة كان يتابع معه المباراة المذيعة عبلة الخوري (ابنة اخ فارس الخوري رئيس الوزراء الاسبق وشقيقة سامي الخوري أحد أبرز القياديين في الحزب القومي السوري آنذاك) والعقيد برهان قصاب حسن شقيق المحامي نجاة قصاب حسن (من قادة الحزب الشيوعي السوري آنذاك). وعندما تعرض المالكي للرصاص التفت العقيد قصاب حسن الى عبلة الخوري ليقول لها “راح تخسروا كثير يا عبلة”!

وما حدث بعد ذلك بساعات كان أمرا يصعب تصديقه الآن. فقد اندفع رجال الشرطة العسكرية (قبل أن يثبت أي شيء أو قبل أن يصدر أي تصريح رسمي او اتهام قانوني) الى مقر وبيوت قادة الحزب القومي السوري ليصادروا كل الوثائق وليعتقلوا العشرات دون أي تفويض قانوني من احد. وما حدث بعد ذلك كان أسوأ بكثير بعد ان نشر في 29/7/1955 قرار الاتهام حيث أصدرت الحكومة السورية قرارا بحل الحزب وتسريح كل الموظفين المنتمين الى هذا الحزب بالإضافة الى تقديم 140 من قادة الحزب الى المحاكمة وطلب الإعدام على ثلاثين منهم!

ولم تكتف الحكومة السورية، التي أصبحت تحت تأثير الضباط البعثيين واليساريين، بهذه التصفية للحزب في سورية بل ان المخابرات السورية قامت بدورها في ملاحقة الضباط العسكريين والقادة المدنيين للحزب القومي السوري الذين لجأوا الى لبنان وعلى رأسهم العقيد غسان جديد( الشقيق الأكبر لصلاح جديد)، الذي تم اغتياله في بيروت في 1956.

وبالإضافة الى تشكيكه في مسؤولية الحزب القومي السوري عن اغتيال المالكي، التي أدت الى تصفية الحزب في سورية لصالح حزب البعث والحزب الشيوعي، يكشف البكار بجرأة عن كيفية تشويه الإذاعة السورية لمحاكمة الوزير السابق الدكتور منير العجلاني وغيره من كبار الشخصيات السورية المتعاطفة مع الحزب القومي السوري في كانون الثاني 1957 بحجة التآمر على سورية.

وهكذا يكشف البكار انه كان يقوم يومياً بالذهاب الى قاعة المحاكمة لتسجيل ما يدور فيها، ثم يعود بشرائط التسجيل الى الإذاعة السورية ليسلمها الى المحامي نجاة قصاب حسن الذي كان يجري “المونتاج” لها ثم يطلب من البكار ان يقرأ بصوته الهادر ما يكتبه هو عن هذه المحاكمة.

ويعترف البكار أن قصاب حسن كان يعمل بتعليمات من عبد الحميد السراج، وكان بالمونتاج الذي يقوم به يسعى الى “كل ما كان شأنه الإيحاء بأن المتهمين مدانون، بل ومعترفون بأن أحدا منهم غير بريء من التهمة الموجهة له “(ص 158)”.

ومع هذا الاعتراف يقول البكار بمرارة : “أشهد اليوم بعد مرور حوالي ستة وأربعين سنة على إذاعة تلك التسجيلات عبر موجات الاذاعة السورية ان ما كان يسمعه المواطنون في تلك الأيام بصوتي وبأصوات المتهمين لم يكن هو حقيقة كل ما كان جرى في قاعة المحاكمة… التي كانت تهدف الى اطلاق الرصاصة الأخيرة على الحزب القومي السوري”. ولذلك يستذكر الآن عذاب الضمير: “كنت أنفرد وحيداً في أية غرفة كان يمكنني الانفراد فيها لأداري خجلي والحزن العميق وعذاب الضمير، فقد كان ما يفعله الأستاذ نجاة قصاب حسن بالأشرطة في لعبة المونتاج يخلق في نفسي حزناً عميقاً “(ص159).

وفي المقابل كان ما يحير البكار ولا يستطيع أن يجد له تفسيراً هو الاعتراض على أي توجه وحدوي لسورية مع العراق او مع بقية اجزاء بلاد الشام (الأردن) والاقرار فقط بوحدة سورية مع مصر الأبعد. وفي هذا السياق يعترف البكار الآن بأنه خلال عهد الوحدة بين سورية ومصر “لم ينتبه كثيرون بل جميع المشاركين بقيادة التجربة من موقع او آخر الى ما كان يجب التنبه إليه، وهو أن هوية المزاج المصري الجغرافي تختلف عن هوية المزاج السوري، أي ان كلاً من الطرفين كان يجهل هوية مزاج الآخر. ولقد كنت احد هؤلاء الذين عانوا كثيراً من (تفرعن) الذين تسيدوا علينا خلال سنوات الوحدة السورية المصرية “(ص79).

كل ما تقدم يثبت ويدين كل من تجرأ وأدان الشهداء يونس وبديع ومنعم، في هذه الجريمة النكراء التي أزالت من طريق الوحد السورية ـ المصرية عقبتين رئيسيتين من أمامها الحزب السوري القومي الاجتماعي وعدنان المالكي، والتي أجمع كل من تناولها على براءة الحزب من دم المغدور، والتي ما زالت آثارها تعصف في الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أكدت الأحداث صوابية نظرته لمختلف الأحداث السياسية وعوامل ودوافع مجرياتها حتى اللحظة .

في أقوال المتهمين أمام المحكمة

( محاكمات 24/ ـــ جلسة 7/9 / 1955 )

 يقول الشهيد بديع مخلوف أمام المحكمة :”قبل أن أدلي بإفادتي، ألتمس من المحكمة الموقرة أن تسمح لي بأن أعرض عليها مراحل التحقيق الذي جرى معي وكيفية أخذ الافادات مني، فقد انقضى علينا أربعة أشهر ونحن نتعذب وننتظر اللحظة التي نقف فيها أمام المحكمة لندلي عما لاقيناه من عذاب، فلقد ضربنا ضربا شديدا وعذبنا عذابا لم يذقه المسيحيون الأوائل على أيدي الرومان الوثنيين، وأن التعذيب كان متنوعا فقد جلدنا بالسياط وجرى التيار الكهربائي بأجسادنا كما هددتُ بإجراء الفعل الشنيع بي وبإخوتي ، لذلك فإن جميع الإفادات التي سبق أن أدليت بها غير صحيحة ولقد أخذت مني تحت التعذيب الفظيع..”

( محاكمات 27 ـــ جلسة 27/9 /1955 )

الشهيد عبد المنعم دبوسي يقول في المحكمة :”..أنني برئ من الجرائم المنسوبة الي وكل ما ورد في إفادتي السابقة مما يدينني قد أخذت مني تحت جميع أنواع التعذيب الوحشية.. أنني أنكر إفاداتي السابقة وليس لي علاقة بمقتل العقيد عدنان المالكي.. ولا صحة لما ورد في افادتي السابقة عن عزمي وعزم يونس على قتل العقيد يوم الجلاء ولا صحة أيضا لمواجهة اسكندر شاوي لنا يوم الجلاء ..فقد أخذت هذه الافادة مني تحت تأثير الضغط من قبل الشرطة العسكرية ، وهم حزبيون ..المحققون العسكريون الرئيس يوسف أغا والعقيد الرافعي والرئيس محمد الجراح وأخذو يحققون معي ويأخذون الافادات فكنت لا أوافق على كل ما كان يملى علي فأجلوا التحقيق الى اليوم التالي حيث جلبوا بديع مخلوف وكشفوا عن جسمه وماذا حلَّ به فعندئذ اضطررت الى الموافقة على ما يملى علي ( وسرد منعم كيف أخذ المحققون افادته) فقال هددوني بعرضي فاضطررت الى موافقتهم على كل شيء حتى صار معي متل ( نعم محمد أفندي) وقالوا لي إن لم تكن هذه الافادات تعجبك فبإمكانك أن تقول ما تشاء أمام المحكمة فقلت لهم ( لتكون المحكمة متل ه التحقيق) وقالوا لي أيضا ( كما أعدموا زعيمكم بدكون تموتوا كلكم ) ولقد قضيت بالسجن أربعة أشهر وأنا أنتظر هذه اللحظة لأتمكن من أن أدلي بكل ما عندي وعلى هذا الشكل أخذت إفادتي ..”

في الفصل الأخير من هذه اللعبة، سنعمد الى رسم سيناريو التخطيط وفق ما جاء في سيرة رجالاتها من أقوال وسمات شخصية تميزت بها كل شخصية عن الأخرى في وصفها لما جرى، بينما سنعمد في كتابة سيناريو التنفيذ على ما جاء في أقوال الشهداء بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي وكل من الشاهدين مروان صواف وناصر هزير،

مع ضرورة التذكير، بأن كل من تناول هذه الواقعة، أكد بشكل أو بآخر، أنها كانت مؤامرة حيكت بدقة، وأدى مخططوها ومنفذوها أدوارهم تحت غطاء القانون الذي جيِّر تحويرا واجتهادا وتفسيرا وتأويلاً، لخدمة أغراضهم، وأن الجميع أخذ على حين غفلة فانطلت بمختلف اشكالياتها عليهم، قيادة حزبية وأعضاء وجماهير، ومما زاد في الطين بلة، أن قياديي الحزب، ولحساسيات فردية لا ترقى لمستوى ما تنكبوه من مهام ومسؤوليات، أكدوا ما ذهبت اليه من اتهامات وإدانات يكفي للدلالة على ذلك قول عصام المحايري في رسالته المنوه عنها آنفا، “وتعززت هواجسي القديمة..”

لم تأخذ المحكمة، التي شُكلت من أعضاء هم من ألد أعداء الحزب السوري القومي الاجتماعي، بعثيون وشيوعيون كانت تحزباتهم فوق القانون، بأي من بأقوال المتهمين الرئيسيين، الشهداء مخلوف ودبوسي، بل على العكس فقد اعتمدت أقوال الشهود، كأقول مبرمة صادقة لا يرقى اليها الشك، والتي وضعت في مقرات المكتب الثاني، وفق ما ارتأ مخططو المؤامرة ومنفذوها، وكانوا بمجملهم من شارك بتنفيذها بمهمات رسمية لم تكشف حتى تاريخه،

أرادت المحكمة أن تثبت أن الشهيدين مخلوف ودبوسي مكلفان بقتل الشهيد عبد الرحيم ، فألبستهما ـــــ عبر شهود لا ندري كيف تمَّ انتقاءهم أو اختيارهم من مجموع ما كان محتشداً في الملعب ــــ ،تهمة حمل السلاح لتنفيذ هذه المهمة، ولما لم يكن قد ثبت ذلك بالمطلق، وفق الشهيدين مخلوف ودبوسي، وحتى من خلال الشهود، الذين لم يشاهدوا سلاحا بل توقعوا ذلك، فقد ثُبِتَتْ التهمة دون وازع، وما نعتقده وتدل عليه مجريات التخطيط والتنفيذ أن هؤلاء الشهود، هم مَنْ تمَّ تكليفهم بمراقبة منزل الشهيد عبد الرحيم الذي رشحه لهذه المهمة أكرم ديري ــ كما سيرد لاحقا ــ ومنهم تمَّ اشراك الشهيدين مخلوف ودبوسي بهذه التهمة نتيجة ترددهما المستمر والمتواصل على منزل الشهيد عبد الرحيم، الموضوع تحت المراقبة من قبل أكرم ديري.

على سبيل المثال الشاهد ياسين التكريتي يقول:” يوم الحادث، كنت وشقيقي وطالب صباغ وكذا زهير ديا ، نتفرج على المباراة التي كانت دائرة في الملعب البلدي فجلس شقيقي وأنا في صف وأمامنا مباشرة جلس طالب وزهير وكنا نبتعد عن المنصة ثلاثة أمتار حتى الخمسة على أكثر تقدير وكنا في الجهة اليسرى بالنسبة للناظر الى الملعب من المنصة، ولقد استرعى انتباهي وجود رقيب أشقر اللون يتحادث مع جندي آخر لا أعرف رتبته ولا أستطيع بيان تفاصيله بدقة إلا أن هذا الرقيب الأشقر والذي فهم بعد بعدئذ أنه الدبوسي قد رأيته مع المدنيين عندما قام رجال الشرطة بعد الحادث مباشرة بفصل المدنيين عن العسكريين في الملعب، فهذا الرقيب الأشقر اللون الذي رأيته بالقرب من المنصة قد كان منحازا مع الفئة المدنية بعد الحادث كما تبين فلفت نظري طالب الى ذلك وكان الرقيب المذكور تعروه صفرة وكأنما قام بعمل ما وواضعا يده على الباتل دريس كأنه يحمل شيئا فتصدى السيد طالب الى أحد أفراد الشرطة ولفت نظره الى وضعية هذا الرقيب فلم يكترث بادئ الأمر وعندما التحق هذا الشرطي بل عندما لحق هذا الشرطي الرقيب المذكور غاب عن الأنظار بين الناس وبعدئذ شاهدت وطالب المذكور نفسه قريبا من المستشفى أي على الرصيف القائم في منعطف دار الآثار وكذلك قام طالب بمحاولة ثانية لإلقاء القبض على هذا الرقيب حيث نادى الرقيب منير فتوحي فلحق به منير مع بعض رجال الشرطة ولكنه لم يفلح وغاب عن أنظارهم على ما يظهر ذلك الرقيب الذي نوهت عنه..(المحضر 47)

الشاهد “زهير ديا” يقول:”.. كنت جالسا والسيد طالب الصباغ وبعدنا بصف آخر جلس ياسين ابراهيم التكريتي، وكنا جميعا بعيدين عن المنصة خمسة أمتار، وكنت منصرفا بكليتي الى المباراة عندما سمعنا صوت العيارات النارية فركض الجنود وأنزلونا من أمكنتنا الى أرض الملعب، وهناك لفت نظري طالب المذكور الى رقيب في الجيش واضعا يده بشكل زاوية كأنما يحمل شيئا على الباتل دريس وكان هذا الشيء على ما أذكر ظاهرا من انتفاخ جيبه، وما شابه ذلك ، وأنه قصير القامة أشقر الشعر أحمر الوجه، له شاربان كثيفان ويحمل وسامين مما يدل على أنه رقيب محترف وكان هذا الرقيب بحالة غير طبيعية إذ كان يدخن لفافته بشكل مضطرب، طلب رفيقنا السيد طالب من أحد شرطة الجيش أن يلقي القبض عليه فلم يلبي طلبه، بعد ئذن اختلط بيننا نحن المدنيين وغاب عنا حتى إذا سمح لنا بالخروج الى خارج الملعب، التقينا به ثانية وذلك بعد أن خرجنا من الملعب كما بينت فكلف طالب أحد رجال الشرطة العسكرية وأظن أنه عريف وطلب منه أن يلقي القبض عليه ولكن على ما يظهر لم يكترث ذلك العريف لطلب طالب المذكور ولا أعرف إذا كان قد لحق العريف بالرقيب الأول الموصوف أعلاه أو لا، لأني كنت مقصرا عن طالب بسبب الزحام الحاصل عند مخرج الملعب..

س: ما الذي لفت نظرك واستقرَّ في مخيلتك بعد اطلاق النار؟

ج : حركات الرقيب المريبة والتي كانت غير طبيعية حيث كان يغدو ويروح في الممر في أسفل المدرج الثاني وأزيد أنه في أسفل المكان الذي يقعد فيه المذيع في المباراة عادة وهو محل مخصص للجنود حيث احتجزنا هناك بعد اطلاق النار..(المحضر رقم 48)

أما الشاهد ابراهيم التكريتي فيقول: “..كان طالب وزهير المذكورين في صف يتقدم صفنا الذي كنا نجلس فيه .. وفي أثناء المباراة كان يلتفت كثيرا الى الوراء حتى سمعنا الأعيرة النارية والتفتنا فشاهدنا رقيبا مصوبا مسدسه باستقامة أفقية فظننا بادئ الأمر أنه حماس للعب، وقد كثر اللغط وقام الناس وتوجهوا صوب المنصة فأخذ الجنود ينزلون الناس من المدرج الى الملعب فلفت نظرنا طالب الصباغ الى رقيب أشقر الشعر اختلط مع الناس وكانت تعلوه صفرة (مرتبك ملته) ويده مسددة شيئا لم أتبينه بل ويضعها على الباتل دريس فطلب رفيقنا طالب من أحد رجال الشرطة العسكرية أن يلقي القبض على هذا الشخص فلم يلتفت الشرطي اليه ثم كلف شرطيا آخر فلم يلب طلبه وبعد أن سمح لنا بالخروج من الملعب وبوصولنا الى منتهى مدخل الملعب بالقرب من دار الآثار شاهدنا ذلك الرقيب الأشقر يخرج مع القوم بعدئذ طلب رفيقنا طالب من الوكيل في شرطة الجيش مناديا له ( سيد منير سيد منير ) وأشار طالب الى الرقيب المذكور أن يلقي القبض عليه وعبثا لحق به منير مع أفراد الشرطة فلم يجتمعوا به ..( المحضر رقم 49)

أما طالب صباغ وهو الموظف في الشعبة الرابعة من الأركان العامة الذي كان من لفت نظر الشهود الآخرين، فيقول:” ( صفحات مفقودة)..على هذا الشكل طول المدة التي ظللت بها واقفا، وقد استرعى انتباه بعض الحاضرين فيرى بهذه القضية حتى أنه عندما أراد أن يشعل سيجارة كان متحيرا كيف يستطيع اشعالها لأن يده الثانية كانت بانعطافها الى أسفل بطنه، وقد كلفت أحد أفراد الشرطة العسكرية بإلقاء القبض عليه بالنظر للريبة التي انتابتني من وضعه وسلوكه أشرت اليه ولكنه لم يستطع أن ينتبه بين الناس لكثرة الأشخاص والازدحام وأذكر هذا الرقيب كان عند فتح الباب وسمح للناس بالانصراف بعد أن كانوا محجوزين ، كان أول المسرعين للانصراف ولذلك ضاع عن الشرطي الذي كلفته إلقاء القبض عليه، في تيار الناس الجاري وقد شاهدت عريفا بالشرطة آخر وطلبت منه اللحاق به لكنه لم يرد علي ، ثم حاولنا ثانية مع الوكيل منير فتوحي وقد التقينا  في الطريق ولكن الرقيب الأول قد غاب عن أنظارنا وهذه معلوماتي فقد شاهد هذا الرقيب غلاما كان الى جانبي وإني مستعد أن أتعرف عليهم أي الوكيل والرقيب الأول فيما عرضا علي وهذه افادتي,,” ( المحضر رقم 11 تاريخ 22/4/ 1955)

على الرغم من التناقضات في أقوال الشهود، في وصف الصباغ لمجريات القاء القبض على الشهيد دبوسي، فإن الصباغ قد أدلى بشهادته في ذات اليوم الذي وقع فيه الحادث، ولم نتبين كيف تمّ استدعاءه أو إحضاره للإدلاء بأقواله، وهل حضر من تلقاء نفسه، ومن هو قاضي التحقيق أو المحقق الذي استمع اليه، واتخذا قرارا بإلقاء القبض على مخلوف ودبوسي على الرغم من عدم معرفة الصباغ بإسميهما من خلال الوصف والذي جاء على نحو من الصدفة كما جاء بأقوال الشهود، مما يعني في هذه الحال أن مخطط إلقاء القبض قد سبقته مراقبة لهما ومعرفة اسميهما ومكان سكنهما، وتاليا الصاق تهمة حمل السلاح وتكليفهما من قبل الشهيد غسان جديد بقتل الشهيد يونس !!!؟

ليس أدلُّ على كذب الشاهد طالب صباغ وشهوده سوى ما ورد في في شهادة الصواف عندما يقول:” وحضر على اثرها الى المنصة الملازم عبد المجيد جمال الدين ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليلا ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالبا الي الذهاب الى المركز حيث اوقفت ..) إذن منير فتوحي كان على المنصة ولم يغادرها وينخرط في الجمهور الذي تدافع للخروج من الملعب !!

ماذا يقول الشهيدين بصدد ما يقوله طالب الصباغ وشهوده؟

في المحضر رقم 31 تاريخ 23/4/55 ، يقول الشهيد بديع مخلوف بما يتعلق بأقوال الصباغ:” إن هذا القول غير صحيح والواضح أني كنت واقفا في المدرج المفروش بالمقاعد الخشبية ، وقد حاولت أن أصعد الى القسم الآخر إلا أن أحد أفراد الشرطة أشار اليَّ بأن أرجع الى مكاني فعدت وجلست في مكاني ثم شاهدت الرقيب أول دبوسي مع الرقيب عردوس يجلسان بل يستندان الى الحاجز الخشبي ، فأشرت لهما وقلت ألا تجلسان فقالا سنأتي بعد قليل ثم قال بعد قليل لا لم يلتفتا الي فقلت في نفسي ( يصطفلو) ثم جلست. “

يضيف الشهيد مخلوف في المحضر رقم (106) تاريخ 26/4/55 ما يلي:

س:” يسند اليك جرم حمل سلاح بقصد اقتراف جناية ، فماذا تقول؟

ج :” إن المسدس الذي يخصني هو من نوع (بربللو) نوع تسعة ملمتر، وقد أعطيته لمنعم الدبوسي قبل أربعة أيام من الحادث، على ما أذكر وذلك بسبب ذهابه الى الحدود فاستعاره مني وأما مسدس البكرة الذي أدليت عنه في مختلف إفاداتي، فإنه من اسكندر شاوي وهو الذي أعطيته الى أحمد وزهير بعد الحادث ولقد كان هذا المسدس في بيتي وأعطيته من هنا الى زهير قتلان ولم أعطه اليه بطريقي الى بيتي بل حملته من بيتي وذهبت مع زهير الى بيته وقلت له أن يعطيه الى اسكندر شاوي وكان به ست بندقات.

س: سبق لك وذكرت في افادتك أنك كنت تحمل مسدس في الملعب البلدي والآن أتيت لتقول بأنك ذهبت الى البيت مع زهير قتلان وأخذت مسدسك وأعطيته لزهير قتلان في بيته فما معنى هذا التناقض؟

ج ـ نعم قلت ذلك لقاضي التحقيق والآن أقول الحقيقة .”

مما يعني أن الشهيد مخلوف لم يكن يحمل مسدسا في الملعب البلدي، وفق ما جاء بإفادته بالمحضر رقم(5) حيث يقول:” وبعد أن وقع الحادث ..وخشيت أن يجري تفتيش ويُعثر على المسدس ويصادر، فأسرعت الى بيتي والتقيت بفؤاد جديد عند الخياط مقابل.. العسكرية فرويت له قصة القتل وطلبت منه أن يبلغ زهير قتلان اذا كان في المكتب لأراه فورا فذهب وكنت وقفت أنتظره قريبا من شرطي النقطة بالشهداء فحضر ورويت له الحادث على الطريق وقلت له سأترك عندك المسدس لتسلمه الى اسكندر شاوي عندما يتيسر له الفرصة ومعه ستة خرطوشات ..

أمام المحكمة،(محاكمات ـ 25جلسة 7/9/1955 ـ 11 ) ينكر الشهيد مخلوف كل ما تضمنته محاضر التحقيق، يقول إضافة لما ورد سابقا:” ، ..إن غسان ( يقصد المقدم الشهيد غسان جديد) لم يكلفني بقتل العقيد المالكي وإني لم أدله على يونس، ولا صحة لما ورد بإفادتي السابقة حول هذه النقطة بل هي من بنات أفكاري ولقد كنت مجبرا على هذه الأقوال وكان المحققون يقولون لي” نحن لا نريدك بل نريد الأكبر منك”.. إن غسان لم يدلني على اسكندر شاوي لأخذ المسدس منه.. إن يونس لم يذكر أمامي انه كان مصمما على قتل العقيد يوم عيد الجلاء. ولا صحة لما ورد على لساني في افاداتي السابقة من انني جمعت اسكندر شاوي ويونس ومنعم في غرفتي يوم عيد الجلاء .. ان منعما ويونس لم يذكرا لي ان غسان جديد امرهما بقتل العقيد في ذلك اليوم.. ـ في صباح يوم الحادث حضر الى بيتي زهير قتلان وذلك باعتباره طالبا وباعتبار ابن عمي حسن منفذ عام الطلبة ثم حضر فؤاد جديد وربما كان له عمل مع المنفذ ثم حضر الرقيب الاول حليم خوري وذلك لدراستنا معا اللغة الفرنسية ثم حضر يونس لزيارتي حوالي الساعة /10/ ثم خرج حسن مخلوف ابن عمي وزهير قتلان وفؤاد جديد وبقي حليم ويونس ثم حضر محمد قصاب وان يونس صديقي وكان يتردد سابقا علي كثيرا .. تناولت طعام الغداء مع منعم في نادي النقباء وكنت غير مسلح حوالي الساعة /1/ او/1.30/ وقد شربت في النادي زجاجتين بيرة للترفيه.. اننا لم نذهب بسيارة نزار شورى الى الملعب لأننا لم نكن في ذلك الحين قد قررنا الذهاب الى المباراة كما انني لم اعلم بالمباراة الا في ساعة متأخرة.. وفي الملعب , عندما وصلنا الى جانب المنصة وجدنا ابراهيم صواف الذي سلم علينا فرددنا عليه التحية وعندما شاهدته قلت له ” هه, انت هون” فلم يجبني وقد بقيت مع منعم. ثم التفت منعم فرأى محمود عردوس فقال لي هذا هو محمود عردوس واريد ان اسأله عما جرى بينه وبين زوجته فحضر محمود واعطيته مكاني ليتسنى له الكلام مع منعم ثم اردت ان اجلس على الكرسي فمنعني الشرطي لان هذا المحل مخصص للمدعوين فنزلت ولكني لم اشاهد منعما وعردوس شاهدتهما بعد لحظة عند الحاجز الخشبي مستندين اليه يتكلمان معا..

في المحضر (رقم 27تاريخ 23/4/1955) يقول الشهيد عبد المنعم دبوسي في ادعاءات طالب الصباغ :

“س: ماذا كنت تحمل داخل الجاكيت( الباتلدريس) بعد الحادث وقد شوهدت من قبل طالب صباغ عاطف يدك على حزام الباتلدريس طوال المدة التي بقيت فيها في الملعب الى أن خرجت منه؟”

ج ـ لم أكن أحمل شيئا وكانت يداي مسبلتان كعادتهما ولم يكن هناك شيئا غير طبيعي.

س: يقول الشاهد طالب صباغ بأنه شاهدك مع الوكيل بديع خلف المنصة طوال المدة قبل اللعب رغم وجود الأماكن الفارغة وقد أثرت الشبهة والاستغراب يوم جلسوكما رغم وجود مقاعد فما هو السبب وماذا تقول عن قوله هذا؟

ج:” لا صحة لهذا القول فإنني لم أقف مع الوكيل بديع أبدا وإنما كان وقوفي مع الرقيب عردوس وهذه إفادتي.”

أمام المحكمة، يقول الشهيد دبوسي:”.. ـ سئل عن الجرائم المسندة اليه فاجاب انني بريء من الجرائم المنسوبة الي وكل ما ورد في افاداتي السابقة مما يدينني قد اخذ مني تحت جميع انواع والوحشية.

ـ انني انكر افاداتي السابقة وليس لي علاقة بمقتل العقيد عدنان المالكي .. وان جورج عبد المسيح لم يحضر لبيتي ولا صحة لما ورد في افادتي السابقة عن حضوره.. انني اخذت من بديع مسدسا ” بريتا” بعد تاريخ 1/8/954 لأنه صديقي وذلك على اثر حادثة دخول شخص مجنون لداري وخوف زوجتي ولم يعطني بديع مسدسا ” بربلو” قبل عشرة ايام وانما اعارني اياه يوم الاربعاء قبل الحادث وذلك بمناسبة سفري بمهمة الى الحدود ولقد اعطاني المسدس بناء على طلبي. ولا صحة لما ورد في افادتي السابقة عن عزمي على قتل العقيد مع يونس يوم عيد الجلاء بل لا صحة لما ورد بإفادتي السابقة عن عزمي وعزم يونس على قتل العقيد يوم عيد الجلاء في مقهى الرشيد ولا صحة ايضا لمواجهة اسكندر شاوي لنا يوم عيد الجلاء ونصحه لنا بعدم الاقدام على الاغتيال. ولقد اخذت هذه الافادة مني تحت تأثير الضغط من قبل شرطة الجيش وهم حزبيون ومنهم الرئيس حديقة من سلاح المدرعات وقالوا لي ” ان هذا الضابط هو الذي شخخ حسني الزعيم”. ثم حضر المحققون العسكريون وهم الرئيس صلاح يوسف آغا والعقيد الرافعي والرئيس محمد الجراح واخذوا يحققون معي ويأخذون الافادات فكنت لا اوافق على كل ما يملى علي فاجلوا التحقيق الى اليوم التالي حيث جلبوا بديع مخلوف وكشفوا عن جسمه وماذا حل به فعندئذ اضطررت الى الموافقة على ما يملى علي ( وسرد منعم كيف اخذ المحققون افادته فقال لقد هددوني بعرضي فاضطررت الى موافقتهم على كل شيئ حتى صار معي مثل ” نعم محمد افندي” وقالوا لي ان لم تكن هذه الافادات تعجبك فبامكانك ان تقول ما تشاء امام المحكمة فقلت لهم ” لتكون المحكمة مثل هالتحقيق” وقالوا لي ايضا ” كما اعدموا زعيمكم بدكم تموتو كلكم” ولقد قضيت بالسجن اربعة اشهر وانا انتظر هذه اللحظة لأتمكن من ان ادلي بكل ما عندي. وعلى هذا الشكل اخذت افادتي. ملاحظة ـ وهنا احتد رئيس المحكمة وانّب منعما على كلامه وخاصة جملته ” لتكون المحكمة مثل هالتحقيق” وطلب الرئيس الى منعم ان يكون اكثر تهذيبا وادبا).. تغديت مع بديع يوم الحادث بنادي النقباء وشرب بديع بيرة وشرب ايضا عرقا (ضحك) ضيافة من بعض الجوار ولم يذكر بديع ان يونس ينوي قتل العقيد. وقبل الغداء ذهبت الى بيت بديع لان من عادتي ان اذهب كل يوم جمعة الى بيت بديع لان زوجتي حزبية وتعقد..

محاكمات ـ 28

جلسة 7/9/1955 ـ 14

منعم دبوسي ـ 2

اجتماعات يوم الجمعة حوالي الظهر فآخذها واذهب الى بيت بـديع. وزوجتي حـزبية ولكنني لست حزبيا انما اؤمن بالعقيدة القومية الاجتماعية.

ـ انني لم اغير محلي عند بدء المباراة.

ـ استوضح المتهم عما ورد بإفادة الشاهد طالب صباغ فاجاب ان ما افدتكم الآن هو الحقيقة.

ـ استوضح المتهم عما ورد على لسان ابن اخيه الشاهد محمود بن ثابت دبوسي من انه غير محله فاجاب انني لم اغير محلي.

ـ استوضح المتهم فاجاب ان بديع مخلوف هو الذي قال لي بان اسلم المسدس الى محي الدين ريشة.

ـ استوضح المتهم عن المقابلة الجارية بينه وبين بديع مخلوف في التحقيق من جهة اعترافاته الصريحة فاجاب لا صحة لذلك وانها اخذت مني تحت الضرب.

ـ استوضح المتهم فاجاب انني لم اذهب بعد القتل الى البيت مع زوجتي لإحراق اوراق حزبية بل انني ذهبت الى البيت فقط معها.. ـ استوضح المتهم فاجاب انه ليس بينه وبين الشاهد اسماعيل عبد اللطيف شيخ احمد اية عداوة.

ـ استوضح المتهم فاجاب ان يونس عبد الرحيم قبل ظهر يوم الجمعة حضر الى داري ليأخذ مني مبلغ مئة ليرة سورية كنت قد استدنتها منه فأعطيته خمسين فقط ثم ذهبت واياه الى بيت بديع مخلوف.

ـ استوضح المتهم فاجاب لقد وصلنا الى بيت بديع الساعة 12.15 تقريبا. ولقد غادر يونس البيت بعد وصولنا له بحوالي خمس دقائق. وانني لا اعلم الى اين ذهب.

ـ استوضح المتهم فاجاب لا اعلم اذا كان بديع يعرف انني سأعود يوم الخميس ام لا حيث انني لم اكن اعلم ذلك انا نفسي.

ـ استوضح المتهم فاجاب ان نزار شورى اوقف السيارة امام بيته. وبعد ان نزلنا من السيارة قرب البرلمان قلت لبديع فلنذهب الى غرفتك لنودع المسدس فقال بديع انه يخشى ان يفوتنا الوقت لان المباراة ستبدأ عما قليل. واننا لم نستعمل سيارة نزار شورى لإيصالنا الى الملعب لأنها ليست ملكا لنا وليست تحت تصرفنا كما اننا لم نكن متأكدين حينما نزلنا منها اننا سنذهب الى المباراة. ولكننا بعد خروجنا من النادي قررنا الذهاب الى المباراة واننا لم نكن نعلم بالمباراة الا عندما اخبرنا ذلك ابراهيم صواف قبل دخولنا النادي مباشرة.

اسئلة النيابة: س ـ لماذا نفيت بعض الافادات ومنها انك ستقتل العقيد اذا لم يقتله يونس؟

ج ـ كانوا يتساهلون معي احيانا بالإنكار ومن جملة ما تساهلوا معي ايضا شهادة طالب صباغ.

ـ لا صحة لما ورد بإفادتي امام قاضي التحقيق من انني اكرر افادتي السابقة.. انني لم اكن مسلحا في الملعب اذ انني اودعت المسدس الذي كان معي في بيت اخي ثابت قبل الذهاب الى الملعب وذلك عندما اعتذر بديع عن الذهاب الى غرفته لإيداع المسدس بحجة ضيق الوقت فمررنا على بيت اخي حيث اودعت المسدس هناك..”

تتطابق أقوال الشهيدين كما هو وارد من أقولهما أمام المحكمة، وتاليا، تسقط تهمة حمل السلاح والتخطيط والتنفيذ عن الشهيد دبوسي ايضا، يدعم ذلك أن الشهيدين لم يكونا على علم بالمباراة إلا عندما أخبرهما بذلك الرفيق الصواف، فقررا الذهاب..

كما سبق ونوهنا، من أن المحكمة، لم تأخذ بأي من أقوال الشهيدين مخلوف ودبوسي، واكتفت بما جاء بمحاضر التحقيق التي أُخذت عنوة تحت الضغط النفسي والتعذيب، والتي تنفي عنها( أي المحاضر) أية صفة للموضوعية وبيان الحقيقة، وأن اعتماد تلك المحاضر يخالف أبسط القواعد القانونية، ولم تكتفِ المحكمة بذلك بل تجاهلت ـ كما كل المتهمين الذين تواجدوا في قفص الاتهام ـ  كل ما يدعم هذه أقوال الشهيدين، وكان أبرزها تقريري الكشف عن جثماني الشهيدين يونس والمالكي، بل والأنكى من كل ما تقدم تجاهل البحث في محضر الكشف عن مسرح الجريمة التي وقعت، فهذا المحضر يبين بما لا يقبل الشك أن ما كشف عنه ينفي تهمة الاغتيال التي اتهم بها الشهيد يونس بوضوح وجلاء.

فقد جاء بمحضر الكشف على مسرح الجريمة ما يلي:

4 ـ وقائع قاضي التحقيق العسكري

يوم الحادث

وقائع قاضي التحقيق ـ 1

في الساعة السابعة عشر من تاريخ 22/4/1955 وردتني انا قاضي التحقيق العسكري الرئيس صلاح يوسف آغا هاتفا من الشرطة العسكرية يفيد باغتيال العقيد عدنان المالكي رئيس الشعبة الثالثة بالأركان العامة بالملعب ومقتل رقيب آخر من شرطة الجيش وقد توجهت فورا الى مركز الشرطة العسكرية حيث فهمنا ان الرقيب المقتول يونس من مرتبات شرطة الجيش قسم التحقيق وانه هو الذي اقدم على قتل العقيد عدنان المالكي وانتحر اثر ذلك بمسدس حسب ما فهمناه في مركز الشرطة العسكرية.

وعليه توجهت برفقة الرقيب الاول عمر فاروق من مرتبات شعبة التحقيق الذي انتدبته كاتبا للضبط الى الملعب البلدي وهناك وفي مكان الحادث شاهدنا على المنصة الرئيسية بقعتين كبيرتين من الدماء عرفنا ان احدها نجم عن العقيد والاخرى قد نجمت عن اصابة القاتل وان الاولى تقع في داخل المنصة والأخرى قرب الحاجز الخشبي الواقع كما ابرز الينا احد رجال الشرطة العسكرية الذي كان هناك وهو الوكيل ماجد شاكر عمرتين (في الصورة التي قيل أنها الأخيرة والتي أشير بها للشهيد يونس بمربع أحمر، يبدو فيها الشهيد يونس حاسر الرأس ولا يرتدي عمرة كما جاء في هذا المحضر..) 

  احداهما عائدة للعقيد والأخرى عائدة للقاتل الرقيب الاول يونس عبد الرحيم وقد شوهدت على عمرة القاتل ثقبا والعمرة تحمل شارة الشرطة العسكرية وقد فوضت الشرطة بتنظيم مخطط الحادث واخذ بعض الصور وله وحفظت العمرتان بعد ختمهما بالشمع الاحمر ومن ثم عدنا الى مركز الشرطة العسكرية حيث وجدنا النائب العام العسكري والعقيد محمد الرافعي هناك ومعه الملازم عبد المجيد جمال الدين من مرتبات الشرطة العسكرية والمسدس الذي اقدم الرقيب الاول يونس عبد الرحيم على قتل العقيد عدنان المالكي ومن ثم استعمله لانتحاره هو المسدس من نوع قرق قله صنع تركية عيار 9 ملم وهو خاص بالضباط الاتراك حسبما هو منقوش عليه باللغة التركية كما قدم مذخر لهذا المسدس يحوي ثلاث طلقات فقط وقدم ايضا غلافين التقطا من مكان الحادث مع طلقة كاملة اخرى وقد افاد الخبير العسكري الملازم عيسى عجي من مرتبات الشرطة العسكرية وبعد اداء اليمين القانونية المنصوص عنه في المادة 41 من اصول المحاكمات الجزائية بعد اعتماده من قبلنا لمعرفة عدد الطلقات المطلوقة لان المذخر يتسع لثماني طلقات وقد اطلق منها اثنتين بدليل الغلافين الفارغين هناك واطلقت طلقة ولكنها لم تشتعل ولا يمكن معرفة محتويات المذخر من الطلقات.”

وقد فهم ان الرئيس محمد الجراح معاون النائب العام العسكري قد ذهب الى المستشفى العسكري للكشف على جثتي العقيد عدنان المالكي والرقيب الاول يونس عبد الرحيم ولذى اقتضى التنويه.

وقد فهمنا من الملازم عيسى عجي رئيس الشعبة السير في الشرطة العسكرية انه سمع اثر الحادث وتجمع الناس في الملعب البلدي حول المكان الذي وقع فيه بان القاتل الرقيب الاول يونس ينتمي الى الحزب القومي السوري.

اقرر استماع اقوال الملازم عيسى المذكور ومصادرة المسدس الآنف الذكر مع الطلقات وختمها بالشمع

الملازم عيسى عجي الخبير قاضي التحقيق العسكري

التوقيع الرئيس صلاح يوسف آغا

التوقيع

كاتب الضبط

في مناقشة ما جاء به محضر الكشف على مسرح الجريمة نتبين أولاً أن هناك فارغتين لطلقتين والطلقة التي قيل أنها أجدبت، فأين هي فارغة الطلقة التي (انتحر) بها الشهيد يونس عبد الرحيم؟ حيث تكررت في أقوال الشهود أنهم سمعوا صوت لثلاث طلقات، مع أن الواقع هو أن هناك أربع طلقات، اثنتان استقرتا في جسد المالكي وثالثة استقرت في الفخذ الأيسر للشهيد يونس، أما الرابعة فهي التي لم يُسمع لها صوت في الصخب الذي رافق الاغتيال والقتل، وهي التي استقرت في رأس الشهيد يونس وأطلقها أكرم ديري عليه..

متجاوزين أسئلتنا السابقة، ومتابعين لما جاء به هذا المحضر، نتبين أن المحضر لم يُشرْ الى عيار الفارغتين والطلقة التي أجدبت واكتفى بالدلالة على أن المسدس المصادر هو من عيار 9ملم، متجاهلا ضرورة المطابقة بين الفارغتين والمسدس! وإذ ما كانت الفارغتان قد أطلقتا من هذا المسدس أم من سواه والبعد الذي أطلقت منه الرصاصات القاتلة، وهذه مسألة من بديهيات التحقيق والكشف على مسرح الجريمة،

يشير المحضر الى ” وقد فهمنا من الملازم عيسى عجي رئيس الشعبة السير في الشرطة العسكرية انه سمع اثر الحادث وتجمع الناس في الملعب البلدي حول المكان الذي وقع فيه بان القاتل الرقيب الاول يونس ينتمي الى الحزب القومي السوري..” بمعنى أن الملازم عجي، لم يرى يونس يطلق النار على العقيد وعلى نفسه، هكذا كان قد (سمع) على الرغم من أنه كان المسؤول المباشر عن عناصر حراسة المنصة، حيث يقول في شهادته وفق ما جاء بالمحضر رقم (1) من محاضر النيابة العسكرية :” وبعد مضي ربع ساعة على اللعب في الشوط الاول سمعنا طلقات نارية من جهة المدرج الكبير وعندما توجهنا بنظرنا الى جهة المدرج المذكور شاهدنا بعض الجمهور ينهض عن مقاعده ويتوجه نحو الخلف وبصورة خاصة تحت المنصة الرئيسية فاسرعنا الى مكان التجمهر وصعدنا الى المنصة حيث علمنا ان العقيد المالكي قد اصيب بالطلقات التي سمعناها وان هناك احد افراد الشرطة العسكرية قد اطلق النار عليه ثم اطلق على نفسه واثناء تجمهر الحضور كان الناس يتناقلون مختلف الاحاديث ويتساءلون عن ميول القاتل السياسية وقد سمعت اثناء ذلك من شخص اظن انه الرقيب الاول في الشرطة العسكرية الذي كان واقفا بقربي يقول ان يونس عبد الرحيم الذي قيل فيما بعد انه هو القاتل ينتمي الى الحزب السوري القومي وهذا كل ما سمعته واعرفه..”

وكما سبق وأشرنا الى أن أحدا من عناصر الحراسة لم يستدعَ للشهادة، خاصة وأنهم كانوا يتحلقون حول الشهيد يونس كما جاء في شهادة الشهيد دبوسي قوله:” .. وقد شاهدت الرقيب الاول يونس عبد الرحيم واقفا خلف المنصة وكان بقربه بعض افراد الشرطة العسكرية واذ بي فجأة اسمع صوت طلق عيار ناري ومن ثم تبعه طلق آخر ولم اعد اشاهد اثناءهما الرقيب الاول يونس..”

كل ما اعتمدته المحكمة من أقوال من اعتبرتهم شهودا، كان مجرد توقع واحتمال وسماع أقوال آخرين، بدئا من طالب صباغ وشهوده، الى الملازم عجي الى من تضمنهم محضر ضبط إفادته وهم ” استلمنا من الملازم عيسى عجي قائمة بأسماء بعض الضباط والمدنيين الذين فهم انهم لديهم معلومات الحادث حين وقع وهم الملازم عبدالكريم نحلاوي الاستاذ كامل البني الزعيم امين ابو عساف والسيد انور تللو المقدم عبدالهادي الشامي الرئيس زهير عقيل السيد احمد نونو الرئيس كلاس السيد جميل حاصباني, فحفظت لدينا. 22/4/1955

كاتب الضبط قاضي التحقيق العسكري

الرئيس صلاح يوسف آغا”

هؤلاء الشهود الذين تضمنتهم لائحة الملازم عجي، لم يستدعَ أياً منهم للشهادة سوى عبد الكريم النحلاوي وكامل البني، وكلا الأخيرين أحدهما مشارك في الجريمة والآخر بعثي..

في المحضر رقم (3) تاريخ22/4/1955 يقول كامل البني:”.. وبفعل منعكس التفت الى جهة الصوت فأبصرت شخصا عسكريا وبيده المسدس مشهرا ووجهه ممتقع وهو يحمله بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم فصحت فورا واذا بي اشاهد الطلقة الثانية تنطلق الى جهة المنصة الرئيسية وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت ان صاحب المسدس اخذ يعالجه كأن المسدس توقف عن الانطلاق وكان بعض الموجودين من الضباط على المنصة الرئيسية قد اسرعوا نحوه وكنت في هذه الفترة اتقدم بسرعة نحوه وانا اصيح فانطلقت الثالثة ولا ادري كيف كان اتجاهها وكنت لاحظت ان صاحب المسدس بعد الطلقة الثانية اخذ يتراجع الى الخلف ولم انتبه اذا كان وهو يتراجع قد ولى ظهره للناس اما زال موليا وجهه نحوه ولما شاهدت العقيد مصابا اتجهت نحوه ولم اعرف ما جرى للمعتدي وقد احاط الضباط بالعقيد وحملوه وقد استرخى رأسه والدماء تنزف منه ولم اسمع اذا كان قد تكلم لان الضباط هم الذين احاطوا به وهذه مشاهداتي.”

كامل البني هذا، اذا لم يكن من عناصر المكتب الثاني ، فهو بلا شك بعثي، كما تضمنته أقوال من كتبوا في هذه الجريمة الضبابية، ومع ذلك فهو لا يقول أنه شاهد الشهيد يونس يطلق النار على العقيد أو على نفسه، جل ما يقوله لا يمكن الاعتماد عليه في ادانة الشهيد يونس، فقوله:” شخصا عسكريا وبيده المسدس مشهرا ووجهه ممتقع وهو يحمله بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم..” لا يعني أنه هو الذي أطلق الرصاصة الأولى، أو انه أطلق الثانية، فقول الشاهد البني:”.. واذا بي اشاهد الطلقة الثانية تنطلق الى جهة المنصة الرئيسية وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت ان صاحب المسدس اخذ يعالجه كأن المسدس توقف عن الانطلاق..” لا يعني أيضا أن الشهيد يونس هو مُطلق النار، هو شاهد الطلقة تنطلق باتجاه المنصة، لكنه لم يشاهد مُطلقها، لكنه يشير الى احتمال أن يكون الشهيد يونس هو مطلقها بقوله:” وكنت لاحظت ان صاحب المسدس بعد الطلقة الثانية اخذ يتراجع الى الخلف ولم انتبه اذا كان وهو يتراجع قد ولى ظهره للناس اما زال موليا وجهه نحوه ( أي للناس)..” هناك إذن من يشهر مسدسا وهناك طلقات رصاص، بالنسبة للبني، ثلاث طلقات لم يستطع البني تحديد مُطْلِقِها، فالأولى كان قد سمعها، أما الثانية:” اشاهد الطلقة الثانية تنطلق الى جهة المنصة الرئيسية..” أما الثالثة:”.. فانطلقت الثالثة ولا ادري كيف كان اتجاهها..” هذا التوصيف بمجمله لا يعني بأية حال أن الشهيد يونس هو مطلق النار،فالبني وفق ما جاء في شهادته كان يراقب الشهيد يونس ولم يقل أنه ( أي الشهيد يونس) هو مُطلق النار،  لكن شهره للمسدس” بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم..” وفق توصيف البني، يعني أنه حين سمع أصوات الرصاص أشهر مسدسه دفاعا عن النفس وتصديا للمهاجمين، طالما أن البني لم يفصح في إفادته أنه شاهد الشهيد يونس يطلق النار إن على العقيد أو على نفسه..”

عبد الكريم النحلاوي في شهادته ينحى منحىً آخر، يقول في المحضر 30 ـ 1:

“.. سمعت صوت طلق ناري عادي صادر عن ناحية الخلف فالتفت.. وفور التفاتي الى الرقيب يونس المذكور سمعت معه صدور طلقة اخرى وهي الطلقة الثانية ( هنا أيضا كان الشهيد يونس على مرمى نظر عبد الكريم النحلاوي الذي “سمع” ولم يشاهد الشهيد يونس يُطلق الطلقة الثانية)  ورأيته مادا يده يسدد على امتدادها باتجاه العقيد مالكي. ..وقبل ان اصل اليه لم تطلق معه الطلقة الثالثة  التي اطلقها ايضا اذ اجدبت فرأيته يبدل الطلقة بأخرى (يخرطشها) ليتابع الاطلاق وعندما رآني اقترب منه سدد المسدس نحوي ولكنه خوفا من ان يقبض عليه حيا ادار فوهة المسدس نحو صدغه الايمن واطلق الطلقة الثالثة التي انطلقت وفي ذلك الوقت كنت وصلت اليه تماما واخذت منه المسدس ووقع هو على الارض.. رأيت القاتل يسدد المسدس في ذلك الاتجاه عندما اراد ان يطلق الطلقة الثالثة التي اجدبت فإنني لا اعرف فيما اذا كان يود الاطلاق على الزعيم شقير مع العقيد مالكي او لا ..”

تليت عليه صفحته البالغة صفحتين الا ربعا فصادق عليها بتوقيعه. 4/5/1955

المساعد: التوقيع الشاهد: الوقيع قاضي التحقيق: التوقيع

في المحضر (محضر 65 ـ 2 تاريخ 26 /5/1955 ) يضيف قائلاً :”..انني اصر على ان الطلقة الثالثة لو لم تجدب كانت موجهة الى الزعيم رئيس الاركان لأنه على استقامة واحدة مع المغدور.” ـ هو “يُصرُّ” على الرغم من أنه لم يرى الشهيد يونس يطلق النار إلا على نفسه ـ

تليت عليه افادته البالغة نصف الصحيفة فصدقها بتوقيعه بتاريخ 26/5/1955

الشاهد قاضي التحقيق المنتدب

فعبد الكريم النحلاوي، لم يشاهد الشهيد يونس يطلق النار سوى على نفسه؟! مؤكدا انتحاره، هو أخذ المسدس من يده قبل سقوطه على الأرض،( نتيجة إصابته بفخذه الأيسر)، ليجهز عليه أكرم ديري.. مُبرئا نفسه من قتله بصراخه” قتلت حالك..” عبد الكريم النحلاوي يصر على أن الطلقة الثالثة لو لم تجدب لكانت قد استهدفت الزعيم رئيس الأركان، لو أن المحكمة كانت على قدر المسؤولية ودققت بإفادة النحلاوي، لتبين لها أن هناك طلقتين أطلقتا على العقيد المالكي أما الثالثة فقد(أجدبت) بما يعني أن هناك صوت لطلقتين وليس لثلاث باعتبار أن الثالثة قد أجدبت فلم تصدر صوتا، مما يفيد أيضا ان الرصاصة الرابعة هي التي أودت بحياة الشهيد عبد الرحيم والتي لم تسمع للجلبة التي رافقت الطلقتين الأوليتين..

من الواضح، وبناء على أقوال الشهود، على اختلاف موضوعاتها، أن أحداً لم يشاهد الشهيد يونس يُطلق النار على العقيد المالكي، وجلَّ ما قيل في هذا الموضوع كان مقتصرا على مشاهدته مشهرا لسلاحه، مما دفع لاتهامه بتنفيذ الجريمة، اثنان شاهداه يطلق النار على نفسه، جمال حماد وأحمد الفتيح، ، وقد أشرنا الى ما يقولاه بهذا الصدد، لكن كيف يمكننا التوفيق بين ما قالاه  وما قاله البني والنحلاوي ومحضر الكشف على موقع الجريمة حيث لم يكن هناك سوى فارغتين والطلقة التي أجدبت، والتي لم يشاهدها كلاهما ولم يشاهدا كيف بادر الشهيد يونس لمعالجة مسدسه لإطلاق رصاصة انتحاره؟ والتي شاهده بوضعيتها عبد الكريم النحلاوي! مع العلم أن أحمد الفتيح قد شاهد كل من النحلاوي وأكرم ديري يقتربان من الشهيد يونس، لكنه لم يشر في شاهدته الى أنه رأى الشهيد يونس يعالج مسدسه لإخراج الطلقة التي أجدبت قبل أن يطلق النار على نفسه! جمال حماد الذي رأى لهب الطلقة التي أطلقها الشهيد يونس على نفسه لم يرَ كيف كان يعالج مسدسه.. بما يعني أن ليس من تطابق في أقوال الشهود، مما يدل على أن كافة الدلائل التي أخذت بها المحكمة بنيت على مشاهدة الجميع للشهيد يونس شاهرا مسدسه والصاق  تهمة القتل أو الاغتيال به..

الطلقة الثالثة التي أصابت الشهد يونس في فخذه، هي الطلقة ذات الفارغة الضائعة، والتي لم يُعثر عليها في المنصة، وعلى افتراض أن أكرم ديري هو الذي أطلق النار على الشهيد يونس، فأين هي فارغة هذه الطلقة؟! فهل كان اختفاء فارغتي اصابة الشهيد يونس في فخذه وفارغة الرصاصة التي أطلقها أكرم ديري عليه هي المقتل في حبكة الاغتيال التي تم التخطيط بها لقتل كل من يونس والمالكي؟ وتاليا الصاق تهمة الاغتيال بالحزب السوري القومي الاجتماعي؟   

لم يشاهد أيا من الشهود( النحلاوي وأحمد فتيح وجمال حماد) الشهيد يونس يطلق النار على العقيد لكنهم أجمعوا على مشاهدته يطلق النار على نفسه، فهل كان (انتحاره) دليل اطلاقه نار الاغتيال ؟

للإجابة على مختلف الأسلة التي سبق طرحها في مجمل هذه الدراسة، علينا أن نطالع مطالعة النيابة العامة ( والتي تقع في خمسة عشرة صفحة والتي نصها أكرم الحوراني لأن لها ذات السياق الذي نلمحه في مذكراته )التي تضمنت وصف لعبة الاغتيال كما صاغها السراج وأكرم ديري وجمال عبد المجيد بناء على ما جاء في  محاضر التحقيق التي اخذت عنوة وتحت التعذيب والترهيب :

مطالعة النيابة العامة

 في الوقائع ـ 1

    “.. تربط المدعى عليهم الوكيل بديع مخلوف والرقيب الاول عبد المنعم دبوسي بالرقيب يونس عبد الرحيم صداقة متينة اوثقت عراها العقيدة السورية القومية الاجتماعية التي يدينون بها واسبغت افكارهم النفحات التي انطبعت بها الحركة السورية القومية لا سيما وقد هيئوا نفسيا لان ينفعلوا مع عقائدهم وغرست فيهم هذه النزعة عمدة التدريب فقد اوحى المدعى عليه المقدم غسان جديد الى المدعى عليه الوكيل بديع مخلوف الذي يترأس حلقة تضم كل من الرقيبين الاولين محمد منعم دبوسي ويونس عبد الرحيم ونفخ فيه نزعة الشر وطلب منه ان يقوم على تطيير العقيد عدنان المالكي ـ ولكن بديع لم يأخذ هذا التكليف على عاتقه ـ فسأله المقدم عن شخص يقوم بهذه المهمة فرشح اثنين هما منعم دبوسي ويونس المتحمسين لعقيدتهما والمندفعين حزبيا وبناء على موعد حدده بديع للمقدم بالرقيب الاول يونس عبد الرحيم وكلمه بموضوع اغتيال العقيد عدنان المالكي فوافق يونس عليه وتطوع للقيام بهذا العمل حتى انه قال لبديع ( ان المقدم قبضاي ) وجند يونس الفكرة لبديع بقوله ( كثير كويس ) ثم عرض بديع هذه الفكرة على الرقيب محمد منعم دبوسي بناء على طلب المقدم غسان فوافق عليها وعندها زودهم المقدم بمسدسات لهذه الغاية وشجعهم زين لهم فكرة القتل وجعل في نفسهم استعدادا لتنفيذ القتل اي ان المقدم زودهم ماديا بالمسدسات ومعنويا بالتشجيع وغرس الفكرة في نفوسهم وكان المدعى عليه الدكتور سامي الخوري يراقب كل عمل ويدقق كل فعل في تنفيذ المؤامرة وبأن امر الخلاص من العقيد عدنان المالكي هو الواجب المقدس الذي يفرضه عليهم الواجب الحزبي فتهيأ يونس ومنعم وبديع وهيأوا انفسهم واخذوا يتحينون الفرص التي تمكنهم من تنفيذ مؤامرتهم وكانت المحاولة الاولى لاغتيال العقيد عدنان المالكي يوم عيد الجلاء في السابع عشر من نيسان 1955 اذ ان حزب البعث العربي الاشتراكي قد نظم احتفالا بعيد الجلاء في مقهى الرشيد بشارع بغداد واشيع ان عدنان المالكي سيحضرهذاالاحتفال.                                                   

وبالنظر لقرب موعد تنفيذ المؤامرة فقد ذهب بديع لدار اسكندر شاوي ليحصل منه على مسدس وابلغه برغبة يونس بقتل العقيد وتنفيذ المؤامرة ـ اذ كان بديع قد اعاد ما لديه من مسدسات الى فؤاد وغسان جديد وان غسان طلب من بديع ان يراجع دائما اسكندر شاوي في حال غيابه ـ واخبره بانه بحاجة قصوى الى (ميدي) ولكن اسكندر قال له اريد ان اشاهد الاشخاص الذين سيقومون بهذه المهمة فتواعد معه على اللقاء في محلة الشهداء بيوم عيد الجلاء في الساعة الخامسة عشرة  وفعلا اجتمع بديع واسكندر وذهبا لدار بديع وحضر يونس ومنعم وقد قال لهم اسكندر ان لا ينفذوا القتل في ذلك اليوم بسبب انه يخشى الرأي العام ان ينقلب ضدهم ونصحهم ان يكون القتل في مناسبة ثانية غير هذه ولكن منعم ويونس صمموا على تنفيذ فكرة القتل في ذلك اليوم اذ قالا لبديع ( اننا تبلغنا امرا من المقدم للقيام بهذا العمل في فرصة مناسبة ) وان اسكندر وبديع وذهب منعم ويونس لانتظار قدوم العقيد واما بديع فقد اوصل اسكندر الى الشهداء وتركه هناك وعاد لقرب مقهى الرشيد حيث وقف منعم ويونس ولم يحض العقيد يومئذ، ويوم الثلاثاء ذهب الوكيل بديع مخلوف الى دار اسكندر   

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 13

شاوي فأعطاه هذا الاخير مسدسا وقال له ( ان غسان جديد تركه له ).   الى ان كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر نيسان 1955 وهو موعد اجراء مباراة بكرة القدم بين الفريقين السوري وفريق خفر السواحل المصري ومن جهة رقم الدعوة وكان من المدعوين العقيد عدنان المالكي ولم يكن ليخفي على بديع ويونس ومنعم امر دعوته طالما انهم ينتظرون الفرص المناسبة مع العلم ان يونس كلف بحكم وظيفته من قبل رؤسائه في الشرطة العسكرية القيام بحراسة المنصة الرئيسية المعدة لجلوس كبار المدعوين ومنهم العقيد المالكي ففي صبيحة ذلك اليوم ـ الجمعة ـ كانت دار المدعى عليه الوكيل بديع مخلوف موئلا وملاذا لهؤلاء المجرمين فقد حضر المدعى عليه فؤاد جديد وحضر يونس عبد الرحيم ومحمد منعم دبوسي وحضر ايضا ابراهيم الصواف فاحكموا خطتهم وانصرف كل منهم لتنفيذ فعلته.   فتمنطق كل من منعم ومخلوف المسدس وكانا زودا به من قبل المدعى عليه المقدم غسان جديد وخرجا الى نادي النقباء وتناولا طعام الغداء والشراب وخرجا قاصدين الملعب البلدي ـ وكان اجراء المباراة ـ وقد مر بهما صديق لهما واركبهما معه بالسيارة ونزلا قرب البرلمان وتوجها سيرا على الاقدام الى ان دخلا الملعب البلدي فلقيهما محمود بن ثابت الدبوسي وهو ابن شقيق منعم فساروا معا حتى صعدوا الى المدرج وسارا خلف المنصة الرئيسية وجلسا على مسافة لا تتعدى السبعة امتار من المنصة من الجهة اليسرى وقد شاهدا الرقيب يونس عبد الرحيم في المنطقة المكلف بحراستها الا وهي المنصة الرئيسية فلم يتظاهر باتصالهما معه مطلقا وكان يونس يظهر نفسه بمظهر من ينظم وضع الكراسي ولما تلقى امرا من رئيسه آمر فوج الشرطة العسكرية بلزوم الذهاب الى باب الملعب الخارجي وتبليغ الشرطة هناك بلزوم فتح الباب عند ابتداء المباراة فلم يذهب وبقي خلف المنصة اذ كلف الشرطي ابراهيم الصواف بهذه المهمة وقد استدعى انتباه بعض الشهود وضع بديع ومنعم المريب في الملعب اثناء المباراة وبعد الحادث فيما كان يصل العقيد عدنان المالكي ويأخذ مكانه في الصف قبل الاخير من المنصة التي اوكل امر حراستها الى الغادر يونس عبد الرحيم وبدأت المباراة وان الملعب … …. انهمكت الناس بتتبع اللعب ولم تمض فترة قصيرة حتى دوت في الملعب طلقتان خر على اثرها العقيد عدنان المالكي صريعا برصاص الغادر يونس عبد الرحيم فهرع مرافق رئيس الاركان العامة الملازم الاول عبد الكريم النحلاوي نحو القاتل ولكنه لم يدركه حيا اذ سدد رصاصة ثالثة الى رأسه القته مضرجا بدمه فدب الذعر بالحضور واستحوذ عليهم القلق وحصل في الملعب وعلى المدرج هرج ومرج فاخذ دبوسي بين المدنيين ولاحظ ذلك الشهود طالب الصباغ ورفيقاه كما انهم لاحظا ان منعم كان واضعا على بطنه انه مخفيا شيئا تحت الباتل دريس التي يرتديها.

     اما بديع فقد خرج مسرعا من الملعب اثار موقف المدعى عليهما بديع ومنعم اللغط حولهما وقد مر منعم عندما اشار الشاهد طالب الصباغ الى احد رجال الشرطة العسكرية بالقاء القبض عليه واخيرا ادركت ايدي العدالة بديع ومنعم.   فقد توجه الرقيب الاول منعم دبوسي اثر الحادث الى دار شقيقه ثابت دبوسي الكائنة في زقاق الصخر واخفى في داره المسدس دون علم ثابت اذ كان نائما والذي كان يحمله في الملعب البلدي والذي كان يستعمله في القتل اذ كان عليه هو قتل العقيد مالكي ان تخاذل يونس او ان يقتل يونس ان  تخاذل عن قتل نفسه وخرج منعم من دار شقيقه قاصدا دار الوكيل بديع فلم يجده فترك له

ورقة بان يحضر بديع لدار محي الدين ريشة وتوجه منعم لدار محي الدين المذكور حيث كانت زوجته مطيعة بغدادي قد حضرت اليها اثر خروجها من اجتماع حزبي فاعلم الحضور بالحادث وحضر بعد ذلك المدعى عليه بديع مخلوف ثم خرجوا سوية وقال منعم لمحي الدين ان لك لدي امانة وانفرد به وتوجها سوية لدار ثابت بعد ان تركا بديع حيث ان منعم اخذ المسدس وسلمه الى محي الدين ريشة ثم توجها معا لدار اسماعيل جمعة فلم يجداه بل وجدا اسماعيل بطرش فوضعا امامه المسدس وتحت فراش اسماعيل جمعة وعادا لدار محي الدين ريشة ثم ذهب منعم وزوجته مطيعة لدارهما حيث تعاونا بإتلاف ما لديهما من منشورات ووثائق حزبية وفي تلك الليلة القي القبض على منعم من قبل رجال الشرطة العسكرية واودع للعدالة اما مسدس منعم فقد نقله اسماعيل جمعة لدار اسماعيل بطرش الذي زوده اسماعيل جمعة بمسدس آخر ونقلت انيسة ريشة شقيقة محي الدين مع نعمت بطرش المسدسين الى دار عمتها حيث صادرهما رجال الشرطة .

       اما المدعى عليه الوكيل بديع مخلوف فقد تسلل من الملعب البلدي وذهب قاصدا داره وفي الطريق التقى بفؤاد جديد عند الخياط كره بيت مقابل المحكمة العسكرية في الشهداء..

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 14

فروى له القصة وطلب اليه ان يبلغ زهير قتلان في مكتب الحزب القومي السوري لان يجتمع به فورا اي ان يجتمع زهير ببديع قرب نقطة شرطي السير في الشهداء فذهب فؤاد واخبره

…. الذي حضر وقد سلم بديع المسدس لزهير مع ست خرطوشات وطلب اليه ان يوصل المسدس لإسكندر شاوي عندما تسمح له الفرصة وذهب بديع الى داره وجلس قليلا ثم خرج الى الشارع حيث القي القبض عليه بعد ان كان قد ذهب الى دار محي الدين ريشة واجتمع بالرقيب الاول منعم…

     اما زهير قتلان فقد اخذ المسدس من المدعى عليه بديع مخلوف وسلمه الى المدعى عليه هيثم المالح لإيصاله الى اسكندر شاوي واخذ هيثم المسدس وفر من وجه العدالة.

     هذا من جهة ومن جهة اخرى فقد اتصل المدعى عليه فؤاد جديد برئيس الحزب المدعى عليه جورج عبد المسيح هاتفيا حيث كان يجتمع لديه مجلس العمد واعلمه بالخبر فقال له جورج عبد المسيح ( هالحكي ما بينحكى عالتلفون ) افادة كامل حسان في الصفحة 32 من محضر التحقيق ـ فحضر فؤاد الى الدار واعلمهم مجتمعين بالحادث ـ فقال له جورج عندنا خبر ونصحه بان لا يقول بان القاتل قومي ـ افادة فؤاد المدرجة في الصفحة …. من محضر التحقيق وقد وقع اثر ان انفرط اجتماعهم فتوجه جبران جريج وكامل حسان الى دار المدعى عليه اسكندر شاوي ليخفي الاوراق التي تتعلق بالعسكريين فما كادوا يصلوا الى داره حتى فوجئوا بإخفاء الاوراق اذ ان اسكندر اخفاها عندما سمع طلقات الرصاص في الراديو..

قبل أن ننتقل لتفنيد وقائع النيابة العامة، لا بدَّ لنا من المرور على العلاقة التي تربط الشخصيات الرئيسية والتي كانت وراء ما جرى وغير مجرى الحياة السورية حتى اللحظة..

الحوراني والسراج:

عندما نقول أن أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج، كانا المحرضان الرئيسيان لاغتيال المالكي وإلصاق التهمة بالحزب السوري القومي الاجتماعي، فليس ذلك مجرد اتهام ليست له وقائعه المسلكية لدى كل منهما، فتأريخيتهما تحكم عليهما..

في أواسط شهر شباط 1955وبقرار من شوكت شقير، يتم تعين عبد الحميد السراج رئيسا للمكتب الثاني في الأركان العامة للجيش السوري، بعد أن كان يشغل رئاسة الشعبة الرابعة في الأركان ( حيث الموظف فيها الشاهد طالب صباغ)  مما وثق صلاته بشوكت شقير ودفع به لتعينه في موقع من أهم مواقع الدولة السورية، ومما دفع بالمالكي للاعتراض على هذا القرار وليبحث أمر السراج مع شوكت شقير، فلا يتوصلان الى نتيجة، فتتشكل لدى المالكي القناعة بأنه إذا كان لا بد من إزاحة السراج، فلا بد بداية من ازاحة داعمه شقير، ولاشك في أن المالكي قد تباحث مع كثير من الضباط (الشوام)المؤيدين لنهجه، في هذا الموضوع مما ساهم بإيصال نوايا المالكي لكل من شوكت شقير والسراج، ومما دفع بهما للتفكير أيضا بإزاحته..

 كل من تناول قضية اغتيال المالكي أكد هذه الميول لدى المالكي ولدى السراج وشقير( شمس الدين العجلاني، هاني الشمعة، راشد الكيلاني..) حتى أن بعضهم أشار لما كان يشكل عقبة في وجه المالكي حيال كل من السراج وشقير اللذان ناصباه العداء ،خاصة أولئك المقربون منه ومن السراج وشقير..

السراج الذي ابتدأ حياته شرطيا لبيت دعارة، لم يكن ليحلم أن يصل لما وصل اليه لو لم يكن متعدد الوجوه ، ولم تكن المبادئ والقيم لتشكل لديه رادعا حيال ما يبتغي الوصول اليه..

 كل ما أتصف به المالكي، كان نتيجة مقتله كضحية، تعاطف معها الجميع فألبسوها صفات ومواصفات، قد لا تكون من صفاته، فهو كسليل عائلة اقطاعية لا تختلف عن سواها من العائلات الاقطاعية الأخرى، فوالده الذي شارك الشهيد يوسف العظمة في التصدي للقوات الفرنسية في موقعة ميسلون، كان على خلاف مع شكري القوتلي على قطعة أرض في الغوطة، مما سهل للمالكي طريقه لبعثات للخارج إرضاء لوالده، وحظي بالمكانة التي كانت له، ثم أن اخيه رياض كان من قياديي البعث مما أبعد عنه تهجمات رفاق أخيه..

 لم يكن المالكي بعثيا، لكنه كان ولا شك، متعاطفا مع أخيه بل وداعما له في امتطاء البعث للوصول للمكانة التي وصل اليها كعضو من أعضاء المحلس النيابي والتي قد تكون له بابا لرئاسة الجمهورية، وكان كغيره من ضباط ذلك الجيل استهدف من كل الامتيازات التي كانت لأبيه وأخيه في الوصول لموقع القرار، كان عداؤه للشيشكلي، دافعا للأخير لزجه في السجن، مما أضفى عليه صفة المناضل، وهيأه لتنكب مهام الشعبة الثالثة حيث تمكن من ازاحة كثير من الضباط ، بداية بتسريحه للشهيد غسان جديد، والذي كان تسريحه مفتاح التخطيط لاغتياله والصاق ذلك بالحزب السوري القومي الاجتماعي.. اضافة لكافة الذين رأى فيهم عقبة في بلوغه رئاسة الأركان وقيادة الجيش التي كان يطمح لها، ولا شكَّ بأنه كان على علمٍ بخلفية السراج المهنية وأساليبه لبلوغ مآربه، فمن مرافق شخصي لحسني الزعيم الى رئاسة الشعبة الأولى زمن الشيشكلي الى الشعبة الرابعة بعد الاطاحة بالشيشكلي، مما دفع بالمالكي للنظر للسراج من موقعه الاقطاعي الذي أكسبه أنفة كغيره من أبناء العائلات الاقطاعية، وتاليا تعاليه وليس تواضعه مع شخصية لها مواصفاتها، كالسراج،  كان المالكي يعلم خلفية السراج المهنية، فيجد الفارق بينه كإقطاعي وبين سليل عائلة متواضعة ذو تاريخ مهني شائن، ولما كان على السراج أن يهادن جميع من حوله ومنهم المالكي، ويُبيت لهم ما يُبيت لحين بلوغ الفرصة السانحة، كما جرت عليه عادته، وما لم يكن خافيا على المالكي بطبيعة الحال، فالسراج كان قد استظل حسني الزعيم وشارك في الانقلاب الذي أطاح به، استظل الحناوي وشارك في الانقلاب عليه، كذلك كان مصير الشيشكلي، وحين لمع نجم أكرم الحوراني، استظله وتتلمذ على يديه، في تقلباته السياسية..

 كان الحوراني أقرب المقربين من السراج، لذا نجد الحوراني يتجاهل في مذكراته مقاربته للسراج محاولا ابعاد أي شائنة منه اليه، أيضا جميع من تناول سيرة حياة الحوراني يشكك في مصداقية أقواله بالسراج كما ألمح اليها في مذكراته، فهذه المذكرات ليست في واقع الحال هي حقيقة ما جرى والمتعلق بالتحديد بعلاقة الحوراني بالسراج وبعلاقة الحوراني بمن حوله من السياسيين، لكنها بطبيعة الحال ايضا لسان حال تقاربه مع السراج مواصفات وتاريخ من التقلبات، مذكرات الحوراني جاءت بعد ما يقارب النصف قرن على بداياته السياسية، وهذا يعني أنها لم تكن تأريخا آنيا للأحداث التي عاصرها، لكنها جاءت كتقييم لتلك الأحداث تغافل عن قصد أية اشارة لمسلكيته السياسية التي جاء لقبه( الجنرال المدني) نتيجة لها، فهو يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، “ولا يعجبه العجب” يخطط وينفذ منفردا حتى بعد دمج العربي الاشتراكي بالبعث العربي، يقول( إن خطتنا كانت في تمزيق هذه الكتل الرجعية واستغلال تناقضاتها الى أبعد الحدود وهذا ما حدث فعلا وما ساعدنا حتى قيام الوحدة على احباط كل المؤامرات والمشاريع الأجنبية..) ولسنا ندري بلسان من يتحدث بصيغة الجمع، لكن هذه المذكرات تأتي  بأسلوب يُظهر نزاهة الحوراني وحياديته حيال الأحداث التي يتناولها بأدق التفاصيل ، والتي تشكل بحق، مصدرا من مصادر التاريخ السياسي في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي،  لكنه والسراج ابن مدينته، كانا من طينة واحدة وعلى خط مستقيم في تقلباتهما، فمن ثورة الفلاحين الى الانتماء للحزب القومي الى انسحابه بعد أقل من سنة خضوعا لتهديدات مؤيدي الكتلة الوطنية لكل من ينتسب للحزب القومي الى تمسكه بمبدأ الأرض عام 1942 الى انقلابه على هذا المبدأ في 1947 كما يقول سامي الجندي في لقائه الأول والثاني مع أكرم الحوراني، الى تسلمه مهام وزير زراعة بضعة أشهر واستقالته من منصبه الى استلامه وزارة الدفاع واستقالته أيضا، الى تشكيله للحزب العربي الاشتراكي الى اندماجه بحزب البعث العربي الى عدائيته المفرطة لكل من صلاح البيطار وميشيل عفلق.. الى ما تلى حادثة المالكي من تقلبات أبرزها موافقته على حل حزب البعث العربي الاشتراكي كرمى لعيني عبد الناصر واستقالته من منصب نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة واتهامه لعبد الناصر بالعمالة “لإسرائيل” بعد أن عمل جاهدا والسراج لقيام الوحدة السورية المصرية، واعتكافه في نهاية حياته السياسية الى كتابة مذكراته، راسما فيها للصورة التي كان يرى نفسه فيها دون سواه..

 نموذجان لا يستقر لهما حال إلا بما يحيكانه بالخفاء،

الحوراني ( الجنرال المدني)

عندما تسلم السراج رئاسة المكتب الثاني، بادر ولا شك في ذلك،  أكرم الحوراني لتهنئته بمنصبه الجديد، وتداولا الوضع السياسي العام في سورية، والتي كان يتنازعها تياران، تيار حلف بغداد الغربي وتيار الناصرية ذات الاتجاه اليساري العروبي، وتتلاقى وجهة نظريهما على أن عبد الناصر هو القائد العربي المرتجى والذي يمكنه تحقيق الحلم العربي بالوحدة من المحيط الى الخليج، وبدايتها بالوحدة السورية المصرية، كان الحوراني حينها على وفاق مع عبد الناصر، لكن أقل التزاما به من عبد الحميد السراج، الذي خدمه بصدق حتى لقب “بالمواطن العربي الثاني” كما جاء في افتتاحية جريدة النصر السورية والمقربة من عبد الناصر بتاريخ 6-3-1958والتي يوردها الحوراني في مذكراته، عبد الناصر، والذي كان دكتاتوريا بنظر الحوراني، ينقلب بعد حادث المنشية الى بطل من أبطال العروبة،  كما جاء في مذكرات الحوراني يقول:” في ليلة الأربعاء، 26/10/1954، كنت جالسا في مقهى الروضة القريب من مجلس النواب، أصغي للخطاب الذي كان يلقيه البكباشي جمال عبد الناصر في ميدان المنشية في الاسكندرية احتفالا باتفاقية الجلاء، وفجأة انطلق صوت رصاصات وحدث هرج ومرج، لكن عبد الناصر استمر بإلقاء خطابه قائلاً:” أنني أموت من أجلكم ومن أجل مصر وأن جمالاً آخر سيخلفني من بعدي، وأن الثورة ستستمر..” وقد أثر في نفسي موقفه وملابسات الحادث تأثيرا كبيرا واصبحت الشكوك تساورني حول صحة تقيمي لهذا الرجل، الذي كنت أعتبره ديكتاتورا عسكريا من صنائع الغرب مهمته تصفية الحركات الشعبية التقدمية في  مصر العربية” بالطبع يأتي هذا الكلام بعد مرور أكثر من ربع قرن على مشاعر الحوراني تجاه عبد الناصر ، ليعلن للملاء، مستوى النزاهة التي يتحلى بها، وإن كنا نستعرض تقيمه لعبد الناصر فما ذلك إلا لبيان أن الحوراني لم يكن نزيها كما يدعي، فإشارته “لملابسات الحادث” تعني أنه كان يشكك في صحة محاولة اغتيال عبد الناصر، وأنها كانت محاولة مخابراتية لإدانة الإخوان المسلمين وإقصائهم عن الحياة السياسية في مصر، والتي استمد منها فكرة اقصاء الحزب السوري القومي الاجتماعي عن الحياة السياسية السورية بإلصاق تهمة اغتيال المالكي بالحزب،  يتضح ذلك من قوله:” وقد قررنا الاشتراك في المظاهرات التي شملت جميع أنحاء البلاد، كما قررنا أن نطلب من الحكومة التدخل رسميا لمنع تنفيذ أحكام الإعدام ثم كلف الحزب نائبه خليل الكلاس أن يثير في الجلسة التي عقدها المجلس بتاريخ 4/12/1954 قضية الحكم بالإعدام على زعماء الإخوان المسلمين فقال( نحن الذين نرى قضايا العالم العربي وحدة لا تتجزأ، ونحن الذين نرى في حرية مصر حريتنا، لا نرى في حديثنا عن أحكام الاعدام واستنكارنا لها، تدخلا في شؤون لا علاقة لنا بها، فالجرائم التي نُسبت للإخوان المسلمين على فرض ثبوتها، إنما تعتبر جرائم سياسية، ولما كانت القوانين والأعراف لا تجيز أحكاما كهذه على المجرمين السياسيين لهذا نطلب أن تتوسط  الحكومة السورية لمنع تنفيذ أحكام الاعدام ..) وقد أيد المجلس بجميع فئاته أقوال الكلاس..”

 

في استطرادنا لما حدث بعد ذلك، نشير الى ما قاله الكلاس تأكيدا على (ملابسات الحادث) عندما قال( في حال ثبوتها)،  كما نشير الى أن هذه المبادئ التي نادى بها البعث عبر الحوراني وهذا عبر الكلاس، كانت كما يقول الحوراني نفسه:” ..لكن عبد الناصر لم يلب هذا الرجاء وأعلن إعدام الإخوان المسلمين  الستة في صباح اليوم التالي الذي أعلن فيه ابرام الاتفاقية المصرية مع بريطانيا، وقد قابل شهداء مصر الستة الموت بشجاعة وايمان.. ولكن مما أوقعني في خيبة الأمل ما قاله لي الشيخ مصطفى السباعي: إن البعث لم يكن مخلصا في موقفه وأنه أراد أن يركب الموجة الشعبية..”

إن ما قاله السباعي صحيح، ذلك أن البعث والحوراني وكذا الكلاس ذاته، لم يقف ذات الموقف بعد أشهر، حيال قرارات الاعدام الصادرة بحق مخلوف ودبوسي، وهي جرائم سياسية (على افتراض ثبوتها) كما جاء في كلمة الكلاس، بل على العكس تماما،  لم يكن اصدارها إلا بناء على افتراءات شهودها،  وكان البعث برجالاته الذين تبوؤا عضوية المحكمة وكذا الادعاء العام، عاملا جوهريا في إصدار أحكامها الجائرة على المتهمين عموما وعلى مخلوف ودبوسي تحديدا.. 

 

في لقائهما (الحوراني والسراج) المنوه عنه أعلاه، يتباحثان في كيفية تحقيق ذلك الحلم العربي ، بعد أن وجد السراج أن السعي في هذا السبيل يوصله لزعيمه المفدى جمال عبد الناصر، فيقترح أحدهما على الآخر ضرورة الاتصال بمحمود رياض السفير المصري الجديد في سورية والذي أُطلقت يده لتحقيق هدف التقارب السوري المصري، والمتدخل بالشأن السوري والممتعض منه كل من عدنان المالكي وعفيف البزري رئيس الأركان ومن تدخلاته كما سواهما حيث يأتي في كتابه( ذكريات وأسرار أربعون عاما في الاعلام والسياسة) لعرفان نظام الدين على ذكر أنه عاتب رئيس الأركان السوري توفيق نظام الدين على عدم ازاحته للسراج من موقع القرار، خاصة بعد أن يفرد تفصيلا عن التخطيط السراجي لاغتيال كامل مروة المعادي للتيار الناصري في حينه والقريب من فكر انطون سعادة ..

يلتقي السراج وأكرم الحوراني بمحمود رياض ويعرضان عليه خدماتهما بما يخدم غرضهما من تحقيق الوحدة المصرية ـ السورية، وهي المهمة التي أوكلت من عبد الناصر اليه، حيث يقول محمود رياض في مذكراته :” .. وحدث تطور جديد عندما لمس الرئيس عبد الناصر أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه سورية في السياسة العربية، فسعى الى توطيد العلاقات معها وقرر تعيني سفيرا لمصر في سورية في ربيع 1955 للقيام بهذه المهمة وأطلق يدي في العمل لتحقيق هذا الهدف، ولم أكن بحاجة الى وقت طويل لتوطيد علاقاتي مع كافة الأحزاب السورية وقيادات الجيش، وقد لمست قوة المشاعر العربية في سورية ومساندة الشعب لكل قضية عربية وايمانه العميق بالوحدة العربية..” فعندما يقول محمود رياض أنه لم يكن بحاجة لوقت طويل لتوطيد علاقاته مع الأحزاب السورية وقيادات الجيش وهو المُعَيَّن في ربيع 1955 أي في بدايات اذار أو نيسان ، فهذا يعني أنه استمد هذه العلاقات المزدوجة مع السياسيين والعسكريين من خلال الخدمات التي قُدمت له من عناصر ترغب في التقارب السوري المصري، وبطبيعة الحال لم تكن من المالكي أو البزري أو حزبي الشعب والكتلة ولا الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولا من الاخوان المسلمين، ولا حتى من البعث العفلقي البيطاري، وإنما من شخصيات محسوبة على تيار التقارب وتحديدا من الحزب العربي الاشتراكي برئاسة الحوراني والذي بقي كحزب منفرد بمخططات الحوراني رغم اندماج الحزبين، فأصبح هناك (بعثيون اشتراكيون ) للدلالة على البعثيين الملتزمين بهج الحوراني، حيث يجيء في مذكرات الأخير ما يلي:” تحركت مصر بسرعة وأُعلن أن الصاغ صلاح سالم سيزور سورية بتاريخ 26/2/1955 وقبل هذه الزيارة بيوم واحد زارني في بيتي شخص من السفارة المصرية هو أحد اثنين ( لا أذكر بالضبط أيهما) إما الصاغ جمال حماد أو الصاغ محمد فتحي الديب وقد عرف الثاني فيما بعد بتخريبه وإساءته للحركات الثورية في العالم العربي، قال لي ذاك الرجل :

” إن الصاغ سالم سيزور دمشق وأن السفارة مستعدة لدفع الأموال اللازمة لاستقباله من قبل حزب البعث ثم عقَّب على ذلك بقوله لقد دفعت السفارة لفيصل العسلي ( والذي رشحه وأيده لهذا المنصب أكرم الحوراني ذاته) الأموال اللازمة ليساهم في هذا الاستقبال ، قلت له :عندما يفكر حزب البعث باستقبال صلاح سالم فإنه لا يفعل ذلك مأجورا بل لأنه يستقبل وزيرا عربيا يزور بلدا شقيقا، فخجل الرجل وحول الحديث وسأل فيما إذ كنا نفكر في استقباله، فأجبته :لم نفكر حتى الآن في هذا الموضوع..” في موضع آخر من مذكراته يقول:” وفي عام 1955 قبيل زيارة صلاح سالم لسورية زارني السفير المصري ، ولا أتذكر اسمه، وعرض علي مساعدة مالية للحزب لقاء تهيئة استقبال جماهيري لصلاح سالم وعندما رفضت قال: لم ترفض إن فيصل العسلي تلقى مساعدات منا وسيخرج حزبه لاستقبال صلاح سالم قلت له: عندما نقرر استقبال ضيف عربي فلا داعي لتقاضي الأجور عن ذلك..” قد يكون الحوراني رفض المال أو تقاضاه،( راجع الملق رقم 3)

هذه المواربة في تحديد من الذي زار الحوراني، تعكس كيف أن الحوراني ليس صادقا بما جاءت به مذكراته، فهو لم يعد يتذكر أهو السفير( الذي لم يعد يذكر اسمه؟!!!!!) أم الملحق العسكري جمال حماد أم محمد فتحي الديب، لكن السؤال يبقى: ولماذا جاءه ذاك الرجل عارضا ماله دون عفلق والبيطار؟ !!! لو لم تكن صلاته بالسفارة المصرية شجعت السفارة للاتصال به؟! ولماذا لم يعد يتذكر اسم الرجل الذي أتي لزيارته مستثنيا جمال حماد بإشارته الى أن الصاغ محمد فتحي الديب، موصوم بتخريبه وإساءته للحركات الثورية في العالم العربي؟! علما بأنه ، وكما تشير اليه مذكراته يتذكر أدق التفاصيل وأوهاها،؟!

ولا يختلف محمود رياض في مواصفاته الشخصية عن الحوراني والسراج، فيقف متزلفا أمام عفيف البزري ـ دون احترام لمنصبه الدبلوماسي ـ الذي راح يهدده برسالة منه لعبد الناصر يدين بها تدخلات رياض في الشأن السوري، ودفع الأموال (للزعران) للدعاية لعبد الناصر ونهجه، تقول زوجة عفيف البزري عن لقاء رياض بزوجها وبعد أن أنبه على سلوكه غير الدبلوماسي:”.. ﺘﺘﺩﺨﻠﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺭﺓ ﻭﺍﻟﻜﺒﻴﺭﺓ ﻜﺄﻥ ﺒﻠﺩﻨﺎ ﺤﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻫﺭﺓ؟ ﺘﺸﺩﻭﻥ ﺃﺯﺭ ﻫﺫﺍ ﻭﺘﻔﺘﺭﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺫﺍﻙ. ﺘﻀﻌﻭﻥ ﺃﻴﺩﻴﻜﻡ ﺒﺄﻴﺩﻱ ﺍﻷﻭﺒﺎﺵ، ﺘﻭﺯﻋﻭﻥ ﺍﻟﺭﺸﺎﻭﻱ. ﺘﻅﻨﻭﻥ ﺸﻴﺌﺎً ﻴﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻨﺎ؟ ﺃﻟﻴﺱ ﺤﺭﺍﻤﺎً إعطاء ﺍﻷﻤﻭﺍل ﻟﺼﻌﻠﻭﻙ ﻭﺠﻤﺎﻋﺘﻪ ﺍﻟﺯﻋﺭﺍﻥ، ﻴﻜﺜﺭ ﺘﺨﺭﻴﺒﻬﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺩ، ﻴﺭﻜﺒﻭﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ، ﻭﻴﻼﺤﻘﻭﻥ ﺍﻟﺒﻨﺎﺕ، ﻭﻴﺭﻭﺠﻭﻥ ﺍلإﺸﺎﻋﺎﺕ ﻴﺸﻭﻫﻭﻥ ﺴﻤﻌﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻤﻌﺭﻭﻓﻴﻥ ﺒﻨﻅﺎﻓﺘﻬﻡ ﻭﻴﺭﻓﻌﻭﻥ ﺸﻌﺒﻴﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻻ ﺘﺴﺘﺄﻫل إﻻ ﺍﻟﺼﻔﻊ.. ﻤﺎﺫﺍ ﺘﺭﻴﺩﻭﻥ ﺒﻬﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ؟ ﻤﺎ ﺩﺨﻠﻜﻡ ﺒﻤﺸﺎﻜﻠﻨﺎ ﻭﺨﻼﻓﺎﺘﻨﺎ؟ ﺠﺎﻴﻴﻥ ﺘﻤﺩﻨﻭﻨﻨﺎ؟.. .. ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺃﻨﺕ ﺴﺎﻜﺕ؟ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ ﻴﺭﻀﻰ ﻋﻤﺎ ﺘﻔﻌﻠﻪ؟ ﺴﺄﺒﻌﺙ إليه ﺒﺭﺴﺎﻟﺔ ﺃﺴﺎﻟﻪ.. ” يجيب رياض على تهديد عفيف البزري قائلا:”  ﻭﺍﷲ ﻋﻡ ﺘﺤﺭﺠﻨﻲ ﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﻘﻴﺩ.. ﺃﻨﺎ ﻤﺎﺍﻋﺭﻓﺵ ﻏﻠﻁﻲ. ﻤﺵ ﻋﺎﺭﻑ ﺍﻟﻠﻲ ﻤﺯﻋﻠﻙ ﻤﻨﻲ.. ﺤﻘﻙ ﻋﻠﻲ أن ﻜﻨﺕ ﻏﻠﻁﺎﻥ، ﺒﺱ ﺨﻠﻠﻲ ﺩﻱ ﺒﻴﻨﻨﺎ ﻤﺎ ﻴﻨﻘﻁﻌﺵ ﻋﻴﺸﻲ، ﺘﺤﺭﻙ ﻏﻀﺏ ﺍﻟﺭﻴﺱ ﻋﻠﻲ..”

وعلى العكس مما يورده الحوراني حول عدنان المالكي، فالأخير كان على ذات الخط الذي انتهجه البزري مع محمود رياض، فلقد حاول الحوراني أن يظهر مدى ومستوى تقاربه مع المالكي بغية رد مختلف الاتهامات التي طالته في قضية الاخير، وأبرزها موقفه من ترشيح رياض المالكي بدلا من صلاح البيطار والتي كانت سببا لموقف المالكي من البعث عموما ومن أكرم الحوراني خصوصا، والذي يحاول ـ الحوراني ـ التملص منها في مذكراته عندما يقول:” هتف الاستاذ صلاح البيطار اليَّ في مكتب الحزب في حماة يدعوني للحضور فورا الى دمشق لأمر هام، فخيل لي أن مؤامرة انقلابية أعدتها الفئات الرجعية في الجيش لتعطيل الانتخابات.. فتوجهت فورا الى مكتب الحزب حيث وجدت الاستاذ صلاح البيطار والاستاذ ميشيل عفلق الذي كان حضوره من مصيفه في برمانا ما يدل على خطورة الوضع، قال الاستاذ صلاح:  “ان الأحزاب الرجعية تتآمر لإسقاطي وإنجاح الأستاذ رياض المالكي في الانتخابات وأن ذلك سيؤثر على وحدة الحزب وسلامته لذلك أرى أن ينسحب رياض من المعركة، فوجئت باقتراح الاستاذ صلاح وقلت له: ما هي الدلائل على ذلك؟ وعندما لم يكن لديه دليل سوى ما يهمس به الناس، قلت له: إنك ستقع في الفخ الذي ينصبه لك أعداؤك، وإنني أراهن عل أنك ستنال عددا من الأصوات أكبر من العدد الذي يناله رياض وموعد الاقتراع قريب وإياك أن ترتكب هذا الخطأ الجسيم إن استمرار رياض في المعركة هو لصالحك، كان الاستاذ ميشيل يصغي اليَّ فقط على الرغم من الاتفاق بينهما، وبعد جدل اقتنع الاستاذ صلاح بالاستمرار دون أن ينسحب رياض المالكي.. كان عليَّ بحث موضوع ادارة المعركة التكميلية في دمشق حيث كان جو الحزب في غاية البلبلة والاضطراب، وهي نتيجة طبيعية لكل فشل، وكان من الهين أن أضبط الموقف لولا ان السيدان صلاح البيطار وميشيل عفلق، كانا مصرين على انسحاب رياض المالكي من المعركة، وقد حاولت كثيرا بأن استمرار رياض المالكي هو لمصلحة البيطار وأن ضرر انسحابه لا يقتصر على المعركة التكميلية وإنما له انعكاساته الخطيرة على القضية والحزب، وقد حاولت جهدي اقناعهما مستندا الى أن تقديري السابق كان صحيحا إذ أن البيطار نال من الأصوات أكثر مما ناله رياض المالكي، ولكن عبثا كانت محاولاتي لإقناعهما وأنني لا أزال حائرا في تعليل اصرارهما على انسحاب رياض المالكي، هل هو سوء تقدير منهما؟ أم أنهما كانا يفكران بأن الاكتساح الشعبي في المنطقة الوسطى قد يعكس آثاره على دمشق ويكون سببا في نجاح رياض المالكي وصلاح البيطار معا مما يهدد انفراده بزعامة الحزب في دمشق ! وأن موافقتي على انسحاب رياض من المعركة كان على القاعدة القائلة ( يحتمل الضرر الأخف في سبيل دفع الضرر الأشد) فإن فشل البيطار في المعركة كان يعرضنا للضررين معا ، اذاً لا بدَّ من العمل لإنجاح البيطار بما أوتينا من قوة هكذا بدت لي الأمور في تلك الظروف الدقيقة التي كانت تمر بها البلاد..”  لقد كان الحوراني حريصا على أن يظهر الجانب الايجابي من سياسته وصلاته بالكثير من السياسيين، لكنه يقع في الفخ الذي نصبه لنفسه في كثير مما تأتي عليه مذكراته، 

يستعرض دعاة التقارب المصري ـ السوري(الحوراني ـ السراج ـ رياض) الوضع السياسي السوري بمختلف وجوهه، من حيث موقف القوى السياسية والعسكرية من تحقيق الغاية التي عُينَ من أجلها محمود رياض، ويصلون لنتيجة أن العقبة أمامهم هي الإخوان المسلمون والحزب السوري القومي الاجتماعي والذي يعتبر الأقوى في تلك المرحلة، هذا على الصعيد السياسي، أما على الصعيد العسكري، فلم يكن سوى المالكي من خلال منصبه كرئيس للشعبة الثالثة حيث بإمكانه ازاحة أي من العسكريين عن منصبه أو موقعه في الجيش..  و لا ينفك الحوراني عن التذكير بخطورة الحزب السوري القومي الاجتماعي واعتباره رجعيا لوقوفه مؤيدا وداعما لحلف بغداد حيث الصراع على أشده بين الحكم الهاشمي في العراق والسعودي في شبه الجزيرة وتاليا وقوف السعودية الى جانب مصر في رفضها لحلف بغداد..

في استعراضه للأحداث التي سبقت اغتيال المالكي، يركز، في مواضع عدة من مذكراته على الحزب السوري القومي الاجتماعي كهاجس مقلق لسياسته التي بقيت منفصلة عن العفلق والبيطار، رغم الوحدة الحزبية التي تمخض عنها حزب البعث العربي الاشتراكي، فهو لا ينفك أيضا يشير الى الافتراق بينه وبينهما في مختلف المراحل التي تتناولها مذكراته، لكن الهاجس كان الحزب القومي الاجتماعي كمنافس لحزب البعث دون الأحزاب الأخرى، كما ويكرر تخوفه من الهجمة الاستعمارية التي تتعرض لها سورية والتي تنذر بشر مستطير، يقول: “روى لي مصطفى حمدون بعد عودته من مصر عندما أنهى دراسته في كلية الأركان المصرية ، وكان يحظى هناك برعاية خاصة من جمال عبد الناصر(؟!!) أنه قد استدعي الى منزل عبد الناصر قبل اغتيال الشهيد عدنان المالكي، وفي هذه المقابلة قال له عبد الناصر:( إن لديه أخبارا مؤكدة عن تصميم جهاز المخابرات الأمريكية على تصفية قادة البعث في سورية بالقتل والاغتيال ثم أضاف، أنه مستعد أن يقدم للحزب كل عون ومساعدة مادية سواء بالمال أو السلاح، فاستغرب مصطفى حمدون أقوال عبد الناصر لأنه لم يكن مطلعا أثناء وجوده في مصر على المؤامرات التي كانت تعصف في سورية ..) وفي موضع آخر من مذكراته يقول:(كان صلاح سالم شديد الاهتمام باجتماعاته مع الفئات والأحزاب الرجعية فلم يترك أحدا من دعاة الحلف إلا وقام بزيارته( لم يكن الحزب السوري القومي الاجتماعي من تلك الفئات التي يصمها  الحوراني بالرجعية على قائمة زيارات صلاح سالم) يتابع متذكرا:” كانت زيارة الصاغ لمكتب الحزب هما كبيرا لنا، فقد كان الاستاذ ميشيل معاديا لنظام عبد الناصر لذلك أوعز لجماعته بالمقاطعة إلا عددا قليلا منهم ليدخلوا بمناقشات مع صلاح سالم هدفها احراجه وإخراجنا، ولم أكن أرى من المفيد في ذلك الظرف أن نصطدم معه وبتاريخ 29/ 2/55 توجه صلاح سالم الى مكتب الحزب تتقدمه الموتوسيكلات والسيارات العسكرية فاستقبلته..”

يحاول الحوراني، في ما يقوله أعلاه، التأكيد على رغبة عبد الناصر بإقامة علاقات ودية وداعمة لحزب البعث على الرغم من عدائية ميشيل عفلق لنظامه، والتي ولا شك أن عبد الناصر على علم بها، لكن مصطفى حمدون والمحسوب على أكرم الحوراني، يلقى رعاية خاصة من جمال عبد الناصر، لذا كان على الحوراني استقبال موفده الى دمشق صلاح سالم؟! لأسباب شتى أبرزها ما نقله حمدون الى الحوراني عن لسان عبد الناصر، والتي يؤكد عليها في بدايات عام 55 حيث يقول:” كان جو البلاد ينذر بشر مستطير تنم عنه تحديات العملاء في كل مكان ، وشعرت أن وجودي في دمشق ضروري لرصد هذا التآمر وإحباطه إن أمكن..”

يؤرِّخ الحوراني تلك الأشهر التي سبقت مؤامرة الاغتيال بدقة فيقول:” لقد حاولت جهدي أن أقنع الحكومة بضرورة الاهتمام بالحادث( اصابة أخيه واصل والتي أدت الى وفاته) لا لصلته بي بل لأنه كما يبدو لي ـ حلقة من مؤامرة كبرى على البلاد وليس حادثا عارضا وأن تآمر الحكومة السابقة بالعفو عن صلاح الشيشكلي (القومي السوري وشقيق أديب الشيشكلي) وسماح الحكومة الحالية له بدخول البلاد قد سبب هذه الفاجعة وأن أي إهمال سيجر البلاد الى أمور لا تحمد عاقبتها، وقد ذهبت كل تحذيراتي وتنبهاتي السابقة، صرخات في واد، كان خالد العظم ضعيفا تجاه مكائد الذين يحيطون به من أبناء طبقته فلم يكشف مكائد نوفل الياس وأسعد هارون وحسن الأطرش وفائق منان إلا بعد انتهاء معركة الرئاسة ، وبالرغم من اخلاصنا لله ، فإنه كان حذرا منا (؟!) بصورة شلت نشاطنا ومنعتنا من العمل لصالح نجاحه في معركة الرئاسة خوفا من شكوكه وسوء ظنه، بالوقت الذي كان فيه باب المناورة فسيحا أمامنا يمكِّننا من قلب المعركة لصالحه فكان وضعه هذا أحد أسباب إخفاقه في معركة الرئاسة،”

يقول:” كان شهر نيسان عام 1955، حافلا بأحداثه ومؤامراته الداخلية والعربية والدولية من أخطر الشهور التي مرت بتاريخ سورية، وفيه توثق تحالف رئيس الجمهورية وحزب الشعب مع بعض قيادات الحزب الوطني ومعظم المستقلين والسوريين القوميين ضد جبهة الائتلاف ( وهنا لا يحدثنا ويبين لنا ممن كانت تتألف هذه الجبهة طالما أن معظم المناوئين لها هم قوى متحركة على أرض الواقع السياسي السوري) ، وقد تجلى ذلك في الانتخابات التي جرت أواخر شهر آذار عام 1955 ومع ذلك فقد سقط مرشح السوريين القوميين بديع اسماعيل وحليفه علي يونس في طرطوس ونجح مرشحا الكتلة الديموقراطية رياض عبد الرزاق واسماعيل حسين (؟؟؟)، أما في الغوطة فقد نجح حنا كسواني مرشح السوريين القوميين بدعم من حزب الشعب رشاد خيري وسقط الاستاذ خليل كلاس الضابط المتقاعد في هذه المعركة لامتناع فرع حزب البعث عن تأييده، وقد لجأ السوريون القوميون وحزب الشعب الى العنف في هذه المعركة فهاجموا خمسة مراكز اقتراع ومزقوا جداول شطب الناخبين ..”

من الملفت ان الحوراني وعبد الناصر هما الوحيدان اللذان اشارا الى محاولات الغرب للسيطرة على سورية في تلك الأشهر وما تلاها..

بين العربي الاشتراكي والبعث العربي:

في مختلف الموضوعات التي يتطرق لها الحوراني في مذكراته، يشير الى التناقض بينه وبين عفلق والبيطار على الرغم من الوحدة الحزبية المعلنة، كان نهج الحوراني على ما يبدو في مذكراته، مختلفا عن نهج العفلق والبيطار، حيث يعيد ذلك الى مواصفات وخصائص عفلق النفسية، يقول:” كان الاستاذ ميشيل يسبغ على أهوائه ونزعاته ثوبا مبدئيا، فالاشتراك في الحكم ومجلس النواب هو انتهازية وحب للسلطة، والحكم هو عمل مناقض لمبادئ الحزب التبشيرية وطهارته الثورية، ولكنه لم يكن كذلك عندما رشح نفسه عن دمشق مرتين وفشل، ولم يكن كذلك عندما اشترك عندما اشترك في الوزارة التي شكلها هاشم الاتاسي إثر انقلاب الحناوي عام 1949..” وفي موضع آخر من مذكراته يقول: “ظل حزب البعث حتى عام 1954 غريبا عن دمشق، إلا في أوساط الطلاب والمثقفين( وهؤلاء من خارج دمشق) وقد كان قادة حزب البعث بعجزهم عن تعليل هذه الظاهرة ومعالجتها يعتبرون دمشق مدينة رجعية مع أن تعليل هذه الظاهرة ومعالجتها كان أمرا ميسورا.. فإنه( حزب البعث) ظلَّ معزولا عنها لعجز قيادته الذاتية وعدم قابليتها لقيادة الجماهير الشعبية..”

قد لا تخلو صفحة من صفحات مذكرات الحوراني من الاشارة الى افتراقه عن عفلق والبيطار، يقول: “كانت المعارك النضالية وزخم الحركة الجماهيرية تجعل من أشلاء الحزب المتناثرة شيئا فشيئا حزبا أكثر تماسكا وتنظيما، ولا بد من الاعتراف هنا بأن أحدا من القيادة  الثلاثية للحزب حتى في حال تجردها وتماسكها ، لم تكن موهوبة بالفكر التنظيمي، ولكنها كانت قادرة على كل حال لو أخلصت النية وتجردت عن أهوائها ونزواتها بالتفاهم والتساند أن تقيم تنظيما حزبيا يقي الحزب مما حلَّ به في ما بعد من كوارث ونكبات.. ” ويشير في آرائه المبعثرة هنا وهناك في مذكراته الى أنه كان هدفا لهجوم عفلق تحديدا، يقول: “من المسلم به أن التنظيم الحزبي لا يمكن أن ينفصل عن أيديولوجية الحزب، وقد كانت الثغرات العقائدية والغموض والضبابية في فكر الحزب مدعاة لنشوب الخلاف منذ المؤتمر الأول الذي عقده مجلس الحزب بعد انتخابات 1954، فقد طرحت في هذا المؤتمر خلافات عقائدية(!!!) كانت بعيدة الغور، عميقة الجذور، اذ هاجم جماعة الاستاذ عفلق ومريدوه، سياسة الحزب ومعركة الفلاحين معتبرين الصراع الطبقي أمرا خارجا عن عقيدة البعث.. لكنه كان من الطبيعي أن تستتبع هذه الخلافات العقائدية خلافات في استراتيجية الحزب وتكتيكه، وهكذا فإن اشتراك الحزب في جبهة الائتلاف ثم في الوزارة قد صعد غضب الاستاذ ميشيل وجماعته ولا شك أن جلال السيد قد لعب دوره في الاثارة ومحاولة تمزيق الحزب.. قال لي نور الدين الأتاسي بعد سنوات وقبل سفره الى تونس هو وزميله ابراهيم ماخوس لمساندة لثورة الجزائرية، أن الاستاذ ميشيل أملاها عليهم بنفسه..”

ما يهمنا من بيان جوهر الخلاف بين الحوراني من جهة وعفلق والبيطار من جهة أخرى، هو أنه كان مبررا للحوراني للانفراد بسياسته عن الأخرَين، وهذا ما يفسر لنا لماذا كان توجه محمود رياض اليه دون عفلق والبيطار، فهو محسوب على الخط الاشتراكي الذي يمثله عبد الناصر..

أما عن علاقته بعدنان المالكي، الذي يتباكى عليه كثيرا، على الرغم من أن كل الدلائل تشير الى تناقضه معه، أكان لجهة علاقته بالسفارة المصرية وعبد الحميد السراج، أم لضلوعه بموضوع اقصاء أخيه رياض في انتخابات 1954 أو في مواصفات المالكي بالتحديد من حيث عدم ثقته بالسياسيين، يقول في معرض تبرئته لنفسه من موضوع انسحاب رياض المالكي:” فكرت فورا بالاجتماع بعدنان المالكي فرأيته ـ كما قدَّرتُ ـ غاضبا مهتاجا لأنه اعتبر القضية ماسة به وبأخيه شخصيا، فالحزب هو الذي طلب من رياض أن يرشح نفسه عن الغوطة، ثم طلب منه أن يرشح نفسه عن دمشق، والآن يطلب منه الانسحاب من المعركة، كان عدنان يقول:

“إن رياض ما كان يتعرض في الحزب لهذه الجرجرة وهذا الامتهان لو لم يكن أخا له وأنه لا يقبل ذلك لرياض، لا بصفته أخا له ولا بصفته مناضلا حزبيا قضى معظم فترة الديكتاتورية يتحمل السجن والتعذيب ..

كنت أحاول تهدئته ، عبثا ثم اضطررت بعد جدل وحوار طويل أن أكشف له موقفي فقلت له: إنني كنت أمام خيارين إما وحدة الحزب أو انسحاب رياض، ففضلت الانسحاب على اعتباره أهون الشرين، وطلبت منه أن يعتبر نفسه في موقفي ويختار، ولكن هيهات ، كان عدنان لا يمكنه أن يقنع بضرورة الخيار بين أمرين خطيرين فرضتهما الوساوس والأنانية الشخصية، وكان أكثر ما يؤلم عدنان قناعته بأن البعثيين لم يصوتوا جميعا لرياض المالكي، بينما كان رياض ملتزما وكان يوصي بالتصويت لصلاح قبل أن يصوتوا له ، ومن جهة أخرى فإن عدنان كان على علم بما كان يشيعه بعض الحزبيين من التدخل لمصلحة أخيه ، وقصارى القول فإن هذا الموقف قد سحب آثاره الخطيرة على الحزب والقضية وكانت هذه الخطيئة التي ارتكبها الاستاذان سببا في كثير من المآسي والمشاكل..” على الرغم من أن الحوراني يبرئ نفسه من تهمة انسحاب رياض المالكي بإلصاقها بعفلق والبيطار، فإن تساؤلنا يبقى في إطار لماذا اقترن الانسحاب بعدنان المالكي من خلال قول الحوراني(..إن رياض ما كان يتعرض في الحزب لهذه الجرجرة وهذا الامتهان لو لم يكن أخا له وأنه لا يقبل ذلك لرياض..) مما يفيد أن علاقة عدنان المالكي بحزب البعث لم تكن كما يصفها الحوراني بالودية حتى قبل الطلب من رياض الانسحاب من المعركة الانتخابية، وأنها كانت علاقة أقرب ما تكون الى العدائية منها الى الودية ولهذا كان اصرار البعث، بقياديه على انسحاب رياض، ولأسباب لم يفصح عنها الحوراني وهي كما تذهب اليه المذكرات ذاتها الى علاقة أكرم الحوراني بالسفارة المصرية وانجرافه في المخطط الناصري الذي يعاديه عدنان المالكي، أيضا لم يذكر لنا الحوراني كيف (كانت هذه الخطيئة التي ارتكبها الاستاذان سببا في كثير من المآسي والمشاكل..) وما هي تلك المآسي والمشاكل التي رافقت موقف عدنان من طلب انسحاب أخيه.. يقول في موضع آخر من مذكراته:” والمهم أن بحثه( أي الصاغ صلاح سالم) ومناقشته لنا لم تتسم بالود بل كان طابعها (الجفاصة) ولم أكن مرتاحا من مقابلته، بل ترك في نفوسنا أثرا سيئا ..تُرى ما الذي جعل صلاح سالم يؤجل زيارته مكتب البعث فيجعلها آخر زياراته؟ أكان امتناعنا عن استقباله هو السبب؟ أم كان السبب موقف ميشيل عفلق المتحفظ؟ أم أن عبد الناصر والصاغ سالم كانا يعرفان الخلاف الذي نشأ بين عدنان المالكي والحزب إثر انتخابات دمشق؟ وهنا لا بد لي أن أنوه بأن جميع الجهود التي بذلتها لإعادة الصفاء بين عدنان والحزب قد ذهبت سدى ولكن رابطة المودة والمحبة ظلت قائمة بيني وبين المرحوم عدنان ..”   

في كتابه (أيام عشتها)، يقول الضابط محمد معروف والذي شغل منصب رئيس المكتب الثاني في أركان الجيش السوري، عن أكرم الحوراني ما يلي:” لقد ارتبطتُ معه( مع نجيب الريس) بصداقة متينة وكان يتردد على مكتبي كثيرا، وكنا نتداول في الكثير من الأمور السياسية، ولم أختلف معه يوما إلا على شخصية أكرم الحوراني، فقد كان يراه قمة في الحقد والانتهازية ومغامرا، فيما كنتُ أعده من الزعماء الوطنيين المخلصين ( وكان على حق) ..”

 لم يكن أكرم الحوراني لينال ثقة من حوله، لا ثقة عفلق ولا ثقة البيطار ولا حتى صبري العسلي الذي اتهمه بالمأجور لدى استقبال الأخير لصلاح سالم ولا حتى خالد العضم الذي كان كما جاء في أقوال الحوراني عن معركة الرئاسة التي خاضها ضد شكري القوتلي، حيث يقول: “على الرغم  من اخلاصنا لله ، فإنه كان حذرا منا (؟!) بصورة شلت نشاطنا ومنعتنا من العمل لصالح نجاحه في معركة الرئاسة خوفا من شكوكه و سوء ظنه..” أيضا كان يشكك في مصداقية شوكت شقير حيث يقول:” لم أكن أقدر أن شوكت شقير كان يلعب هذه اللعبة المزدوجة، وذهب بي الظن أن الجيش أراد من سماحه للقوتلي بالعودة أن يبرهن على حياده بالسياسة، وحاولت تشجيعا لخالد العضم أن أقنعه بحسن نية شوكت شقير وفي الوقت نفسه كنت قانعا بأن رئيس الأركان، على فرض سوء نيته، عاجز عن  تبديل اتجاه الجيش وقناعاته بشكري القوتلي، كما في محاولته ابعاد أي شائنة من مسلكية السراج، كذلك هي الحال بالنسبة لأكرم ديري، يقول: ” اجتمعت بالمقدم مصطفى رام حمدون رئيس الشعبة الثانية وأخبرته بتفاصيل ما رواه لي أفراد الشرطة العسكرية.. وقلت له :”إن الضابط أكرم ديري رجل عسكري ولا يثق كثيرا  بالسياسيين، لذلك أرجو أن تكلمه باسمك وتنبيهه وتذكر له ما رويته لك من وقائع بحكم وظيفتك” وبعد مدة اجتمعت بمصطفى رام حمداني وسألته عن نتيجة مسعاه مع أكرم ديري فقال لي: أنه لم يحفل بكل ما ذكرته له ونبهته اليه واعتبره تدخلا بشؤونه ، وهذا ما كنت أتوقعه قبل مكاشفته بالأمر ” بما يعني أن أكرم ديري لم يكن على علاقة ودية بأكرم الحوراني، وهذا ما تناقضه الوقائع التي مارسها أكرم ديري في دهاليز التحقيق مع القوميين ..     

أما عن علاقته بالحزب السوري القومي الاجتماعي، فحدث ولا حرج، يقول:” لفت نظري في تلك الفترة، أمران لم أفهم أبعادهما آنذاك:

الأول: أبلغ حزب الشعب لطفي الحفار ترشيحهم له لرئاسة الجمهورية…

الثاني: هاجم أربعون مسلحا من السوريين القوميين بتاريخ 23/2/55 الطلاب البعثيين في حمص عند خروجهم من الكلية وأطلقوا عليهم نيران مسدساتهم وأعملوا فيهم طعنا بالخناجر فسقط خمسة طلاب جرحى وكان منهم أحد أقربائي(عبد الجبار الشقفة) وقد وقع هذا الهجوم نتيجة صدام طالب بعثي وآخر سوري قومي عندما كان السوريون القوميون يوزعون نشرات يهاجمون فيها البعثيين، وقد فضت ادارة المدرسة هذا النزاع وعندما كان الطلاب ينصرفون من المدرسة فوجئوا بهجوم المسلحين السوريين فاعتقلت الشرطة وقوى الأمن عددا منهم وصادرت أسلحتهم.. وبعد أيام من هذه الحادثة، عندما كان القوميون يحتفلون بذكرى أنطون سعادة، قاموا بهجوم معد ومهيأ على حزب البعث في دير الزور فسقط منهم قتيل وثلاثين جريحا من الطرفين بعد أن استمرت المعارك أربع وعشرين ساعة في أنحاء متفرقة من المدينة فاضطر الجيش لاستلام الأمن فيها.. ” يضيف قائلاً:” في هذه الفترة اتصل بي سرا بعض أفراد الشرطة العسكرية في دمشق ممن لم يكن لي بهم سابق معرفة، وقدموا لي انفسهم فعرفت أنهم من فلاحي سورية الشمالية فأخبروني عن نشاط السوريين القوميين الذين أصبحوا مسيطرين سيطرة تامة على الشرطة العسكرية وقد أبدوا حذرهم وارتيابهم من مغبة هذه السيطرة وظهر لي من لهجتهم صدقهم ووعيهم وحرصهم، وكانوا يدعمون أقوالهم بالوقائع والتفاصيل والأسماء ولشد ما كانت دهشتي من ذلك وأنا أعرف أن رئيس الشرطة العسكرية كان أنذاك أكرم ديري وهو من تلاميذ عدنان المالكي، قلت لهم: كان يجدر بكم أن تنقلوا هذه المعلومات الى رئيسكم أكرم ديري، فهو شاب موثوق به ومن تلاميذ عدنان المالكي المقربين ومعروف عنه بعده عن الحزبية وكرهه لها، وأنا أستغرب كيف يغفل عن تغلغل السورين القوميين ، ولم أكن لأهتم كثيرا بهذا الأمر لولا اعتداءات السوريين القوميين المتكررة ولولا شعوري بالمؤامرات التي تحاك للبلاد، من كل جانب، ..لم أطلع عدنان على هذا الأمر بالنظر للفتور الحاصل بينه وبين حزب البعث وخشيت أن يعزو حديثي معه الى دوافع حزبية فلا يعير هذا الأمر أي اهتمام..” أما عن تغلغل السوريين القوميين في الاذاعة فيقول:” كان الاستاذ عبد الفتاح الزلط على معرفة بما أعانيه من ضيق، فسافرنا سوية الى بيروت وفي يوم الجلاء كنت في نزهة معه على طريق مطار بيروت الولي نستمع الى اذاعة دمشق التي كانت تفوح من برامجها وكلماتها وأناشيدها، رائحة السوريين القوميين بشكل مفضوح، وكأن انقلابا سوريا قوميا قد حدث ، قلت لعبد الفتاح: إن موظفي الاذاعة من السوريين القوميين مسعورون في هذا اليوم وكأن بهم مسا من جنون، فما هو السر؟ ثم أضفت قائلا : إنهم تغلغلوا في الاذاعة السورية منذ عهد الشيشكلي وأصبحوا شيئا فشيئا مسيطرين عليها سيطرة تامة وفي مقدمتهم المذيعة عبلة الخوري( التي أصبحت بعد فرارها من سورية مذيعة في محطة لندن) لقد حيرني جنون الاذاعة في ذلك اليوم ( أي قبل اغتيال المالكي بخمسة أيام) ولم أستطع أن أجد له تعليلا واضحا سوى هوس المذيعين الحزبيين، إذ أنه لم يكن للسوريين القوميين أثر يذكر في الشعب أو الجيش..” ومما يقوله في الحزب السوري القومي الاجتماعي،” أصبح دأب صحيفة السوريين القوميين مهاجمة حركة الفلاحين(؟؟؟) بشكل مبطن وعليَّ أحيانا وكان الحقد والجهل بحقيقة هذه الحركة يتضح في مقالاتها” أما عن علاقة الحزب السوري القومي الاجتماعي بأمريكا والغرب فيقول:” استغل الحزب السوري القومي علاقته بالشيشكلي (؟!)فازداد جرأة في مهاجمة الحزب العربي الاشتراكي وتحريضه على الأحزاب السياسية الأخرى والذي يقرأ ما كانت تنشره “الجيل الجديد” أنذاك ويقرأ بيان الشيشكلي الذي أثبتنا نصه في الصفحات السابقة ، يلمس بصمات الحزب المذكور على البيان الذي أصدره أديب الشيشكلي، لعب الحزب السوري القومي عن طريق عصام المحايري وكذلك عن طريق فؤاد الغميان وغيره من أركان السفارة الأمريكية في دمشق دورا هاما في انقلاب الشيشكلي وتوجيهه، ثم أصبح الحزب بعد انهيار نظام الشيشكلي عصابة اجرام واغتيالات أدت الى مصرع الشهيد العقيد عدنان المالكي عام 1955 ..”

في أدلة النيابة العامة العسكرية :

  ـ في الادلة ـ

لقد تأيدت هذه الوقائع:

1 ـ بإفادة المدعى عليه الوكيل بديع مخلوف المدرجة في الصفحة / 5 / من ضبط التحقيق وملخصها ان المدعى عليه غسان جديد اتصل معه مرات عديدة لا سيما بعد ان  نقل الى دمشق وسأله عن امكانه بالقيام بمهمة فيها موت ولما استوضحه بديع قال غسان عدنان المالكي ولما سأله عن شخص يقوم بهذه المهمة رشح له الرقيب الاول يونس عبد الرحيم والمدعى عليه الثاني الرقيب منعم وكان غسان آنذاك معاونا لآمر موقع دمشق وقد اجتمع يونس مع غسان الذي كلفه بهذه المهمة فوافق عليها وكذا عبد المنعم دبوسي واعطى المدعى عليه اسكندر شاوي مسدسا الى منعم وذلك يوم الثلاثاء بعد ان كان قد سبق وان طلب الوكيل بديع مخلوف مسدسا من اسكندر قبل عيد الجلاء لتنفيذ مؤامرة القتل يومذاك ويوم الجمعة حوالي الساعة التاسعة حضر يونس عبد الرحيم الى دار بديع واعلمه بان العقيد المالكي سيحضر المباراة ولما سأله بديع مخلوف فيما اذا كان مصمما على اغتيال العقيد فأجابه منعم سأرى وقد حضر بعد ذلك منعم وابراهيم وشواف وحوالي.. الساعة الثالثة عشرة خرج الثلاثة ابراهيم الصواف والوكيل مخلوف ومنعم بعد ان كان يونس قد خرج قبلهم وحمل منعم مسدسه الذي معه من قبل ووضعه ضمن الباتل دريس وهو من نوع الاوتوماتيك بريتا او ما يشبهه وحمل الوكيل بديع المسدس بكرة الذي اعطاه اياه اسكنر شاوي ووضعه ضمن زنار..

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 16

البنطال وكانت مهمة كل من بديع ومنعم قتل العقيد وقتل نفس القاتل وفي حال احجام القاتل عن قتل نفسه فيقتل من قبل الآخرين وقد اعد يونس نفسه للقيام بتنفيذ القتل ووقف خلف المنصة باعتباره المسؤول عن الحراسة في ذلك المكان وقد اسر بديع الى زهير قتلان بان الطلقة اجدبت كما اعلمه يونس ثم قال يونس لبديع هلاء بتشوف وبعد قليل انطلقت ثلاث طلقات اثنتان منها اصابت العقيد والثالثة اصاب بها القاتل نفسه ففر بديع واتجه نحو محلة الشهداء حيث تقدم من المدعى عليه فؤاد جديد الذي كان في دكان الخياط كره بت واعلمه بديع بالقتل وطلب منه ان يبلغ زهير قتلان بلزوم حضوره لعند بديع فحضر زهير واخذ المسدس منه.   محضر المقابلة بين فؤاد وبديع المدرجة في الصفحة 24 من ضبط التحقيق.

ثانيا ـ بإفادة المدعى عليه منعم دبوسي المدرجة في الصفحة 6 من ضبط التحقيق المتضمنة ان الوكيل بديع مخلوف كلفه بترؤس حلقة حزبية وان المقدم غسان جديد وشقيقه فؤاد حضرا لداره في الميدان وقد اختليا معا ومعهما الرقيب امين غنام ووضعوا اسس نظام المنظمة لتدريب افراد الحزب ووضعوا كراسا وبعد مدة زاره غسان جديد والدكتور اسكندر شاوي والوكيل بديع وفؤاد جديد حيث تناولوا بالبحث التنظيمات الخاصة بالحزب, كذلك فقد حضر الدكتور عبد الكريم الشيخ وجورج عبد المسيح وبحث الاول موضوع موقف الحزب في حال قيام غسان جديد بانقلاب, فعليهم ان يكون موقفهم مؤيدا وفي حال قيام البعثيين ان يكون موقفهم سلبيا, وقد اخذ من الوكيل بديع مخلوف مسدسا من نوع برابيللو عيار 9 مليمتر مع 12 او 13 طلقة وقبل عيد الجلاء بيوم طلب من بديع ان يحضر لعنده الساعة الثالثة اذ توجد لديه مفاجأة ومن ذلك اليوم ذهب منعم لدار بديع والتقى بيونس عبد الرحيم وبعد نصف ساعة تقريبا حضر بديع مخلوف ومعه اسكندر شاوي ولما احتوتهم الغرفة توجه الدكتور اسكندر شاوي الى يونس قائلا له ” يجوز ان تصادفنا بعض الاحيان قضايا يجب ان يكون الذي يقوم بها على استعداد نفسي ” فأجابه  يونس ” اذا كان الانسان متفهم تمام العمل مو  مجرور له جر ما بيفشل” فأجابه الدكتور شاوي ” لا يجوز القيام في هذه الحالة اثناء حدوث المهرجانات بأي عمل لان الحادث سيحدث تأثيرا عكسيا لدى الجماهير ويقلب العمل ضد الحركة وهناك مناسبات اخرى سيكون العمل فيها ….. وتطرق الدكتور اسكندر شاوي اثناء الحديث قائلا مثل ما افهم غسان جديد بالعمل الصالح بالسوريين القوميين كذلك يوجد اشخاص مثل العقيد المالكي يسيرون بحزب اكرم الحوراني.  كان الدكتور اسكندر شاوي عالما بعزيمة يونس عبد الرحيم على قتل المالكي ويوم الحادث توجه وبديع الذي يحمل المسدس بكرة نمرو 9 مم والمجند ابراهيم الصواف الذي اخبره انه سيلتقي معهما في الملعب فتناولا طعام الغداء في نادي النقباء فلما استوضح من الوكيل بديع عن الهدف منه فأجابه بديع ان الرقيب الاول يونس عبد الرحيم مصمم على قتل العقيد المالكي ولدينا مهمة وهي ان نقتل الزعيم شقير ايضا رئيس الاركان العامة فلم يناقش عبد المنعم بديع بالأمر لأنه( بديع) مسؤول عنه حزبيا وما ان وصلا الى الملعب حتى توجها نحو المنصة وجلسا على مقربة منها ومر بيونس عبد الرحيم وكان ينقل بعض الكراسي ولم يكلماه وكان عبد المنعم يتنقل بين المكان الذي جلس به والحاجز الخشبي الذي وراء المنصة تاركا بمكانه ابن شقيقه المدعو محمد ابن ثابت الدبوسي وقد لفت ذلك نظر الرقيب عردوس الذي اعلمه يونس بان في اسفله توجد فسفوسة وبعد ان دوت في الملعب الطلقات النارية انطلق عبد المنعم بين الناس المدنيين فقال له عردوس وين هربت ونظر له نظرة ريبة ثم توجه الى

دار شقيقه ثابت دبوسي الكائن في زقاق الصخر ….. ….. منه ثم جاء الى دار محي الدين ريشة واخذه معه ليسلمه مسدسه.

ثالثا ـ بإفادة المدعى عليه ابراهيم الصواف الذي افاد في الصفحة 8 من ضبط التحقيق ان المسدس التركي نوع كركلا رقم 23081 طراز 1951 المستعمل في القتل رآه مع المدعى عليه بديع يعطيه في داره للرقيب منعم دبوسي وان المسدس الذي شاهد بديع يحمله يوم الجمعة عند خروجنا من الدار وهو غير المسدسين المعروضان علي الآن الاول استرا برابللو نموذج 643 والثاني بريتا عيار 9 مم رقم 26376.

رابعا ـ المتضمنة ان شاهد يونس عبد الرحيم قرب المنصة بل خلفها فشاهد بديع مخلوف ومنعم دبوسي خلف المنصة واقفين مع بعضهما وانه جلس منعم الى جانبه وكان اثناءها ينهض ـ بإفادة الشاهد محمود عردوس المدرجة في الصفحة 11 من محضر التحقيق

ويقف قليلا ثم لا يلبث ان يجلس ثانية فلما سأله عن السبب اجابه ان هنالك دملة في مقعده وان آثار الارتباك ظاهرة على وجهه.

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 17                                                   

خامسا ـ بافادة الشاهد محمد توفيق الجبان المدرجة في الصفحة 96 من محضر التحقيق المتضمنة ان ابراهيم الصواف كلفه بناء على طلب رئيس الشرطة العسكرية ان يسمح للأهلين بدخول المباراة وقد استرعى انتباهه وجود المجند ابراهيم الصواف في اعلى المدرج عندما هبط لتكليفه مسرعا من الجهة اليمنى بالنسبة الى الناظر لأنه شاهد ابراهيم الصواف قد صعد ثانية من الدرج الذي نزل منه وبعد ان وصل الى منتهى … توجه الى المنصة وجزم الشاهد جزما قاضيا بأقواله اكرر تأييدي بانه لم يكن قريبا ابراهيم الصواف حتى ولا وسط الدرج ولا في آخره صعودا بل كان قريبا من المنصة.

سادسا ـ بإفادة الرقيب الاول احمد بن محمد الشيخ اسماعيل المدرجة في الصفحة 71 تحقيق المتضمنة …. ابراهيم الصواف استأذن ليذهب لتناول الغداء وكان في حالة الطوارئ فأذن له بساعتين اعتبارا من الساعة الحادية عشرة ولم يعد ابراهيم الى المخفر حتى الساعة السادسة مساء بناء على الحاجة وكثيرا ما كان يونس عبد الرحيم يسأله عنه  ان ابراهيم الصواف كان يحمل مسدسا غيره رسمي فمنعه.

سابعا ـ بإفادة الشاهد سعيد بن حسين الحاج حسين المدرجة في الصفحة 44 من محضر الاستنطاق والتي تتضمن ان سعيد المذكور قام بتوزيع رجال الشرطة في الملعب البلدي وكان يونس عبد الرحيم احد المكلفين بالمحافظة على المنصة.

ثامنا ـ بافادة الشاهد صالح بن عربي الصباغ المدرجة في الصفحة 43 محضر الاستنطاق وبإفادة الشاهد ياسين بن رسلان التكريتي المدرجة في الصفحة 47  وبإفادة الشاهد زهير دبا المدرجة في الصفحة 48 تحقيق وبإفادة الشاهد ابراهيم بن رسلان التكريتي المتضمنة جميعها انه قد لفت نظر رفيقهم طالب كثرة حركات الرقيب دبوسي واجتماعه مع الوكيل دبوسي قرب المنصة وآثار الارتباك بادية عليهما ثم فر منعم عندما طلب احد الشهود طالب من رجال الشرطة القاء القبض على منعم وانهم شاهدوا الرقيب منعم بحالة غير طبيعية ويدخن لفافته بشكل مضطرب واضعا يده بشكل زاوية كأنه يحمل شيئا تحت الباتل دريس وقد تمكن هؤلاء الشهود من الدلالة على منعم بعد ان وضعا بين عدد من الجنود واشاروا اليه.

تاسعا ـ بإفادة الشاهد محمود لطفي الدبوسي المدرجة في الصفحة 52 من محضر التحقيق متضمنة بانه اجتمع مع عمه منعم في الملعب البلدي وكان يسير مع رقيب له شاربين سود ووجه ابيض فصعدوا نحو المنصة من الخلف وجلس محمود مع عمه في مكان قريب من المنصة وكان منعم يقف ويجلس ثم ذهب ولم يعد يجتمع به الا بعد اطلاق النار وكان بديع بل منعم مبتهجا وان والد محمود طلب من محمود ان ينكر هذه الواقعة.

65 ـ بإفادة الشاهد اسماعيل عبد اللطيف المدرجة في / 3 / من محضر التحقيق المتضمنة انه كان يرى الوكيل بديع مخلوف يحمل مسدسا بواسطة حمالة وقد اراه له وهذا المسدس من عيار 9 مم وانه اشتراه ب 275 ليرة سورية وانه اذا اطلق وضغط على الزر خرجت الطلقة منه.

65 ـ بإفادة  محي الدين  ريشة  المدعى  عليه  المدرجة  في  الصفحة / 13 / من محضرالتحقيق والمتضمنة انه ذهب مع منعم الى بيت ثابت الدبوسي في زقاق الصخر واخذ مسدسا كان اخفاه هناك واعطاه لي ثم وضعه في بيت اسماعيل جمعة ثم في بيت اسماعيل بطرش وان هذا المسدس من نوع استرا بربللو عيار 9 مم رقم 43077.

65 ـ بإفادة اسماعيل بطرش المدرجة في الصفحة / 24 / من ضبط التحقيق المتضمنة انه بعد يومين من الحادث اتى اسماعيل ومعه مسدس آخر واستودعه بيتا ( واودعاهما في بيت عمتي خديجة الصباغ دون ان تدري وكان ايداعهما قد حصل من قبل شقيقتي نعمت وانيسة ريشة.

13 ـ بإفادة نعمت بطرش المدرجة في الصفحة 116 من محضر التحقيق والمتضمنة انه في اليوم الرابع من شهر رمضان حضر محي الدين ريشة ووضع لدينا مسدسا وبعد مدة جاء اسماعيل جمعة ووضع لدينا مسدسا آخر ونقلتهما انا وانيسة ريشة الى دار عمتي خديجة الصباغ دون ان تدري.

65 ـ  بإفادة المدعى عليه عصام المحايري المدرجة في الصفحة 27 من محضر التحقيق المتضمن انه اثناء اجتماع مجلس العمد المؤلف من جورج عبد المسيح وجبران جريج وعصام المحايري وغسان جديد والدكتور سامي الخوري وكامل حسان  يوم الجمعة اي يوم الحادث الذي دام منذ الساعة الحادية عشرة صباحا حتى رن جرس الهاتف واخذ جورج عبد

مطالعة النيابة العامة العسكرية ـ 18

المسيح …. وسمع الحاضرون جورج عبد المسيح يقول هذا دس لا تسمع له, جوابا لم يخاطبه واذاع الخبر قائلا لمجلس العمد … بال….عما يدقوا قال واحد اجا قال لهم بان العقيد المالكي قتل وكان الانزعاج باديا عليه فحضر المدعى عليه فؤاد جديد وكان ذلك بعد دقيقة او دقيقتين وكان الوقت جوالي الخامسة الا الربع مساء وقال قتل العقيد المالكي وكان فؤاد …. الوجه وابان     بان القاتل قومي سوري وعلى اثر ذلك قال كامل حسان انا راح روح لعند اسكندر شاوي خليه يقيم الاوراق المتضمنة اسماء العسكريين القوميين وقال له الرئيس جورج روح والتفت جبران جريج وسأل ارجع لبيروت فتلفن الى سعيد شهاب الدين وذهب معهما غسان جديد بعد ان اخذ خمسة وعشرون ليرة من عصام ثم ذهب الدكتور سامي الخوري بسيارة شقيقته عبلا ثم هيأ جورج اغراضه ومحفظته واحضرت له المدعى عليها جوليا سعادة كوفية وعقال واثناء ذلك كان حضر المدعى عليه فؤاد الشواف مدير مطبعة البناء وعاد كامل حسان وجبران جريج اللذين قبل ذهاب جبران مع غسان الى بيروت ذهبا الى دار اسكندر شاوي فأبان لهما اسكندر احتاط للأمر عند سماعه الطلقات النارية بالراديو فاخذ جورج عبد المسيح الكوفية والعقال وانصرف هو وفؤاد الشواف وكامل حسان وبقي عصام لوحده مدة خمسة عشر دقيقة التقى به احد عمال المطبعة ثم ذهب بسيارة بشير موصلي الى داره حيث القي عليه القبض وان جورج عبد المسيح عندما تلقى الخبر انفعل انفعالا عنيفا واهتم بتغطية الخبر اكثر من اهتمامه بسماعه واستدل من ذلك على ان جورج عبد المسيح بتوقع …. شيئا واكد انه اذا كان حصل القتل حزبيا فانه يستنتج ان اسكندر شاوي يعتبر زلمة جورج عبد المسيح القائد الملهم رغم ان جهاز التدريب يمكن ان ينفرد بهذا العمل لوحده وقد جاء بإفادته المدرجة في الصفحة 136 في ان المطبعة كانت منشغلة في طبع النشرة الرسمية العدد الثالث للحزب وتتضمن مرسوما بأنشاء المجلس الاعلى وكلمة لعمدة الاذاعة واخبارا عن الحوادث التي وقعت في شهر آذار في داريا ودير الزور وطرطوس وحمص بين القوميين والبعثيين والاشتراكيين واكد ان غسان جديد هو عميد التدريب للحزب وان اسكندر شاوي وكيل عميد التدريب.

65 ـ بإفادة المدعى عليه كامل حسان المدرجة في الصفحة 72 من محضر التحقيق والمتضمنة …. ما ورد بإفادة المدعى عليه عصام وزاد عليها قائلا ان احدنا وهو جورج عبد المسيح يعلم ان يونس عبد الرحيم سوري قومي وانه ذهب مع جبران جريج الى دار اسكندر شاوي بشأن اخفاء اسماء العسكريين وكان اسكندر قد اخفاها عندما سمع العيارات النارية في الراديو وبإفادته المدرجة في الصفحة 88 تحقيق المتضمنة ان اسكندر شاوي عندما وقع الحادث كان وكيل عمدة التدريب وغسان جديد كان عميد التدريب واستنتج كامل من اخفاء اسكندر الاوراق انه كان يتوقع الحادث وهو على علم به ونظرا لما يربط اسكندر شاوي وجورج عبد المسيح من صلة فان اسكندر لم يقدم على عمل خطير كهذا مطلقا دون اطلاع الرئيس جورج واكد ان جولييت المير قد اعطت جورج عبد المسيح حطة وعقال.

الرد على أدلة النيابة العامة العسكرية:

يتضح من قراءة أدلة النيابة العامة، أنها مجرد أقوال أخذت عنوة وتحت التعذيب الشديد، وهي في مجملها تأويلاً واجتهاداً في ما قاله فلان أو فلان من المتهمين أو الشهود، فالأدلة على وجه العموم هي وقائع مادية وليست مجرد ترديد لأقوال، وعليه يكون من واجبنا توخيا للحقيقة عبر موضوعية البحث أن نفترض جدلا:

1ـ أن الشهيد يونس عبد الرحيم قد أقدم على اغتيال العقيد المالكي بدافع ذاتي وهو اعتقاده بأن المالكي يقف وراء الحيلولة دون ذهابه في بعثة رشح لها الى فرنسا ومن منطلق طائفي بحت!؟ وآخر موضوعي، هو وقوفه وراء تسريح المقدم غسان جديد ومن منطلق طائفي أيضا، وأن ما ورد في ادعاء النيابة العامة وأدلتها صحيح ولا تشوبه شائبة، وأن مختلف الشهود إنما أدلوا بالحقيقة التي لا مراء فيها، إنما تبقى لدينا بعضٌ من أسئلة قبل هذا الاقرار، لم تأتي المحكمة في ادعائها وأدلتها على الاجابة عليها، ذلك أن الاجابة عليها تبقى سندا مهما في صحة إقرارنا من عدمه..

  إن تساؤلاتنا تنطلق بداية من تقريري التشريح والكشف على مسرح الجريمة ومن ثم من محاضر التحقيق وجلسات المحكمة ـ دون ما جاء من تأويلات واجتهادات وتفسيرات ومبررات ليوميات هي بطبيعة الحال من المسائل الاعتيادية والطبيعية ـ في الادعاء أو أدلته، وبهذا نثبت للملاء مدى موضوعيتنا في مناقشتنا لمجريات القضية عموما، مما يتيح لنا الاجتهاد في اجاباتنا على هذه الأسئلة وفي رسم سيناريو الدوافع والتخطيط والتنفيذ.

ففي تقرير الكشف الطبي والكشف على مسرح الجريمة، نواقص لا شك في أنها مقصودة مما يدين من قام بهذا الكشف ومَن وراءه، ولأنه في مطلق الأحوال جاء بناء على توجيهات عبد الحميد السراج سيء السمعة والسلوك كما جاء في متن هذه الدراسة..

إذا صحت رواية النيابة العامة في ادعائها وأدلتها، فكيف لنا أن نفسر:

ا ـ بالنسبة للشهيد يونس عبد الرحيم:

1 ـ  فقدان فارغة من أصل ثلاث طلقات سَمعها  كل من حضر المباراة أو عبر الأثير،؟ مع تأكيدنا أن الطلقات هي أربع، وليست ثلاث كما جاء في المحاضر والادعاء، اثنتان أصيب بها العقيد، وثالثة في فخذ الشهيد يونس ورابعة أطلقها الشهيد على نفسه أو أطلقها أكرم ديري عليه ومن ثم التقط فارغته وهذا ما يبرر اختفاءها، بما يعني أن الشهيد عبد الرحيم لم ينتحر كما أشيع، إنما قُتل،   علما أن الوكيل ماجد شاكر لم يبارح المنصة كما جاء في محضر الكشف، وتاليا عدم امكانية اخفائها من قبل أية جهة كانت!!  وبعدما غادرها الوكيل منير ملوحي وهو المسؤول عن أمن المنصة والذي كان حائلا دون فك تشابك صفي الكراسي خلف العقيد لجلوس بعض الحضور من غير المدعوين الرسميين، وخروجه من الملعب مع جمهور المتفرجين.. كما جاء في اقوال الشاهد طالب صباغ؟؟؟! كما عبد المجيد جمال الدين حاملا معه طلقة وفارغتين والمسدس الذي كان يحمله الشهيد يونس؟! ومختلف عناصر الشرطة العسكرية الذين طلب اليهم الحضور لموقع الشرطة العسكرية لإدلاء بأقوالهم !؟

2 ـ لم يُشر تقرير التشريح الى الطلقة التي استقرت في فخذ الشهيد يونس، والتي رفضت المحكمة إعادة تشريحها تجنبا للكشف عليها بغية نفي أي اثبات بأن الشهيد يونس كان مُستهدفا من قبل مُطلق النار، كما لم يشر التقرير لعيار الطلقات التي استقرت في كل من جثماني الشهيدين يونس والمالكي! بل اكتفى بالقول أن فتحة دخول الطلقات في كلا الجثمانين كانت 7 ملم؟ ولم يشر الى المسافة التي أطلق منها الرصاص ولا حتى جهتها والزاوية التي دخلت بها في كلا الجثمانين! حيث تعتبر هذه من جملة ما على تقرير التشريح تبيانه نفيا واثباتا!!

3 ـ لماذا تجاهلت المحكمة ضرورة اجراء الكشف على المسدس الذي كان يحمله الشهيد يونس والذي لم يُشر محضر الكشف على مسرح الجريمة اليه، وتاليا الى أن الطلقات كانت من المسدس الذي يحمله الشهيد يونس أم من سواه! ذلك أننا لم نجد في مختلف مستندات القضية ما يشير الى انه اجري مثل هذا الكشف او الاختبار على المسدس الذي قيل أن الشهيد يونس قد استخدمه في اغتيال العقيد!!! مما كان ينفي أو يؤكد صحة الادعاء بأن الشهيد يونس هو مطلق النار!!

4 ـ وفق ما توفر لدينا من معلومات متسقاة من أقوال (المتهمين) أنه لم يكن أحدا منهم على علم مسبق بالمباراة أو بحضور العقيد لها، فهل كان تمنطق الشهيد يونس بمسدسه عفويا ومحض صدفة؟ أم أنه كان على علم بحضوره وكيف يمكننا قبول ذلك ولم يكن أحد يتوقع حضوره حتى محمود رياض لم يكن يتوقع ذلك؟ أم أنه توقع ذلك دون أية دلائل على حضوره؟ وتاليا كيف يمكننا تفسير ادعاء مستندات القضية بكاملها أن كلا من الشهيدين بديع وعبد المنعم شريكان في تنفيذ عملية الاغتيال وهما غير مسلحين وفق ما جاء في افادتهما على عكس ما جاء به طالب صباغ وشركائه من الشهود والذين سوف نتبين أنهم هم من أوكل لهم مراقبة منزل الشهيد يونس وتاليا التعرف على كل من مخلوف ودبوسي ومكان اقامتهما ويومياتهما حتى يوم الحادثة وفي الملعب، !  

5 ـ لماذا لم تستدعِ المحكمة من تضمنهم قرار أكرم ديري بحراسة المنصة (ـ يعين الملازم عيسى عجي مع كل من الرقباء الآتية اسماؤهم:   الوكيل منير فتوحي ـ الرقيب الاول يونس عبد الرحيم ـ الرقيب الاول ناصر هزير ـ الرقيب الاول ماجد حافظ ـ الوكيل فارس عزي ـ الرقيب احمد ايوبي للإشراف على تنظيم منصة المدعوين كما ويكلف بتوجيه المدعوين الى المقاعد المعدة لهم ويجري ذلك بالاتفاق مع ضابط الرياضة) وهم شهود اثبات لا تقبل شهادتهم تأويلا أو اجتهادا خاصة اذا لم تحفل شهاداتهم بالتناقض فيما بينهم، فهم شاهد عيان على ما وقع وحدث خاصة وأنهم كانوا متحلقي حول يونس كما جاء في افادة دبوسي أثناء اطلاق الرصاص كما لم تؤخذ افاداتهم عندما طلب منهم الطبيب الشرعي الذي عاين مسرح الجريمة كما أفاد بذلك المدعى عليه ابراهيم الصواف طالبا منهم الذهاب الى الموقع للأدلاء بأقوالهم وأن عبد الحميد السراج قد حال دون ذلك، واكتفت بأقوال الملازم عيسى عجي الذي لم يشاهد من هو مُطلق النار ولا حتى مشاهدته للشهيد يونس يطلق النار على نفسه! (راجع الملحق رقم 5 ) حتى أنها لم تستدعي عبد المجيد جمال الدين واكتفت بكونه أحد المحققين بالحادث! كذلك الوكيل منير فتوحي للشهادة فيما إذ كانت أقوال الشاهد طالب صباغ في خروج الوكيل منير فتوحي من الملعب والطلب منه اعتقال أحد من الخارجين من الملعب أم أنه بقي على المنصة كما جاء في أقوال المتهم مروان صواف  أو حول  ما شاهده على المنصة قبل اطلاق النار وما بعده!

6ـ الوكيل منير فتوحي والمسؤول عن أمن المنصة، كيف يمكنه مغادرتها دون أفراد الشرطة الباقين وفق ما جاء بشهادة طالب صباغ وشهوده الآخرين! وكيف يمكن التوفيق بين ما تقدم وما جاء في افادة الرفيق مروان صواف:( وحضر على اثرها الى المنصة الملازم عبد المجيد جمال الدين ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليلا ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالبا الي الذهاب الى المركز حيث اوقفت ..) حيث لم يشر محضر الكشف على مسرح الجريمة لمغادرته عندما طلب الطبيب من كافة افراد الشرطة مغادرتها الى الموقع لأخذ اقوالهم !

7 ـ ـ لماذا رفضت المحكمة تشريح جثمان الشهيد يونس بناء على طلب محامي الدفاع واكتفت بتبرير رفضها “بحرمة الموتى” علما ان الرفض يتعارض وبديهيات القضاء وبيان ما إذ كان أصيب في فخذه الأيسر أم لا، والذي يمكن بيانه اذا ما تم فحص الرفاة في وقتنا الحاضر !

ب ـ ما تعلق بالشهيدين مخلوف ودبوسي:

8 ـ لم يُشر أي من محاضر التحقيق الى من استدعى طالب صباغ كشاهد اثبات وهو الموظف في الشعبة الثالثة حيث كان رئيسا لها عبد الحميد السراج! قبل تحمله مسؤولية رئاسة المكتب الثاني !مما يعني أنه جاء من تلقاء نفسه للشهادة ضد مخلوف ودبوسي، أو أن الوكيل منير فتوحي أوحى له بذلك، على الرغم من أن شهادة الصباغ وشهوده، أكدوا على أن منير فتوحي لم يشاهد مخلوف أو دبوسي بين جمهور المتفرجين الخارجين من الملعب،  وهو وفق شهادته لم يتعرف عليهما إلا في الملعب، فعلى اعتبار أن طالب صباغ أدلى بشهادته بأنه ارتاب بأحدهم في الملعب، فكيف اهتدت النيابة العامة اليهما من ضمن آلاف من المتفرجين؟ سؤال نطرحه، لأنه يجيب على أن السراج كان قد طلب من الصباغ وشركائه الشهود بمراقبة منزل الشهيد عبد الرحيم قبل حادث الاغتيال، ونظرا لتردد الشهيدين مخلوف ودبوسي لمنزله ، تمت متابعتهما والتعرف عليهما كما سواهما من المتهمين / فؤاد جديد واسكندر شاوي و../  بما يعني أيضا، أن ترصد كلاً من الشهيدين من قبل صباغ وشهوده كان قبل تعرفه عليهما في الملعب وتاليا قبل وقوع الاغتيال؟! وأن ترصدهما كان عن سابق اصرار وتصميم ، مما يعني أن هناك ما دفع لمراقبتهما قبل وقوع الاغتيال، وتاليا وجود مخطط مسبق تم بناء عليه وضعهما تحت المراقبة ..

9 ـ  كيف اعتمدت المحكمة أقوال الصباغ وشهوده وهم لم يروا سلاحا وإنما توقعوا ذلك من ادعائهم وضعية يد كل من الشهيدين مخلوف ودبوسي! والتي نفاها كل من الشهيدين؟! بل وكما يشير محضر التحقيق على أن المسدس  كان في حمالة تحت الأبط، وتاليا لا داعي لأن يضع  يده فوق بطنه للدلالة على أنه يحمل شيئا حسب ادعاء الصباغ وشهوده؟! إذ ورد في المحضر رقم( 3) المتضمن شهادة عبد اللطيف اسماعيل قوله(كنت ارى الوكيل مخلوف يحمل مسدسا تحت ابطه يعلقه بواسطة حمالة من جلد وقد قال لي ان هذا المسدس يبدو لناظره كأنه من عيار 7 مم بينما هو من عيار 9 مم وانه اشتراه بمائتين وخمس وسبعون ليرة وانه اذا هيئ وضغط على زر خرجت الطلقة مباشرة بدون ضغط على الزناد وان هذه الميزات لا توجد الا في هذا المسدس..) كما ويرد في المحضر ما يلي (وانا حملت مسدس البكره بعد ان اخرجته من صندوق الثياب موضوعا في الغرفة ووضعته ضمن زنار البنطال بدون ان اعلقه بالحمالة اما منعم فلا ادري ان كان علقه بحماله ام دسه بدون حمالة..) كذلك يأتي المحضر رقم(6) على لسان الشهيد دبوسي قوله (ملاحظة: ـ عرض على المدعى عليه المسدس نوع استرا بارا بلو الذي احضر الينا من   قبل الشرطة العسكرية في هذا اليوم, عيار 9 مم رقم 43077  فأجلب مع مذخرين حاوي كل منهما على سبع خرطوشات فاجاب بانه هو المسدس الذي سلمه اياه الوكيل بديع قبل خمسة عشر يوما قبل الحادث وكان معه قبل الحادث وقد ودعنا هذا المسدس في حمالته المحضرة معه وقلد للمدعى عليه في كتفه الايسر وكان لا بد من عطف يده على صدره اي على جنبه ليتمكن من المحافظة عليه وعدم سقوطه.) هذه الملاحظة تأتي على تأكيد على ما ادعاه طالب صباغ إذ تتضمن ضرورة عطف يده على صدره أي على جنبه..) ملاحظة يحار فيها أعتى عتاة اللغة فكأن الصدر هو الجنب كما جاء بالملاحظة( على صدره أي على جنبه؟! ) كما وتتعارض هذه الملاحظة مع ما أفاد به الصباغ ورفاقه (وكان ذلك قبل بدء المباراة وان الرقيب الاول لم يجلس رغم ان الكراسي لم تكن مشغولة اما بعد الحادث فقد جلب انتباهي انه كان يضع يده على اسفل بطنه كمن يمنع شيئا من السقوط…) فهل أسفل البطن هو الصدر أم هو الجنب؟؟؟ وعلى الرغم من أن هذه الافادات جاءت تحت التعذيب الشديد بمختلف أنواعه، فإنها تعكس تناقضات شتى سنأتي على ذكرها لا حقا. 

10 ـ كيف يمكننا التوفيق بين ما أفاد به محمود دبوسي” وكان بديع بل منعم مبتهجا وان والد محمود طلب من محمود ان ينكر هذه الواقعة..” وافادة الشاهد صلاح الدين ياسين:   ـ ان الرقيب الاشقر اللون الذي يضع على ساعده ثلاث ثمانيات كان مرتجفا ومضطربا ويدخن كثيرا ..ان المتهم كان يضع احدى يديه على بطنه ولا يرفعها واخرج باليد الثانية سيكارة ووضعها في فمه ثم اخرج بنفس اليد قداحة واشعلها وان المتهم شرب سيكارات كثيرة.” وكيف وفقت المحكمة في ادعائها وأدلتها بين ابتهاج منعم وارتجافه في آن؟!!

11 ـ كيف يمكننا التوفيق بين قول اسكندر شاوي لبديع ودبوسي وعبد الرحيم” لا يجوز القيام في هذه الحالة اثناء حدوث المهرجانات فأي عمل لان الحادث سيحدث تأثيرا عكسيا لدى الجماهير ويقلب العمل ضد الحركة وهناك مناسبات اخرى سيكون العمل فيها…” ومن ثم تشجيعه لهم باغتياله في الملعب البلدي؟

 12 ـ اذا لم يكن مخلوف ودبوسي على علم مسبق بالمباراة وقررا حضورها فور سماع موعدها من ابراهيم الصواف، ولم يكونا مسلحين حين ذاك، فكيف يمكننا قبول ما ادعاه طالب صباغ ورفاقه(..وكان ذلك قبل بدء المباراة وان الرقيب الاول لم يجلس رغم ان الكراسي لم تكن مشغولة اما بعد الحادث فقد جلب انتباهي انه كان يضع يده على اسفل بطنه كمن يمنع شيئا من السقوط..)؟! 

13 ـ كيف يمكننا التوفيق بين كون الشهيدين دبوسي ومخلوف اضافة الى الشهيد عبد الرحيم، مشاركين في التخطيط والتنفيذ، وقد مارسا نشاطاتهما الاعتيادية بعد الحادث فذهب مخلوف الى… ودبوسي الى… كما جاء في أقوالهما أمام المحكمة!

ج ـ الشهيد المقدم غسان جديد:

جاء قرار الحكم بالإعدام بحق المقدم الشهيد غسان جديد، غيابيا، مما يعني، أنه في حال حضوره أمام المحكمة، ستعيد هذه المحكمة النظر بما سبق وقررته، وعليه، وبناء على ما سبق وطرحته هذه الدراسة، سنعيد النظر في قرار الإعدام الصادر بحق المقدم الشهيد غسان جديد، الذي ارتبط التخطيط والتنفيذ باسمه، دون سواه من المتهمين..

ولما كان قرار الإعدام مبنيا على أقوال المتهمين والشهود ـ المشكوك بأمرهم على أية حال ـ وعلى ما انتقته النيابة العامة من هذه الأقوال، فإن مسوغاً قانونيا يسمح لنا بإعادة ترتيب ـ حتى ما انتقته النيابة العامة ـ بهدف الإجابة على السؤال:

هل كان المقدم الشهيد غسان جديد على دراية وعلم باغتيال المالكي وتاليا كونه مخططا له؟  

وللإجابة على السؤال المتقدم، لا بدَّ لنا من تحديد التهمة الموجهة للمقدم الشهيد، والتي انتهت اليها المحكمة بناء على ما انتقته من أقوال المتهمين والشهود:

في وصف النيابة العامة للحادث..” ان بديع مخلوف ومنعم الدبوسي ويونس عبد الرحيم وفؤاد جديد هم من افراد الحزب السوري القومي ومن المتحمسين له ولمبادئه.   ولغسان الجديد تأثير كبير عليهم لعضويته في الحزب وكضابط كبير في الجيش.   ويعتقد غسان جديد بان العقيد المالكي يقف حجر عثرة في سبيل توسع الحزب السوري القومي في صفوف الجيش, وانه هو الذي تسبب في تسريحه من الجيش فلذلك حرض الآخرين على ضرورة قتله والتخلص منه…”

يتضح من هذا الوصف أن الدافع للجريمة اعتقاد المقدم الشهيد، أن المالكي عدا عن كونه حجرة عثرة في طريق توسع الحزب، فإنه كان السبب في تسريحه، فالتسريح كان السبب المباشر لاغتيال المالكي وفق ما تذهب اليه النيابة العامة، لننظر في هذا الدافع، وندقق في هل كان الدافع للشهيد المقدم للتخطيط لذلك..

ـ في شباط 1954 يطيح انقلاب بالشيشكلي، ويعين على أثره العقيد المالكي رئيسا للشعبة الثالثة ـ والمعنية بتنقل الضباط أو إحالتهم لمجلس تأديبي لتقرير تسريحهم بناء على الاسباب التي تفترضها الشعبة الثالثة في المحال لهذا المجلس ـ يُنقل المقدم الشهيد كناظر لموقع دمشق في الشهر العاشر لعام 1954 ، أي بعد ثمانية أشهر من ترؤس المالكي للشعبة ليتم تسريحه في 12/4/1955 ، أي قبل واقعة الاغتيال بعشرة أيام!

بين تسلم المالكي واغتياله، تقع جملة من الأحداث أبرزها ادعاء استنفار الشهيد المقدم في حمص والذي كان سببا مباشرا في احالته لمجلس تأديبي ومن ثم تسريحه بعد نقله الى دمشق..

نقول ادعاء لأن الوقائع لا تشير الى اقدام المقدم الشهيد على ذلك بناء على ما جاءت به شهادة كل من شوكت شقير ومحمود شوكت ومصطفى رام حمداني أمام المحكمة، والتي جاءت كما يلي:

شوكت شقير يقول:” ـ ان من جملة عوامل تسريح غسان حزبيته واتصاله بالحزب السوري القومي  وقد اتصل بعلمي انه بعد نقل غسان من حمص الى معاون ناظر موقع دمشق كان يقضي اكثر اوقاته في جريدة البناء الحزبية.

ـ ان اللجنة المشكلة من الزعيم شلاش والعقيدين اتاسي وعظم انما شكلت للتحقيق في موضوع زهر الدين ولا علاقة لهذه اللجنة باستنفار حمص, وان هذه اللجنة بطبيعة اتصال الحكيم بغسان اضطرت للسفر الى حمص والسؤال عن هذا الاستنفار فان غسان لو كان عنده فكرة مبيتة لإجراء حركة او استنفار او عصيان فانه بعد ان اطلع على ان حركة قطنا هي مجرد اشاعة فان هذا يكون قد ثناه عن عزمه.   وان الحركة التي قام بها غسان بحمص هي تدابير احتياطية وليست استنفارا بالمعنى العسكري  واود ان تلاحظ المحكمة الفارق بين موقف العقيد شوكت وبين الموقف الذي كان يمكن ان يريده غسان.   وان الاستنفار بمعناه العسكري هو عدة كافة الجنود وتهيئتهم تحت السلاح وهذا لم يقع في حمص..”

محمود شوكت ـ آمر موقع حمص ـ يقول:” اذا ثبت ان وقع استنفار بحمص او وزعت اسلحة فانا مسؤول لبعد الف سنة.

ـ ان غسان حدثني عن توقيف الشرطة لعائلته ولكنه لم يذكر لي بانهم كانوا يريدون اغتياله او اعتقاله.   وان اعتقادي ان توقيف سيارته كان للتسجيل عليه انه غادر مكان عمله وجاء الى دمشق بدون اذن وهذا استنتاج من عندي.

ـ استوضح فاجاب عندما اخبرنا بطريق حسين حكيم عن حركة قطنا لم الاحظ على غسان ان عنده فكرة عصيان مبيتة لمؤازرة حركة قطنا بل بالعكس انه كان انضباطيا ولا يمكنه القيام باي حركة لان المعروف انه عندما استلم قيادة قطعة فإنني ادبر شؤونها ولا اسمح لاحد بالتدخل.

ـ عندما حضر المقدم زهر الدين ورفاقه لبيتي وكان حاضرا المقدم بكري لم يتعرضوا مطلقا لغسان ولم يذكروا امامي انهم عقدوا اجتماعا في بيت الحكيم وانني بعد اجتماعي معهم مباشرة اخبرت رئيس الاركان عن حريتهم ورأيهم..”

مصطفى رام حمداني ـ رئيسا للمكتب الثاني حتى تعين السراج ـ يقول:” ..وفي المساء صادف ان كنت والزعيم شقير والمرحوم العقيد المالكي موجودين عند احد الاصدقاء واذا بهاتف للعقيد المالكي فذهب العقيد الى خارج الغرفة وتكلم بالهاتف ويعود وبعدئذ قال لاحد الموجودين في المنزل: هاتف لك فذهبت الى غرفة الهاتف وكان الطلب الشعبة الثانية فاعلموني ان هناك استنفارا في حمص وآخر في قطنا وان المقدم غسان قد استنفر قطعته في حمص والمقدم زهر الدين استنفر فوجه في قطنا وبينما كنت اتكلم على الهاتف خرج العقيد(المالكي) وبادرني بحديثه الخبرية بشأن استنفارات اليس كذلك فقلت له نعم فقال الهاتف الذي جاءني منذ دقائق كان بنفس الموضوع.   واتفقنا على ان نؤخر ….. الزعيم شقير تنتهي فيها السهرة حتى لا يكون في هذه الاستنفارات بين المدعوين وفعلا قد انهينا السهرة واعلمنا الزعيم وذهبت انا والعقيد مالكي الى منزل الرئيس شهير دريعي وكان على ما اظن الذي اعلم وقال له ان المقدم زهر الدين موجود عندي في البيت.   ومررنا وبقينا في البيت عدة دقائق وكان المقدم زهر الدين موجودا فقال الرئيس لقد اتيت به في السيارة من قطنا واخذ المقدم زهر الدين يعلل الاستنفار بانه سمع باننا نكرهه واننا نريد ان نخرجه من الجيش مع انه كان من اصدقائنا.   وانتهى الحديث وذهب كل منا الى منزله وقد اعلمت الزعيم شقير  ـ استوضح من الشاهد  ان حادث السيارة الذي جرى لزوجة غسان من قبل الشرطة العسكرية والذي قيل عنه في التحقيق واشيع بان هناك فكرة اعتقال او اغتيال المقدم غسان وهو الحادث الذي اشرت اليه الآن.   فاجاب الشاهد نعم هذا هو الحادث وان الشرطة العسكرية قد امرت بتبليغ المقدم غسان بان يعود الى دمشق لمقابلة الزعيم شقير واعتقد ان رجال الشرطة العسكرية نفذوا الامر بحذافيره.   وانها عندما لم نجد غسان لتبليغه لم نزعج زوجته وانما طلبوا منها ان تتأخر قليلا لان شقير يريد مقابلة زوجها غسان فانتظري ريثما نتصل معه ونسأله عما اذا كان يريد ان يقول لك شيئا عن غسان وبعد عدة دقائق سمحوا لها بمتابعة السير حسبما ورد اليهم من الاوامر.

ـ استوضح فاجاب ربما كان احد افراد الشرطة الذين كلفتهم تبليغ غسان بوجوب مقابلة شقير قد ابلغوا غسان هذا الامر فامتنع عن السفر وان قولي هذا مجرد احتمال.

ـ بأية صلاحية يطلب غسان ابعاد العقيد المالكي عن الاركان؟

ان سبب حديث غسان بوجوب ابلاغ شقير بضرورة ابعاد المالكي عن القيادة هو لان غسان كان مديرا لمدرسة ضباط الاحتياط وعلل كلامه بانه يسمع كثيرا من الكلام من الضباط حول وجود المالكي في القيادة.

ان وضع المقدم غسان عندما كلمني هذا الحديث لم يكن وضع الضابط الناصح انما كان وضع ضابط شرس غير راض عن الوضع..”

2ـ بسقوط تهمة القيام باستنفار أو عصيان أو تمرد، عن المقدم الشهيد، علينا البحث عن سبب آخر يكون دافعا له للتخطيط لاغتيال المالكي كما ادعت النيابة العامة. فهل كان تسريحه مستندا لعوامل أخرى لم تفصح عنها النيابة العامة؟ سؤالٌ تجيبنا عليه محاضر التحقيق والاستجواب والاستنطاق وأدلة النيابة العامة وأيضا جلسات المحاكمة، وقبل ذلك، موقف المقدم الشهيد من حادثة تسريحه!

في المحضر رقم(2) تاريخ 26/4/1955 تقول الأمينة الأولى:”

س ـ ماذا كان حديث المقدم غسان تعليقا على تسريحه امامك؟

ج ـ اذكر اني عندما قرأت الخبر في الجريدة سألته عن السبب فقال ( هيك الحياة) واظن انه لم يرد ان يتوسع في التعليق لوجود ناس لم اعد اتذكرهم.

س ـ هل كان يتحدث امامك عن سلوك المسؤولين في الجيش تجاهه وتجاه غيره من الضباط؟

ج ـ كلا لم يكن يتحدث بهذه الامور امامي..”

فؤاد جديد في (محاضر النيابة العسكرية (2) ـ 17محضر 44 ـ 2فؤاد جديد ـ 2 ) تاريخ24/4/1955 يصف حالة المقدم الشهيد قائلاً:”

 س ـ ما هو رد الفعل في نفسه هو من جراء التسريح؟

ج ـ لاحظت انه كان فرحا بسبب هذا التسريح لأنه كما قال لي كان يعتقد بان موعد ترفيع الضباط اوشك ان يحل وانه سيرفعون رفاقه الى رتبة عقيد ويظل هو في رتبته مما كان سيدفعه للاستقالة خروجا من هذا الحرج النفسي..”

أما ردة فعل الشهيد على اغتيال المالكي، فكانت كما أوردها عصام المحايري في المحضر 27 تاريخ 3/5/ قائلاً 1955:”..  فقال غسان عندئذ (انا بروح معكم) فسألته (ليش انه رايح) قال (الرقيب علوي وصديق لفؤاد اخي وقومي وانا علوي قومي مسرح من عشرة ايام بكرا بيقولو غسان جديد قتلو ما بدي اقعد بالمزة ستة اشهر..” فهل كان هذا الجواب هو سوء تقدير من المقدم الشهيد، أم أنه لم يكن على علم بحادثة الاغتيال قبل وقوعها وتاليا توقع أن المدة لا تزيد عن الستة أشهر لتظهر حقيقة أن لا دخل له بالموضوع؟! أو كما أورد محمد معروف في كتابه( أيام عشتها) حيث يقول:” سمعت وقرأت الكثير عما كتب عن هذا الحادث المؤسف، وسألت غسان عندما لجأ الى لبنان عن مقتل عدنان المالكي فأجاب( يا أخ محمد، التهمة لابستني وسوف أحاكم على ذلك، لكن أعدمني الله أولادي إن كان لي ضلع أو علم بمقتل عدنان المالكي وأنا عندي الشجاعة أن أقول الصدق في كل أمر أقدم عليه)   خاصة وأنه كان قد تقدم بتقرير شفهي لمجلسي العمد والأعلى يشرح به الوضع العام في الجيش قائلا حسب ما يورده عصام المحايري في المحضر المذكور آنفا:” .. ـ اذكر اننا كنا يوما في دار الامين جورج عبد المسيح باجتماع لمجلس العمد وننتظر قدوم اعضاء المجلس الاعلى لعقد اجتماع مشترك بيننا وبينهم وجاء المقدم غسان الى الدار فلما شاهدنا مجتمعين قال كنت احضر تقريرا عن الجيش واوضاعه منذ الانقلاب على الشيشكلي حتى اليوم وقد هيأت رؤوس الاقلام فاذا كنتم توافقون ما دمتم مجتمعين اذكر لكم هذا التقرير شفهيا.  .. وتلا المقدم غسان التقرير بحضوره ويتلخص التقرير بانه وصف عن كيف تأثير الانقلاب وكيف حرص الجيش على الابتعاد عن السياسة ثم قوة الكتلة البعثية في الجيش ثم نشوء كتلة للزعيم شوكت شقير قوامها الضباط  الذين والوا الشيشكلي كالمقدم نفوري في حمص والرئيس عبد الحميد السراج والرئيس احمد المصري وانه يتوقع نشوب نزاع بين الكتلتين على تسيير السياسة في الجيش وان اتفاق الكتلتين يمكن ان يستمر مؤقتا على اساس الانتظار الى انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة اذ تتخلص الكتلتان عندئذ من بعض العناصر العسكرية التي تزعجها ومن بعض الضباط القوميين وحينئذ يمكن ان ينشب الخلاف المتوقع اذا تعارضت الاتجاهات السياسية بين البعث وبين الكتلة الديموقراطية والحزب الوطني.   رأى المجلس الاعلى ان يترك لمجلس العمد دراسة هذا التقرير واتخاذ ما يراه مناسبا اما مجلس العمد فان التوصية التي اخذ بها هي توجيه الضباط القوميين لمعاكسة اي انقلاب بعثي يمكن ان يحدث.   اما بالنسبة لأي انقلاب على البعثيين فمطلوب منهم عدم التدخل فيه.   اما سبب ذلك فناجم عن ان الحزب يعتبر ان حكما بعثيا في البلاد سيجعل منها هدف تآمر إسرائيلي ـ تركي ـ اميركاني بحيث تودي البلاد الى كارثة كما ان مجلس العمد فيما يتعلق بسياسة التسريح التي اشار اليها التقرير على اساس وقوعها بعد انتخابات الرئاسة فانه ترك للاتصالات السياسية مع الاحزاب والهيئات المجال لتلافي هذه التسريحات اذا امكن وان الدافع لمقاومة محاولة انقلابية بعثية ليس الخوف على الحزب واشخاصه بل كما بينت على البلاد.   اما بالنسبة للكتلة البعثية التي اشار اليها التقرير انها تتمتع بالأركان بعطف العقيد عدنان المالكي وانها نافذة في دمشق والسويداء واللاذقية وحمص وذكر جملة( اسوأ ) منها الرئيس جادو عزالدين والرئيس اكرم ديري والرئيس مصطفى حمدون..”

هكذا كانت أوضاع التنقلات في الجيش والتسريحات (خيار وفئوس) عندما تولى المالكي رئاسة الشعبة الثالثة.

ويبقى السؤال : لماذا سُرح المقدم الشهيد؟

هل يمكن الأخذ بما جاء في افادة مصطفى رام حمداني رئيس الشعبة الثانية في عام 1954 قوله:” ـ انني اعلم قبل ذهابي لمصر ان هناك تحقيقات تجري لغسان تتعلق بسرقات واخذ بعض الاموال عندما كان على الحدود بانه اخذ قيمة البقر العائدة لفلسطينيين على الحدود من رجال الهدنة ولم يعطها الى اصحابها وادعى انه اعطى هذه الابقار لاحد المراقبين المتخصصين في المنطقة اليهودية والذي قتل بحادث سيارة كما اسندت اليه سرقة في فوجه  قصة دين عليه.”؟

و لما لم تُظهر النيابة العامة أية وثيقة تثبت صحة ما صرح به حمداني، وتاليا السبب المباشر للتسريح أو قرار المجلس التأديبي أو حتى أمر إحالة المقدم الشهيد لمجلسٍ تأديبي على الأقل، مما يؤكد صحة افادة مصطفى رام حمداني أو نفيها، فالتسريح ولا شك بذلك، جاء تعسفيا وأن ما أفاد به حمداني، يأتي مثالا لما  ذهب اليه عميد الاذاعة سعيد تقي الدين:” اذا أردت أن تقتل انسانا فلا تطلق عليه رصاصة بل اطلق عليه اشاعة”  

وعلى الرغم من أن الصورة بدت واضحة، وتاليا أنه لم تكن قيادة الحزب بغافلة عما يدور في الفلك السياسي، لكنها كانت غافلة عما يستتبعه ذلك من اجراءات حماية أو وقاية وحذر مما قد يحدث، كأن يعمم على مختلف الوحدات الحزبية مسؤولين وأعضاء وجوب الحذر والترقب واليقظة حتى مراقبة الأجهزة الأمنية واحصاء عناصرها، لمعرفة توجهاتهم ومراكز تمركزهم ومن يضعون تحت المراقبة من القوميين، بحيث لا تؤخذ على حين غرة، او مما قد تفضي اليه هذه التوقعات والوقائع من احتمالات أخرى، كاغتيال أحد قيادي الحزب..

 وعلى الرغم من أن رئيس الحزب جورج عبد المسيح كان قد تنبأ بما قد يحدث نتيجة تسريح المقدم الشهيد و ” طلب من عصام المحايري بحضور غسان جديد وعيسى سلامة وعبد الكريم الشيخ ان يذهب تلك الليلة مع غسان جديد الى بيروت ويبتعد عن دمشق لمدة اسبوع ذاكرا له ان السلطات ستعمد بعد ان سُرح غسان جديد الى القيام بحملة اخرى ضد الاشخاص المدنيين في الحزب زاعمة انهم كانوا يهيئون بالاشتراك مع غسان مؤامرة انقلاب على السلطات الحاكمة ولما اصر عصام على ان هذا الاحتمال بعيد اصر جورج عبد المسيح على رأيه في ابتعاد عصام عن دمشق ذلك الاسبوع ولم يتركه حتى حمله على ان يخبر اهله هاتفيا بسفره الى بيروت وقد قام عصام بذلك ولكنه عاد الى داره..” ولم يبارح المقدم الشهيد أيضا دمشق.. كما ورد في قرار قاضي التحقيق ـ 18 ـ

 لكن أمر الابتعاد عن دمشق لم يشمل عيسى سلامة وعبد الكريم الشيخ وحتى جورج عبد المسيح نفسه، مما يعني أن قيادة الحزب كانت قاصرة عن ادراك أبعاد ما يحاك ضدها أو غير واثقة من صحة توقعاتها وهذا بحد ذاته ما أدى الى الكارثة الحزبية.. وهل كان عصام المحايري مصيبا في ( أن هذا الاحتمال بعيد..) أم أنه كان قاصرا أيضا  في رؤيته للوضع السياسي الذي عاينه المقدم الشهيد في تقريره الشفهي؟!

3 ـ لكن، لماذا أصرت مختلف وثائق القضية على الصاق التهمة بالمقدم الشهيد وجورج عبد المسيح؟

في الأدلة التي قدمتها النيابة العامة وتحت عنوان التحريض على القتل افادات لكل من الشهيدين مخلوف ودبوسي، تؤكد قيام غسان جديد بالتخطيط لاغتيال العقيد المالكي، لكنها افادات أنكرها كلٌ من الشهيدين، كونها انتزعت أو كُتبت عنوة عنهم، وفي ذات السياق جاء اصرارها مبنيا بالكلية على ما أفاد به عصام المحايري من افادات جاءت على النحو التالي:

” .. وورد في الصحيفة 19 من الضبط المذكور ما يلي: وان الجهاز الذي يتصل بالعسكريين وهو عمدة التدريب المؤلف برئيسه السابق جورج عبد المسيح وعميد التدريب غسان جديد ووكيل عميده اسكندر شاوي.

ويفيد عصام بالصحيفة نفسها عن استبداد جورج عبد المسيح في توجيه المجلسين وانفراده بالقرارات ذات المسؤوليات الكبيرة.

   وورد في المحضر الاستنطاقي رقم 56 / من اقوال عصام في الصحيفة الاولى والثانية ما يلي:  “جورج عبد المسيح وعبد الكريم الشيخ وغسان جديد كانوا في المكتب العائد لجريدة  البناء واتوا بفكرة ان تسريح غسان جديد سيعقبه اعتقال المسؤولين تحت ستار ان الحزب مع غسان كان يهيئ انقلابا فاستغربت هذه الهواجس الا ان جورج عبد المسيح طلب مني ان اغادر وغسان دمشق الى بيروت كامل الاسبوع بقوله ” روحو هالاسبوع الى بيروت”. امتنعت عن تنفيذه اصر عبد المسيح وبشكل خاص مدة الاسبوع وقال عيسى سلامة ان نبيت على الاقل هذه الليلة خارج بيوتنا.

استنتجت من اصرار جورج عبد المسيح بالتغيب عن دمشق طيلة الاسبوع ان هناك امرا مبيتا ذلك بعد ان وقع الحادث يوم الجمعة خلال الاسبوع المذكور.

     ورد في الصحيفة الثالثة من المحضر الاستنطاقي رقم / 27 / قول عصام المحايري بعد سماع المجاس المنعقد خبر القتل  ” وعاد كامل حسان من بيت اسكندر شاوي وقال لقيت اسكندر قائم اوراقه لأنه كان عما يسمع المباراة بالراديو وسمع الطلقات.”

     كما ورد في الصحيفة الثالثة من المحضر رقم / 32 / قول كامل حسان: “طلب مني جبران جريج ان اركب بالسيارة لنذهب لعند اسكندر شاوي ليخفي اوراق العسكريين الموجودين في الحزب فجبران هو الذي سمع من اسكندر شاوي بانه عندما كان يستمع الى جهاز الراديو اثناء المباراة التي جرت يوم الحادث سمع اطلاق النار وعلى اثرها اخفى اوراق واسماء العسكريين.”

     واستنتج عصام في الصحيفة الثانية من المحضر الاستنطاقي رقم / 87 / ما يلي:

“..المصيبة ان اسكندر شاوي عندما وقع الحادث وكيل عمدة التدريب استنتجت من اخفائه الاوراق انه كان يتوقع هذه الحادثة وبمعنى آخر كان على علم بها فضلا على انه من المستغرب العلاقة الوثقى التي تربط جورج عبد المسيح بإسكندر شاوي لان اسكندر يعتبر جورج القائد الملهم ومعرفتي بنفسية اسكندر شاوي وثقته المطلقة بجورج عبد المسيح يجعلني ان استبعد ان يقوم على عمل منفردا وتجعلني ان اعتقد ان ما اقدم عليه كان بإيحاء واتفاق جورج عبد المسيح وحينما سمعت بهذا الحادث اضطربت واستنتجت ان جورج عبد المسيح مشتركا مع اسكندر شاوي بما اقدما عليه..”

     كما استنتج في المحضر الاستنطاقي رقم / 102 / الصحيفة الاولى: “.. ان جورج عبد المسيح حينما تناول الهاتف ونحن في الجلسة واخذ يتكلم كلاما غير منطقي وعدم سماعه بقية الحديث وانفعاله العنيف مع ان جو الجلسة لا يوحي بهذا الانفعال استنتجت بانه لم يهتم بسماع الخبر بل اهتم بتغطيته..”

     ورد في الصحيفة الثانية من المحضر الاستنطاقي رقم / 88 / قول كامل حسان/ “.. اعتقد بالنسبة للعلاقة التي بين اسكندر شاوي وجورج عبد المسيح ان لا يقوم اسكندر شاوي بعمل خطير ولم يكن مطلعا عليه جورج المذكور..”

فكأني بعصام المحايري يشكو جورج عبد المسيح الى هيئة المحكمة التي انتهت من أقواله الى تثبيت فكرة القتل حتى في أذهان القوميين الاجتماعين أن عبد المسيح والمقدم الشهيد هم من اغتال المالكي وخططوا لذلك!

كل ما جاء على لسان المحايري، كان افتراضاً مبنيا على إخفاء اسكندر شاوي للوائح اسماء الضباط، ونظرا لعلاقة الأخير بجورج عبد المسيح، فإنه لا شك بأن الأخير أيضا كان على علمٍ بما جرى؟!!!!!!!! 

علما بأن محاضر التحقيق والاستنطاق والاستجواب لم تأتي على ذكره كمخطط أو محرض أو حتى عالم بحادث الاغتيال وأن حكم الاعدام الصادر بحقه لم يكن مبنيِّاً إلا من حيث كونه رئيسا يتحمل مسؤولية أعضاء حزبه أعمالا وأفعالا.. فاسمه لا يرد سوى بما هو متعلق بالحزب وخططه على مختلف اتجاهاتها، وهو عندما أشار الى أن هذا “دس مكتب تاني” كان محقا بذلك، لكنه عندما طلب من عصام المحايري والمقدم الشهيد مغادرة دمشق، واستثنى نفسه واسكندر شاوي وعيسى سلامة، كان هادفا لإزالة عقبة من أمامه في تفرده بسياسة الحزب، متناسيا أن عصام المحايري لم يتناسَ حادثة تنحيه عن رئاسة الحزب له، وهذا هو الخطأ الذي أودى بالحزب وجعله لقمة سائغة للمكتب الثاني وأكرم الحوراني.. وهذا ما أشار اليه عصام المحايري نفسه في المحضر (م ق ت ع (3) ـ 17محضر 56 ـ )2

” فأبديت له اسباب الفتور بالنسبة لي وهي انه عند اقالة المجلس الاعلى السابق للأمين عبد المسيح من الرئاسة وانتخابي بدلا عنه ظهرت لدى بعض القوميين الاجتماعيين ممن يتصلون بالأمين عبدالمسيح نفسية تمرد لم يكن الامين عبد المسيح غريبا عنها كما ان ما اعقب هذه الاقالة من امور خلف في نفسي خدشا بالنسبة لسلوك الامين عبد المسيح وانني لو قبلت ان اكون عميدا معه بدافع اخلاصي لحزبي وان يكن هذا الخدش ما زال قائما وعلى الامين عبد المسيح بتصرفاته ان يزيله وهذا هو سبب فتوري وانكماشي عنه اما الاسباب التي تعود اليه فهو ادرى بها ولا استطيع تقديرها..”

في خلاصة ما تقدم، وبناءً على ما ورد في هذا الرد من ادعاء النيابة العامة وأدلتها الوارد في الفقرات(الف وباء وجيم) والذي جاء على قاعدة/ من فمك أدينك/  تسقط تهمة الاغتيال بكليتها عن الحزب السوري القومي الاجتماعي قيادة وأفرادا، ويبقى علينا أن نعيد رسم سيناريو لعبة الاغتيال هذه وفق ما جاءت به دراستنا من وقائع لا مجال لنكرانها أو التشكيك بها، فهي وقائع مبنية على تاريخية اللاعبين بها ووقائع جاءت بمحاضر التحقيق والاستجواب والاستنطاق وجلسات المحاكمات ..

مواصفات الشخصيات الأساسية في لعبة الاغتيال:

سبق لنا وأشرنا الى أن مختلف النعوت والصفات التي أسبغت على المالكي، كانت تنطلق من كونه ضحية، تعاطف معها جميع من كتب في واقعة اغتياله، لكن حقيقته، والتي جاءت في وثائق القضية أو في مذكرات الحوراني أو في سياق ما أشير به اليه، كانت تعكس خلاف ذلك، فعلاقته بالحوراني والسراج وشقير كانت عدائية محضة، حتى ما قبل تسلم السراج لرئاسة المكتب الثاني في بداية آذار 1955 ، فالعقيد بشور والذي كان رئيسا للمكتب الثاني كان في علاقة عدائية معه وفق ما جاءت به الوثيقة(104) من وثائق القضية والتي جاء في متنها” ـ.. لقد قام السيد زهير العيطة بمساعي قوية لإصلاح ذات البينة بين العقيد عدنان المالكي والعقيد بشور الذي كان يرأس المكتب الثاني في دمشق وكان آخر مسعى قام به يوم امس الثلاثاء 8/3/1955 في المأدبة الوداعية التي اقامها في شتورا السيد عيطة الى العقيد بشور, حيث كان جماعة اخرى من الجيش في دمشق يحاولون اقناع العقيد مالكي بوجهة نظرهم ولكنهم لم يفلحوا..” رياض المالكي يقول، أنه عندما قرأ خبر تسريح المقدم الشهيد، سأل عدنان عن صحته فأجاب بنعت المقدم الشهيد بنعوتٍ لا تنبئ بما قيل أنه اتصف بها..

كان البعث حزبا برأسين، عفلق والبيطار من جهة، والحوراني من جهة أخرى، وكان المالكي متعاطفا مع بعث عفلق والبيطار لتعاطفه مع أخيه رياض الذي كان بعثيا عفلقياً محملاً الحوراني مسؤولية فشله في انتخابات 1954، وكما كان موقفه من الحوراني كذلك كان مع شقير والسراج، مما دفعه لتشكيل كتلة عسكرية من الضباط الدمشقيين والبعثيين العفلقين وتصفية مختلف ضباط الاتجاهات السياسية الأخرى، إما بالنقل الى مراكز ليست بذي أهمية أو بالتسريح التعسفي، مما يعني أنه كان محاطا بعداءات على اختلاف المستويات التي كانت بدورها تناصبه العداء في جوٍ سياسي محموم في صراع على السلطة، مما جعل من  إزاحته عن منصبه هدفا عمل له السراج وسواه، بأسرع ما يمكن وتحديدا سيء السيرة عبد الحميد السراج الذي ناصبه العداء والذي من طبعه التنكر لكل القيم، فهو لا يعرف صديقا ولا قريبا ولا غريبا اذا ما تعارضت مواقفه معه، استظل الحوراني فزاد هذا من عدائه للمالكي، وعداء الأخير له..

 كان الحوراني رائده في بلوغ مآربه، فجعل منه مستشاره السياسي، يجمعهما توخيهما في أن يكون عبد الناصر مخرجا لهما من موقفهما الحرج والمهدد من قبل المالكي، والذي نبههما الى ما يحيق بسورية من مؤامرات عبر مصطفى حمدون بعد اجتماع الأخير بعبد الناصر بناء على طلب الأخير أيضا (!!) قبل عودة مصطفى حمدون الى سورية، والذي أبلغ الحوراني بما نبهه اليه عبد الناصر..

في مذكراته، يذكر الحوراني الكثير من التفاصيل شبه اليومية عن الوضع السياسي في سورية، لكنه يغفل عن قصد ما يثير الشبهة بعلاقته مع السراج ومحمود رياض وجمال حماد أو حتى أكرم ديري، كان الحوراني كما يذكر هو على خلاف مع عفلق والبيطار، أيضا مع رياض المالكي اضافة لصبري العسلي الذي اتهمه بالمأجور لاستقباله صلاح سالم موفد عبد الناصر لسورية، كذلك مع بقية الكتل السياسية الأخرى، وأبرزها الحزب السوري القومي الاجتماعي ليتبرأ كليا من تهمة انتسابه اليه في عام 1936 والتي كانت تلاحقه اينما ارتحل وحلَّ..

الحوراني الذي ابتدأ حياته السياسية بمحاولة اغتيال الوزير السوري، فارا من بيروت الى دمشق بعد مقتل صديقه في المحاولة، الى تقلبه في مناصبه من وزير للزراعة الى وزير للدفاع الى اندماجه بحزب البعث العربي، الى مختلف تدخلاته في الشؤون العسكرية والتي أدت لوصفه ( بالجنرال المدني) والذي كان لا يعجبه العجب، ولا يستطيع الركون الى غير ما يرضي غروره في أن يصبح زعيما لأمة عربية يتخيلها تحت قيادته معجبا بعبد الناصر بعد أن كان مشككاً في ملابسات محاولة اغتياله ، بما يعني أنه اعتبرها محاولة ناصرية لتصفية الإخوان المسلمين في مصر، مستلهما منها اسلوب تصفية المالكي، لذا راح يؤلب من حوله عليه، ومنبها لأكرم ديري من تغلغل السوريين القوميين في الشرطة العسكرية منوها لسكوته عما نبهه اليه بتعاطفه مع السوريين القوميين ومبرئا له تاليا من تهمة القتل ، موحيّا بهواجسه الى السراج، الذي لم يجد أمامه سوى محمود رياض مخرجا لمأزقه الوظيفي بعد أن راح نجم عبد الناصر يطغى على نجم الحوراني في ذهنه، أشار الى الأخير بضرورة فهم ما عناه عبد الناصر برسالته الشفوية عبر مصطفى حمدون، وذلك بمعرفة وجهة نظر محمود رياض في ما يحدث على الساحة السورية..

محمود رياض الذي وجد بهما لقمة سائغة لتحقيق المهمة التي جاء بها كسفير لدمشق ومستلهما من حادث منشية البكري، أيضا، ما يمكن عمله ارضاءً لهواجس الحوراني والسراج الذي وضع امكانيات المكتب الثاني تحت تصرفه، يوعز لهما بتكليف أحمد الفتيح وزير التربية والرياضة بدعوة فريق مصري لمباراة رياضية تقام في دمشق تحت غطاء توطيد الصلات بين مصر وسورية، والذي يوعز بدوره لجمال حماد البحث عن أفضل الأماكن لإقامة المباراة، بحيث يمكن تنفيذ ما جاء بهما الى دمشق، والذي يقوم بزيارة للملعب البلدي ذي الملاعب المتعددة لمثل هكذا مباريات، ليختار منها ما هو الأفضل، حيث يقرر جمال حماد أن يكون الملعب الرابع هو الأفضل حيث لا جمهور خلف المنصة الرئيسية والذي يمكن للمالكي الجلوس في الصف الأخير ووراءه صفا الكراسي المشبوكة بحيث لا يمكن فكها بغية الجلوس عليها، منبها ـ عبر السراج ـ في ما بعد وضع الخطة أكرم ديري لضرورة حراستها لتحقيق الهدف من شبكها حيث كلف الأخير منير فتوحي بهذه المهمة، ومشيرا عبر  الرشوة لمديري الملعب بإقامة حاجز خلف المنصة للحيلولة دون من (يصطادون) خلفه من التشويش على الحضور وفق الوصف الذي قدمه للمشهد على قناة الجزيرة، والذي لم يلفت الانتباه اليه أي من الضالعين في هذه الجريمة، حتى أن عبد الكريم النحلاوي في شهادته ـ التي أنكرها ـ أمام المحكمة قال أنه لم يلحظ هذا الساتر من قبل في أية مباراة سابقة كان قد حضرها ..

لا نعتقد أن محمود رياض قد أفصح عن خطته للحوراني والسراج، لكنه رأى فيهما أدوات لتنفيذ مآربه، مطالبا إياهما من جهة أخرى بتقديم كشف عن القوى السياسية والعسكرية الفاعلة على الساحة، منظمات وأحزاب وشخصيات مدنية وعسكرية، نتوقع ذلك لأن محمود رياض لا يأتي على ذكر حادثة غيرت مجرى الحياة السياسية بسورية كليا، في مذكراته، و اكتفى بالإشارة الى الفترة الوجيزة التي توثقت بها علاقاته بمختلف القوى المشار اليها، طبعا غير الحزب السوري القومي الاجتماعي والمالكي وإلى حد ما عفيف البزري،  نظرا لتأنيبهما له من تدخلاته في الشأن السوري..

لم يعد أمام محمود رياض سوى انتظار الفرصة السانحة للتنفيذ، والتي جاءت بتسريح المقدم الشهيد غسان جديد في الثاني عشر من نيسان1955،وعلى غرار حادث منشية البكري وضعت اللمسات الأخيرة للخطة، بحيث يقوم أحد ضباط الأمن في السفارة بإطلاق النار على العقيد المالكي وعلى الشرطي الذي اختاره أكرم ديري ليكون كبش المحرقة، الشهيد يونس عبد الرحيم، حيث ينحصر دوره بتصفية  الشهيد يونس عبد الرحيم، في حال لم يتمكن القاتل من الاجهاز عليه،( بحيث يتطابق دور أكرم ديري والتهمة الموجهة لكل من الشهيدين دبوسي ومخلوف) فأكرم  ديري يعرفه حق المعرفة كأحد عناصره ويعرف مدى التزامه وتعصبه للحزب السوري القومي الاجتماعي وأوكل لعبد الحميد السراج مراقبة منزله على مدار الأربع والعشرين ساعة والتي جاءت تقارير طالب صباغ مشيرة لمدى العلاقة بين الشهيد يونس والشهيدين دبوسي ومخلوف.. ..

ليس ما نسوقه من اجتهادات في هذه القضية سوى محاولة فكِّ خيوط ما غمض منها، ولا شك في أن محاولتنا في تفكيك خيوطها، توقعنا في فخ ثغرات تقاطع خيوطها مما يُبقي في  سياقها بعض الفجوات، التي يصعب سدَّها باليقين المطلوب نظرا لكثرة التناقضات التي حبكتها محاضر الاستجواب والاستنطاق والتحقيق، اضافة لادعاء النيابة العامة وأدلتها بل وأيضا جلسات المحكمة التي ادعت حياديتها وهي منها براء!

وهذا ما  يدفعنا للاجتهاد في ما غمض من ملابسات هذه الجريمة، عبر بضع ملاحظات نوردها على النحو التالي:

1 ـ أن مختلف الشهادات على اختلاف مواقف أصحابها، أجمعت على رؤية الشهيد عبد الرحيم شاهرا مسدسه ومعالجا له، حتى قبل معرفة أن الهدف كان عدنان المالكي، مما يعني أنها شهادات ما بعد اطلاق النار وليس أثناءه! ومما يعني أن بناء الاتهام بالقتل جاء احتماليا لا تأكيديَّا!

2 ـ  كيف يمكننا تفسير ذهول قيادة الحزب فور سماعها نبأ الاغتيال وارتباكها في حلول تدبر أمرها من جهة والحزب من جهة أخرى دون التفكير بحلول ومخارج لما هي ذاهلة أمامه!  وفرار مسؤوليها على غير هدى، حتى المتهم الرئيس جورج عبد المسيح لم يفكر سوى بالتواري عن الانظار وبقائه في دمشق لأكثر من أيام ثلاث ومن ثم مغادرته دمشق الى بيروت متخفيا فيها أيضا!

3 ـ وإن كنا نفترض أن ما جاءت به مستندات القضية بعموميتها، صادقة في ما بنت عليه ادعاءها، فما هو المعوِّل الذي كان عبد المسيح يعول عليه في براءته وتاليا براءة الحزب مما اتهم بتدبيره، علما، وكما سبق وأشرنا اليه أن اتهام عبد المسيح أيضا جاء اجتهادا وبناء على صلته بإسكندر شاوي واخفاء الأخير لأسماء الضباط فور سماعه أصوات الرصاص عبر المذياع، هذا إذا صحَّ ما ادعاه كامل حسان!

4 ـ هل كان المالكي فعلا يشكل خطرا على الحزب، وإن كان كذلك فكيف لنا أن نفسر قرار مجلس العمد بناء على تقرير المقدم الشهيد ” ان مجلس العمد فيما يتعلق بسياسة التسريح التي اشار اليها التقرير على اساس وقوعها بعد انتخابات الرئاسة فانه ترك للاتصالات السياسية مع الاحزاب والهيئات المجال لتلافي هذه التسريحات اذا امكن..”!

5 ـ إن ادعاء انتحار الشهيد يونس، لا يتفق والمواصفات التي اتصف بها والتي حفلت بها اضبارة القضية، إضافة الى أن الانتحار المزعوم، لا يمكن أن يصدر بطلب من عقل عسكري ـ سياسي اتصف به المقدم الشهيد، كما ولا يتفق ومستتبعاته، ذلك أن الشهيد يونس بما عرف عنه وكما هو وارد في اضبارة القضية، كان قادرا على الإعلان عن اقدامه اغتيال العقيد المالكي بدافع شخصي مبرئا الحزب قيادة وأفرادا من تهمة التخطيط لاغتيال العقيد المالكي.. لذا كان انتحاره اغتيالا..  

6 ـ يبقى السؤال فيما إذ وجهت دعوة  رسمية الى العقيد المالكي أم أن دعوته اقتصرت على الحاح السفير المصري صباح يوم تنفيذ الجريمة، بمعنى أن حضوره لم يكن مقررا، وتاليا عدم وجود مقعد مخصص له من جملة المقاعد التي خصصت للمدعوين، مما يضفي على قول هاني الشمعة “وأجْلِسَ..” الكثير من الصحة من حيث أن الأمر كان مدبرا لجهة عدم دعوته رسميا وتاليا اختيار مكان جلوسه بما يمكِّنْ من خلاله تصيده.. 

7 ـ رفض المحكمة إعادة تشريح جثمان الشهيد يونس :

” قرار ـ 1

ـ تقرر بالاتفاق رد طلب الاستاذ نصار لتعيين لجنة للكشف على جثة يونس عبد الرحيم.. لقد سبق للمحكمة ان قررت رد طلب الدفاع بتشكيل لجنة طبية للكشف على يونس بداعي ان تشريعنا الجديد قد جعل مسؤولية المحرض مستقلة عن مسؤولية المحرض لذلك فإننا نعترض على الاسئلة المتعلقة بيونس لوحده والتي لا علاقة فيها بباقي المتهمين..”

8 ـ جاءت لائحة الاتهام تتضمن ثلاثة عشرة تهمة ليأتي في ذيلها اتهام مبهم/ قبل الحادث يوم الحادث بعد الحادث / فجوهر القضية / اغتيال المالكي/ فإذا ما ثبتت التهمة أصبح بالإمكان التحدث في مستتبعاتها وليس العكس، مما يعني أن القضية الأساس لم تكن هي كذلك بقدر ما كانت القضية مدخلا لتصفية الحزب، فكيف تتصدر لائحة الاتهام تهمة/ / الانتماء لحزب سياسي غير مرخص من الحكومة/ فمثل هذا الاتهام يتناقض كليا بما هو مثبت في متن اضبارة القضية (راجع الملحق رقم 7)

تلك بضع أسئلة لم نستطع الاجابة عليها مما تضمنته اضبارة مقتل المالكي، مما يعني أن القضية برمتها تبدو أكثر من مؤامرة شاركت بها دول وشخصيات في موقع القرار

 

في التنفيذ:

سوف نترك للشاهد ناصر هزير، يروي لنا ـ كشاهد عيان ـ المشهد بدئا من خروج الشهيد يونس من الثكنة وحتى الاستشهاد ونعلق على الموضوع بعد سماع الطلقة الأولى والمشهد الدراماتيكي الذي استتبعها ..

“.. حضر الوكيل الاول سعيد وكيل السرية بالصادرة معلنا بدء الاجتماع فجرى الاجتماع وقرأ الوكيل الاول سعيد الامر الاداري بتوزيع المهمات في الملعب البلدي للمباراة التي ستجري بين فريق الشرطة وفريق خفر السواحل المصري وعرف كل واحد منا مهمته.   انني لم اشاهد يونس في الثكنة اثناء دخولي اليها واول ما رأيته يومها في الاجتماع فقط وبعد توزيع المهمات تفرق بعض الرقباء مثل الوكيل منير فتوحي واحمد ايوب وموفق امام, وبقيت وحدي من الرقباء في ساحة الثكنة.   وغاب عن نظري يونس في هذه الفتر(أي) ما يقارب السبعة دقائق حتى ناداني الوكيل الاول سعيد واعطاني امرة الصف لقيادته حتى باب الملعب وفي هذه الاثناء بالضبط شاهدت يونس عبد الرحيم ينزل من الدرج الذي يؤدي من مركز الآليات الى باحة الثكنة وهو يصلح بنطلونه ووضع فوقه السترة التي كانت مفككة عدة ازرار منها من الاسفل واعاد نطاقة وكنت اثناءها قد اعطيت ايعاز بالاستعداد وبدء المسير وخرجنا من باب الثكنة ولحق بنا..

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 6

ورقة ضبط (3) احمر ـ 2

ناصر هزير ـ 2

.. يونس سائرا في الخلف / الصف / بل وبقرب باب مدرج الجامعة /والنفط بل والمنعطف المؤدي الى الملعب البلدي واذ بالوكيل الاول سعيد قادما بدراجة مزدوجة يقودها الوكيل ماجد شاكر.   وتابعت انا مسيري وراء الوكيل الاول سعيد الذي كان في الدراجة حتى دخلنا باب الملعب الخارجي واوقفت العسكريين على الجانب الايمن من الطريق حيث استلم الوكيل الاول سعيد امرة الصف مني وبعد هذا تابعت سيري والرقيب الاول يونس عبد الرحيم لداخل الملعب لاستلام مركز عملنا او خدمتنا على المنصة.   ووقفنا بالساحة الصغيرة المكان الذي تقف فيه فئة المراسيم.   وبعد قليل وصل الوكيل الاول سعيد مع فصيله الينا ونزلنا انا ويونس ورحنا نتجول في ارض الممشى المؤدي الى مطلع الدرج واثناء ذلك تركني يونس ولا اعلم اين ذهب لا نني التفت الى جانبي وورائي ولم اجده.   فتابعت سيري حتى الطرف الآخر من الجهة الشمالية للمدرج فوجدت هناك الوكيل الاول سعيد حاج حسين جالسا على كرسي في الصف الامامي فجلست بقربه وقد غيرت انا واياه مكاننا عدة مرات هربا من الشمس حينما تغطينا.   وتحدث الوكيل الاول سعيد بانه سيترك عمله كوكيل السرية ويستلم شعبة التحقيق  ولا اذكر ما جرى من باقي الحديث لأنه لم يسترعي انتباهي منه غير هذا القول وبعد مضي ما يقارب او يزيد عن عشرين دقيقة على غياب يونس عني واذ به يعود ويجلس بقربي ولم انتبه مطلقا من اية وجهة كان قدومه ولم الاحظ عليه اي اضطراب او اي شيء غير عادي واثناء جلوسنا واذ برقيب طويل الجسم عريض المنكبين ممتلئ الصحة اسمر اللون على رأسه غمرة من غمرات الجيش القديمة (مبرغلة) يتقدم نحونا ويسألنا من هو الرقيب الاول يونس عبد الرحيم فأشرت على يونس بيدي وقلت له (حضرتو) فقال له الرقيب (بتسمح انا عاوزك لك معي مكتوب) فنهض يونس من مكانه ومشى مع ذلك الرقيب حتى وقفا بعيدا عنا قليلا وتحت شجرة من شجرات الكينا هناك. وشاهدت الرقيب وقد اخرج من جيبه ورقة عادية دون مغلف ومطوية بيضاء ففتحها يونس وقرأها ووضعها في جيبه في البنطلون وعاد بعدها يونس وجلس على نفس كرسيه السابق  وذهب الرقيب الطويل بحال سبيله  ولم اعد اراه بعد ذلك مطلقا وقد شاهد كل ذلك الوكيل الاول سعيد حاج حسين تماما.   وبعد ذلك بقليل جاء نحونا الملازم عبد المجيد جمال الدين وقال مؤنبا ايانا بقوله يللا كل واحد محلو الناس يجلسون على الكراسي بدون بطاقات.   فنهضنا على الفور وذهبنا الى مكان عملنا.   فوقفت انا من امام المنصة وعلى يمينها كي احافظ على نظام الجلوس في الكراسي المعدة لبطاقات الدعوة والموجودة امام المنصة بينما وقف يونس في الطرف الشمالي من فوق على المنصة وبين مقاعد ضباط الاركان والمقاعد اليسارية وبقيت متابعا عملي ومهمتي في ذلك المكان.   وبعد النشيد السوري والمصري وبدء المباراة رجعت الى الوراء / قليلا حتى سندت ظهري على حائط المنصة / بل حتى وقفت في مؤخرة المنصة من الجانب الايمن حيث كان يجلس الدبلوماسيون / بل الضباط وعائلاتهم.   بقيت واقفا الاحظ المباراة ولم اعد انتبه ليونس منذ بدء النشيد السوري وقبل النشيد السوري والمصري وكان يونس يروح ويجيئ كثيرا ولم اشاهده يحدث احدا وبعد قليل حضر الوكيل الاول شفيق اي بعد بدء المباراة وهو من مصلحة النقل بدين الجسم ومعه الوكيل سليم زيفة ومعهما عدد من النسوة جلسن في مكان في /المقدمة/ مع نسوة الضباط بينما جلس الوكيل الاول والوكيل في الصف الخلفي وجلس احدهما على الكرسي الذي استند عليه بيدي وهو الوكيل زيفة وبعد برهة وجيزة واذ بالرقيب الاول كلاس من الشعبة الرابعة لرئاسة الاركان العامة كان قريبا منهما وكنت انا الفاصل ما بين الاول والوكيل الذي ناداه الرئيس بقوله سليم واشار اليه بيده موميا اليه ان يتقرب نحوه فتقرب الوكيل نحوه وهو على كرسيه  ايضا الرئيس الاول نحوه وهمس بإذن الاول وتحدث معه حول عمله وما كاد كل منهما ان يعود ويستوي في وضعه السابق حتى صدر طلق ناري فلم يتحرك في البدء..” ( سوى الشهيد يونس مشهرا مسدسه متجها صوب مصدر الصوت..)  وبهذه الثانية صدر طلق آخر”.. (يحاول الشهيد يونس اطلاق النار  لا تنطلق الرصاصة ،يعالجه مطلق النار برصاصة تخطئه وتصيب فخذه الأيسروهو يعالج مسدسه ..)  ..  فنهضت الجموع وكل من هو على المنصة فالتفت واذ بالضباط  يحملون العقيد عدنان المالكي مضرجا بدمه واثناء ذلك اي بعد الطلق الثاني شاهدت الرئيس اكرم يسرع خلف المنصة(..ليطمئن على فرار القاتل) بينما يتجه عبد الكريم النحلاوي باتجاه الشهيد يونس ممسكا بمسدسه قبل وقوعه على الأرض” فرافقته في نظري كان الرئيس اكرم يقف فوق شخص (يطلق أكرم ديري رصاصته القاتلة على الشهيد يونس) /يقول له/ قتيل مرمي في الارض يقول له (قتلت حالك يا كلب) ” (مبرئا نفسه من تهمة القتل و ملتقطا فارغته.. بينما يلتقط عبد الكريم النحلاوي مسدس الشهيد يونس) ويلقي أكرم ديري بفارغتي 7 ملم على الأرض)  .. فنظرت في وجه القتيل واذا به الرقيب

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 7

ورقة ضبط (3) احمر ـ 3

ناصر هزير ـ 3

الاول يونس عبد الرحيم وحضر على اثرها الى المنصة الملازم عبد المجيد جمال الدين (ويصرخ بأعلى صوته ” هذا قومي سوري  وعلى مسمع من المذيع الذي يبادر للقول “قتل العقيد عدنان المالكي والقاتل قومي سوري وتنطلي الكذبة على جميع من سمعها من المذياع وفي الملعب ”  .. ونظر ما بين الموجودين وذهب لبعيد قليلا ونادى الوكيل منير فتوحي الذي عاد وناداني طالبا الي الذهاب الى المركز حيث اوقفت.   هذا واضيف بان الرقيب الاول يونس عبد الرحيم هو من الحزب السوري القومي  ويعرفه زملاؤه في المركز واما انا فغير منتسب الى اي حزب سياسي او اية ندوة او جماعة كما انه الرقيب الاول يونس لم يطلب ولم يحاول/ معي الدخول في حزب سياسي/ ادخالي في حزب سياسي وهذه افادتي.

 المحقق ـ التوقيع

الجيش السوري ـ فوج شرطة الجيش ـ شرطة موقع دمشق ـ رقم 666/ض 1

 الى قاضي التحقيق العسكري بدمشق

     نرفق طيا افادة الرقيب الاول ناصر هزير من فوج الشرطة.   حول اعطاء ورقة من قبل رقيب مجهول الصفة للرقيب الاول يونس عبد الرحيم قبيل وقوع الحادث.

دمشق في 29/4/1955      آمر شرطة موقع دمشق

       الملازم الاول عبد الباسط منجد

         التوقيع

 

في خلاصة هذه الدراسة ـ المرافعة، في قضية بلغ وزن أوراقها ما يزيد على العشرين كيلو غراما بأوراق فاق عددها الثلاثة عشر الف ورقة، نستطيع وبناء على مختلف جوانب تساؤلاتنا حول ما غمض منها وما لم تستطع مطالعة النيابة العامة تبريره بعدم الأخذ بأي من قوال الشهيدين منعم وبديع أمامها، والاكتفاء بأقوال شهود زور هم بكل تأكيد من العاملين في أجهزة المكتب الثاني، واعتمادها بالكلية على ما جاء على لسان عصام المحايري من أقوال واجتهادات وتأويلات ..، وعدم الأخذ بأقوال الشهود العيان من رجال الشرطة العسكرية القائمين على حراسة المنصة ، حتى ولا على ما جاء بإفادة الشاهد ناصر هزير،  وحول تلك النواقص والتناقضات التي شابتها، والتي لفتنا النظر اليها في حينها، نقول نستطيع التأكيد على أن مختلف اجتهاداتنا وتأويلاتنا التي جاءت في سياق هذه الدراسة ـ المرافعة تؤيد ما يلي  :  

ـ إن مجمل ما جاءت به لائحة الاتهام ساقطة قانونيا.

ـ براءة كلٍ من:

الحزب السوري القومي الاجتماعي قيادة وأفرادا مما نسب لهم 

1 ـيونس عبد الرحيم

2 ـ بديع مخلوف

3 ـ عبد المنعم دبوسي

4 ـ غسان جديد

5 ـ جورج عبد المسيح

ـ تجريم كل من :

1 ـ أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج بتهمة التحريض والمشاركة بالقتل.

2 ـ محمود رياض وجمال حماد بتهمة التخطيط لجريمة الاغتيال.

3 ـ أكرم ديري وعبد الكريم النحلاوي ورجل الأمن المصري بتهمة القتل العمد .

4 ـ مطالبة السلطات الشامية بالكشف الطبي الجنائي على رفاة الشهيد يونس عبد الرحيم ونقل رفاته الى مسقط رأسه .

5 ـ اعتذار رسمي من قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي عن اتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي لمشاركة أكرم الحوراني في التحريض والتخطيط والتنفيذ في جريمة اغتيال العقيد عدنان المالكي 

انتهى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الملحق رقم 1)

“يؤسفني ما يترامى إلي من أن أقلاما قومية اجتماعية في لبنان تقوم بحملة تضليل وتنشر ترهات تصورني فيها في التحقيق الذي جرى ويجري معي، أن أظافري قد اقتلعت ويداي قد كويت بالزيت المغلي بل وأن عيني قد قلعت أو كادت إلى نحو ذلك من الأباطيل.

لقد كنت أتمنى على رفقائي في لبنان أن يمسكوا أقلامهم إلا على الواجب الذي يمليه على قومي اجتماعي سلوكه تجاه الجريمة النكراء والمأساة المفجعة التي أودت بحياة العقيد المالكي، هذه الجريمة البشعة ويؤلمني أن أصارح رفقائي، أنها ليست وليدة يونس عبد الرحم القاتل الذي انتحر أو قتل بعد الاغتيال مباشرة بل أن وراء يونس ويا للعار، أيدي بعض المسؤولين الحزبيين الذين خططوا ودبروا ودفعوا للجريمة الآثمة.

وواجب أقلام القوميين الاجتماعيين هو الاهتمام بهذه الناحية الخطيرة والأليمة جدا فلا ينساقوا وراء العاطفة الشخصية وينسوا واجبهم في تناول وضعية المجرمين.

إن حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين تعني، ويا للخجل أن هؤلاء خانوا الحزب وخانوا دستوره كما خانوا قسم المسؤولية الذي أدوه.

هذه الخيانة تفرض علينا أن نثور على أصحابها ونصب نقمتنا عليهم، ونعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم، لا أن نحصر الثورة على موضوع توقيف الرفقاء الذين أوقفوا ونسج الروايات حول هذا التوقيف، هذه الكلمة التي أسوقها لرفقائي كم أكون شاكرا للصحافة في الشام ولبنان نقلها إليهم لتتضح لكل رفيق الحقائق حول هذه الجريمة النكراء، ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أياً كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”.

ملحق  رقم ( 2 )

* ـــ استقالة ثلاثة أعضاء من المجلس الأعلى احتجاجًا على سقوط اقتراح طرد الرفيق حسن الطويل.

وفي انتخابات تكميلية في جلسة لم يكتمل نصابها القانوني، عاد عدد الأعضاء إلى خمسة عشر عضوًا، كما كان. ومن الذين أكملوا العدد اثنان من الثلاثة الذين استقالوا احتجاجًا على عدم طرد الرفيق حسن الطويل.

وفي 18 تشرين الأول قدّم أربعة من أعضاء المجلس الأعلى استقالاتهم وهم الرفقاء: يوسف قائدبيه، محمّد يوسف حمود، فاضل كنج، جورج عبد المسيح، بسبب التمادي في خرق الدستور والقواعد الدستوريّة.

وفي 20 تشرين الأوّل 1957 عقد المجلس الأعلى جلسة استثنائية لم يُدعَ إليها الأربعة خلافًا للدستور الذي ينصّ على دعوة جميع الأعضاء حتّى المستقيلين. في هذه الجلسة اللّادستورية قرّر المجتمعون (الأحد عشر) إقالة الأربعة المستقيلين، ووقفهم عن ممارسة حقوق رتبة الأمانة، ومنعهم من ممارسة حقوق العضوية. وكان ثلاثة من الأعضاء الـ (الأحد عشر) قد قدّموا استقالاتهم فقُبلت من الأعضاء الباقين وعددهم (ثمانية). فأصبح العدد الباقي ثمانية من خمسة عشر. ولم يلتزموا بقرارات المجلس الأعلى السابقة التي تنصّ على عدم جواز إنزال عدد أعضاء المجلس إلّا إذا كان المجلس المنتخب كامل العضوية. فقرّر الثمانية إنزال عدد أعضاء المجلس إلى تسعة ليكون لهم حقّ اتّخاذ القرارات التي تحتاج إلى ثلثي أصوات أعضاء المجلس. وبهذا القرار اللّادستوري الفوري الكيفي التعسّفي أصبح لستّة منهم حقّ إقرار ما يحتاج إلى ثلثي أعضاء المجلس الأعلى؛ ومع خرقهم للدستور وللقوانين حسبوا اجتماعهم دستوريًّا.

وعليه فهؤلاء ارتكبوا خرقًا فاضحًا للدستور:

– في اتّخاذ قرارات مخالفة للدستور، إذ ليس هناك مادّة واحدة تجيز للمجلس الأعلى وقفَ أمينٍ عن ممارسة حقّ وصلاحيات رتبة الأمانة.

– في اتّخاذ قرارات تتعارض مع قرارات المجلس الأعلى والمتعلّقة بضرورة حضور كامل الأعضاء في حال إنزال عدد أعضاء المجلس الأعلى.

– في انتخابات تكميلية في جلسة لم يكتمل نصابها القانوني.

– في عدم دعوة المستقيلين كما تنصّ القواعد الدستورية والقوانين المرعيّة.

– في إقالة مَن قدّم الاستقالة.

ونتيجة لذلك، سقطت دستوريّة المجلس السابق.

من مقالة الرفيق نايف معتوق / الرد على مسعد حجل .

( لعبٌ بالدستورِ من الدستورِ على الدستور)

الملحق رقم(3)

1ـ مذكرات أكرم الحوراني:

بداية لا بد لنا من القول إن سعادة عندما ضمن قسم الانتماء للحزب السوري القومي الاجتماعي عبارة (.. وأن أتخذ مبادئه شعارا لي ولعائلتي)، كان على يقين تام بأن للنشأة التربوية في العائلة الأثر الأكبر في توجهات الفرد المستقبلية، فهي المدماك الأول الذي تبنى عليه مختلف القيم والمفاهيم والمصطلحات والمعلومات و.. الى ما هنالك من تكوينات نفسية ترافق شخصية الفرد حتى مماته، ونادرا ما تمكن الفرد من التخلص منها، خاصة في مجتمع ورث المعتقدات التي تتصلب مع مرور الزمن، فلا ترضى نقاشا ولا تؤول الى حال أخرى إلا بقدرة قادر، خاصة وأن تربيتنا تسلك مسلك الصرامة والتشدد بكل ما له علاقة بالمعتقد الديني على وجه الخصوص والعادات والتقاليد المستمدة من التراث الديني تحديدا وإن خرجت في بعض مفاصلها الى التجربة الحياتية للشخص بذاته، لكنها تبقى من حيث المنحى، تنحى على ما نشأت عليه..

هذا ما نطالعه في مذكرات أكرم الحوراني الذي نشأ في أجواء الاقطاع وفي كتاتيبها وعلى أيدي شيوخها ومفتيها، وإن كانت مسيرته التعليمية لم تكتمل في بيروت عبر المدرسة اليسوعية وإنما عادت الى دمشق لتقارب تزمت أساتذة الحقوق فيها..

“التجربة والخطأ”  

1936ـ 1937

في الحزب السوري القومي:

 تحت هذا العنوان يدبج أكرم الحوراني تجربته في الحزب السوري القومي الاجتماعي، يقول:

” إن التأييد الشعبي العارم للكتلة الوطنية والطوفان البشري الذي صاحب توديع الوفد السوري المفاوض الذاهب الى باريس ثم استقباله، لم يمحو من نفسي انعكاسات موقف قيادات الكتلة خلال الاضراب الستيني عندما حاولت هذه القيادات أن تنهي الاضراب، ولكن الشعب أجبرها على الذهاب به الى نهايته، مما أدى الى قبول فرنسا بالتفاوض لعقد معاهدة 1936 ولكن كان هنالك تشاؤم كبير من جدوى المفاوضات مع فرنسا ومن نتائجها المرتقبة، وشك عظيم بإمكان اتخاذ خطوات جدية على درب الاستقلال والوحدة السورية، كان التشاؤم والشك يزداد كلما مرت الأيام على تجميد الوفد المفاوض في زوايا الإهمال بدوائر باريس السياسية .

لقد أصبحت أعتقد بعد تجربتي وانغماسي في أحداث الاضراب الستيني في دمشق بأن القضية الوطنية والحياة السياسية في سورية بحاجة الى تنظيم حزبي على مستوى العصر والأحداث، وكنت أجاهر بهذه الأفكار مع رفاقي الثلاثة الذين كانوا يشاركونني السكن في بيتنا الطلابي الصغير.

قبل وفاة الدكتور عبد الرزاق الدندشي، كان بعض الأمل معقود على عصبة العمل القومي، ومرد ذلك أنها كانت حزب عربي جديد بقيادة شابة تلتقي مع طموح الشباب العربي المتمثل أنداك بنادي المثنى بن حارثة في العراق، لكن وفاة الدندشي، وانتقال قيادة العصبة الى صبري العسلي وحلمي الاتاسي أزال من نفسي كل أمل بهذه المنظمة وأصبحت الكتلة الوطنية بنظري خير منها.

في تلك الفترة زارنا في بيتنا الطلابي بدمشق ” سروري البارودي” وهو من أصدقاء الطفولة في دار العلم والتربية، ثم فرقت تلك السنين التي لم أكن ألقاه خلالها إلا صدفة، وعندما انفرد بي البارودي، أخرج من حقيبته عددا من مجلة “المعرض” التي كانت تصدر في بيروت وقدمه لي.

كنت في الماضي أقرأ مجلة المعرض باستمرار وكنت أحترم صاحبها ميشيل ذكور لنزعته الاستقلالية الحرة، وكان هذا العدد من المجلة مخصصا للحزب السوري القومي الجديد في لبنان ، والتعريف في مبادئه ومقالات أركانه وخطابات زعيمه وأنباء محاكماته وقد كانت الصخف تتحدث باستمرار منذ عام 1935 عن اكتشاف السلطة الفرنسية في لبنان هذا الحزب السري وملاحقة أعضائه ومحاكماتهم، وكنا نقرأ تلك الأخبار ونحن نشعر بالدهشة والاستغراب والتفاؤل لظهور حزب في لبنان ، يقف بهذه الصلابة والجرأة مع ثقافة عالية ودقة في التنظيم، لتناضل في سبيل الاستقلال ووحدة سورية التي كانت هدف المرحلة لجميع القوى الوطنية في سورية.

في تلك الأيام لم يكن خطر لبنان بنظر السورين أنه طريق للاستعمار فحسب، بل ثمة ما هو أخطر من ذلك وأشد مرارة أن لبنان،بقطاعه المسيحي الماروني بصورة خاصة يؤيد فرنسا ويحبها بمشاعر صادقة ويعتبرها الأم الحنون، وقد كان أقصى أماني هذا القطاع من الرأي العام اللبناني أن تعتبر فرنسا لبنان جزءا منها، وهذه العواطف كانت ثمرة طبيعية لما اصطنعته مدارس فرنسا التبشيرية خلال ثمانين عاما، وما هيأته تدخلاتها السياسية المستمرة باسم حماية المسيحيين عامة في عهد الخلافة العثمانية ولحسن الحظ فإن الفرنسيين لم يحترموا هذه العواطف تجاهها وتصرفوا تصرف المستعمر، وكان جل همهم أن يستغلوا هذه العواطف الطائفية لتشديد فبضتهم وترسيخ أركان استعمارهم في سورية التي كانوا يعتبرون وجودهم فيها حلقة متصلة بوجودهم في مناطق إمبراطوريتهم الاستعمارية الأخرى في مراكش والجزائر وتونس والهند الصينية ( راجع مذكرات كاترو)

لقد كان لبنان ولا يزال بحكم موقعه وذكاء أبنائه ورقيهم وانفتاحهم على حضارة الغرب من أهم المواقع العربية في المشرق يؤثر فيه سياسيا وقوميا وفكريا واقتصاديا، في تلك الفترة لم يكن لبنان ممرا للاستعمار فحسب ، فمنه عبرت قوات الجنرال “غورو” لاحتلال سورية عام 1920 بل كان في نظر الرأي العام في سورية مستقرا لهذا الاستعمار لذلك اعتبر ظهور هذا الحزب المفاجئ في لبنان ضربة مسددة لصميم الاستعمار الفرنسي ..

2 ـ ما  ھي ﻣﺒﺎدئ اﻟﺤﺰب  اﻟﺘﻲ  ﻗﺮأﺗها ﻓـﻲ ﺗﻠـﻚ اﻟﻠﯿﻠـﺔ ﻣـﻦ ﻋـﺎم  1936 ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺔ اﻟﻤﻌﺮض ﺑﻨهم ودھﺸﺔ

 ﻣﺠﻤﻞ ﻣﺒﺎدئ اﻟﺤﺰب اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ ھـﻲ أن ﺳـﻮرﻳﺎ ﻟﻠﺴـﻮرﻳﯿﻦ .

  ، وأن اﻟﻘﻀﯿﺔ اﻟﺴﻮرﻳﺔ ﻗﻀـﯿﺔ ﻣﺴـﺘﻘﻠﺔ ﺑـﺬاﺗها ، واﻟﺴﻮرﻳﻮن أﻣﺔ ﺗﺎﻣﺔ واﻟﻮﻃﻦ اﻟﺴﻮري ﺑﺤﺪوده اﻟﻤﻌﺮوﻓﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺆﺗﻤﺮ اﻟﺴﻮري اﻷول اﻟـﺬي ﻋﻘﺪه اﻟﻤﻠﻚ ﻓﯿﺼل في دمشق وفي دستور الجمعية التأسيسية عام 1928  

 ﻳﻤﺘﺪ ﻣﻦ ﺟﺒﺎل ﻃـﻮروس ﺷـﻤﺎﻻ إﻟـ،ﻰ اﻟﻌﻘﺒـﺔ وﺷـﺒﻪ ﺟﺰﻳـﺮة ﺳـﯿﻨﺎء  . وﻣﻦ اﻟﻤﺘﻮﺳﻂ ﻏﺮﺑﺎ إﻟﻰ اﻟﻌﺮاق ﺷﺮﻗﺎ ،

    أﻣﺎ اﻟﻤﺒﺎدئ اﻻﺻﻼﺣﯿﺔ ﻟﻠﺤﺰب ﻓﺘﻨﺺ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﻤهاﻋﻠﻰ ﻓﺼﻞ

   ، اﻟﺪﻳﻦ ﻋﻦ اﻟﺪوﻟﺔ واﻟﺴﯿﺎﺳـﺔ واﻟﻘﻀـﺎء

 ورﻓـﻊ اﻟﺤـﻮاﺟﺰ ﺑـﯿﻦ ﻣﺨﺘﻠـﻒ . وإﻟﻐﺎء اﻻﻗﻄﺎع ، اﻟﻄﻮاﺋﻒ ..الخ

 وأﻣﺎ ﺗﻨﻈﯿﻢ اﻟﺤﺰب ﻓهو ﺳـﺮي وﺷـﺒﻪ ﻋﺴﻜﺮي.

 ﻛﺎﻧﺖ ﺧﻄﺎﺑـﺎت اﻟـﺰﻋﯿﻢ أﻧﻄـﻮن ﺳـﻌﺎدة واﻟﻤﻘـﺎﻻت اﻟﻤﻨﺸـﻮرة ﻓﻲ اﻟﻤﺠﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى ﻓﻜﺮي وﺛﻘﺎﻓﻲ ﻳﺘﺠﺎوز ﻛﺜﯿﺮا ﻣﺎ ﻛﺎن ﻳﻜﺘﺐ

أو ﻳﺼﺪر ﻋﻦ اﻷﺣﺰاب واﻟهيئات اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ آﻧﺬاك ھﻜـﺬا ﻛـﺎن وﻋـﻲ اﻟﻤﺮﺣﻠـﺔ ﻓـﻲ ﻧﻈﺮﻧـﺎ ، اﻻﺻﻼﺣﯿﺔ ﻣﻮﺿـﻊ اﻋﺘـﺮاض ﻛﻤـﺎ ﻟـﻢ ﻳﻜـﻦ اﻟﺘﻨﻈـﯿﻢ ﺷـﺒﻪ اﻟﻌﺴـﻜﺮي واﻟﺴـﺮي ﺑﺸـﺎراﺗﻪ ، آﻧﺬاك ﻷن ﺗﻠـﻚ اﻟﺸـﺎرات ، اﻟﻨﺎزﻳﺔ واﻟﻤﺎﺳـﻮﻧﯿﺔ ﻟا ﯿﺜﯿـﺮ أي اﻋﺘـﺮاض أو اﻧﺘﺒـﺎه  ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﻣﻦ ﻋﻼﺋﻢ اﻟﺴﺮﻳﺔ ودﻗﺔ اﻟﺘﻨﻈﯿﻢ وﺣﺴﻦ اﻻﻧﻀﺒﺎط

 ﺗﺎﺛﺮ اﻟﺤـﺰب اﻟﺴـﻮري اﻟﻘـﻮﻣﻲ ﺑـﺎﻟﺤﺰب اﻟﻨـﺎزي اﻷﻟﻤـﺎﻧﻲ ﻟﺪرﺟـﺔ أن  اﻟﺸﺎﻋﺮ ﺳﻌﯿﺪ ﻋﻘﻞ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻳﻘﺎل آﻧﺬاك اﻧﻪ ﻣﻨﺘﺴﺐ إﻟـﻰ اﻟﺤـﺰب  اﻟﺴﻮري اﻟﻘﻮﻣﻲ ﻗﺪ وﺿﻊ ﻧﺸﯿﺪا ﻟﻠﺤﺰب ﺟـﺎء ﻓﯿـﻪ أن ﺳـﻮرﻳﺔ ﻓـﻮق اﻟﺠﻤﯿﻊ ﻋﻠﻰ ﻏﺮار اﻟﻨﺸﯿﺪ اﻟﻨﺎزي” :  اﻟﻤﺎﻧﯿﺎ ﻓـﻮق اﻟﺠﻤﯿـﻊ”

ولم تكن السلطات التشريعية واﻟﺘﻨﻔﯿﺬﻳﺔ ﻓﻲ ﻳﺪ سعادة وﺣـﺪه ﻣـﺪﻋﺎة ﻟﻼﺳـﺘﻨﻜﺎر ﺑـﻞ ﻛﺎﻧـﺖ ﻣـﻦ اﻷﻣـﻮر اﻟﺘﻲ ﺗﺠﺬب اﻟﯿﮫـﺎ اﻟـﺮأي اﻟﻌـﺎم اﻟﻤﻌﺠـﺐ ﺑﺘﻨﻈﯿﻤـﺎت اﻟﺤـﺰب اﻟﻨـﺎزي واﻟﻤﺘﻌﺎﻃﻒ ﻣﻊ أﻟﻤﺎﻧﯿﺎ اﻟﮫﺘﻠﺮﻳﺔ ﻷﻧﮫﺎ ﺿﺪ ﻓﺮﻧﺴـﺎ وﺑﺮﻳﻄﺎﻧﯿـﺎ واﻟﺤﺮﻛـﺔ الصهيونية وﻟﻜــﻦ اﻟﻔﺎﺷــﯿﺔ اﻻﻳﻄﺎﻟﯿــﺔ ﻛﺎﻧــﺖ وﺣــﺪھﺎ اﻟﻤﻜﺮوھــﺔواﻟﻤﺤﺘﻘﺮة ﻷﻧﮫﺎ ﺗﺘﻤﺜﻞ  بأيطاليا ﻣﻮﺳـﻮﻟﯿﻨﻲ ﻋـﺪو اﻟﻌـﺮب وﻣﺴـﺘﻌﻤﺮ ﻟﯿﺒﯿﺎ واﻟﺤﺒﺸﺔ ﺑﺄﻓﻈﻊ أﻧﻮاع اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر وأﺷﺮﺳﻪ.

والذي أثار انتباهي واعتراضي ليس الشق من مادة ” سورية للسوريين ” بل الشق الثاني الذي ينص على ” الأمة السورية أمة تامة” ، لا سيما وقد جرت في الصحافة السورية بعض المنافسة لمبادئ الحزب الجديد وفي اليوم التالي ناقشت البارودي بهذا الأمر فقال مرحلية وأن قيام الوحدة السورية اللبنانية والانطلاق منها هو الأساس في الاستقلال وبناء الوحدة العربية

وهكذا ببساطة انتهى الاعتراض وتوقفت المناقشة ، أما فكرة القومية العربية التي كانت مزيجا من المشاعر الوطنية والدينية والتراثية فلم تكن قابلة للإعتراض أو المنافسة ، انتسبت أنا وبعض رفاقي لهذا الحزب ، ولم نكن ندري أو نخبر عن أي تنظيم اخر له في سورية ، وبعد أشهر عرفنا أن الدكتور وجيه البارودي هو منفذه في حماة وأن خالد مورلي منفذه في دمشق 

4ـ ما يبنى على الفراغ

شرح أنطون سعادة مواد دستور الحزب السوري القومي بالطبعة الأولى في كراس صغير فكشف فيه عن منشأ تصوره للقومية السورية يستند الى جدلية هيغل التي يعبر عنها عادة بالثلاثية الشهيرة : القصة ـ نقيضها ـ التركيب ، يقول سعادة :” اذا كانت النعرة الفينيقية والنعرة العربية أو بالعكس، أي اذا كانت النعرتان الدينيتان نظريتين متعارضتين، فمما لا شك فيه أن مبدأ الأمة وحدة السورية المؤلفة من عدة عناصر أو سلالات من جميع العناصر التي كونت في مجرى التاريخ المزاج السورية والطابع السوري والعقلي هو المبدأ الذي يقدم أو يدمج النظريتين المتعارضتين وجعلهما نظرية واحدة ومذهبا واحدا هو القومية “

لا أريد أن أقف طويلا عند هذه المعادلة الواهية لتصور القومية السورية لأن القومية ليست مجرد ادعاءات وافتراضات ونظريات، بل هوية واقعية مادية وروحية، فهي هوية جنس ولغة ومصلحة وثقافة تمثل حضورا حيا ماثلا.

إن المعادلة الواقعية والمنطقية والحقيقية ليست معادلة سعادة بل هي المعادلة التالية: 1 ـ يوجد عرب مسلمون. 2 ـ يوجد عرب مسيحيون. 3 ـ إذن فإن المخرج: ليس خلق قومية جديدة وهذا مستحيل، وإنما يكون بالقومية العربية ذات المضمون التحرري الاجتماعي والسياسي والإنساني.  

لبنان والحزب القومي:

لقد تبلورت النزعة الاستقلالية بين شباب لبنان المسيحي، في الثلاثينيات، بحزبين اثنين، الكتائب والسوري القومي ولا يزال هذان الحزبان قائمين منذ أربعين عاما، (*) لأن حزب الكتائب يتصل بالعصبية المحافظة من جهة المحافظة على كيان لبنان بمعنى المحافظة على طابعه الماروني  الطبقي المنفتح على الغرب المسيحي، أما الحزب السوري القومي الذي جذب اليه أنذاك من شباب لبنان على مختلف طوائفهم أكثر مما جذب اليه أي حزب آخر، لأنه اتصل بضمير فئات الشباب التي بدأت تتطلع الى الاستقلال والحرية والكرامة وتطمح لمعالجة العلل الاجتماعية والطائفية والعشائرية والاقطاعية التي لا يزال المجتمع اللبناني يعيش ضمن جدرانها الفولاذية، كما استجاب الحزب القومي السوري لنزعة عميقة لدى قطاع هام من الرأي العام المسيحي في لبنان الذي يشعر بقرابته وارتباطه بسوريا ويرى فيها مدى نشاطه الطبيعي والحيوي في المستقبل.

كان ذلك في أواسط الثلاثينيات: فما هي المعادلة القومية التي ستستقطب الجيل الجديد في لبنان بعد أربعين عاما من التطور؟ لا شك إنه اليسار العربي في لبنان الذي أخذ يستقطب الآن من العناصر الشابة ما استقطبه الحزب السوري القومي فيما مضى عندما انتسب اليه نعمة ثابت وصلاح لبكي وأمثالهما من مئات الشباب المتحدرين من أعرق الأسر المسيحية، إنه خط سير التاريخ المندفع الى الأمام مهما تعرج أو التوى .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

  • ـ كتبت هذه الفصول من المذكرات في أوائل السبعينيات.

3 ـ حملة في حماة ضد الحزب السوري القومي:

أصبح شباب” الصفة ” في حماة منقسمين الى ثلاثة اتجاهات، في معركة انتخابات 1936 النيابية :

ـ المؤيدون لترشيح الدكتور “توفيق الشيشكلي” الذي كان يدعو لترشيح “محمد البارودي” من قادة الكتلة الوطنية.

ـ شباب الكتلة الوطنية الذين يؤيدون توفيق الشيشكلي في دعوته لترشيح محمد البارودي.

ـ أعضاء الحزب القومي الذي لم يعد تنظيما سريا في حماة بعد أن انتسب اليه عدة مئات.

وكانت مناقشات ودية وحضارية تدور بين هؤلاء الشباب رغم تعدد اتجاهاتهم غير أنها خلال عام 1937 انقلبت الى مقاومة ضارية ضد انتشار الحزب السوري القومي بالاعتداء على أعضائه واجبارهم على الانسحاب من الحزب علنا والقسم على القرآن توثقا من انسحابهم، فاضطرت الأكثرية الساحقة أن تعلن انسحابها مع أنه لو ترك الحزب في حدود المناقشة والحوار لانحل في حماه من تلقاء نفسه، لسببين رئيسيين:

الأول: الشائعات التي كانت تنشرها الصحف متهمة الحزب بالاتصال بإيطاليا، وبالرغم من عدم قيام دليل على ذلك فإن هذه الاتهامات فعلت مفعولها ولوثت سمعة الحزب.

الثاني: عدم الاقتناع بالقومية السورية، والشعور بالغربة والوحشة النفسية داخل الحزب، ولذلك أصدرتُ بيانا بعد أن أصبحتُ منفذا عاما للحزب في حماة، أعلنتُ فيه أن الحزب عربي وأن القومية السورية مرحلية لتحقيق الوحدة السورية ، لكن قيادة الحزب لم تكن راضية عن اصدار هذا البيان في غيبة أنطون سعادة خلال سجنه للمرة الثانية، ومع ذلك فقد اضطر صلاح لبكي نائب زعيم الحزب أمام ضغوطنا،  أن يعمم نشرة داخلية يتبنى فيها القومية العربية، ولكن سرعان ما اختلف الأمر بعد خروج سعادة من السجن.

إن هذا الضغط لم يذهب عبثا، فقد أصدر انطون سعادة، وللمرة الأولى، بيانا يعلن فيه بأن الأمة السورية هي إحدى أمم العالم العربي وأنه يدعو لإقامة جبهة عربية تصد الفاتحين وتقف أمام الغزوات الأجنبية، وجمد الحزب عند هذا الحد في موقفه من العروبة، محتفظا بمبادئه الأساسية، بالوقت الذي أصبحت فيه دعوته تتعرض للنقد الشديد شيئا فشيئا بعد استشراء الخطر الصهيوني في فلسطين وطمع تركيا بلواء الإسكندريون ولا يمكن لغير القومية العربية أن تقف أمام هذه المخاطر التركية والغربية والصهيونية على سورية خاصة وعلى الشعب عامة.         

وقد أصدرت جماعة ” القومي العربي” في 27 نيسان 1939 كراسا عنوانه ” التربية السياسية في سورية” وهؤلاء من جماعة الأستاذ زكي الأرسوزي، وأعتقد أن هذا الكراس صدر معبرا عن آرائه (زكي الأرسوزي) وجاء فيه:

” والذي نعتقده أنه في المستقبل القريب والبعيد سيضطر القائمون على إدارة الحزب ـ القومي السوري ـ الى تعديل موقفهم من القضية العربية تعديلا جوهريا، وسيرون أن مصلحة سورية التي يعملون لها ، والتي يعتبرونها فوق كل مصلحة، تقضي بأن لا تستقل عن القضية العربية التي نجد فيها خلاصنا”

كان مفهوم القومية السورية يرتكز على جغرافية سورية وعلى تاريخها الذي هو سلسلة من الحضارات القديمة التي تعاقبت والتي لم تتصل بلغة المواطن وثقافته ومشاعره وواقعه اتصالا حيَّاً، إنها سلسلة طويلة من الحضارات ترجع الى العهد الحثي أو الفينيقي أو الروماني، فكان العربي يشعر بغربة داخل هذا الحزب، وكأنه من ناحية شعوره القومي يجتاز أروقة متحف وهو يردد مع أبي الطيب المتنبي :

” ولكن الفتى العربي فيها … غريب الوجه واليد واللسان “

ومع أن حملة الكتلة الوطنية ضد الحزب في حماة قد توقفت، بعد أن أعلن الكثيرون من منتسبيه انسحابهم، وبعد أن أظهر الرأي العام وبعض شباب الكتلة نزاهة وتقدمية اشمئزازهم من تلك الحملة، فإنني أعلنت حل الحزب في حماة أواخر عام 1937 وانتهى الأمر بالنسبة لي على الصعيدين الحزبي والسياسي

اجتمعنا في أوائل عام 1953، عندما كنا لاجئين في لبنان خلال ديكتاتورية أديب الشيشكلي، بالشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب، في صيدليته في ساحة البرج، وكان معي الأستاذان ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار فجرى حوار بيننا حول القومية العربية والقومية الفينيقية أو اللبنانية، وقد كان بيار الجميل معنا صادقا وصريحا، سألته هل تؤمن حقا بالقومية الفينيقية أو اللبنانية؟ أليس اللبنانيون عربا؟ فأجاب: ليس هناك قومية لبنانية ولا فينيقية، ولكني أقول لكم بصراحة.. نحن اللبنانيين نخشى منكم أنتم العرب (يعني المسلمين) أن تعتدوا على حرياتنا الدينية التي نقدسها ونقاتل من أجلها.. إن حفاظنا على كيان لبنان يساوي بنظرنا محافظتنا على مقدساتنا الدينية، كما فهمتُ من كلامه أن لديه تصورا مبالغا كثيرا عن تخلف العرب عامة.. قلتُ له: هل يمكنك في المستقبل أن تمنع هذه الأجيال الصاعدة أن تستفيق على قوميتها فتدرك مصالحها الحقيقية وترجع مختارة عن اقتناع الى القومية العربية؟ قال: إن الأجيال القادمة حرة بانتهاج الطريق الذي تراه منسجما مع قناعاتها..، قلت له: نحن غير مختلفين أصلا على المحافظة على استقلال لبنان وكيانه..

التجربة والخطأ:

لم يجد الخصوم في سيرة حياتي غير التركيز على استغلال انتسابي للحزب القومي السوري، في عام 1936، ولكن هذا التركيز لم يترك أثر على المستوى الشعبي والجماهيري بل إن نجاحي في انتخابات عام 1943 أظهر أن الشعب يكن لي حبا ودعما يفوق ما كنت أنتظره.

ولم تترك هذه التجربة في نفسي أي عقدة، بل كان لها نتائج إيجابية على المستوى الشخصي والشعبي، ومنها:

– أوصلني انتسابي للحزب السوري القومي على الشكل الذي ذكرت، لفهم مشاكل لبنان وتطلعاته ما لم يتيسر لغيري من الساسة السوريين فهمه وسره، وتفهمتُ تكون المجتمع اللبناني وخلفياته الاجتماعية والاقتصادية، وعرفت تطلعاته وعلله وآفاقه وأمراضه، ومع ذلك فإن هذا الفهم لم ينجنا من ارتكاب بعض الأخطاء بالنسبة للبنان مما سيرد في حينه.

– اتسعت آفاق ادراكي السياسي والوطني والقومي من قراءاتي لكل ما أصدره الحزب في تلك الفترة من نشرات وبيانات وكتب، باهتمام وتدقيق، مع الحوار والنقاش المستمرين طيلة فترة انتسابي للحزب، ولم تعد القومية عندي مجموعة من مشاعر وجدانية غامضة وشعارات غائمة بل أصبحتُ أتطلع الى أسس واضحة محددة للقومية العربية التي أومن بها.

– أوضحت تلك التجربة العاهة الرئيسية  التي نعاني منها في أغلب الأحزاب العربية، وهي عاهة نشؤ الأحزاب من فوق، منطلقة من الأوساط الثقافية والجامعية والطلابية بمعزل عن النضال الحي لجماهير الشعب، الأمر الذي يجعل هذه الأحزاب تنسلخ عن ضمير الأمة لتدور في الفراغ وتناضل داخل عالم الكلمات لا عالم الوقائع وهذا ما يولد لدى قياداتها مركبات النقص المعروفة، كالعصمة والغرور والتعالي، فيصبح الحزب جماعة من المريدين يكرهون الجماهير الشعبية ويخشونها بأعماقهم ..     

ـ إن الحب العظيم هو المنطلق العميق لكل الثورات التي أثرت في مجرى التاريخ وأن الاستعلاء على الشعب والخوف منه والادعاء بالعصمة هو مقتل الحركات السياسية وهو السر وراء انحرافاتها.

إن المعلم الأكبر هو الشعب لا سواه، والقائد الحقيقي هو الذي يصبح رفيقا للشعب يستلهم من ضمير الجماهير صبواتها وتطلعاتها وأمانيها وآمالها إن الشعوب هي الملهمة، والقيادة هي المفكرة والمنقذة.

وتبقى كل النظريات والأيديولوجيات التي لا تشتق عن التجربة والنضال مع الجماهير تأملات شخصية مهما بدا براقا بناؤها الفلسفي والفكري ولا أدل على ذلك من أن الأحزاب الشيوعية العربية رغم أنها تستند الى النظرية الماركسية ظلت خمسين عاما في البلاد العربية معزولة على هامش الأحداث، بل كانت مواقفها الفاعلة في الجانب الآخر من حركة التاريخ.

رابعا: ليس التنظيم الحزبي انضباطا عسكريا أو رياضيا أو إرهابيا مفروضا، بل إن التنظيم الحزبي هو انضباط واع منبثق عن اقتناع ذاتي بقيم الحزب العقلانية والوجدانية.

في أواخر شهر آب 1937، جاء أنطون سعادة الى حماة، ونزل ضيفا على صلاح شقيق أديب الشيشكلي، في بيته، فاجتمعت به هنالك حيث حاول أن يبحث معي إعادة تنظيم الحزب في المدينة، لكنني أصررت على الانسحاب نهائيا.

لا شك أن عبادة الفرد والنزعة الرومانسية والنرجسية والانطلاق من العصمة الفردية ما تزال من أبرز أمراض القيادات العربية السياسية فهي الآفات التي ما تزال أثارها تنخر حتى الآن الأحزاب اليمينية والتقدمية على السواء

(0ملحق رقم 4) ـ على شاكلة عبد الحميد السراج الذي تلقى اثني عشر مليونا من الملك السعودي لقاء اسقاط طائرة عبد الناصر أو قيامه بانقلاب في دمشق وأعلم عبد الناصر بمليوني جنيه تقاضاها عن عزم السعوديين اسقاط طائرته،  دون إعلام عبد الناصر بالخطة التي حاكها للإيقاع بالسعوديين، فبنى بها الأخير برج القاهرة بينما استحوذ عبد الحميد على العشرة ملايين المتبقية..

(الملحق رقم 5) ـ (حيث علمنا ان العقيد المالكي قد اصيب بالطلقات التي سمعناها وان هناك احد افراد الشرطة العسكرية قد اطلق النار عليه ثم اطلق النار على نفسه واثناء تجمهر الحضور كان الناس يتناقلون مختلف الاحاديث ويتساءلون عن ميول القاتل السياسية وقد سمعت اثناء ذلك من شخص اظن انه الرقيب الاول في الشرطة العسكرية الذي كان واقفا بقربي يقول ان يونس عبد الرحيم الذي قيل فيما بعد انه هو القاتل ينتمي الى الحزب السوري القومي وهذا كل ما سمعته واعرفه).

(الملحق رقم 6) * ـ تشكل الوفد من كل (عفيف البزرة، امين الحافظ، اكرم الديري، حسين حده، جمال الصوفي، بشير صادق، محمد البشير، احمد حنيدي، طعمه العود الله، ياسين فرجاني، مصطفى حمدون، وعبد الغني قنوت)

(الملحق رقم 7) افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 39

محضر 22 احمر ـ 2

رخصة الحزب القومي ـ 2

 معالي وزير الداخلية الافخم

     ان الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يعمل في صفوف الامة منذ سبعة عشر عاما والذي سجل بالفكر والفعل والدم مواقف دللت على اخلاصه ووعيه وتفانيه في سبيل هذه الامة العريقة الفذة, يرفع لمعاليكم هذا الطلب للحصول على رخصة تكسب عمله الصفة القانونية الرسمية , وله الشرف ان يتقدم بدلبه هذا في عهد حكومتكم الجليلة التي قامت على تثبيت الحريات العامة والنهوض (؟) بالشعب ضد الطغيان والفوضى والخمول.

     لذلك وعملا بمبدأ الحرية وحق المواطن الطبيعي يأمل الحزب السوري القومي الاجتماعي حصوله على الرخصة القانونية بموجب المبادئ المرفقة ربطا.

 وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير

دمشق في 6/10/1949 الياس جرجي قنيزح

 الى المديرية العامة للشرطة والامن العام

     للتحقيق وبيان الرأي ودمتم     في 2/3/1950     وزير الداخلية

صورة كالاصل ( خمس صفحات)

    رئيس شعبة الشؤون الاجتماعية

        في وزارة الداخلية

   التوقيع

ش / 1360

 حضرة السيد الياس جرجي قنيزح  رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي المحترم

     تسلمت الطلب الذي قدمتموه بشأن تأسيس حزب سياسي اجتماعي باسم الحزب السوري القومي الاجتماعي مركزه مدينة دمشق, وعليه اعطيكم هذا الوصل ودمتم.

دمشق في 13 آذار 1950 وزير الداخلية:سامي كبارة

صورة الى:

 ـ محافظة مدينة دمشق الممتازة

 ـ محافظة حلب ـ اللاذقية ـ الجزيرة ـ الفرات ـ حماه ـ حمص ـ دمشق ـ حوران ـ السويداء

 ـ المديرية العامة للشرطة والامن  (الامن)

 ـ قيادة الدرك العامة

 ـ شعبة الئؤون الاجتماعية ” مع الاساس”

      صورة طبق الاصل

 رئيس شعبة الشؤون الاجتماعية

       في وزارة الداخلية   التوقيع

 ـــــــــــــــ

اسم الحزب :   الحزب السوري القومي الاجتماعي

مركزه :   دمشق

نطاق عمله :   الجمهورية السورية

مبادؤه: يستهدف الحزب السوري القومي الاجتماعي بمبادئه القضاء على جميع   عوامل التفرقة والتفكك المستحكمة في هذه الامة والتي جعلتها طيلة  اجيال فريسة المطامع الاجنبية.   وهذه المبادئ الاصلاحية الاجتماعية التي يعمل لها تحقيقا لهذا الغرض هي:

    المبدأ الاول   :   فصل الدين عن الدولة

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 40

محضر 20 احمر ـ 3

رخصة الحزب القومي ـ 3

 المبدأ الثاني   :   منع رجال الدين من التدخل بشؤون السياسة

 والقضاء القوميين.

    المبدأ الثالث   :   ازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب

  المبدأ الرابع   :   الغاء الاقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على اساس

 الانتاج وانصاف العمل وصيانة مصلحة الامة والدولة.

غايته :   1 ـ ان الحزب السوري القومي الاجتماعي يؤمن ان سورية هي

    احدى امم العالم العربي وانها لن تتنازل عن مركزها في العالم العربي

    ولا عن رسالتها الى العالم العربي  ولكن عليها قبل كل شيئ ان اكون

    قوية في نفسها لتتمكن من تأدية رسالتها والقيام بمهمتها الكبرى تجاه

    العالم العربي.

65 ـ لذلك فان غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي هي: 

أ) بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد الى 

الامة السورية حيويتها وقوتها وتثبيت سيادتها ورفع مستوى حياتها.

ب) السعي لإنشاء جبهة عربية تكون سدا ضد المطامع الاجنبية

الاستعمارية, وقوة يكون لها وزن كبير في اقرار المسائل السياسية الكبرى.

نظامه: يقوم نظام الحزب السوري القومي الاجتماعي على اسس ديمقراطية

    مركزية مستمدة من المفاهيم الآتية:

     مقدمة :   كل عضو يقضي ثلاث سنوات في الحزب يبرهن  

    خلالها على اخلاص ونشاط منتج يحق له ان ينال لقب الامانة بترشيح

    مجلس العمد وموافقة المجلس الاعلى.

 اولا  :   يجتمع الامناء مرة كل سنتين لانتخاب مجلس اعلى يتولى        

 مسؤوليات السلطة التشريعية في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

     ثانيا :   ينتخب المجلس الاعلى مرة كل سنة من اعضاء الحزب هيئة

    تنفيذية تكون مسؤولة عن تأمين المصالح العامة الرئيسية في الحزب.     

    وهذه الهيئة تدعى مجلس العمد.   وهذا المجلس التنفيذي يقوم

     بصلاحياته ويكون مسؤولا عن جميع اعماله تجاه المجلس الاعلى.

ثالثا :   تحدد مناطق الحزب الادارية بقرارات يصدرها المجلس الاعلى تسمى منفذيات.

رابعا :   تقسم منطقة المنفذية الى مديريات للاحياء والقرى …………….(سطر غير مقروء)……………….

خامسا :   لكل عضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي حق ابداء الرأي في الاجتماعات النظامية العامة والخاصة في كل ما يتعلق بغرض الاجتماع وحين يباح الكلام له, وله حق ابداء الرأي لاي مرجع اعلى في كل ما يتعلق بشؤون الحزب الادارية بشرط ان أتي ابداء الرأي رسميا وبواسطة التسلسل وله حق ابداء الرأي في خطط الحزب السياسية والاقتصادية للمراجع والهيئلت المختصة رأسا وله حق الاتصال كتابة او شخصيا بالمراجع العليا.

حاشية :   لقد اجتمع المجلس الاعلى للحزب السوري القومي الاجتماعي وانتخب

السلطة التنفيذية المسؤولة لدى حكومتكم الموقرة.   وهذه الهيئة مؤلفة من السادة:

 الياس جرجي قنيزح رئيسا

 عصام محايري نائب رئيس

 جميل مخلوف امين صندوق

   نوري الخالدي امين السر                      صورة كالاصل ـ التوقيع

ـــــــــــــــ

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 41

محضر 20 احمر ـ 4

رخصة الحزب القومي ـ 4

 صاحب المعالي وزير الداخلية المحترم

تحية واحترام وبعد.

     ترى الهيئة المسؤولة للحزب السوري القومي الاجتماعي ان تضع امام مقامكم الكريم بعض النقاط الرئيسية المتعلقة بحقيقة الحزب بصورة موجزة اذ لا يسمح المقام بالتفصيل والتبسيط في الموضوع معتمدة على ما انتج الحزب في هذا المجال من كتب ودراسات ونشرات ومذكرات وصحف اصبحت تؤلف مكتبة قومية صغيرة يمكن الرجوع اليها للاطلاع الواسع على منذ ان تأسس في عام 1932 حتى عام 1949.

     لقد قدم الحزب للثقافة نظرة جديدة الى الحياة فاوقف تبني نفسية انانية فردية اتكالية وبنى مكانها حتى اليوم مجتمعا قوميا ….  ….  ….  ….  ….  ….  الكبرى ….  ….  ….  ….  وبرهن انه مستعد ان يبني لهذه المفاهيم والمقاييس ….  ….  ….  …  ….  ….  ….  ….  ….  وعزها ومجدها.   وقد استمد الحزب هذه المفاهيم من تاريخ بلادنا المجيد الذي يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.   واستمد قوته النفسية السورية الاصيلة الزاخرة بالقيم الانسانية والقومية رغم ما يبدو عليه في الظاهر من انحطاط و…. وانانيات.   ….  ….  ….  ….  ايضا من واقع الامة في ماضيها وحاضرها فهو ….  المسائل على اساس ذلك الواقع ثم يعمل بصورة ايجابية على ….  هذا الواقع بعد درسه وتفهمه.

     وقد جاهد الحزب جهادا في اشد الظروف حراجة يوم اتى المستعمر يبني سياسته في هذه البلاد على اساس تمزيق وحدتها الجغرافية بتقسيمها الى دويلات تقوم على اسس طائفية مغذية الاحقاد الطائفية ومؤيدة بقوة انصار هذه الفكرة اللاقومية فجاء الحزب بنظرته الجديدة لبناء مجتمع قومي متماسك وحول الشأن السياسي من جبهات طائفية الى وحدة قومية.   ولا بد ان نذكر هنا بعض المناسبات التاريخية لهذه الحقيقة:

اولا ـ زيادة ….  ….  في فبراير عام 1938 لمحافظة اللاذقية لاستفتاء الشعب بين الوحدة السورية والانفصال اعتمادا منه ان سياستهم الانفصالية قد نجحت في ….. المحافظة وقد استطاع الحزب في تلك ….. ان يصنع هذه السياسة الخرقاء ويفاجئ الفرنسيين بنتيجة عمله القومي الصامت المؤيد لوحدة البلاد الطبيعية .

ثانيا ـ الحوادث التي وقعت يوم الجلاء برهنت عن قيمة العمل القومي المنظم الواعي الذي …. السياسة الفرنسية صنعته التاريخية خصوصا في حماه ودرعا وحمص وبقية المدن السورية فقد كان الحزب وحيدا في استعداده لمجابهة الاحداث الخطيرة وحفظ استقلال البلاد وسيادتها على نفسها والتعبير الصادق عن ارادة الامة.

ثالثا ـ حوادث تشرين الاول عام 1936 بين المسيحيين والمسلمين في لبنان اذ اوقف الحزب هذه الحوادث عند حدها وحال دون توسيع الفتنة وقد كان لموقفه هذا اشعاع في صفوف الشعب اذ لاقى تلبية واستجابة (؟) على يقظته وسهره الدائم واستعداده لتعطيل اساليب الاستعمار الغاشمة.

رابعا ـ مواقف الحزب في قضية فلسطين ليس فقط باشتراكه الفكري الموجه في بيان حقيقة القضية وخطورتها وتنبيه الحكام والقائمين على الامور بصورة مستمرة بل باشتراكه الفعلي وتقديمه الضحايا, ثم ان وجود الحزب وتحقيق اهدافه الواقعية هو القوة الايجابية المنظمة الواعية التي تستطيع ان توقف الخطر الصهيوني اذ لا بمكن التغلب على نظام ما الا بنظام اكمل منه واقوى.

     بقيت هناك نقطتان تجدر الاشارة اليهما وهما:

اولا ـ نظام الحزب

ثانيا ـ مفهومه للقضية العربية.

     اما نظام الحزب فقد اصبح بعد استشهاد زعيمه الخالد في سبيل امته, نظاما مجلسيا وذلك بموجب نص صريح في دستوره واصبح يقوم على ادارته مجلسان الاول تشريعي والثاني تنفيذي وينتخب المجلسان لمدة معينة.

     واما النقطة الثانية المتعلقة بمفهومه للقضية العربية رأينا ان نشير اليها لما يشاع عن الحزب في هذا المجال من اقاويل برهن الحزب في مختلف الظروف على خطئها فالحزب

افادات لدى الشرطة العسكرية (1) ـ 42

محضر 20 احمر ـ 5

رخصة الحزب القومي ـ 5

يرى ان الامة السورية هي احدى الامم العربية وهي المؤهلة لقيادة العالم العربي كما هو ظاهر في غاية الحزب ونظرتنا الجديدة في هذا الموضوع هي اننا نفهم القومية على اساس وحدة الحياة في عناصرها الرئيسية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.     

     هذا ما رأينا وضعه امام مقامكم الكريم من نقاط نرجو اخذها بعين الاعتبار وانتم تقرون الموقف الرسمي من حركة خيرة ساهمت مساهمة فعالة في بناء الاستقلال وهي ما زالت تساهم ولها في كل يوم دليل جديد على ضرورة وجودها في صفوف الامة الى جانب الهيئات المخلصة الساهرة على مصالح البلاد والحافظة لها من الاخطار المهددة لاستمرار نموها صعودا في سلم التطور والازدهار.

 هذا وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

 صورة كالاصل:   التوقيع

(الملحق رقم 8) الأمر الإداري الصادر من قبل أكرم ديري لعناصر الشرط العسكرية وفق الأمر الإداري رقم 4212/س1 (يعين الملازم عيسى عجي مع كل من الرقباء الآتية أسماءهم منير فتوحي والرقيب أول يونس عبد الرحيم والرقيب أول ماجد حافظ والوكيل فارس عزي و الرقيب أحمد أيوبي للإشراف على تنظيم منصة المدعوين كما ويكلف بتوجيه المدعوين الى المقاعد المعدة لهم ويجري ذلك بالاتفاق مع ضابط الرياضة)

شهادات في واقعة اغتيال المالكي:

شهادة يسرى الأيوبي: مصر وأميركا وراء تحريض الحزب القومي على اغتيال المالكي

يسرى الأيوبي أديبة سورية معروفة، وزوجة ورفيقة درب عفيف البزري القائد العام للجيش السوري، تقول نقلاً عن زوجها: (ﻜﺎﻨﺕ ﻤﺘﺎﻋﺒﻲ ﻜﺜﻴﺭﺓ ﻤﻊ ﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﺤﺘﻰ ﻀﻘﺕ ﺒﻪ ﺫﺭﻋﺎً. ﺍﺴﺘﺩﻋﻴﺘﻪ ﻭﻗﻠﺕ ﻟﻪ “ﺃﺭﻴﺩ ﺃﻥ ﺃﻓﻬﻡ ﻤﻌﻨﻰ ﺘﺼﺭﻓﺎﺘﻜﻡ ﻓﻲ ﺴﻭﺭية، ﺘﺘﺩﺨﻠﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺭﺓ ﻭﺍﻟﻜﺒﻴﺭﺓ ﻜﺄﻥ ﺒﻠﺩﻨﺎ ﺤﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻫﺭﺓ؟ ﺘﺸﺩﻭﻥ ﺃﺯﺭ ﻫﺫﺍ ﻭﺘﻔﺘﺭﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺫﺍﻙ. ﺘﻀﻌﻭﻥ ﺃﻴﺩﻴﻜﻡ ﺒﺄﻴﺩﻱ ﺍﻷﻭﺒﺎﺵ، ﺘﻭﺯﻋﻭﻥ ﺍﻟﺭﺸﺎﻭﻱ. ﺘﻅﻨﻭﻥ ﺸﻴﺌﺎً ﻴﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻨﺎ؟ ﺃﻟﻴﺱ ﺤﺭﺍﻤﺎً إعطاء ﺍﻷﻤﻭﺍل ﻟﺼﻌﻠﻭﻙ ﻭﺠﻤﺎﻋﺘﻪ ﺍﻟﺯﻋﺭﺍﻥ، ﻴﻜﺜﺭ ﺘﺨﺭﻴﺒﻬﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺩ، ﻴﺭﻜﺒﻭﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ، ﻭﻴﻼﺤﻘﻭﻥ ﺍﻟﺒﻨﺎﺕ، ﻭﻴﺭﻭﺠﻭﻥ ﺍلإﺸﺎﻋﺎﺕ ﻴﺸﻭﻫﻭﻥ ﺴﻤﻌﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻤﻌﺭﻭﻓﻴﻥ ﺒﻨﻅﺎﻓﺘﻬﻡ ﻭﻴﺭﻓﻌﻭﻥ ﺸﻌﺒﻴﺔ ﺃﻨﺎﺱ ﻻ ﺘﺴﺘﺄﻫل إﻻ ﺍﻟﺼﻔﻊ.. ﻤﺎﺫﺍ ﺘﺭﻴﺩﻭﻥ ﺒﻬﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ؟ ﻤﺎ ﺩﺨﻠﻜﻡ ﺒﻤﺸﺎﻜﻠﻨﺎ ﻭﺨﻼﻓﺎﺘﻨﺎ؟ ﺠﺎﻴﻴﻥ ﺘﻤﺩﻨﻭﻨﻨﺎ؟ ﻨﺤﻥ ﻫل ﻨﺘﺩﺨل ﺒﻤﺸﺎﻜﻠﻜﻡ ﻭﺨﻼﻓﺎﺘﻜﻡ؟ ﺃﻤﻭﺭﻨﺎ ﺃﺨﻲ ﻨﺤﻥ ﻨﺤﻠﻬﺎ.. ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺭﺸﻭﺍﺕ اﺼﺭﻓﻭﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺸﻌﺒﻜﻡ ﺍﻟﺠﺎﺌﻊ، ﺍﺒﻨﻭﺍ ﺒﻀﻌﺔ ﻤﺩﺍﺭﺱ ﻴﻨﻘﺹ ﻤﻥ ﻋﻨﺩﻜﻡ ﺒﻀﻌﺔ ﺃﻤﻴﻴﻥ.. ﺍﻓﺘﺤﻭﺍ ﻟﻜﻡ ﻤﺴﺘﺸﻔﻰ ﻫﻨﺎ ﻭﻤﺴﺘﺸﻔﻰ ﻫﻨﺎﻙ ﻴﺨﻠﺹ ﻤﻥ ﺍﻟﻭﺠﻊ ﺒﻀﻌﺔ ﻤﺭﻀﻰ.. ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺃﻨﺕ ﺴﺎﻜﺕ؟ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ ﻴﺭﻀﻰ ﻋﻤﺎ ﺘﻔﻌﻠﻪ؟ ﺴﺄﺒﻌﺙ إليه ﺒﺭﺴﺎﻟﺔ ﺃﺴﺎﻟﻪ..).

وتتابع الأيوبي نقلاً عن زوجها أن السفير المصري ردّ قائلاً: (ﻭﺍﷲ ﻋﻡ ﺘﺤﺭﺠﻨﻲ ﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﻘﻴﺩ.. ﺃﻨﺎ ﻤﺎﺍﻋﺭﻓﺵ ﻏﻠﻁﻲ. ﻤﺵ ﻋﺎﺭﻑ ﺍﻟﻠﻲ ﻤﺯﻋﻠﻙ ﻤﻨﻲ.. ﺤﻘﻙ ﻋﻠﻲ أن ﻜﻨﺕ ﻏﻠﻁﺎﻥ، ﺒﺱ ﺨﻠﻠﻲ ﺩﻱ ﺒﻴﻨﻨﺎ ﻤﺎ ﻴﻨﻘﻁﻌﺵ ﻋﻴﺸﻲ، ﺘﺤﺭﻙ ﻏﻀﺏ ﺍﻟﺭﻴﺱ ﻋﻠﻲ.. ﺃﻨﺎ ﻤﺵ ﻗﺼﺩﻱ إﻻ ﺍﻟﺨﻴﺭ.. ﻤﺼﺭ ﻭسورية ﺩﻭل أخوات.. ﻜﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﻤﺼﺭ ﻓﺩﺍ سورية.. ﻴﻤﻜﻥ ﺃﻨﺎ ﺒﺨﺒﻁ.. ﻤﺎ ﺍﻋﺭﻓﺵ ﻜﻭﻴﺱ ﺃﺘﺼﺭﻑ.. ﻋﻨﺩﻜﻡ ﻫﻭﻥ ﻤﺜل ﻤﺎ ﺒﺘﻬﻴﺄ ﻟﻲ ﺸﻭﻴﺔ ﺤﺴﺎﺴﻴﺎﺕ.. ﻨﺎﺱ ﺒﺘﻜﺭﻩ ﻨﺎﺱ، ﻭﻨﺎﺱ ﺒﺘﻐﻴﺭ ﻤﻥ ﻨﺎﺱ، ﻭﻨﺎﺱ ﺒﺘﻔﺘﺭﻱ ﻋﻠﻰ ﻨﺎﺱ.. – ﻻﺯﻡ ﺘﻌﺭﻑ ﺃﻨﺎ ﻋﻤﺭﻱ ﻤﺎ ﺍﻓﺘﺭﻴﺕ ﻭﻻ ﻜﺭﻫﺕ ﺃﺤﺩﺍ ﻟﺴﺒﺏ ﺸﺨﺼﻲ.. ﺼﺤﻴﺢ ﻫﻨﺎﻙ ﺘﻴﺎﺭﺍﺕ، ﺃﻨﺎﺱ ﻴﺭﻴﺩﻭﻥ ﺒﻴﻊ ﺃﻨﻔﺴﻬﻡ، ﻭﺃﻨﺎﺱ ﺒﺎﻋﻭﻫﺎ، ﻭﺃﻨﺎﺱ ﻴﻨﺘﻘﻠﻭﻥ ﻓﻲ ﺴﻭﻕ ﺍﻟﻨﺨﺎﺴﺔ ﻤﻥ ﺴﻴﺩ ﻵﺨﺭ.. ﻫﺫﻩ ﺍﻷﺸﻜﺎل ﺘﺠﺩﻫﺎ ﻓﻲ ﻜل ﻤﻜﺎﻥ ﻤﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ.. ﺃﻨﺎ ﻜل ﻤﺎﻴﻬﻤﻨﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ ﻭﺴﻴﺎﺩﺘﻪ ﻭﺤﺭﻤﺘﻪ، ﻭﺃﻗﻑ ﻓﻲ ﺼﻑ ﺠﻤﺎﻫﻴﺭﻩ ﺃﻋﺎﺩﻱ ﻤﻥ ﻴﻌﺎﺩﻴﻬﺎ ﻭﺃﺼﺎﺩﻕ ﻤﻥ ﻴﺼﺎﺩﻗﻬﺎ.. ﻓﻲ ﺠﻭ ﺍﻟﻤﺅﺍﻤﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺤﺎﻙ ﻋﻠﻰ سورية ﻤﻥ ﻭﺍﺠﺒﻲ إنقاذها ﻭﻓﻀﺢ ﺍﻟﺨﻭﻨﺔ ﻓﻴﻬﺎ.. ﻭﺍﻟﺠﻴﺵ ﻤﻌﻲ ﻓﻲ، ﻫﻡ ﺃﺒناء ﻫﺫﻩ ﺍﻷمة ﺍﻷﺒﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻤﺎ ﺃﺤﻨﺕ ﻋﺒﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻴﺦ ﺭﺃﺴﻬﺎ..- ﺃﻨﺎ ﺒﺘﻤﻨﻰ ﺘﻔﻬﻤﻨﻲ ﻜﻭﻴﺱ.. ﻤﺎ ﻴﺤﺼﻠﺵ ﺴﻭﺀ ﺘﻔﺎﻫﻡ ﺒﻴﻨﻨﺎ.. ﺩﻨﺎ ﺒﻌﺘﺯ ﺒﺼﺩﺍﻗﺔ إنسان ﺯﻴﻙ.. ﻟﻪ ﻤﺜل ﻭﻋﻴﻙ ﻭﺠﺩﺍﺭﺘﻙ، ﺩﻨﺎ ﻋﻨﺩﻱ ﻜﺴﺏ ﺜﻘﺘﻙ ﺒﻌﻤﺭﻱ.)

 

وتقول يسرى الأيوبي: “ﻓﻴﺼل ﺍﻟﻌﺴﻠﻲ ﻭﻫﻭ ﻓﺎﺸﺴﺘﻲ ﻤﻌﻪ ﺤﻘﻭﻕ ﻭﺘﺤﻴﻁ ﺒﻪ ﺯﻤﺭﺓ ﻤﺭﺘﺯﻗﺔ ﻴﺠﺘﻤﻌﻭﻥ ﻓﻲ ﻤﻐﺎﺌﺭ ﺠﺒل ﻗﺎﺴﻴﻭﻥ.. ﻭﻜﺎﻥ ﺸﻜﺭﻱ ﺍﻟﻘﻭﺘﻠﻲ ﻴﻐﺽ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﻨﻅﺭ ﻷﻨﻪ ﺍﺒﻥ ﻤﻨﺎﻀل ﺃﻋﺩﻤﻪ “ﺠﻤﺎل ﺒﺎﺸﺎ”.. ﻭﻓﻲ ﺯﻤﻥ ﺤﺴﻨﻲ ﺍﻟﺯﻋﻴﻡ ﻀﺎﻕ ﺒﻪ ﺫﺭﻋﺎً ﻭﺴﺠﻨﻪ ﻭﺤﻠﻕ ﺸﻌﺭﻩ، ﻭﻭﻀﻌﻪ ﻓﻲ ﺒﺭﻤﻴل ﻗﺎﺫﻭﺭﺍﺕ.. ﻭﻗﺩ ﺃﻋﻁﺎﻩ ﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ 30 ﺃﻟﻑ ﺠﻨﻴﻪ ﻜﻲ ﻴﻘﻭﻡ ﺒﺎﺴﺘﻘﺒﺎل “ﺠﻤﺎل ﺴﺎﻟﻡ” ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻁﺎﺭ ﻤﻊ ﺭﺠﺎﻟﻪ ﻭﻴﺠﻌل ﻟﻪ ﺒﺫﻟﻙ ﺸﻌﺒﻴﺔ ﻓﻲ ﺩﻤﺸﻕ.. ﻭﻜﺎﻥ ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻴﻠﻭﻡ ﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﻭﻴﻘﻭل ﻟﻪ “ﻫل ﺘﺘﻌﺎﻤﻠﻭﻥ ﻤﻊ ﺯﻋﺭﺍﻥ؟” ﺩﻤﺸﻕ ﻜﺎﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺩﻋﺎﻴﺔ ﻤﻀﺎﺩﺓ ﻟﻠﺒﻜﺎﻴﺸﺔ ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻗﻀﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺍلإﺨﻭﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻥ.. ﻭﻜﺎﻥ ﻴﺸﺎﻉ ﺒﺄﻥ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻨﺎﺼﺭ ﺤﺭّﺽ ﻓﻴﺼل ﻋﺴﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻗﺘل ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻓﺭﻓﺽ..”

وتتابع الأيوبي بالقول: “ﻟﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﻤﻭﺍﻗﻑ ﻤﺸﺒﻭﻫﺔ ﺘﻀﻊ ﻋﻠﻰ ﺘﺼﺭﻓﺎﺘﻪ ﻋﻼﻤﺔ ﺍﺴﺘﻔﻬﺎﻡ ﻜﺒﻴﺭﺓ. ﻭﻜﺎﻥ وراء ﻗﺘل “ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ” ﻜﻤﺎ ﻋﺭﻓﺕ ﻫﺫﺍ ﻤﺘﺄﺨﺭﺍً..

ﺍﺘﻔﻕ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻨﺎﺼﺭ ﻤﻊ ﺠﻨﺎﺡ ﻤﻥ ﺍﻟﻘﻭﻤﻴﻴﻥ ﺍﻟﺴﻭﺭﻴﻴﻥ ﻴﻤﺜﻠﻪ ﺠﻭﺭﺝ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ. ﺃﻤﺎ ﺍﻟﻤﻨﻔﺫﻭﻥ ﻓﻜﺎﻨﻭﺍ ﺒﻘﻴﺎﺩﺓ ﻏﺴﺎﻥ ﺠﺩﻴﺩ ﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺨﻼﻑ ﻤﻊ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ. أثناء ﺍﻟﻤﺤﺎﻜﻤﺔ ﻜﺎﻥ ﻏﺴﺎﻥ ﺠﺩﻴﺩ ﻜﺜﻴﺭﺍً ﻤﺎ ﻴﻬﺩﺩ ﺒﻜﺸﻑ ﺃﻤﻭﺭ ﺘﺠﻠﻭ ﻤﻼﺒﺴﺎﺕ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻭﺘﻜﺸﻑ ﺍﻟﻤﺤﺭﻀﻴﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻓﻘﺘﻠﺘﻪ ﺍﻟﻤﺨﺎﺒﺭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺼﺭﻴﺔ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎﻥ ﻭﻜﺎﻥ ﺭﺌﻴﺴﻬﺎ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﺤﻤﻴﺩ ﻏﺎﻟﺏ ﻋﻥ ﻁﺭﻴﻕ ﺸﺎﺏ ﻓﻠﺴﻁﻴﻨﻲ ﻤﻥ ﻋﺎﺌﻠﺔ ﺸﻌﺙ.. ﺍﻟﻤﺴﺅﻭل ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻲ ﻋﻥ ﺘﻨﻔﻴﺫ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺠﺭﻴﻤﺔ ﻫﻭ ﻋﺼﺎﻡ ﺍﻟﻤﺤﺎﻴﺭﻱ ﻭﺍﻟﻤﺴﺅﻭﻻﻥ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺎﻥ ﻫﻤﺎ ﺠﻭﺭﺝ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ ﻭﻏﺴﺎﻥ ﺠﺩﻴﺩ، ﻭﻫﺫﺍ ﺍﻟﺠﻨﺎﺡ ﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻥ ﻴﺤﺒﺫ ﺍﻻﺭﺘﺒﺎﻁ ﺒﺄﻤﻴﺭﻜﺎ ﻫﻭ ﺍﻟﺫﻱ ﻗﺎﻡ ﺒﺎﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻭﻨﻔﺫ ﺍلاﻏﺘﻴﺎل. ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺤﺯﺏ ﺸﻜﻠﺕ ﻟﺠﻨﺔ ﻟﻤﺤﺎﻜﻤﺔ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺠﻨﺎﺡ، ﻭﻁﺭﺩﻨﺎﻫﻡ ﻤﻥ ﺍﻟﺤﺯﺏ…)

اتهام عبد المسيح:

وتشير الأيوبي أن جورج عبد المسيح وراء جريمة اغتيال المالكي فتقول:

(ﻓﻲ ﺒﻴﺭﻭﺕ ﻗﺎﺒﻠﺕ ﺃﻴﻀﺎً “ﺠﺒﺭﺍﻥ ﺠﺭﻴﺞ” ﻭﺃﻫﺩﺍﻨﻲ ﻤﺠﻠﺩﺍﺘﻪ ﺍﻟﺜﻼﺜﺔ ﻋﻥ ﺍﻟﺤﺯﺏ ﺍﻟﻘﻭﻤﻲ ﺍﻟﺴﻭﺭﻱ. ﻗﺎل ﻟﻲ “ﻜﺎﻥ ﺠﻭﺭﺝ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ ﺭﺌﻴﺱ ﻤﺠﻠﺱ ﺍﻟﻌﻤﺩ في قيادة الحزب القومي السوري ، ﻓﺠﻤﻌﻨﺎ ﻴﻭﻡ ﻤﻘﺘل ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ، ﻭﺠﺌﻨﺎ ﻤﻥ ﻟﺒﻨﺎﻥ إلى ﺩﻤﺸﻕ، ﻭﺃﺜﻨـاء ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻉ ﺩﺨل ﻋﻠﻴﻨﺎ المقدم “ﻓﺅﺍﺩ ﺠﺩﻴﺩ” ﺃﺨﻭ ﻏﺴﺎﻥ، ﻭﻀﺭﺏ ﺴﻼﻤﺎً ﻋﺴﻜﺭﻴﺎً ﻭﻗﺎل “ﻨﻔﺫﺕ ﺍﻟﻤﻬﻤﺔ ﻭﺍﻏﺘﻴل ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ!” ﻭﺴﺎﺩ ﺍﻻﻀﻁﺭﺍﺏ ﺍﻟﻤﺠﻠﺱ، ﻭﺴﺄﻟﻨﺎ ﺠﻭﺭﺝ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ ﻜﻴﻑ ﺘﻡ ﻫﺫﺍ ﺍﻷﻤﺭ ﺩﻭﻥ ﻋﻠﻤﻨﺎ؟ ﻭﻗﻤﻨﺎ ﻋﻠﻴﻪ. ﻗﺎل ﻟﻴﺱ ﻫﻨﺎﻙ ﻭﻗﺕ ﻟﻠﺘﻔﺴﻴﺭ، إنهم ﺴﻴﻼﺤﻘﻭﻥ ﺍﻟﻘﻭﻤﻴﻴﻥ، ﻓﻠﻴﺘﺩﺒﺭ ﻜل ﻭﺍﺤﺩ ﺃﻤﺭﻩ ﺤﺘﻰ ﻻ ﺘﻌﺘﻘﻠﻭﺍ. ﻭﻗﺎل ﻏﺴﺎﻥ ﺠﺩﻴﺩ “إنهم ﺴﻴﻘﺒﻀﻭﻥ ﻋﻠﻲّ ﺃﻭل ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺒﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻱ ﻜﻨﺕ ﻋﻠﻰ ﺨﺼﺎﻡ ﻤﻊ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲﻭﻟﻡ ﻴﻠﺒﺙ ﺃﻥ ﺍﻨﻔﺭﻁ ﺍﻟﻤﺠﻠﺱ، ﻭﺫﻫﺏ ﻜل ﻭﺍﺤﺩ ﻤﻥ ﺠﻬﺔ.. ﺫﻫﺒﺕ ﻓﻲ ﻭﻗﺕ ﻻﺤﻕ إلى ﻤﺼر ﻟﻼﻁﻼﻉ ﻋﻠﻰ ﻭﻀﻊ ﺍﻟﻘﻭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺸﺘﺭﻜﺔ ﻫﻨﺎﻙ.. ﻜﺎﻥ ﺫﻟﻙ ﻗﺒل ﺍﻟﻭﺤﺩﺓ، ﻓﺎﺴﺘﺩﻋﺎﻨﻲ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻨﺎﺼﺭ: .. ﺘﻁﺭﻗﻨﺎ ﻟﺫﻜﺭ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ. ﺤﺎﻭل ﺃﻥ ﻴﺒﺨﺴﻪ ﻗﺩﺭﻩ ﻭﺃﻨﻪ ﻟﻴﺱ ﺍﻟﺭﺠل ﺍﻟﺫﻱ ﻴﺴﺘﺤﻕ ﻜل ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺘﻜﺭﻴﻡ ﻓﻘﻠﺕ ﻟﻪ: ﻫﻨﺎﻙ إنسان ﻗﺘل ﻓﻲ ﺴﺒﻴل ﻤﻭﻗﻑ ﺘﺠﺎﻩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻴﺅﻤﻥ ﺒﻪ.. ﻜﻡ ﻋﺩﺩ ﺃﻭﻟﺌﻙ ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻴﺭﻀﻭﻥ ﻷﻨﻔﺴﻬﻡ ﺫﻟﻙ ﺍﻟﻤﺼﻴﺭ ﻓﻲ ﺴﺒﻴل ﻤﺜل ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﻭﻗﻑ ﻓﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺒﻠﺩ؟ ﺃﻤﺎ ﻜﺎﻥ ﺒﻭﺴﻌﻪ ﺃﻥ ﻴﻘﺒﺽ ﺍﻟﻤﺴﺎﻋﺩﺍﺕ ﻤﻥ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﺎﻥ ﻭﻴﺒﻨﻲ ﺍﻟﻘﺼﻭﺭ ﻭﻴﺠﻌل ﺍﻟﺒﻠﺩ ﻓﻲ ﻗﺒﻀﺘﻪ ﻭﻴﻌﻴﺵ ﺤﺘﻰ ﺍﻟﺸﻴﺨﻭﺨﺔ.. ﻫﺫﻩ ﻫﻲ ﺍﻟﻌﻅﻤﺔ ﺍلإنسانية ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺨﻠﺩ ﺫﻜﺭ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ. ﻟﻴﺱ ﺍﻟﻌﻅﻴﻡ إنساناً ﺨﺎﺭﻗﺎً، ﺒل ﻫﻭ ﺫﻟﻙ ﺍلإﻨﺴﺎﻥ ﺍﻟﺒﺴﻴﻁ ﺍﻟﺫﻱ ﺘﻜﻭﻥ ﻟﻪ ﻋﻴﻭﺒﻪ ﺍﻟﺼﻐﻴﺭﺓ)”. حديث الأيوبي ترويه على لسان زوجها عفيف البزري”.

 

 

شهادة شقيق عدنان المالكي القيادي رياض المالكي:

في كتابه “جناية كبرى وطابور خامس” يقول رياض المالكي شقيق الشهيد، إن الجريمة التي اتهم بها جورج عبد المسيح رئيس الحزب السوري القومي “لم ترتكب لصالح الحزب الذي خدع أعضاءه بسراب السلطة” وفي كتابه “ذكريات على درب الكفاح والهزيمة”

يقول: “أدين البعض بجرائم أخرى لها صلة بنشاطات أعضاء الحزب القومي السوري، الذين جنى عليهم قادتهم، يوم قلبوا الحزب من مدرسة سياسيه لها عقيدتها، وفكرها، ونشاطها السياسي العلني، تعكسه صحفها ونشراتها، إلى وكر للخيانة، مسخّر لخدمة مخططات الاستعمار الغربي وإلى عصابة للإجرام.. كل ذلك بتدبير وتحريض من رئيس الحزب المجرم الفار جورج عبد المسيح، الذي خان حزبه، كما خان وطنه.. لم ترتكب الجريمة لصالح الحزب..)

وقد جعلت عائلته أيضاً من رئيس هيئة أركان الجيش السوري العميد شوكت شقير والسفير محمود رياض والرئيسين شكري القوتلي وجمال عبد الناصر الشركاء الحقيقيين المطلوبين إلى قوس العدالة.

وقد روى لي أحد أفراد عائلة المالكي بالقول: (القوميون ليس لهم دخل).

شهادة البعثي نبيل شويري:

يقول نبيل شويري الكاتب السوري وأحد البعثيين الأوائل:

( اغتيال عدنان المالكي أزاح عقبة كبرى أمام محمود رياض السفير المصري وأمام عبد المحسن أبو النور الملحق العسكري المصري في دمشق. وصارت القوة الرئيسية في الأركان السورية تابعة لهما. إن اغتيال المالكي لم يتم بأوامر موحدة أميركية – مصرية، ولكن ربما جرى ذلك على قاعدة تقاطع المصالح، فقد كان للمصريين مصالح أكيدة بإزالة عدنان المالكي، وللأميركيين مصالح أيضاً. وتقاطعت هاتان المصلحتان ونفذ جورج عبد المسيح العملية لمصلحة أحد الطرفين.)

ويتابع بالقول: (اكتشف أن جورج عبد المسيح رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي آنذاك يقف وراء اغتيال المالكي. لكن الحزب كمؤسسة سياسية لم يقرر اغتيال المالكي. بل إن جورج عبد المسيح هو من اتخذ قرار الاغتيال بمعزل عن الحزب، وحتى هذه الرواية فيها تشكيك أيضاً. عصام المحايري وجولييت المير “زوجة أنطون سعادة” فلم تكن لهما علاقة بالاغتيال. وعلى الرغم من ذلك سُجنا بتهمة اغتيال المالكي. لكن رئيس الحزب هو الذي اتخذ قرار الاغتيال).

 

شهادة اللواء كيلاني:

يقول اللواء الطيار المتقاعد راشد كيلاني في مذكراته:

( أقيمت مباراة لكرة القدم في الملعب البلدي القديم، في المرج الأخضر، بتاريخ 22 / 4 / 1955 بين فريق الجيش السوري وفريق الجيش المصري، تحت رعاية شوكت شقير رئيس الأركان العامة، الذي جلس في السدّة، وإلى جانبه محمود رياض سفير مصر وجلس في الصف الأول وراءهما عدنان المالكي، وعلى يمينه أمين عام وزارة التربية “أحمد الفتي” وجلست أنا على يساره.

وبعد بدء المباراة ببضع دقائق، سمعت صوت طلقة نارية، وكأنها تخترق رأسي، وعندما التفتُ إلى الخلف، رأيت رجلاً يرتدي لباس رقيب، في الشرطة العسكرية، يصوب مسدّسه إلى الأمام وعيناه غائرتان كأنه وحش مفترس، فرميت نفسي إلى الأرض، خوفًا من أن تصيبني الرصاصة التالية، فقد كان هذا المجرم يقف وراءنا تماماً، وهكذا فعل معظم من كان بجوارنا، وعندما نهضت بعد توقُّف صوت الرصاص، وجدت القاتل مرمياً على الأرض، فقد قُتل هو بدوره، من قِبَل أحد المشتركين في هذه المؤامرة، بقصد إخفاء الجريمة، كما وجدت أن عدنان المالكي قد لفظ أنفاسه الأخيرة وبقي جالساً على كرسيّه دون حراك ورأسه يتدلّى على مسنده).

من خلال مذكرات كيلاني نلاحظ أنه لم يذكر أنه رأى يونس عبد الرحيم يطلق النار على نفسه منتحراً، بل أكد اللواء راشد كيلاني أن يونس قد قُتل من قبل أحد المشاركين في المؤامرة.

شهادة هاني الشمعة:

 

هاني الشمعة من قدامى الصحفيين السوريين قال في قضية اغتيال المالكي:

( لننظر الآن كيف صدرت الأحكام في هذه القضية التي كانت نقطة تحول في تاريخ سورية. ولا يمكن للإنسان أن يعلق على أحكام كهذه لأنها أصلاً مليئة بالمفارقات والمخالفات. ولم تكن الفترة التي انقضت بين الاغتيال وبين صدور الحكم وهي حوالي سنة إلا كي “يغسلوا” أدمغة الناس بتثبيت الجريمة على الحزب القومي السوري، لأن التحقيقات التي جرت مع أفراد هذا الحزب قد استدعت تغيير الحقيقة عدة مرات، واضطر عبد الحميد السراج وأكرم الديري والملازم أول عبد المجيد جمال الدين أن يتصدّوا للتحقيق، ويمزقوا كثيراً من الإفادات والأوراق لأنها لم تعجبهم ولم يقتنعوا بأسلوبها في تغيير الحقيقة،

وقام أكرم الديري بكتابة ما يشبه “سيناريو” لتمثيل جريمة القتل في الملعب البلدي، ووضع المساعد بديع مخلوف ممثلاً رئيسياً في هذا السيناريو، واضطر الديري مع السراج وغيرهما أن يمارسوا التعذيب العنيف على بديع مخلوف لمدة تزيد عن الشهر كي يؤدي دوره في التمثيل، ولكن بديع مخلوف عجز عجزاً تاماً عن ذلك لأنه لا علاقة له إطلاقاً، لا هو ولا عبد المنعم الدبوسي بهذه الجريمة… وأعُدما ككبش فداء…

حتى إنني سمعت من زوجة عبد المنعم الدبوسي مرة في فترة استراحة المحكمة قولها على لسان زوجها: “إنني أعرف أنني سأموت.. لا تسامحيني ذرة واحدة إذا كان لي علم من قريب أو بعيد في هذه الجريمة، وأستطيع أن أقول ذلك عن صديقي بديع مخلوف بكل ثقة.. وأمام الله والناس..

الواقع أن الزعيم شوكت شقير كان متبرِّماً من “تجاوزات” عدنان المالكي، وكان هماً من همومه في العمل.. وتشاء الصدف أنني عثرت في “أرشيفي الخاص” على مجلة “الجندي” وقد نشرت بعددها 9 نيسان 1955 في إحدى صفحاتها صورة الزعيم شوكت شقير خلال زيارته إلى القاهرة قبل مصرع عدنان المالكي بحوالي عشرة أيام.. ولم يكن وقتها في أية مهمة رسمية.. ذكرت هذه الواقعة لأن الأستاذ رياض المالكي شقيق العقيد عدنان المالكي كان قد أورد في مذكراته التي نشرها قبل سنوات قليلة، أن السفير المصري في دمشق محمود رياض، قد ألحّ بشدة على حضور العقيد المالكي إلى الملعب البلدي لمشاهدة المباراة، وازداد إلحاحاً حينما قالت له شقيقة العقيد المالكي إنه على موعد مع خطيبته سميرة حجار في صيدا..)

وعن مجريات المحاكمة يقول الشمعة تحت عنوان “المحاكمات الرهيبة”: (قدر لي أن أحضر فيما بعد جلسات محاكمة القوميين… كنا نكتب كصحفيين كل ما نسمعه من أسئلة رئيس المحكمة أو أحد أعضائها أو النائب العام، وكذلك أجوبة المتهمين.. إلا أننا كنا نخضع لرقابتين، رقابة ضابط في الشرطة العسكرية اسمه الملازم أول عبد المجيد جمال الدين، الذي كان يطلب منا بعد الخروج من قاعة المحاكمة أن لا نتطرق إلى بعض الأسئلة والأجوبة، ثم تأتي رقابة مديرية الدعاية والأنباء التي كانت في ذلك الحين بمثابة وزارة الإعلام.. وما هو أكثر سوءاً من ذلك فإننا كنا نلتقي أحياناً بزوجات أو أقارب المتهمين.. فيأتينا هذا الضابط أو ممن يعملون معه، ليطلبوا منا معرفة هؤلاء الأقارب…

وفعلاً فإن فترة المحاكمات هذه كانت بالنسبة لي كصحفي ناشئ أول صدمة عنيفة في حياتي.. رأيت فيها الحريات وهي تنتهك حتى من بعض القضاة في ذلك الحين، ولمحت مأساة تسلط الإنسان على الإنسان في أبشع صورها….)

وأخطر ما ورد في حديث الشمعة في وصفه لنقل الشهيد بعد إصابته بالنار فيقول: (وما هي إلا لحظات حتى مرّ من أمامي العقيد عدنان المالكي محمولاً على كتفي جنديين وهو مضرّج بدمائه، ورأيت الدماء تسيل من خلف رأسه، وقد غطت الدماء مساحة كبيرة من الأوسمة التي كانت على صدره.. وكان أكثر ما أذهلني هو أن الشرطيين اللذين حملا العقيد المالكي قد نزلا مرتين على الدرج الطويل وصعدا به مرتين.. ثم سمعت ضابطًا يقول لهما: يا أخي احملوه إلى المستشفى بسيارة إسعاف اللاعبين.. شو عم تستنوه ليموت…!؟)

ويرى الشمعة أن اغتيال المالكي هو مؤامرة معدة بشكل دقيق، حتى إنه يسميها “لعبة الاغتيال” فيقول: (أعتقد أن مسألة اغتيال العقيد عدنان المالكي كانت معدّة وبشكل مسبق ودقيق.. كان من الممكن إجراء المباراة في الملعب الأول، لأن الملعب البلدي كان يضم أصلاً خمسة ملاعب لكرة القدم، الدولي فيها هو الملعب الأول، يليه بالأهمية الملعب الرابع، وقد أقيمت “لعبة الاغتيال” في هذا الملعب – الملعب الرابع. الملعب الأول فيه سدة يجلس فيها كبار المسؤولين، ولكن لا بدّ أن يجلس أو يقف خلفهم بعض المتفرجين، أما الملعب الرابع، فإن مدرّج المواطنين يقع تحت السدة الرئيسية، وبذلك يصبح المسؤولون الجالسون في السدة غير محميين من الخلف بكتل من المتفرجين.. في السدة الأولى جلس الزعيم شوكت شقير رئيس الأركان برغم إنه قليلاً ما كان يحضر المباريات الرياضية، وجلس على يمينه السفير المصري بدمشق محمود رياض، وعن يساره رئيس فريق الجيش المصري، وخلفه الملحق العسكري المصري جمال حماد، وفي النسق التالي وهو أقرب إلى حرس الشرطة العسكرية أُجلِس العقيد عدنان المالكي، وحوله بعض الضبّاط.. أما خلف العقيد المالكي والضبّاط الذين كانوا معه، فكان هناك شرطيان عسكريان).

ويشير الشمعة في معرض حديثه عن هذه القضية إلى أمر آخر شديد الأهمية ولم يسبق أن تطرق له أي شاهد أو كاتب أو سياسي! ألا وهو أن ما اصطلح على تسميته القاتل يونس عبد الرحيم والذي قيل إنه انتحر بعد إطلاقه النار على المالكي، فيقول الشمعة إن عبد الرحيم لم ينتحر ولم يُقتل في ساحة الجريمة!! وأن هنالك من كان يُرهب الناس للقول إن يونس عبد الرحيم انتحر!!، فيقول الشمعة (عميل من يقول إن القاتل لم ينتحر، لأنه أُحيط بعد الجريمة بمجموعة من رجال الأمن وهو لا يزال على قيد الحياة؟).

وعن المحكمة والمحاكمة في قضية المالكي والرقابة المشددة التي كانت تمارس على الصحافة ورجالها في معرض الحديث عن هذه الجريمة فيقول: (باعتباري كنت شاهداً بالملعب البلدي لحظة الحادث، ثم في قاعة المحكمة التي وضعت أبرياء في قفص الاتهام، والمجرمين الحقيقيين في قاعة النظارة.. سيلمّ القارئ الكريم بالحقيقة الناصعة.. وتابعوا معي هذه الشهادة.. الحقيقة كما رأيتها.. الحقيقة مثلما لمستها.. الحقيقة كما عشتها في الملعب الأخضر ثم في قاعة المحكمة السوداء.. في رحاب وطني الذي بدأ يتمزّق بعد الفاجعة الأليمة.. كان المقصود هو الفتنة.. خائن من يعترض على مهاجمة مقرّات الحزب السوري القومي الاجتماعي في الدقائق الأولى لاغتيال المالكي، أي قبل الاتهام والإدانة؟

عميل من يقول إن القاتل لم ينتحر، لأنه أُحيط بعد الجريمة بمجموعة من رجال الأمن وهو لا يزال على قيد الحياة؟ وهكذا ألقيت الاتهامات جزافاً، على كلِّ من يخرج عمّا قرّره أطراف “المؤامرة” أو أصحاب الفتنة.. وحتى من هم في موقع المسؤولية من السياسيين عليهم أن يلتزموا الصمت أو إدانة الحزب السوري القومي دون أي اعتراض أو تفسير أو استفهام.. أما نحن رجال الصحافة فكنا أكثر تعرضاً للضغط والإرهاب.. يجب أن نعرض على الرقابة المشددة كل ما نكتبه حرفاً بحرف.. علينا كصحفيين أن نصبّ جام غضبنا على الحزب السوري القومي.. ولا سؤال لأي استفسار ولا سؤال غير ذلك؟).

شهادة أحد المتهمين بتنفيذ عملية الاغتيال :جورج عبد المسيح:

=========

بعد أن فُصل جورج عبد المسيح من الحزب السوري القومي الاجتماعي، أسس حزباً جديداً أطلق عليه “الانتفاضة” وكان عبد المسيح يصدر سلسلة من الكتب تحت اسم (من ولماذا) وقد أكد مراراً عبر هذه السلسلة من الكتب:

( إن المخابرات السورية في ذلك الوقت والتي كان يقودها الرائد عبد الحميد السراج العائد من مصر وبالتعاون مع السفير المصري في دمشق محمود رياض ورئيس الأركان شوكت شقير المهدد بإزاحته من رئاسة الأركان ليتولاها من بعده معاونه العقيد المالكي، قاموا بتدبير اغتيال المالكي وتنفيذاً لخطة القضاء على الحزب السوري القومي الاجتماعي مستغلين أجواء مشحونة بين أعضاء الحزب والعقيد المالكي).

شهادة أميركية:

وهنالك وثيقة أمريكية أثارت قضية اغتيال المالكي في مذكرة تحمل تاريخ 29/4/1955 وتنص هذه المذكرة على: (…. ثم كشفت التحقيقات بأن القاتل هو عضو بالحزب السوري القومي الاجتماعي وينتمي إلى الطائفة العلوية في سوريا. وقد قامت الحكومة السورية مباشرة بتوجيه التهم إلى أصابع أجنبية تسعى إلى قلب السياسة السورية وكانت الإشارات متوجهة بشكل خاص إلى الولايات المتحدة ولو أن الحكومة السورية لم تقدم أي براهين على هذا الادعاء.)

وتتابع الوثيقة بالحديث عن اجتماع لرئيس الوزراء السوري آنذاك صبري العسلي بالسفير الأميركي بدمشق “بروور” وإعلامه بأن سبب الاتهامات السورية للتورط الأميركي بعملية الاغتيال تكمن في حصول الحكومة السورية على رسالة موجهة من عضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي في نيويورك يذكر فيها إنه تم الاتصال بجهات رسمية أميركية لطلب العون في قلب الحكومة السورية.

ثم تختتم الوثيقة بأنه بالرغم من عدم ثبوت هذه الادعاءات، قام الحزب الشيوعي في سوريا عبر صحف الحزب بتوجيه الاتهامات وتأكيد الدور الأميركي وإدانة الدول الاستعمارية والتحالف التركي العراقي.

جلسات المحاكمة:

بعد التحقيقات التي قامت بها الجهات المختصة، وفي 29 تموز 1955 نُشر قرار الاتهام الموجَّه إلى 140 عضواً من المنخرطين في الحزب القومي السوري الاجتماعي، وطالب المدّعي العام العسكري بتوقيع عقوبة الإعدام ضد ثلاثين من المتهمين، وبتوقيع عقوبة السجن المؤبّد مع الأشغال الشاقة ضد تسعة آخرين.. إلا أن أغلب هؤلاء كانوا هاربين.

كان على رأس الذين طولب بإعدامهم:

 جورج عبد المسيح زعيم الحزب، وجولييت المير الأمينة الأولى أرملة أنطون سعادة، وعصام المحايري أمين عام الحزب رئيس تحرير جريدة “البناء” الناطقة بلسان الحزب، والدكتور سامي الخوري، والمقدَّم العلوي غسان جديد.

ومن جملة الاتهامات التي وُجهت إلى القوميين السوريين في المحاكمة يومئذ بأنهم زوّدوا مكتب المعلومات الأمريكي في دمشق، بمعلومات عن الإخوان المسلمين في سورية، كذلك بمعلومات تتعلق بنشاط الحزب الشيوعي في كل من سورية ولبنان منذ بداية عام 1955

أعضاء المحكمة

تألفت المحكمة الخاصة باغتيال المالكي من:

بدر الدين علوش رئيساً رئيس محكمة البداية في حلب، وهو حموي من أشدّ أنصار أكرم الحوراني أحد مؤسسي حزب البعث ،

المقدمين مظهر وصفي وعفيف البزري ((شيوعي)) عضوين

المقدم بشير الطباع ((بعثي))عضواً متمماً

وحمدي الصالح نائباً عاماً،

والرئيس محمد الجراح (( ناصري فيما بعد)) ومحمد عابدين معاونين للنائب العام،

هكذا كانت المحكمة من عسكريين ومدنيين ليس لهم أي صلة بالفئات السياسية المعادية للسوري القومي ما عدا المقدم عفيف البزري الذي كان معروفاً بتعاطفه مع الحزب الشيوعي، وقد جرت المحاكمة في مبنى القصر الجمهوري في أبي رمانة والذي كان اتخذه حسني الزعيم مقراً لسكنه قبل الإطاحة به. انعقدت الجلسات في قاعة ضخمة أُقيمت خصيصاً في حديقة القصر.

وتعرّض بعض أعضاء هيئة المحكمة للاعتداءات، فجرت قبل يوم واحد من البدء بتلك المحاكمات محاولة لاغتيال حمدي الصالح (من حركة التحرير وجماعة أديب الشيشكلي) المدعي العام العسكري، أُطلق عليه الرصاص فأصيب ولكنه لم يقتل، كما ألقي بعد ذلك متفجرة على منزل أحد أعضاء المحكمة. وتم تهديد بعض أعضاء المحكمة أثناء مجريات التحقيق، ففي جلسة المحكمة التي عُقدت بتاريخ 12-11-1955 أبرز النائب العام رسالتي تهديد بالقتل ضُمتا إلى الإضبارة، وكان المقدم عفيف البزري قد تلقى رسالة تهديد بنفس المعنى.

المحامون:

أن ما اصطلح على تسميته القاتل يونس عبد الرحيم والذي قيل إنه انتحر بعد إطلاقه النار على المالكي، فيقول الشمعة إن عبد الرحيم لم ينتحر ولم يُقتل في ساحة الجريمة!! وأن هنالك من كان يُرهب الناس للقول إن يونس عبد الرحيم انتحر!!، فيقول الشمعة (عميل من يقول إن القاتل لم ينتحر، لأنه أُحيط بعد الجريمة بمجموعة من رجال الأمن وهو لا يزال على قيد الحياة؟). ، فاختص عبد الفتاح بوقائع الجريمة ووثائقها وأدلتها الثبوتية كما اختص خليل كلاس بالتطبيق القانوني على هذه الوقائع. ومن محامي الدفاع سيف الدين مأمون وهاني البيطار الذي تولى الدفاع عن الأمينة الأولى جولييت المير سعادة، والمحامي جبرائيل نصار وهو أيضاً وكيل المتهمة المير، وسليم عثمان، وبهيج تقي الدين، والياس دمر، وعرفان سلوم وغيرهم من المحامين السوريين واللبنانيين، ومن جهة آخر امتنع أغلب المحامين السوريين عن الدفاع عن القوميين السوريين، لذا جاء من لبنان 12 محامياً لبنانياً لمعاونة الدفاع.

وانسحب محامو الدفاع اللبنانيون من دعوى قضية اغتيال المالكي أو القضايا المتفرعة عنها بعد أن أثار أحد محامي الادعاء أمراً اعتبروه مساً بالقضاء اللبناني وتضامن معهم زملاؤهم المحامون السوريون وذلك في الجلسة الثالثة لشهادات الشهود للمحكمة العسكرية المؤقتة بدعوى اغتيال المالكي وتم تعيين ثلاثة ضباط برتبة ملازم لتولي الدفاع عن المتهمين، وهم أحمد مراد، وعبد الرزاق الإدلبي، وعبد الغني الشقفة. وبتاريخ 18-9– 1955 عاد المحامون المنسحبون.

وُجِّه قرار الاتهام بعد انتهاء المحكمة من إجراءاتها القانونية إلى 140 عضواً من الحزب القومي السوري، وخلال المحاكمة وُجهت التهمة إلى 30 متهماً اتهامات بجرائم قتل عقوبتها الإعدام، وحتى تاريخ 8 تموز 1955 تم الإفراج بالكفالة المالية عن 20 قومياً من المتهمين بالانتماء إلى جمعية سرية

بيان رئيس المحكمة:

كانت مجريات المحاكمة والتحقيقات تجري بكتمان شديد، بحيث لم يتمكن أحد من الاطلاع على شيء من وقائعه، إلا ما كان يؤذن بنشره أو إذاعته.

وقبل انعقاد محاكمة المتهمين في اغتيال المالكي في منتصف تموز 1955 أدلى رئيس المحكمة بدر الدين علوش، ببيان في مؤتمر صحفي، عقده قبل يوم واحد من بدء المحكمة، وقال: (هذا أول حديث أدلي به إليكم، وآخر حديث، وإنني أعتقد بأنه إذا كان رجال الدولة ورجال السياسة مضطرين من حين إلى حين، لعقد المؤتمرات الصحفية، وإذاعة الأحاديث السياسة، لشرح مبادئهم والدفاع عن وجهة نظرهم، فنحن رجال العدالة – في مهمتنا القضائية – أميل إلى الصمت منه إلى الكلام. نحن إنما ندرس ونحقق ونستمع إلى الأدلة ونمحصها، ونتأمل مدى انطباقها على القوانين، ثم نستلهم وجداننا، ونبدي بعد ذلك رأينا دفعة واحدة. ومن الأمور المسلم بها، إنه لا يجوز لنا خلال فترة المحكمة، إبداء الرأي بأي واقعة من وقائع الدعوى، وهو ما يسمونه في التعبير القضائي (عدم الإحساس بالرأي).

فأرجو من إخواني الصحفيين عدم إحراجنا، وعدم طرح الأسئلة علينا خلال فترة المحاكمة، وذلك ليفسحوا لنا المجال للقيام بواجبنا القضائي على الوجه الأكمل. إن الفقرة الثانية من المادة 265 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، تنص على (أن القانون يوكل إلى ضمير الرئيس وشرفه، بذل غاية جهده في سبيل اكتشاف الحقيقة) فاسمحوا لي أن أقول لكم بكل صراحة، إنني سأبذل كل ما في وسعي لأداء هذه الأمانة، والقيام بهذا الواجب، وسأسعى بكل ما أوتيت من قوة، لأن تكون المحاكمة عادلة إلى أبعد حد في العدالة. محقة إلى أقصى درجات الحق. ويكفي لأن تكون المحاكمة كذلك أن تتصوروا أننا نصدر حكمنا باسم الشعب السوري بأسره، وهذا معناه أن الحكم الذي سوف نصدره، يرتبط بشرف القضاء السوري وكرامته، ويجب أن لا يغرب عن الأذهان أن القضاء، هو أكبر أمانة لشرف الوطنيين، وأموالهم، وحرياتهم، وأرجو أن تطمنوا كل مواطن، سواء أكان من جهة الادعاء أو في جهة الاتهام، أن المحكمة التي سأمارس فيها أعمال الرئاسة، لن تجرِّم بريئاً ولن تبرئ مجرماً، وإن حرصنا على عدم إدانة البريء، لا يقل عن حرصنا على معاقبة المجرم، لأن العقوبة “ملح الأرض” كما يقولون. وأعتقد أن من نافل القول أن أصرح لكم أن المحكمة ستكون- كما هو مفترض فيها- للجميع، سوف يسيطر عليها شعور قوي، هو شعور الحياد بكل ما في هذه الكلمة من قوة. وإنها ليست لفريق من المواطنين دون فريق، وإنما هي للوطن كله وللأمة بأسرها).

رئيس المحكمة يلتقي المحامين:

ومن ثم انعقدت المحكمة وتم الاستماع إلى شهادة الشهود وبعد رفع الجلسة إلى يوم السبت 22 تشرين الأول 1955 للاستماع إلى مرافعات وكلاء الادعاء، ووكلاء الدفاع. وبهذه المناسبة، وجّه رئيس المحكمة بدر الدين علوش كلمة إلى المحامين قال فيها: (أريد قبل أن أرفع الجلسة للمرافعات، أن أذكِّر وكلاء الادعاء والدفاع، باليمين التي حلفوها قبل أن يلبسوا رداء الشرف، بأن يحترموا القوانين، وألاّ يقصروا في الاحترام الواجب للمحاكم وللسلطات العامة، فأرجو أن تحافظوا في مرافعتكم جهد المستطاع، على روح الزمالة والمودة فيما بينكم، وأن تكون مرافعتكم منحصرة في موضوع الدعوى، ومتصفة بالاعتدال والحكمة والرصانة، وأن تبرهنوا للمحكمة وللناس كافة، أن الاسم الذي يحمله المحامي، سيظل دائماَ مقروناً بفكرة العدالة والحمد والفخر والشرف.)

مرافعة بهيج تقي الدين:

قدم محامي الدفاع اللبناني بهيج تقي الدين مرافعته أمام المحكمة ومما جاء فيها: (لو أن الفاجعة بعدنان المالكي سعت بالمطالبين بدمه إلى المرتبة التي هيأتها لهم طبيعة دورهم،.. فلم نسمع من بعض ممثلي الادعاء ذلك الكيل من الشتائم الذي أصمّ آذاننا، ولو إنه لن يخرس أصواتنا، وتلك السيول المنهمرة من أوصاف ونعوت لم نكن ندري أن معجمات اللغة غنية إلى هذه الدرجة بأكداسها..

لو أنهم حصروا الجريمة بهؤلاء المتهمين لكان ذلك حقهم،.. حتى ولو وقفنا نقرع الحجة بالحجة ونرد على البرهان بالبرهان. لنقولها في نهاية هذه المحاكمة، على عتبة الحكم كلمة صريحة مخلصة. لو أن الاتهام ساق هؤلاء الأشخاص كأفراد مسؤولين عن جريمة معينة واستمد من تصرفاتهم الشخصية دليلاً على اشتراكهم بها ومبرراً لإدانتهم مطالباً القضاء أن يضع ذلك الدليل في ميزان تقديره فيقبل به أو يهمله.

ويشهد الله أننا لم نفكر يوماً بأن نغتنم هذه المناسبة المؤلمة، جعلوا من هذه المحاكمة سبيلاً لا للاقتصاص من المسؤولين عن الجريمة، بل أداة لنحر الحزب في ضميره وعقيدته وأسلوب عمله…

شهادة أحمد الفتيح الذي كان جالساً قرب العقيد المالكي لحظة اغتياله

شهادة أحمد الفتيح أمين عام وزارة المعارف، والتي استمع إليها المحقق:

(المحضر رقم 31)

حضر بالجلب الشاهد السيد أحمد ابن الحاج عبود الفتيح، عمره 43 من أهالي دير الزور، مهنته أمين عام وزارة المعارف، يعرف المدّعى عليهم غسان جديد وعصام المحايري، ولا يعرف الباقين، ويعرف الرقيب الأول يونس عبد الرحيم القاتل يوم الحادث. خالي القرابة والعداوة، وبعد أن أقسم اليمين القانوني المنصوص عنها بأحكام المادة 77 من الأصول الجزائية.

سئل: ما هي معلوماتك في هذه القضية؟؟

في يوم الحادث حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، توجهت إلى الملعب البلدي لأتفرّج على المباراة، وصعدت إلى المنصّة الرئيسية، فوجدت الزعيم شوكت شقير رئيس الأركان حاضراً وجالساً في الصف الأول من المنصّة، وعلى يمينه يجلس السفير المصري، وعلى يساره رئيس فريق خفر السواحل، ويجلس على الصف الثاني من الكراسي خلف الزعيم ووراءه تقريباً الملحق العسكري المصري جمال حماد، والزعيم نظام الدين وبعض كبار الضبّاط الآخرين، ورأيت العقيد المالكي جالساً في الصف الثالث خلف ذلك الصف، وكان يجلس على يمينه المقدم عبد الهادي الشامي، وعلى يساره يجلس المقدم راشد كيلاني.

وقد حياني العقيد نظراً للصداقة التي بيني وبينه، فقد طلب إليَّ الجلوس بجانبه فجلست، بعد أن أخذت كرسياً كان على يسار العقيد بالنسبة للناظر نحو الملعب، أي مكان العقيد راشد الكيلاني الأصلي، بعد أن جلس المذكور على يساري، وبعد أن كان المندوب عبد الهادي الشامي قد جلس على كرسي خلف كرسيه على يمينه، وقد تحدث مع العقيد مالكي أحاديث خاصة، منها حديث يتعلق بشقيقته وشقيقه رياض..

بعد بدء المباراة بعشرة دقائق، جاء لعند العقيد شقيق المحامي حسن الغزاوي كما قيل لي، وطلب إلى العقيد أن يحمّس الجمهور لأن اللعب كان بارداً، وكان جالساً في المكان الذي يجلس به بعض الضبّاط على يسار المنصّة الرئيسية، ضبّاط أذكر منهم المقدم رياض كيلاني، والرئيس أكرم ديري. وقد كان العقيد مالكي وعد شقيق حسن الغزاوي بأن يحمّس اللاعبين بعد خمس دقائق، ثم استرسلت مع العقيد بحديث من جديد، وبعد عشرة دقائق تقريباً، حدث تصفيق أثناء اللعب لفت نظرنا معاً، واتجه العقيد برأسه إلى الجهة اليمنى بالنسبة للناظر نحو الملعب وأنا كذلك..

في تلك الأثناء سمعت طلقتين قويتين اعتقدت أنهما صوت “فتاش -ألعاب نارية” ألقاه أحد المعجبين أثناء اللعب، فانحنيت نحو المقدَّم راشد كيلاني الجالس على يساري من أثر هذا الصوت، وقلت له “شو قلِّة هل ذوق هلاء وقت فتاش” فأجابني قائلاً: “ليس بفتاش إنما هو صوت رصاص”، وابتعد نحو جهة اليسار فتبعته بدوري عندما سمعت إنه صوت رصاص، والتفتُّ نحو الخلف فوجدت القاتل الذي عرفت اسمه فيما بعد إنه يدعى يونس عبد الرحيم، وإنه علوي من جبلة متعصّب للحزب القومي السوري، وكان منذ زمن بدير الزور، وكان يرتدي الألبسة العسكرية الخاصة برجال الشرطة، وكان يعالج المسدّس مصوِّباً إياه نحو الأرض “يخرطشه”، وكان مكان وقوفه يقع مباشرة خلف الصفين الفارغين من الكراسي اللذين كانا خلفنا بنصف متر تقريباً، وكان بعيداً عن الصف الأخير من الكراسي بنصف متر تقريباً، وكان مكانه يقع خلف العقيد مالكي، وإلى اليسار قليلاً بالنسبة للناظر نحو الملعب، وقد رأيته يتحرك من مكانه إلى الخلف بنصف متر تقريباً، بحيث أصبح مكان وقوفه بعد ذلك على حذاء العقيد مالكي تماماً، ورأيته يصوب المسدّس إلى رأسه وأطلق النار على نفسه، ثم ترنح فرأيت شخصاً عسكرياً لم أنتبه إلى رتبته أو إلى هيئته إطلاقاً، يقترب منه قادماً من الجهة اليمنى بالنسبة له، وعسكرياً آخر لم أعرف رتبته ولم أنتبه إلى رتبته إطلاقاً، يتقدّم نحوه قادماً من الجهة اليسرى حين أوشك الرقيب الأول القاتل على السقوط، وبعد وقوعه على الأرض أمسك به من كان قادماً من الجهة اليسرى، وحرّكه بحركة لم أنتبه إليها تماماً، عند ذاك التفتُّ جهة العقيد مالكي فوجدته جالساً على كرسيه بصورة طبيعية وحانياً رأسه إلى الجانب، ورأيت الدم ينفر من جانب “نقرته” من الجهة اليسرى بغزارة، فعلمت عندئذ أن إطلاق النار من قبل الرقيب القاتل كان موجهاً إليه،

بعد ذلك بلحظات تجمع الضبّاط حول العقيد والقاتل، وانصرفت من الملعب إثر ذلك من الدرج الخلفي للمنصّة، وكما أشرت إليكم لم أنتبه إلى هيئة العسكريين اللذين قدما من جهة يسار ويمين القاتل إطلاقاً، وكان جلوسي على الكرسي كما أذكر تقريباً أثناء الحادث خلف الملحق العسكري المصري، وكان الزعيم شقير جالساً أمام الملحق العسكري تماماً،

أما العقيد مالكي فكان على يميني بصورة كان يجلس على مكان مائل قليلاً إلى اليمين بالنسبة لصف رئيس الأركان العامة، وبالنسبة للناظر نحو الملعب نحو اليمين. وقد لفت نظري أنني لم أرَ أحداً في الصفين الفارغين اللذين كانا خلفنا إطلاقاً، وكان القاتل وراءهما بصورة أننا جميعاً كنا معرضين لناره، وهذه إفادتي.

تُلِيت عليه إفادته البالغة صفحتين وربع فصادق عليها بتوقيعه – 4/5/1955.

المساعد – التوقيع الشاهد – التوقيع قاضي التحقيق – التوقيع

ملاحظة:

شهادة أحمد الفتيح كانت بعد مرور ثلاثة عشر يوماً من وقوع جريمة الاغتيال وبنفس اليوم الذي أدلى بشهادته النحلاوي، وهي الشهادة الوحيدة التي تدلّ على كيفية جلوس المالكي على المنصّة.

شهادة الصحفي كامل البني – الذي كان شاهد عيان على جريمة اغتيال المالكي

وهذه شهادة الصحفي وصاحب جريده الأسبوع الرياضي – أمين سر الاتحاد السوري لكره القدم كامل البني:

” المحضر رقم 3 “

بناء على الدعوة، حضر الأستاذ كامل بن محي الدين البني من أهالي دمشق، عمره 45 سنة. المهنة أمين سر الاتحاد السوري لكرة القدم، وصاحب جريدة الأسبوع الرياضي. متزوّج متعلم سوري. يعرف المرحوم العقيد عدنان المالكي ولا يعرف الرقيب الأول يونس، خالي العلاقة والقرابة والعداوة معهما، وبعد تحليفه اليمين القانوني المنصوص عنها في المادة 77 من الأصول الجزائية سُئل فأجاب:

س – ما هي معلوماتك في حادث الاعتداء على العقيد عدنان المالكي، باعتبارك أميناً للسر في الاتحاد العام لكرة القدم وقريباً من مكان الحادث.

ج – في هذا اليوم كنت في الملعب البلدي بمناسبة مباراة بكرة القدم بين فريق خفر السواحل المصري، وفريق شرطة الجيش السوري، وقد كنت في الجناح الأيمن من المدرج في أسفل المنصّة، وفي الصف الأول وكان بجانبي عن اليسار الأستاذ أنور تلو، وعلى يميني الدكتور غيه،

كان في المنصّة ثلاثة كراسي كبيرة معدة لجلوس رئيس الأركان في الوسط، وكرسي للسفير المصري على اليمين، وكرسي لرئيس بعثة خفر السواحل على ما أذكر على يسار رئيس الأركان.

وخلف الصف الذي يجلس عليه رئيس الأركان، كان صف يجلس عليه بعض كبار الضبّاط المدعوين، وخلف هذا الصف صف آخر كان يجلس فيه المرحوم العقيد عدنان المالكي، وإلى جانبه أمين المعارف الأستاذ أحمد الفتيح.

و قد بدأ اللعب وكان الحديث بين العقيد وجاره أمين المعارف مستغرقاً اهتمامه، لأنني ألاحظ العقيد عدنان منهمكاً في الحديث ومقبلاً عليه ومنحنياً إلى جهته، وكان يعطي اللعب في الملعب اهتماماً قليلاً لانشغاله بالحديث خلاف عادته

، وبعد نحو عشرين دقيقة تقريباً من بدء اللعب، سمعنا صوتاً يشبه ألعاب نارية كما ظنناه لأول وهلة، وبفعل منعكس التفتُّ إلى جهة الصوت فأبصرت شخصاً عسكرياً وبيده المسدّس مشهراً ووجهه ممتقع، وهو يحمله بوضعية الحذر والمبادرة للهجوم، فصحت فوراً.. وإذا بي أشاهد الطلق الثاني ينطلق إلى جهة المنصّة الرئيسية، وبعد انطلاق الطلقة الثانية لاحظت أن صاحب المسدّس أخذ يعالجه، كان المسدّس توقف عن الانطلاق، وكان بعض الموجودين من الضبّاط على المنصّة الرئيسية قد أسرعوا نحوه، وكنت في هذه الفترة أتقدّم بسرعة نحوه وأنا أصيح، فانطلقت الثالثة ولا أدري كيف كان اتجاهها،

و كنت لاحظت أن صاحب المسدّس بعد الطلقة الثانية أخذ يتراجع إلى الخلف، ولم أنتبه إذا كان هو يتراجع قد ولى ظهره للناس، أو مازال مولياً وجهه نحوه، ولما شاهدت العقيد مصاباً اتجهت نحوه ولم أعرف ما جرى للمعتدي، وقد أحاط الضبّاط بالعقيد وحملوه، وقد استرخى رأسه والدماء تنزف منه، ولم أسمع إذا كان قد تكلم لأن الضبّاط هم الذين أحاطوا به وهذه شهادتي.

تليت عليه إفادته البالغة صفحة واحدة فأيدها.

كاتب الضبط صاحب الإفادة معاون النائب العام العسكري.

ملاحظة:

  • نلاحظ في هذه الشهادة أن البني لم يرَ الرقيب أول يونس عبد الرحيم يطلق النار على نفسه منتحراً.
  • يجب التوقف عند قول البني: “ولم أسمع إذا كان قد تكلم لأن الضبّاط هم الذين أحاطوا به”.
  • كما يجب التوقف عند شهادة الشهود الأربعة وهم الملازم أول عبد الكريم النحلاوي، والرقيب أول ناصر جميل هزبر، وأحمد الفتيح، وكامل البني، وأنهم قد أجمعوا على سماع ثلاث طلقات!
  • أخذت هذه الشهادة بنفس اليوم الذي وقع فيه الحادث أي شهادة فورية.

شهادة عصام المحايري: أحد المتهمين بالتخطيط لعملية الاغتيال:

استدعي القيادي السوري القومي المعتقل آنذاك في قضية اغتيال المالكي عصام المحايري أمام المحكمة للاستماع إلى أقواله عدة مرات

ومما قاله: (إن الحزب السوري اتخذ قرارا رسميا بالاتصال بالعسكريين والقيام بعمل عسكري حاسم بناء على تقارير هشام الشرابي في أمريكا التي قال فيها أن إحدى الدول الأجنبية ستدعم هذا العمل. واتخذ القرار في اجتماع عقده المجلس الأعلى ومجلس العمد)

تابع المحايري أمام المحكمة: (إن الوسيط بين الحزب والدولة الأجنبية هو السيد شارل مالك والصديق الذي اتصل به السيد نوري السعيد والذي كان يقوم باتصالات دائمة مع العراقيين هو المتهم سعيد تقي الدين.)

وبتاريخ 4 أيار 1955 استدعي المحايري على عجل وبدون حضور محامٍ نظراً لسرعة التحقيق، وبغية إظهار الحقيقة عملاً بالمادة 69من الأصول الجزائية،

وسئل:

س – أفدنا عن تصرفاتك في يوم حادث قتل العقيد عدنان المالكي في يوم الجمعة الواقع 22/4/1955؟

ج – جرت العادة أن يكون عندنا في الساعة الحادية عشرة من صباح كل يوم جمعة، اجتماع مجلس العمد، وقد تأخرت يومها عن الموعد المقرر في بيتي. فتلفن لي كامل حسان وكيل عميد الداخلية… وقال (إذا كنت خالص بجي بآخذك بالسيارة) فأجبته بالإيجاب.

ويتابع المحايري سرد المواضيع التي ناقشها مجلس العمد في تلك الجلسة إلى أن يصل إلى القول(… وأثناء ذلك رن الهاتف وأخذ الأمين عبد المسيح السماعة، وسمعنا منه هذا القول (قُتل العقيد مالكي !!! هذا دس لا تسمع له) جواباً لمن يخاطبه على الهاتف. وأطبق الهاتف

وعند سؤالنا له عن الخبر قال: (بالمكتب عما يدقوا وقال واحد أجا قلهم إنو العقيد مالكي قُتل) وكان، بل وأردف، وطرق الباب ودخل الرفيق فؤاد جديد، الذي هو عضو في الحزب… وقد حضر فؤاد جديد بعد تلقي الخبر بالهاتف بدقيقة أو دقيقتين..)

وفي تاريخ 22 حزيران نشرت الصحف السورية صورة زنكوغرافية لرسالة بخط عصام محايري وتوقيعه موجهة إلى السوريين القوميين بلبنان كتبها في سجن المزه بتاريخ 21-6-1955م “وكان قائد مخفر سجن المزه آنذاك الرئيس أكرم الديري” جاء فيها ما يلي:

يؤسفني ما يترامى إلي من أن أقلاما قومية اجتماعية في لبنان تقوم بحملة تضليل وتنشر ترهات تصورني فيها في التحقيق الذي جرى ويجري معي، أن أظافري قد اقتلعت ويداي قد كويت بالزيت المغلي بل وأن عيني قد قلعت أو كادت إلى نحو ذلك من الأباطيل.

لقد كنت أتمنى على رفقائي في لبنان أن يمسكوا أقلامهم إلا على الواجب الذي يمليه على قومي اجتماعي سلوكه تجاه الجريمة النكراء والمأساة المفجعة التي أودت بحياة العقيد المالكي، هذه الجريمة البشعة ويؤلمني أن أصارح رفقائي، أنها ليست وليدة يونس عبد الرحم القاتل الذي انتحر أو قتل بعد الاغتيال مباشرة بل أن وراء يونس ويا للعار، أيدي بعض المسؤولين الحزبيين الذين خططوا ودبروا ودفعوا للجريمة الآثمة.

وواجب أقلام القوميين الاجتماعيين هو الاهتمام بهذه الناحية الخطيرة والأليمة جدا فلا ينساقوا وراء العاطفة الشخصية وينسوا واجبهم في تناول وضعية المجرمين.

إن حقيقة كون أن الجريمة وراءها بعض المسؤولين الحزبيين تعني، ويا للخجل أن هؤلاء خانوا الحزب وخانوا دستوره كما خانوا قسم المسؤولية الذي أدوه.

هذه الخيانة تفرض علينا أن نثور على أصحابها ونصب نقمتنا عليهم، ونعمل على محاسبتهم عليها، والمساهمة في إنزال العقاب الرادع بهم، لا أن نحصر الثورة على موضوع توقيف الرفقاء الذين أوقفوا ونسج الروايات حول هذا التوقيف، هذه الكلمة التي أسوقها لرفقائي كم أكون شاكرا للصحافة في الشام ولبنان نقلها إليهم لتتضح لكل رفيق الحقائق حول هذه الجريمة النكراء، ويعود رائد القوميين الاجتماعيين في هذه المأساة، أن ينال المجرمون، أياً كانوا عقابهم وجزاءهم الحق”.

وذكرت مجله الصياد الصادرة يوم 1 أيلول 1955 أن المحكمة العسكرية استجوبت في الجلسة الأخيرة عصام المحايري فأصر على التنصل من الاشتراك في المؤامرة وعلى شجب عمل الحزب الذي دبرها. وأنه قال أثناء محاكمته إن الحزب القومي الاجتماعي اتصل بالحكومة الأميركية بواسطة الدكتور شارل مالك.

 

 

قـــــــــــــرار الــــــمــــــحـــكـــــمـــــــة:

صدر قرار المحكمة بعد بضعة شهور من المحاكمة، فكان وثيقة كشفت فعل أجهزة المخابرات الاستعمارية في تخريب القوى المسلحة العربية والأحزاب السياسية. ولاحظ المراقبون آنذاك أن محاكمة المتهمين بجريمة الاغتيال كانت لمحاكمة الحزب السوري القومي الاجتماعي أكثر مما هي لمحاكمة المتهمين! حتى أن المحاكمة جرت بحق بعض أعضاء الحزب السوري القومي غير المتواجدين في سورية والذين لم يقوموا بأي عمل جرمي ضد المالكي. وهذه من غرائب المحاكمات. كما أن المحكمة أدانت بعض المتهمين على الظنّ والشبهة، من دون أن يثبت قيامهم بأي فعل جرمي يستوجب معاقبتهم.

كما نصّب الرائد محمد الجراح “كما يقول المعترضون على المحاكمة” نفسه قاضي تحقيق عسكري بعد أن أبعد الرائد صلاح يوسف آغا من مهمته كقاضي تحقيق عسكري، وأبعد العقيد محمد الرافعي عن مهمته كنائب عام عسكري وجلس محمد الجراح مكان النائب العام العسكري، كما نصّب نفسه مدّعياً عاماً على القوميين الاجتماعيين في المحكمة العسكرية!!

أسفر حكم المحكمة عن إدانة المتهمين من السوريين القوميين بمقتل العقيد عدنان المالكي بالأحكام الآتية:

أولاً: حكم بالإعدام وجاهياً على ثلاثة هم: محمد منعم الدبوسي، بديع مخلوف فؤاد جديد وحكماً غيابياً على خمسة هم: جورج عبد المسيح وعبد الله محسن واسكندر شاوي وغسان جديد وسامي الخوري. وقد أدين بديع مخلوف ومنعم الدبوسي بجناية الاشتراك والتحريض على القتل، وأدين الباقون بجناية التحريض على القتل، كما أدين عبد الله محسن وجورج عبد المسيح بجريمة التجسس لحساب دولة أجنبية.

ثانياً: بلغ مجموع الأحكام الصادرة على عصام المحايري (18) سنة وخمس سنوات إقامة إجبارية في تدمر وأربع سنوات منع إقامة في دمشق – بالجرائم التالية: 15 سنة أشغال شاقة بجرم التجسس وسنتين ونصف أشغال شاقة لتحريض العسكريين على العصيان وخمس سنوات إقامة إجبارية في تدمر لتحريضه والتآمر على أمن الدولة الداخلي.

ثالثاً: بلغ مجموع الأحكام الصادرة على جولييت المير (18) سنة سجناً و(15) سنة مع الأشغال بجرم التجسس والاستحصال على وثائق يجب أن تبقى مكتومة وسنتين حبس لتشويقها العسكريين على الانضمام لحزب سياسي وخمس سنوات إقامة إجبارية بتدمر لتآمرها على أمن الدولة الداخلي.

رابعاً: كامل حسان (18) سنة حبس (15) منها مع الأشغال الشاقة بجرم التجسس وسنتان لتشويقه العسكريين للانضمام إلى حزب سياسي وسنة للانضمام إلى حزب غير مشروع.

خامساً: حكم على إبراهيم الصواف بالأشغال الشاقة المؤبدة لتدخله فرعياً في جرم القتل مع تجريده عسكريًا.

سادساً: زهير قتلان 12 سنة حبس وأشغال شاقة لتدخله فرعياً في جريمة القتل.

سابعاً: عبد الكريم الشيخ: سنتان حبس لتشويقه العسكريين للانضمام إلى حزب سياسي.

ثامناً: حكم (15) سنة بالأشغال الشاقة بجريمة الاستحصال على وثائق ومعلومات يجب أن تبقى مكتومة كل من: كميل جدع، عبد الله القبرصي، إنعام رعد، محمد يوسف حمود، مصطفى عبد الساتر كامل أبو كامل، أسد الأشقر، مصطفى أرشيد، جبران جريج، سعيد تقي الدين، سعيد شهاب الدين، فؤاد شواف.

تاسعاً: وحكم خمس سنوات إقامة إجبارية بجريمة التآمر على أمن الدولة الداخلي مع الإسقاط من الحقوق المدنية كل من: كامل أبو كامل، إنعام رعد، عبد الله القبرصي، محمد يوسف حمود، فؤاد الشواف، مصطفى عبد الساتر.

وقد صدر هذا القرار بالأكثرية بمخالفة رئيس المحكمة بدر الدين علوش وعضو المحكمة المقدم عفيف البزري، وكان سبب مخالفة الرئيس بدر الدين علوش التي كتبها بيده “أن الوثيقة المصادرة من بيت سليم منصور وإن كانت في مضمونها تحتوي على تبادل أخبار ومعلومات بين (م. أ) الوسيط في فلسطين وبين (م.س) الوسيط في الشام إلا إنه وجد عليها عند مصادرتها كتابة في أعلاها وفي منتهاها تؤدي أن هذه الوثيقة حصل عليها مكلف قومي اجتماعي، وإن هذه الوثيقة نقلت طبق الأصل.

إ ن هذه الكتابة الموجودة على الوثيقة قرينة تدل على أن من وجدت معه ليس هو الجاسوس وليس هو الذي يتبادل المعلومات مع الوسيط في فلسطين (إسرائيل) وحيث إنه لم تقم في الدعوى أدلة محسوسة بحق المتهمين الذين ثبت اطلاعهم على هذه الوثيقة أنهم كانوا يتبادلون المعلومات مع الوسيط في فلسطين مما لا يجوز معه الأخذ بمضمون الوثيقة وإهمال القرائن اللاصقة بها”

أما العقيد عفيف البزري فقد خالف قرار المحكمة بأربع نقاط.

ولاً: لأنه اعتبر الحزب جمعية سرية خلافاً لرأي الأكثرية

. ثانياً: لأنه اعتبر مجلسي الحزب محرضين على القتل.

ثالثاً: لأنه اعتبر أن رسائل الشرابي والاتصال بالدول الأجنبية يشكل جريمة الخيانة ودس الدسائس لدى الدول الأجنبية.

رابعاً: لأنه طلب الحكم على فؤاد جديد بالسجن أشغال شاقة مؤبدة.

استمرت المحكمة بجلساتها لحين أصدرت أحكامها بتاريخ 13/12/1955 بإعدام ثمانية متهمين، “محمد منعم دبوسي وبديع مخلوف وفؤاد جديد وجورج عبد المسيح وعبد الله محسن واسكندر شاوي وغسان جديد وسامي الخوري”.

ثلاثة منهم فقط كانوا رهن الاعتقال، بينما الخمسة الآخرون كانوا هاربين إلى لبنان” جورج عبد المسيح وغسان جديد”

وحين طلبت الحكومة السورية من لبنان تسليم الهاربين، أعلن وزير الداخلية اللبنانية أن الأفراد المطلوب تسليمهم قد ثبت وفقاً للتحقيقات أنهم غير موجودين داخل الأراضي اللبنانية!؟. وقامت عدد من الصحف والمجلات اللبنانية بعد ذلك بحملة إعلامية على سورية، كان من نتائج ذلك أن ساءت العلاقات بين الحكومتين “اللبنانية والسورية” (إثر امتناع الأولى عن تسليم القوميين المتهمين في مقتل المرحوم عدنان المالكي- مجلة الصياد أول أيلول 1955م).

وبتاريخ 5 تموز 1956 رفضت محكمة الاستئناف الطعن الذي تقدم به المتهمون، بالحكم، فأصبحت الأحكام نهائية، ولم يتبق سوى تصديق رئيس الجمهورية عليها لتصبح جاهزة للتنفيذ.

رفض الرئيس السوري شكري القوتلي التصديق على حكم الإعدام (لأن والدته كانت قد طلبت منه أن لا يوافق على إعدام أحد) وكان القوتلي ميالاً إلى تخفيف اثنين من أحكام الإعدام إلى السجن المؤبد، لكن ضغوط الجيش على الرئيس القوتلي كانت شديدة، فهدد القوتلي بالاستقالة وكان جاداً بذلك، الأمر الذي جعل الجيش يوافق على اقتراح شكري القوتلي بتشكيل هيئة خاصة تكونت من ثلاثة ضبّاط وثلاثة قضاة عُهد إليهم إعادة النظر في القضية، وتقديم توصياتهم بشأن أحكام الإعدام بصفة خاصة.

وهكذا انتقل مصير المتهمين المحكوم عليهم بالإعدام إلى “هيئة غير شرعية لا تمت إلى القضاء بصلة ” ونتيجة لقرار تلك الهيئة الاستثنائية تم تنفيذ الإعدام رمياً بالرصاص في 3/9/1956 باثنين من المحكوم عليهم بالإعدام فقط.

إعدام مخلوف والدبوسي:

بعد تصديق الرئيس السوري شكري القوتلي على قرارات المحكمة بعد عرضها على اللجنة التي شكلها لإعادة النظر في قرارات المحكمة، انتهى الأمر بالحكم بالإعدام على اثنين من المتهمين فقط

وهم الوكيل “مساعد” في الجيش السوري بديع مخلوف “مواليد عام 1926م قرية بستان الباشا – اللاذقية”، والرقيب عبد المنعم الدبوسي من ملاك الشرطة العسكرية،

و كان قد ألقي القبض عليهما عقب جريمة اغتيال عدنان المالكي وسُجنا وعُذبا وقُدّما إلى المحاكمة حيث أدانتهما بجريمة اغتيال المالكي، وفور صدور الحكم بالإعدام وتصديق الرئيس القوتلي عليه،

صدرت الأوامر من الأركان العامة والعدلية العسكرية والنيابة العامة العسكرية بسرية شديدة بوجوب تنفيذ حكم الإعدام فوراً.

و في الصباح الباكر من يوم الاثنين 3 أيلول عام 1956 بدأ تنفيذ الاستعدادات والأوامر التي صدرت من الأركان والجهات العسكرية الأخرى، فاتخذ رئيس الشرطة العسكرية الإجراءات اللازمة ورتب عبد الحميد السراج والنائب العام العسكري المقدم محمد الجراح كافة الإجراءات اللازمة لتنفيذ حكم الإعدام.

في الصباح الباكر من ذاك اليوم الموعود وبسرية تامة أُخرج مخلوف والدبوسي من سجن المزة من “الزنزانة” مكبلين بسلاسل الحديد إلى إحدى السيارات العسكرية التي كانت تنتظرهما ضمن موكب سيارات عسكرية في سجن المزة وسار الموكب المؤلف من عشرين سيارة وشاحنة عسكرية تتقدمهم السيارة العسكرية التي تقل المقدم الجراح لتنفيذ حكم الإعدام، ووصل الموكب إلى مدينة القنيطرة” وقيل قرية المنصورة ” لتنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص.

أنزل السجينان من السيارة ووضعا في المكان المخصص لتنفيذ الحكم، ونزل المكلفون بالإشراف على تنفيذ حكم الإعدام وهم المقدم بشير الطباع، عضو المحكمة العسكرية التي صدّرت الأحكام. والمقدم هشام العظم، آمر فوج الشرطة العسكرية، والمقدم محمد الجراح النائب العام العسكري.

وحضر عن ضباط الجبهة الرائد جاسم علوان، وكان ضمن المرافقين لهذا الموكب عدد من عناصر الجيش الموكل لهم تنفيذ مهمة إطلاق النار على مخلوف والدبوسي وأحد الشيوخ، تلا المقدم الجراح على مسمعهما المرسوم القاضي بتنفيذ حكم الإعدام بحقهما،

ومن ثم تقدم الشيخ منهما يسألهما عن آخر طلب يطلبونه وماذا يوصون أهلهم، وحسب ما يروي السوريون القوميون، فقد قال مخلوف (كل من في أمتي هم أهلي ولا طلب عندي ولا وصية سوى قضية أمتي..أريد مجد أمتي وعزها..أريد أن تكون كبيرة عزيزة بين الأمم” وردد عبارات زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة: “نحن جماعة نحب الحياة لأننا نحب الحرية ونحب الموت متى كان الموت طريقاً إلى الحياة”).

و اتجه الشيخ نحو منعم دبوسي وقال له: ماذا توصي يا منعم؟ فأجاب منعم: (لا أوصي إلا بما ذكره رفيقي بديع ولا أطلب إلا عز أمتي ومجدها”.

وقاربت عقارب الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة من صباح ذلك اليوم عندما أمر الملازم عبد المجيد جمال الدين بإشارة بيده لعناصر الجيش بإطلاق الرصاص فدوّى أزيز الرصاص، أربع وعشرون طلقة أطلقت على جسدي مخلوف والدبوسي…

يقول عبد القادر العبيد من قيادي الحزب السوري القومي: (إنني سمعت من زوجة عبد المنعم الدبوسي “مطيعة بغدادي” مرة في فترة استراحة المحكمة قولها على لسان زوجها: “إنني أعرف أنني سأموت.. لا تسامحيني ذرة واحدة إذا كان لي علم من قريب أو بعيد في هذه الجريمة، وأستطيع أن أقول ذلك عن صديقي بديع مخلوف بكل ثقة.. وأمام الله والناس).

علمنا أن زوجة الدبوسي أوقفت فترة زمنية على ذمة التحقيق “وهي حامل في أيامها الأخيرة” ومن ثم أُطلق سراحها هي والجنين.

ويذكر العبيد عن بديع مخلوف: (لم يكن موجوداً في الملعب البلدي، بل كان يحضر فيلماً مع رفيق له في سينما السفراء بدمشق.)

دفن بديع مخلوف في بلدة بستان الباشا، في مدينة اللاذقية.

لمزيد من المعلومات ، ما كتبه الصحفي شمس الدين العجلاني :

 file:///D:/%D9%81%D8%B1%D9%85%D8%AA%D8%A9/%D9%81%D8%B1%D9%85%D8%AA%D8%A9%201/%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D9%84%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1/%D8%B9%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84%20%D8%B9%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A%20%D9%80%20%D8%B4%D9%85%D8%B3%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AC%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%8A.pdf

أيضا :

https://ramimahaini077.blogspot.com/2019/01/

https://www.youtube.com/watch?v=pYvZn0xt2T4