دراسة نقدية في الأحزاب السورية ـ الحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجاً ـ تـــاريخ ونتائج

مقدمة لابد منها:
/ في المبادئ التي تمت للإنسان الحر بصلة ، لا يمكن الاستناد الى أي قول استبدادي مطلق لتقرير حقيقة إنسانية ، أو لها علاقة بالإنسان – المجتمع /
أنطون سعادة
في البحوث التي تتناول القضايا الإنسانية، لا بد من اعتماد الموضوعية طريقا للوصول لنتائج يمكن اعتمادها كمقولات مستخلصة من التجربة التاريخية لتصحيح المسار إذا كانت النتائج غير مرضية أو كانت ذا تكلفة عالية على صعيدي الطاقة أو الزمن أو الأهداف في المدى الزمني المتوقع والمتاح لنجاح هذه القضية..
تقتضي الموضوعية تناول القضية في الزمان والمكان اللذان يشكلان البوتقة التي تعمل بها هذه القضية، بما يفيد تناول، أشخاصها بظروفهم الشخصية والعامة والمستوى الثقافي الذي يشكل المرشد لهم في طريق تحقيق ما يرونه من وسائل متاحة وما تتطلبه من إمكانيات لتذليل مختلف العقبات التي تعيق بلوغ الهدف المرجو تحقيقه، أيضا، في المدى الزمني المتاح..
الأشخاص، أو الأفراد هنا، هم أولئك العاملون في نطاق الأهداف التي يسعون لتحقيقها، وذلك عبر الشكل الذي يحقق لهم الفكر ويضبط لهم نهجا يؤدي بالضرورة لانتصار قضيتهم، أيضاً في المدى الزمني المتاح لهم، وسط تغيرات اجتماعية وثقافية وسياسية وحتى اقتصادية لا بدَّ من أخذها بعين الاعتبار في مسيرتهم.. هم القرارات التي تنظم عملهم لبلوغ أهدافهم، والقرارات هنا أيضا، هي تلك المستندة الى دراسة مستوى الإمكانيات وقدراتها وظروفها ومحفزاتها ونسبتها الى العوائق التي تحول دون تحقيق الهدف الآني أو المرحلي أو المستقبلي.. كما، وهنا الأهم، نسبة المصلحة العامة الى المصلحة الذاتية على اعتبار أن المصلحة هنا هي مصلحة مركبة ـ وفق سعادة ـ وهي غير المنفعة، إذ أن المصلحة هي شأن عام يتداخل به الذاتي الى هذا الحد أو ذاك، بينما تأتي المنفعة كشأنٍ ذاتي في المطلق.. / في الأفراد تلعب المفاسد ولا يمكن لهؤلاء أن يصموا المجتمع بالمفاسد التي في نفوسهم. /
عليه، لا يمكننا اعتبار كل من كتب في الحزب السوري القومي الاجتماعي أو عن الحزب، قد اطلع على فكره من جهة أو مسيرته التاريخية ـ بما فيها من إشكاليات ـ من جهة أخرى، مدققا محللا مستنتجا وفق منهج تحليلي أو تركيبي ، وصفي أو معياري ً..
هذه الإشكاليات تنصب بكليتها على مفاصل تاريخية لعب فيها الأشخاص الدور المحوري في النتائج التي انتهت اليها، من هنا كان البحث فيها يتناول المكان والزمان والأشخاص الذين مروا في تاريخ هذا الحزب، بعضهم ترك بصمات قد لا تمحى من هذا التاريخ والبعض الآخر كان مروره مرور الكرام لفه غبار النسيان، تناسى الحزب أو تناساه الحزب، .. الحزب هنا ليس مؤسساته، إنه أشخاصه، أو بالأحرى مالكي القرار فيه ، في مرحلة ما من مراحله المتعثرة على الدوام بنتيجة ذلك ، ذلك أن العمل أو الفعل المؤسساتي، هو بالضرورة عمل أو فعل جمعي، وهذا ما لا نجده في أي من القرارات المصيرية التي حكمت مستقبل الحزب، الى هذا الحدِّ أو ذاك، وعليه يمكننا تلمس الإجابة على السؤال :
لماذا انشغل القوميون الاجتماعيون بصراعاتهم الداخلية التي أعمتهم عن الحزب ومصالحه، وباتت اهتماماتهم تنصَّبُّ على أي من الفرقاء هو الأفضل، فتحولت العضوية الى استزلام لهذا دون ذاك؟
وباتت “مؤسساته ” تعجُّ بالمتطفلين عليها ، ولكثرتهم ، تقمصتهم تلك المؤسسات، وخرجت عن مفهومها الصحيح من حيث هي مؤسسات صهر وبلورة وصقل، لذا بقيت الثقافة الحزبية في حدود الحرفية المجترة لأقوال سعادة ، بوعي أو بدون وعي ، فانحدرت لدرجة أنه لم يعد فيها الكثيرون الكثيرون بقادرين على حفظ مبادئ الحزب حرفيا على سبيل المثال ومن ثمَّ وعيها ، وتاليا فهمها والعمل بوحي متطلباتها ـ مسؤولين كانوا أو أفراداً ـ وباتت المبادئ مجرد رؤى فردية ، لم تكن من حيث المستوى بسوية الهدف الرئيس بقدر ما كانت بمستوى هدف شخصي يسعى لتحقيق الذات الفردية ، بما فيها من تراكمات تربوية وثقافية لا تمت للحزب بصلة من حيث المبدأ، وغدت العضوية مجرد كمٍّ عددي تراكمي لا قيمة حقيقية له في تقرير مصير الحزب في الحد الأدنى ، هذا إذا لم تسئ إليه وبات تعداد القومين خارج مؤسساته أكثر بكثير من المنضوين تحت هذا اللواء أو ذاك . (1)
هكذا دخل الحزب في متاهة الأشخاص، حيث لعبت الدور الأهم والبارز في ما انتهى اليه ، الشخصانية كانت وراء تقزيم دور الحزب على الساحتين الداخلية والخارجية ، وفقدانه لقراره المستقل داخلياً أيضا وخارجياً ،
هكذا أيضاً تكررت أزماته، ولم يشكل هذا التكرار لدارسي فكر سعادة وحزبه، مرتكزا للبحث في عوامله وأسبابه والنتائج الكارثية التي لحقت بالحزب، وتلقائيا بأعضائه الذين دفعوا حياتهم في سبيل قضيته، تشردا وفقرا هذا اذا لم تكن الشهادة ـ في سبيل أهداف لم تكن في مصلحة الحزب وتقدمه بقدر ما كانت نتيجة رؤى فردية لم تمتلك حتى المعلومة الدافعة لهذه الشهادة، سياسيا بالحد الأدنى ـ كخاتمة لهذه العضوية..
وهنا لا بد من التنويه من أن سعادة قد شدد في كثير من طروحاته على ضرورة دراسة تاريخ الحزب بهدف الكشف عن هذه التكرارية التي تسمح لنا بتلمس الأسباب الدافعة ومحاولة الإجهاز عليها عير بناءٍ مؤسساتي قادرٍ على تجنبها والحيلولة بينها وبين المسيرة الحزبية.
ولهذا ستشكل هذه التكرارية العمود الفقري لهذه الدراسة، ذلك أنها ملفتة للنظر، فمنذ اليوم الأول للتأسيس، يكتشف سعادة اثنان من أصل خمسة ما كانا يصلحان لقضية نذر لها حياته، فكان قراره بحلِّ الحزب.. منذ التأسيس وحتى تاريخ الاغتراب القسري ـ ما يقارب العشر سنوات ـ ومن تاريخه وحتى عودته ( عشر سنوات أيضا) ومن تاريخه وحتى أزمة 1957 ( عشر سنوات ) ومن تاريخه وحتى حركة وسيم زين الدين ومؤتمر ملكارت ( عشر سنوات ) اذا ما اقتطعنا مدة السجن بعد الانقلاب الستيني ، ما تلى ذلك وحتى اغتيال عميد الدفاع محمد سليم ورفاقه ( عشر سنوات ) ما بعد ذلك لم يعد الحزب حزبا بل بات فطرا ينمو على تاريخ أنطون سعادة يجترُّ اجتراراً ببغائيّاً ذلك الفكر الذي أثار حفيظة القوى العالمية ( الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية العظمى ) فقررتا اغتياله في أقبح محاولة اغتيال في التاريخ ـ بعدما نشر مقالته ( البترول سلاح انترنسيوني لم يستخدم بعد ) وتحديدا في ما يتعلق بالمشكلة الفلسطينية والذي اعتبره القائمون على تهيئة العوامل والأسباب لقيام “دولة ” بني صهيون خطرا لم يكن يخطر في بال أيٍ من سياسيي تلك المرحلة المبكرة من تاريخ هذه المنطقة وما يُهيأ لها من مؤامرات تستهدف امكانياتها الطبيعية والبشرية .
تاريخ الحزب، لم يكن في مستوى قضيته، اقتصر على بعض مرويات كتبها بعضٌ من رفقاء سعادة، وصلت في كثير من الأحيان حدَّ السذاجة.. وكانت في أغلبها مرويات شخصانية، حادثات، آنية لا معنى لها سوى أنها تدليل على عبقرية سعادة المسلكية والفكرية، تاريخ لم يتناول حدثا سياسيا بالتحليل، كان تاريخا مشوها لقضية ندعي أنها تساوي وجودنا..
حزبٌ بلا تاريخ، لأنه تاريخ مُصادر، صادرته مؤسسات الشخصانية وعملت على طمسه وتغيبه وفي مجمله سردي، وفق مقتضيات مرحلة الصراع على السلطة، في الحزب يتداول القوميون الاجتماعيون قضايا ارتبطت بأشخاص لو لم يأتي على ذكرها سعادة، لغيبها النسيان، يطالعون انتقادات سعادة لما كتبه ـ مثلاً ـ فايز صايغ دون أن يكلف أحدٌ نفسه بقراءة ما كتبه فايز صايغ وهل أصاب سعادة في انتقاداته أم لا، سؤالٌ موضوعي، لم يسأله أحدٌ ولم يطرحه على آخر، فكلام سعادة منزَّلٌ لا تشوبه شائبة، فهو صاحب القضية والداعي لها و .. و.. ولم يخطر ببال أحدٍ أن السؤال شأنٌ فلسفي لا علاقة له بأشخاصه، هكذا أُفرغ التاريخ الحزبي من مضمونه ، من جوهره ، مما يُبنى عليه، هكذا غُيبَتْ التكرارية في الحدث الحزبي وخرج منه الكثيرون المؤهلون فكريا لقيادته لأنهم شكلوا العبء الأكبر على قياداته الفارغة المضمون والتي عملت شخصانيتها على شخصنة الحزب بأكمله .
التاريخ ليس أحداثا ، إنه تراكم خبرة ، محصلة لمتجهات قوى لعبت دورا مهما في مرحلة ما ، وكانت المقدمة العملية لما بعدها ، هي تؤسس لما بعدها مستفيدة مما اكتنفها ـ على مختلف الأصعدة ـ من غموض وملابسات و..
كمثالٍ واضح صارخ، كان الدستور الحزبي، الحصان الذي امتطاه كل من وجد في قيادة الحزب مطمعا له، بحيث تمثل الصراع على السلطة، بالتعديلات الدستورية التي اقتصرت على صلاحيات الرئيس وصلاحيات المجلس الأعلى فتارة تُوسع تلك على حساب هذه أو هذه على حساب تلك، وفق مقتضيات المرحلة المتمثلة في كاريزما الرئيس، غُيبت في مختلف التعديلات الدستورية السلطة القضائية كما غيبت صلاحيات العُمد وسُحبت على حقوق العضو ، تلك التي اقتضتها ظروف التأسيس، على ما تبعها من مراحل وبقيت مقتصرة على ـ ابداء الرأي في الاجتماعات الرسمية “وحين يُباح له الكلام ” ـ عضو من واجبه الموت شهادة على التزامه وليس من حقه سوى ابداء الرأي وحين يُباح له الكلام !!!
على مبدأ ـ نفذ ثم اعترض ـ كانت المسيرة الحزبية تتجه رويدا رويدا نحو الشخصانية متقمصة شخصية سعادة في مرحلة التأسيس، تلك المرحلة التي اقتضت، بظروف الانتداب، السرية المطلقة، وما بعد الانتداب، بقيت على حالها بمقتضيات السرية أحيانا أو بمقتضيات المصلحة الحزبية حينا آخر، الدستور كان السندان الذي اعتمده النظام في طرق رؤوس القوميين الاجتماعيين ، الدستور والنظام باتا سيفا مسلطا على رقاب الأعضاء، والخروج على النظام كان ” الخيانة العظمى ” التي يوصم بها كل من دارت دوائر الفصل أو الطرد أو التهميش عليه !!!
لم تسترع التعديلات الدستورية انتباه أحد، ولأنها كذلك بقيت المثال الأوضح على الصراع على السلطة، لم تسترع تكراريتها انتباه أحد ، والمشكلة أن القاعدة الحزبية كانت ترضخ – بعامل النظام – لما تمليه عليها هذه التعديلات، لما كانت عليه من سذاجة الانتماء للحزب، المبني تارة على الإرث الشخصي أو القرابة أو العائلية أو حتى العشائرية وفي أحيانٍ أخرى على المذهبية الدينية ..
كل ما كان سعادة يعمل على ضرورة انتفائه من المجتمع السوري كان المدماك الرئيس لعضوية الحزب، وهكذا لم تكن العقيدة قاعدة للانتماء الحزبي، بهذه الحال غيبت العقيدة القومية الاجتماعية عن الساحة الحزبية أيضاً، وبات كل اجتهاد بها مقبولاً لدى الأعضاء، أخطأ أم أصاب، فمعايير الخطأ والصواب يحكمها الجهل بها.
/ لعبٌ في الدستور من الدستور على الدستور /”، مقولتي الشهيرة، كانت هي سنة التعديلات الدستورية كافة، هذه التعديلات ، بالإضافة لصلاحيات الزعيم المسحوبة على مراحل ما بعد اغتياله ، كانت وراء الكارثة الكبرى في تاريخ الحزب، واقصد انتفاء الخبرة الحزبية ، ذلك أن الخبرة شأنٌ تراكمي، لا يملكه أي فرد عادي، فالممارسة الطويلة الأمد تُكسب الفرد خبرة في كيفية معالجة القضايا المطروحة على طاولته، انتفاء الخبرة أدى لانتفاء المعلومة ، وهذه بدورها دفعت باتجاه الارتجالية في مختلف القرارات التي صدرت والتي اقتصرت على الفصل والطرد والاقصاء والإهمال والنسيان لكثير من طاقات الحزب والتي كان يمكن أن يعول عليها في كثير من أزماته الإشكالية ..
في المحصلة، حزبٌ بلا تاريخ، تاريخه سردي، لم يشكل لأيٍّ من دارسيه أو كتبته ، ضرورة التعمق به ودراسته فلسفيّاً، لاستخراج مقولاته، حزبٌ، تحكمه الشخصانية، يفتقر للمؤسسات، مصادرٌ تراثه الثقافي، يحكمه الجهل بعقيدته، يفتقد للخبرة، ليس بقادر على الاحتفاظ بكوادره، لافظا لها، منقسمٌ على نفسه، …

حاله حال مختلف الأحزاب السورية ، ما يمكن اعتماده كميزة له عن غيره أنه قابلٌ للوحدة وهذه ما افتقدته مختلف الأحزاب الأخرى

في الخلاصة، هذه الدراسة، لا تتناول عقيدة الحزب بأية حال من الأحوال، هي تنصَّبُّ على الحزب من حيث هو / نظام الأشكال التي تحقق الفكر والنهج… / “الحزب” من حيث هو “مؤسسات” وهذه من حيث هي أشخاصها، بذاتيتهم الفكرية والاجتماعية والسياسة، بالكاريزما التي تظهر واضحة كل الوضوح في سلوكهم “المؤسساتي”.. وتاليا في تاريخ الحزب، في أزماته المتكررة ..
التكرار ـ كما أشرنا آنفاً ـ يعني قانونية الحركة، المقولات المستخلصة من تاريخ الأشياء، الطفرات لا توحي بالتكرارية، التكرارية تدل على عواملها، أسبابها، ومن ثَمَّ، الى وسائلها المعتمدة، فإذا كان / شرط الوضوح التعين / فسنحاول، هنا، تعين هذه الوسائل بهدف التدليل على عواملها، أسبابها، مصدرها، قاعدة انطلاقها المشروعة، والتي لا يمسها الشك، بهدف الانتقال / من الشك الى اليقين / فالسؤال المطروح في هذه الدراسة يبقى على النحو التالي :
لماذا كلُّ عشر سنوات تجتاح الحزب واحدة من أزماته؟ سؤالٌ تبقى اجابته مقولة لا بدَّ من مواجهتها بما تقتضيه من حلولٍ للحيلولة دون تكراريتها، هكذا يمكننا المضي قدما في محاولتنا البحث عن أسباب وعوامل هذه التكرارية وفق ما أودى بالحزب تدريجيا عبر مراحله المتلاحقة.. وعلى النحو التالي :
1 ـ من التأسيس وحتى الاغتراب القسري
2 – الاغتراب القسري والعودة للوطن
3 ـ العودة للوطن وحتى أزمة عبد المسيح
4 ـ الانقلاب الستيني وحتى مؤتمر ملكار
5 ـ عين الرمانة وحتى اغتيال محمد سليم ورفاقه
6 ـ ما بعد الاغتيال وصعود أئمة الحزب بعمائمهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ في إحصائيةٍ قمتُ بها شخصيّا في مطلع الثمانينيات، منطلقا مما توفر لديَّ من معلومات في عمدة الداخلية ، تبين لي أن عدد المنضوين في الحزب لم يتجاوز الثمانية آلاف ، بينما كان عدد ، المفصولين والمطرودين والمهملين يفوق الخمسين ألفا .
(2) طالبت حينها بأتمتة السجلات الحزبية، فرفض الطلب بسبب تكلفته المادية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- من التأسيس وحتى الاغتراب القسري
من البديهي أن تكون البنية الحزبية غير مؤهلة – في هذه المرحلة – لتفهُمْ أي من الطروحات الفكرية وتحديدا المؤسساتية والتكيف وفق متطلباتها المسلكية ، ذلك أنها خرِّيجة ثقافة عثمانية لم تعرف أيٍ من أنواع المؤسسات سوى المؤسسة الاقطاعية القائمة على العائلية والعاملة على خدمة خلافة دينية انتزعت بعامل الدين في ظروف كانت الخلافة العباسية تعاني من الضعف والتفكك التدريجي تاريخيا ، هذه الثقافة العثمانية ، كانت العامل المهم في تشكيل مجتمعات منغلقة على ذاتها بعامل إهمال السلطنة العثمانية لها بهدف تجهيلها والإبقاء عليها راضية مرضية بما كتبه الله لها في شؤون حياتها كافة ، كان الدين هو المدرسة الوحيدة التي كانت ما تزال تعمل وفق مقتضيات السلطنة المتلبسة لها والتـي باتت عثمانية في شتى متجهاتها ، هكذا طغت الثقافة الدينية على أية ثقافة أخرى وأضحى التوكل والتواكل عنوانا لها ،
قلائلٌ هم المحظوظون من أبناء العائلات الاقطاعية الذين مكنتهم ظروفهم من الخروج النسبي من قمقم هذه الثقافة، لكنه خروج لم يكن سوى بالمظهر، بينما بقي المكبوت الديني – العثماني فاعلٌ في نفوس هذه القلة القليلة من أبناء المجتمع المنصرف كليّا لتصريف شؤونه اليومية والتي حكمها الفقر والجهل لتبقى هكذا قروناً الى أن حلَّ الضعف مكان القوة في شرايين السلطنة وباتت على مشارف الانهيار والخضوع للإملاآت الغرب الصاعد على مسرح الاستعمار- الاقتصادي -الثقافي، بدلا من الامبراطوريات المركزية.. مكبوت عثماني مطعَّمٌ بثقافة غربية فصلت الدين عن الدولة لتنعم باستقرارها وطغيانها على الأمم الأخرى.. مثقفو مرحلة التأسيس كانوا جزئا لا يتجزأ من هذه البنية..
بنية اجتماعية لم تعرف الدولة – بمعناها القديم والحديث – قرونا وتاليا أي شكل من اشكال القانون أو النظام بأي معنى كان ، حكمتها جملة من الأعراف والعادات والتقاليد والمفاهيم المستمدة بغالبيتها من الدين، من احتلال باسم الدين الى استعمار لبنية اجتماعية مترهلة متواكلة فاقدة لأبسط القواعد الاجتماعية الضابطة لحركة المجتمع ومتجهاته ، مجتمع لم يع ذاته بعد، إلا يقدر ما كان الدين يميزه عن الآخر ـ كائن من كان هذا الآخر ، في الظاهر توافق هذا التركيب الاجتماعي مع مقتضيات الانتداب الذي أطلَّ كمنقذ له من براثن الفقر والجوع والتواكل لكنه أبقى على دائه العضال – الدين – بل ومضى في استثماره على أكمل وجه حين بات دستور البلاد وقوانينه ومختلف تشريعاته خاضعة للدين بمسمياته المختلفة ..
هذه هي البنية – البيئة التي انتشر فيها الحزب ، يضاف لما تقدم ، أن الفكر القومي الاجتماعي كان فكرا مبهما لعقل لم يكن ليستوعب مقتضياته ومطالبه السلوكية تحديدا ، ولم تكن طروحاته – الفكر – قد كُتبت بعد أو طُبعت او نُشرت لذا كانت المشافهة هي الأداة الوحيدة لتناقله ، بما يعني أن الفكر القومي الاجتماعي انتقل وانتشر في هذه المرحلة بالتواتر وما كان يحمله هذا من إضافات ذاتية للناقل من جهة وللمُلَقَن من جهة أخرى وكيفية التلقين ومدى استيعاب كلاهما لطروحات سعادة في هذا المنحى أو ذاك ، وهذا بحدِّ ذاته كان وراء الانتماء العاطفي للحزب يضاف الى ذلك الانبهار بكاريزما سعادة في الأوساط المحيطة به وما يمكن لهذه الأوساط أن تتناقله عن هذه الشخصية الفذَّة حتى أن البعض قد تصوره نبيا جديدا لا يحق له أن يتزوج ..
ما تقدم جعل من سعادة الهادي والفادي والمعلم و.. ولما لم يكن للحزب تراثه المستمد من عقيدته وتاريخه، بقي – الحزب – متكئاً على التراث الثقافي لهذه البيئة وما تفرضه من تساؤلات تعكس المستوى المتدني للثقافة العامة من جهة ومستوى ثقافة عثمانية – غربية تميز بها مثقفوها، على تناقضهما من جهة أخرى ، وتاليا كان عليه أن يبقى – سعادة – المصدر الذي تَؤول اليه مختلف التساؤلات والتي كانت تدور حول فكره، بعض تلك التساؤلات تعكس الثقافة العثمانية وبعضها الآخر الثقافة الغربية ويعضها الثالث كان ما بين بين، فتارةً هنا وطوراً هناك – هكذا يمكننا تبيُّن الفروقات بين طروحات نعمة ثابت وفايز صايغ وغسان توني وآخرون كُثُر في مرحلة التأسيس الأولى قبل الاغتراب القسري والذي اطلق العنان لمختلف الانحرافات الفكرية التي ظهرت في المرحلة التالية .. هذه التساؤلات غالبا ما تناقلها كتبة تاريخ الحزب بأسلوب سردي ، دون الولوج للخلفية الثقافية المنتجة لها ، ولِما كانت تعنيه من ضرورة بيان نتائجها على صعيد العمل الحزبي، مما دفع الكثيرين الى اتهام القوميين الاجتماعيين بتأليه سعادة، متجاهلين – بقصد وبدون قصد ـ أن التناقض بين طروحات سعادة والثقافة العامة لثلاثينيات القرن الماضي، قد فرض نفسه وبقوة جاعلاً من سعادة الحلَّ الأمثل لها، باعتباره باعث النهضة السورية القومية الاجتماعية ومصدرها واليه تؤول الأمور..
هذا التناقض، يعكس من جهة أخرى، اجابتنا على تساؤلنا:
لما لم تتحول العقيدة القومية الاجتماعية لنهج عام لهذه البنية الحزبية الهشة، لسلوك وممارسة يومية، على الأقل بالنسبة ” لمعتنقي ” فكر سعادة ؟
التناقض، الذي يظهر جليا في مدى قوة العرف والعادة كمحددات لفعالية مبادئ الحزب في الحياة اليومية، والمثال الصارخ أيضا هو ما يتعلق بمسلكية القوميين الاجتماعيين الذاتية تحديدا، والتي كانت تعاني انفصاما في الشخصية يصعب من خلاله التوفيق بين اليقين والشك، بين المبادئ القومية الاجتماعية والأعراف والتقاليد السائدة، وخير مثال على ما تقدم، المبدأ الإصلاحي الثالث: “إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب”، بما يعني تجريد المؤسسة الدينية من هيمنتها على الحياة الاجتماعية بمختلف مفاصلها، وأبرزها مؤسسة الزواج، بما يعني أيضا، نسف التصنيف الديني في الاختيار التعاقدي بين المرأة والرجل، بما يعني أيضا، أن الارتباط بين المرأة والرجل، ليس شرطه التوافق الديني بينهما، وتاليا أن مؤسسة الزواج هي مؤسسة تعاقدية لا دخل للدين أو المذهب أو الطائفة ( الملة بشكل عام ) بها، هي مؤسسة مدنية في المطلق..،
ففي مختلف الزيجات التي حدثت على مدى التاريخ الحزبي، لم يكن لهذا المبدأ أي أثر، بقيت المؤسسات الدينية هي الحاكمة وصاحبة الصلاحية في اصدار وثيقة الزواج، وكان لها القول الفصل في إقراره أو رفضه، في شرعيته، أو لا شرعيته، فإن حدث وتزوج قوميان اجتماعيان رغم الفارق الديني، فكان الزواج يتم وفق الأصول الدينية وبرضى الطرفين وتحت مظلة تلك المؤسسة، لم يجرؤ أحدٌ من القوميين الاجتماعيين على الخروج عن قوانين أية مؤسسة دينية فعلى المسيحية و المسيحي، أن يعلنا اسلامهما للزواج بمسلم أو مسلمة ، وقد تبقى على دينها لكنها لا ترث من زوجها، وبالعكس أيضا، كان على المسلم أو المسلمة الخروج عن دينهما للزواج بآخر أو أخرى، ولم تكن المؤسسة الحزبية انتباهها أن في كل زيجة بين القوميين الاجتماعيين على النحو المتقدم، تُقَيَّم وفي المطلق على أنها خروج على العقيدة، وحتى بهذه الحال بقي موقف المؤسسة الحزبية خارج اطار فض الخلافات الزوجية بما تقتضيه المصلحة القومية الاجتماعية، وكان على القوميين الاجتماعيين أن يمثلا أمام القضاء الديني لفض نزاعهما، ما تقدم، يشير إشارة واضحة الى أن العقيدة القومية الاجتماعية، كانت خارج مسلكية أيٍ من المنتمين إليها، مؤسسات وأفراد، وخارج مفهوم أن التعاقد مع سعادة ” الشارع وصاحب الدعوة.. ” يعني بمطلق الأحوال تحول الفكر القومي الاجتماعي الى سلوكية، الى ممارسة يومية، الى عادات وتقاليد قومية اجتماعية، الى قيم وفضائل وخصال قومية اجتماعية تُمارس في الشارع كما في العائلة “.. وأن أتخذ مبادئه شعاراً لي ولعائلتي..” ما تقدم يشير أيضا الى انفصام في الشخصية القومية الاجتماعية، وأقصد بين المؤسسة الحزبية وأعضائها، بين الفكر والنهج، هذا الانفصام هو نتيجة طبيعية للبيئة التي نشأ فيها الحزب وطغيانها على الحياة الحزبية بمختلف متجهاتها ..التكرارية هنا تلخص مقولة أن الفكر القومي الاجتماعي ليس فكرا فاعلا، لا في المجتمع ولا في أعضائه العاملين لخدمته!!!!
في المقلب الآخر، تستوقفنا هنا، أيضاً، مواقف الكيانات الدينية التي وعت وبشكل كامل الخطر الذي يتهددها، فعملت ما بوسعها للحد من هذا الخطر بالتحالف حينا مع المستعمر وحينا آخر مع كيان الدولة شبه الاقطاعية والتي كانت هي أيضا تستشعر الخطر الكامن في طروحات الفكر القومي الاجتماعي، ولم يكن الاستعمار بدوره قد تغافل عن الخطر الداهم عقر داره ، فتآزر مع المنضون تحت لوائه في محاربة الفكر الوليد بشتى الوسائل المتاحة ..
هكذا غدى سعادة المحور النووي الذي تدور حوله مختلف مشتقات طروحاته داخليا وخارجيا ، فكان الزعيم والمُلْهِمَ والمُلْهِمْ والعدو للدين والوطن ، وكذلك الذي تحاك حوله مؤامرات الاعتقال والسجن والتي انتهت الى تهديده بالاغتيال وأن المؤامرة باتت أقرب ما تكون لتنفيذها بإيعاز للحكومة اللبنانية من سلطات الانتداب وبأدوات محلية وقد تكون من داخل الحزب .. فكانت مغادرته أولاً للكيان اللبناني ومن ثم ملاحقته الى الأردن ومنها الى فلسطين وكان يستشعر بملاحقته فتابع الى قبرص ولما لم يزل الخطر مداهما له انتقل الى المانية حيث لن يتمكن الفرنسيين من ملاحقته ومنها الى البرازيل .. وفور مغادرته بيروت قامت سلطات الانتداب بمداهمة مركز الحزب، وعطلت صحيفة النهضة، وحظرت على السوريين القوميين الاجتماعيين ممارسة العمل الحزبي، كما أصدرت مذكرة قضائية بمحاكمة سعادة. سجن شهراً في البرازيل بضغط من فرنسا، فغادر إلى الأرجنتين بعد خروجه وومكث فيها حتى أيار 1940 وظل في مغتربه القسري حتى عام 1947، هي ذي قصة الاغتراب القسري ففي الوطن لم يكن من معين له في ذلك سوى تراكمٍ عاطفي وتبلبلٍ وأغراض شخصية وبعض المندسين في تشكيلته الحزبية وحتى عملاء وجواسيس بتَّبِعون لهذه الدولة أو تلك أو لهذا التشكيل السياسي أو ذاك، بعض هؤلاء قد استمر طويلا في الحزب وعمل بما اقتضته الظروف خدمة لتلك الأطراف ..وقد لا أخفي سراً إن قلت أن بعضهم ما يزال عاملا حتى تاريخه ؟!!
لم يقتصر الأمر على هذه الحال، فقد شمّر البعض عن ساعديه متهما إيّاه بالماسونية أو التبعية لألمانية النازية تمهيدا لما سبق ذكره كما واتهمه البعض بالدكتاتورية…
ولم تكن العروبة قد ظهرت بعد، سوى كمسمى ناهض الاحتلال العثماني ووجد الاستعمار الغربي به أداةً فاعلة لخدمته، ولم تكن – العروبة – قد اقترنت بعد بالمحمدية- وتقمصتها بعد ذلك كوريثة شرعية لها ، ولم يكن الإسلام المحمدي قد اصطبغ بمقولة / محمد عبدو وجمال الدين الأفغاني ” لا قيام للدين إلا بقيام دولته” / والتي تلبستها بعد ذلك وهابية آل سعود عبر استيلاء الأخيرة على مقاليد السلطة في شبه جزيرة العرب، لكنهما في واقع الحال ، كانتا ” المضمر” غير المُوعى في الخلفية النفسية لكل من شكلت لهم الأحزاب منصات للشهرة أو ـ حب الظهر ـ كما يحلو للبعض تسميته – على حساب هذه أو تلك..
مجمل مخلفات العهد العثماني والانتداب، الممثلة بالبنية الحزبية، كانت وراء الأحداث التي تلت التأسيس وحتى الاغتراب القسري..
لم يكن التأسيس ، تأسيسا بالمفهوم الحصري لهذا المصطلح ، ذلك أنه لم يكن قد استحوذ على مقوماته الفكرية والتي بقيت كما هي دون أن تتحول لمسلكية ، بقيت كترف فكري يُؤول الفكر وفق مقتضياته الشخصية ، لم تكن الثقافة الحزبية، مسلكيّاً، بالمستوى الذي عملت على الوصول اليه القومية الاجتماعية ونعني هنا أن الفكر ما لم يتحول لسلوك يبقى مجرد تبرج اجتماعي لا معنى له ، ولم تكن المؤسسات الحزبية قد بلغت مستوى متطلبات الفكر القومي الاجتماعي كبوتقة صهر وبلورة وصقل ، المؤسسات بمعناها القومي الاجتماعي بقيت مؤسسات نظرية، فقد اكتنفها الغموض وتلبستها الاقطاعية الفكرية – الدينية – الطبقية – الثقافية .. واشتقاقات هذه وتلك فخرجت عن مفهومها الذي تتطلبه نهضة كما أراد لها سعادة أن تكون.
كل ما تفدم سيظهر للعلن في مرحلة الاغتراب القسري والذي واجهه سعادة منفردا بكل ما تطلبه من القوة والحزم والإصرار على المضي بما عناه له نشوء الحزب السوري القومي الاجتماعي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) – في التاريخ السردي للحزب، كان السبب في اغتراب سعادة القسري جمع التبرعات وتنظيم الوحدات الحزبية في المغتربات، لم يــعِ الكثيرون منذ التأسيس وحتى تاريخه لماذا نعتَ سعادة اغترابه بال( القسري) مما يشي بأن الثقافة الحزبية ما زالت على ما هي عليه..
من الاغتراب القسري وحتى العودة للوطن :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الاغتراب القسري وحتى العودة للوطن :
على الرغم من كل ما يشوب هذه المرحلة، فإنها تبقى المرحلة الوحيدة المضيئة في تاريخه، ذلك أنها طبعت الحزب بطابعها بحيث استمد منها وهجا لم ينطفئ حتى تاريخه..
فتاريخ الحزب لم يتحدث عن سواها بالتفصيل الذي كان وما يزال يُكرر على مسامع القوميين الاجتماعيين، وهي الجزء الوحيد المحفوظ ـ إداريا ـ في مختلف مراحل تاريخ الحزب، لكنها المرحلة المطبوعة بطابع سعادة، فمختلف مناحيها تقترن بشكل أو بآخر بملامح أنطون سعادة، عيبها الوحيد أنها بقيت سردية ولم تُستخلص منها عبرها، أو بالأحرى مقولاتها، التي شكلت وتشكل حتى تاريخه ملامح مراحله المختلفة داخليا وخارجيا..
داخليا: من حيث أنها:
1 – تُظهر وبوضوح أن انتشار الحزب كان أفقيّاً، سطحياً، عاطفياً وهذا بدوره يؤدي بطبيعة الحال لبروز اجتهادات ـ عقدية ـ لا تمت للعقيدة بصلة، وتجد ضالتها، في القاعدة الحزبية التي تتقبلها بعاملي الجهل بالعقيدة والنظام..
2 – كما وتظهر أن الأعضاء، بما هم كذلك، بقوا، الوقود الفعلي لمختلف تطلعات قياداته..
3 – أن البناء العقدي الهش، يبقى الأداة الفعلية، لنضوج الأنا، الشخصانية، الفردية..
4 – أن غياب المؤسسات من حيث هي ـ بوتقة صهر وبلورة وصقل ـ وحضورها الشكلي ـ الوظيفي، يسخرها، لتكون الأداة الفعلية، للأغراض الفردية. والمحسوبية، والإستزلام، وحتى الشللية..
5 – أن النظام الفردي المركزي التسلسلي، سلاح ذو حدين، اذ يعطي قيادة الحزب صلاحيات مطلقة فيما تراه” مصلحة حزبية”، كما ويكون السيف المُسلط على رقاب الأعضاء، الذين لا حول لهم وقوة حيال ما يحاك ضدهم، خاصة اذ ما نضجت معرفة أحدهم وفهمه للعقيدة، من جهة، أو شعرت قيادات الحزب بخطره عليها، من حيث هو كذلك..
6 – أن رتبة الأمانة، كانت وما تزال وراء مختلف نكسات الحزب، ذلك أنها بقيت في حدود كونها مجرد “صوت انتخابي ” ولأنها كذلك جمعت بين مريديها ومطامح قياديي الحزب، بما أفرزته من قياداتٍ، لم تكن بمجملها على مستوى طموحات الفكر السوري القومي الاجتماعي..
7 – بقاء القاعدة الحزبية حيث هي، وقودا مرحليا لتطلعات قيادية في جوهرها شخصانية لا تستند لأية رؤى استراتيجية..
ويمكن للباحث المدقق أن يستشفَّ من هذه المرحلة الكثير الكثير مما أفرزته إذا ما تناول بالتدقيق صيرورة أية حالة من حالات أحد أعضاء الحزب الذين طاولتهم واحدة من النقاط الآنفة الذكر.
خارجيا:
1 – من حيث كون الحزب مستهدف من قوى عالمية وإقليمية تسعى جاهدة للحيلولة دونه ومبادئه..
2 – أن شح موارده المالية تبقيه عاجزا عن استقلالية قراره وتاليا البحث عن مصادر تموليه بالمراهنة على تبعيته..
3 – وكغيره من الأحزاب، بقيت تطلعاته سلطوية، تستهدف الوصول للسلطة بغية تحقيق طموحاته الفكرية، على شاكلة “محمد عبدو وجمال الدين الأفغاني ” بمقولتهما الذائعة الصيت ـ لا قيام للدين إلا بقيام دولته ـ من الأعلى للأسفل، وليس العكس كما تنحى عقيدته في جوهرها، أي فرضا للعقائد فرضا بقوة السلطة وشرعنتها للقمع..
4 – مختلف علاقاته السياسية، مجرد ردود أفعال لحالة طارئة فُرضت عليه فرضا وأفضت نتائجها لكوارث حزبية أبرزها تبعيته لأنظمة تتعارض وعقيدته فكرا ونهجا..
5 – عجز القيادات المتلاحقة من وضع ما تقدم موضع البحث والتدقيق فيما الواجب اتخاذه من تدابير على المستوى الداخلي والخارجي لمواجهة ما تقدم..
في المجمل، كان الصراع الداخلي في الحزب يطغى على مختلف قضاياه المصيرية.. ليأخذ في هذه المرحلة بالذات وجهة الصراع على السلطة المطلقة لسعادة وضرورة تقييد هذه السلطة بأي شكل، القيادات الحزبية في هذه المرحلة هي التي خاضت مختلف المواجهات بين الحزب والسلطة اللبنانية ـ الفرنسية ، والى حد ما السورية وبنسب أقل في ما تبقى من كيانات، المواجهة الرئيسة تحملتها قيادات الحزب وأبرز شخصياتها كانت نعمة ثابت، مأمون إياس، جورج عبد المسيح جبران جريج وغيرهم، وهي القيادات التي ستطالها قرارات الطرد، ومع ذلك فهي التي خاضت معركة اثبات الوجود وبذلت قصارى الجهد على انتشار الحزب في مختلف المناطق وعملت على ابراز صورة الحزب التي بقيت في ذاكرة القوميين الاجتماعيين وغيرهم، بما في ذلك اتهامات الحزب تارة بالعمالة لألمانية النازية أو بريطانية وتاليا لمختلف دول الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية ( حلف بغداد ) فيما بعد، هذه القيادات هي التي واجهها سعادة وكانت وراء انفراط عقد الحزب المريع حيث كانت مع كل قرار طرد تنتهي الى خروج مؤيدين لهذه الشخصية أو تلك، ومعها مختلف المعلومات التي كان لا بد لسعادة منها في إدارة حزبه ، جميع المعلومات تلك بقيت سرا من أسرار تلك القيادات، كان اختفاءها من بين يدي سعادة العامل الأهم من عوامل اغتياله، على سبيل المثال ، لا الحصر، كان سعادة قد أبدى تأييده لحسني الزعيم في انقلابه، ومن ثم لجأ اليه بعد فشل محاولته في ما سُمي ب ” الثورة القومية الاجتماعية الأولى ” ـ وهذه أيضا تحمل الكثير في طياتها حول المعلومات التي كانت متوفرة لقيادات الحزب السابقة .. ـ والتي انتهت لتسليمه للسلطات اللبنانية لإعدامه في الثامن من تموز 1949، عملية التسليم هذه تثير الكثير من التساؤلات، أبرزها، بل وأهمها: أين هم القوميون الاجتماعيون من هذه العملية؟ كيف تمَّ تسليمه بعيدا عن عيون أعضاء حزبه؟ وهو الذي كان يؤكد أنه وإن كان الزعيم فهو يبقى تحت إمرة مسؤول المنطقة المتواجد بها، المُكَفَلْ بتأمين حمايته والعودة اليه بمختلف القضايا التي تختصُّ بها المنطقة المعنية، عصام المحايري كان منفذا عاما لدمشق ومن واجبه وضع سعادة بصورة المعلومات المتوفرة لديه، وقبل الخوض في مثل هذه المعلومات يبقى التساؤل: كيف ذهب سعادة لمقابلة حسني الزعيم دون علم المنفذ العام لدمشق؟ ولماذا لم يوصي هذا الأخير، على الأقل، بفرض حماية لسعادة ـ بعلم الأخير أو بدون علمه ـ بل وكيف تمضي ساعات في طريقه من دمشق الى بيروت وسعادة وحيدا والقوميين الاجتماعيين نياما ليصحون على إعدامه؟ والسؤال الأكثر إلحاحا هو: لماذا أُخفيت عن سعادة المعلومات عن وجود ضباط قوميين اجتماعيين قادرون على الإطاحة بحسني الزعيم دون الحاجة لعقد اتفاقات مع قائد الانقلاب وتاليا تجنيب سعادة كل ما أودى بحياته؟ هذه هي التساؤلات التي لم يلاحظها التاريخ السردي للحزب، ثلاثة ومن كبار الضباط ( أديب الشيشكلي وفضل الله أبو منصور وعصام مريود ) يقودون انقلابا عسكريا ويعدمون حسني الزعيم ومحسن برازي في أربعين سعادة، ويسلمون زوجته سترة حسني الزعيم ملطخة بدمائه قائلين ” هذا هو انتقامنا للزعيم سعادة” أين كان هؤلاء من معلومات سعادة ؟ وهل كان، لو توفرت لديه معلومات عن الجيش الشامي وعن قوة الحزب في صفوف هذا الجيش، قد استعان بقائد الانقلاب الأول، بل إن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هل كان سعادة مضطراً لإعلان ثورته ” القومية الاجتماعية الأولى ” ـ وإن كانت قد فُرضَت عليه فرضا ـ دون الاستعانة بضباط من الجيش اللبناني أو الشامي والاكتفاء بمعركة(!!!!!!!) “سرحمول” بقيادة عبد المسيح؟ هذه الثورة الجهيضة والتي انتهت لفاجعة الحزب الأولى، هل كانت لتحدث لو كانت مختلف المعلومات قد توفرت لديه؟ كل ما تقدم يقودنا لخلاصة أن المعلومات كانت شخصية أكثر منها مؤسساتية، وأن انتشار الحزب كان انتشارا لم يفضي الى قنونة معلوماته واعضائه، هذه نقطة لا يمكن اغفالها ، الذاكرة الحزبية ذاكرة شخصية سردية لا معنى لها في مسيرة نهضة أخذت على عاتقها نهوض أمة، لا معلومات حتى تاريخه في أية دائرة من دوائر الحزب العاملة، مجمل المعلومات هي شخصية تندثر وتغيب وتتلاشى بمجرد خروج حاملها من الحزب لأي سبب كان، الحزب الذي يفتقد لتراكم الخبرة هو حزب أمي بكل معنى الكلمة، النظام ومؤسساته أعجز من أن تحتفظ بكادراته، النظام الفردي المركزي التسلسلي لم يؤدِ دوره في خدمة الحزب، رتبة الأمانة لم تحل دون الانحرافات العقدية والمسلكية، والنتيجة : بقيت المؤسسات رهن بأشخاصها وأبعد ما تكون عن كونها بوتقة صهر وبلورة وصقل..
3 ـ العودة للوطن وحتى أزمة عبد المسيح
الدافع لاغتراب سعادة القسري، كان لم يزل ساري المفعول، وعودة سعادة، لم تكن سوى مغامرة كان يدرك نتائجها تمام الادراك، على الرغم من أن انتشار الحزب كان قد بلغ أوجه، وعلى الرغم من أن مختلف الانحرافات التي ظهرت، والتي شارك فيها جميع الأمناء إما بالصمت أو بغضِّ النظر عنها أو بالانخراط في مقولاتها، كانت بالنسبة لسعادة كارثة الفكر القومي الاجتماعي، كان لا بدَّ له من الوقوف بوجهها كائنة ما كانت النتائج، وهي تستحقُّ المغامرة بحياته من أجلها، كان يعول على ما يصله سراً من بعض القوميين الاجتماعيين، في موضوع العودة، بعضهم يؤكد ضرورة عودته ويبررها باستفحال الانحراف العقدي، بعضهم الآخر، متسترا على مصالحه الشخصية، لا يجد ضرورة ذلك بحجة مذكرة التوقيف الصادرة بحقه، وسعادة المدرك جيدا لما ينتظره ـ هذا افتراضيا ـ يقرر العودة مهما كلف الأمر، وهو المدرك جيدا لما يكيده رياض الصلح ويسايره في ذلك بشارة الخوري، .. الاستقبال الحاشد المنقطع النظير في تلك الأيام، أكد لسعادة صوابيه نظرته، متجاهلاً عن عمد مخاطرها، وهو المدرك جيداً، هشاشة هذا الحشد، لكنه من وجهة نظره، يمكن معالجته مع مرور الوقت، اذا ما سمح له الوقت في ذلك، من الثاني من آذار عام 1947 وحتى الثامن من تموز 1949 ، ثمانٍ وعشرون شهرا، وسعادة موزع الجهد بين معالجة أوضاع الداخل الحزبي وبين مكائد الخارج والتآمر الدولي على حياته، تفاجئه أحداث الجميزة، وفي ظل غياب المعلومات، يرتجل سعادة ثورته ” القومية الاجتماعية الأولى ” * معتمدا على وعود حسني الزعيم بإمداده بالسلاح والمال وعلى حشد استقباله من القوميين ومناصريهم، يسقط الاحتمال الثاني خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى، يتوجه لدمشق، مطالباً حسني الزعيم بالإيفاء بوعوده، يسلمه الأخير لجلاديه ويعدم.
دمه، مشعلٌ يضيء سماء دمشق، يُقبل الشاميون على الحزب ظمئ الى ماء العقيدة، القيادة المنبثقة عن اجتماع الأمناء لم تكن في مستوى المهمة الموكلة اليها، النائب الوحيد للحزب في البرلمان الشامي يفوز في انتخاب البديل عن عبد المسيح ـ كان الأخير قد طرد من الحزب، لكنَّ التماسه الرأفة من سعادة، أعاده لصفوف النخبة الحزبية ـ ينقلب، عبد المسيح، على مجريات الانتخاب ويعود رئيسا للحزب، الصراع على السلطة الذي أودى بحياة سعادة، أودى بحزبه، اهتمام القوميين الاجتماعيين بصراع قياداتهم على السلطة، الهاهم عما يحاك ضدهم من مؤامرات، / لتفعل إدارتكم العليا كل ما تقدر عليه في ميدان السياسة والدفلماسية فذلك من خصائصها. أما أنتم فإياكم من صرف عقولكم وقلوبكم إلى السياسة والدفلماسية واحذروا من اختلاط السياسة والدفلماسية وأغراضهما بعقيدتكم وإيمانكم وعناصر حيويتكم الأساسية لئلا تكون العاقبة وخيمة…/
الولايات المتحدة الأمريكية المهتمة، في ما بعد الحرب العالمية الثانية بتركة ( القارة العجوز ) ، وصانعة الانقلاب السوري الأول، وبالتعاون مع المملكة العربية السعودية، تدفع بعبد الناصر للخروج من “فرعونيته ” الى القومية العربية، عبر ” محمود رياض ” السفير المصري في دمشق، وبالتعاون مع عبد الحميد السراج وشوكت شقير وسامي جمعة عفيف البزري أكرم ديري …،يهيئون للوحدة مع مصر،وقد تم تسريح كل من الضباط غسان جديد وسليمان نصر من الجيش الشامي، البعثيون محرضون ضد الحزب والمواجهات على أشدها ، في دير الزور قتلوا الرفيق محمد أمين جمعة … الهيمنة السعودية واضحة على دمشق ، ولدي الملك السعودي يحلان ضيفان على دمشق ،يحملان معهما توصيات السعودية، يستقبلهما عفيف البزري وغيره، زوجة السفير الأمريكي تحذر العقيد المالكي، أكرم حوراني يحرض البعثيين على العقيد المالكي ، المالكي ليس بعثياً،.. كل ما تقدم لم يعنِ للقيادات الحزبية شيئا، بدئاً من عصام المحايري وجبران جريج وأسد الأشقر و … مهتمون بإقالة عبد المسيح، المُهيمن على القيادة.. والأخير ـ المستمد صلاحياته من الدستور، والمسحوبة عليه صلاحيات سعادة المطلقة، وقائد الانقلاب ” الدستوري” على المحايري، يشرعن صلاحياته، ما تبقى، لا حول له ولا قوة حيال ذلك، القوميون بين مؤيد ومعارض، كل ما نقدم لم يعنِ لهم شيئاً أيضاً، نامت عيونهم عن استقصاء الأحداث، لم تعنِ للجميع شيئا، صراعات الداخل الحزبي هيمنت على العقول وتناسى الجميع أنهم” تعاقدوا في الحزب على قضية تساوي و جودهم .. ” يُقدم مجهولون على اغتيال العقيد المالكي ـ ما تزال هوية القتلة من خبايا البنتاغون حتى تاريخه ـ ويُقتل يونس عبد الرحيم من خلف سور الملعب البلدي بدمشق، وتلصق به تهمة الاغتيال ـ المتهمون جميعهم “علويو” المذهب وعلى رأسهم غسان جديد إضافة لعبد المنعم دبوسي وبديع مخلوف ـ والأجواء كانت مهيأة للاتهام، ـ  فالرفيق “مجيب سليمان المرشد” كانت قد تمت تصفيته على يد قائد الشرطة العسكرية عبد الحق شحادة 27/11/1952) ولم يكن ذلك مؤشرا لقيادة تخشى الترحيل ، شيئا، وعلى الرغم من أنها ( القيادة) كانت على علم مسبق بشراكة الشيشكلي بمؤامرة تسليم سعادة بغية اعدامه، الخوف من الترحيل كا العامل المهم في تساهل الحزب مع كل أخطاء الشيشكلي، هكذا كانت المنفعة الشخصية أقوى من مصلحة الحزب العليا ـ والشارع السني تحت مؤثرات عبد الناصر وخطاباته وبترحيب سعودي، يضمر العداوة لعبد الناصر، ويلاحق القوميون الاجتماعيون، منذ 22/ نيسان 1955 أصابع الاتهام موجهة لعبد المسيح بغية النيل منه، يرد عبد المسيح على السراج بكتاب يحاول فيه رد التهمة عنه وتاليا عن الحزب، القيادات الحزبية تصرُّ على اتهام عبد المسيح، الشهادات في المحكمة المنعقدة في دمشق تؤكد براءة الحزب وتاليا عبد المسيح.. ويطرد الأخير من الحزب، يرد بـ ” انتفاضة ” محورها ” بين الفكر والنهج والأشكال التي تحقق الفكر والنهج “، الشكل مقدم على الفكر والنهج أم الفكر والنهج مقدمان على الشكل، سفسطة القيادات في تبرير ـ شرعنه ـ قراراتها، الضحايا كُثر في هذه المعركة، بين سجين ينتظر قرار الإعدام وسجين في المزة ومعوقون نتيجة التعذيب ومشرد فار، ومهدد بالاغتيال، … يسقط غسان جديد شهدا وبديع مخلوف و.. ينتخب عبدالله محسن رئسا ويليه أسد الأشعر فعبد الله سعادة قائد الانقلاب الستيني ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• ـ بما يعني أن الثورة تعقبها أخرى، هذا المصطلح الذي لم يعنِ للكثيرين شيئاً، كان لأطراف المؤامرة الدولية يعني الكثير …
• شهادات في محاكمات دمشق في قضية المالكي :
• العميد شوكت شقير رئيس الأركان السوري في 1955 يقول لسامي جمعة (( من ؟أشهر ضباط المخابرات السورية في أربعينات وخمسينات القرن الماضي)) ” إنني أخوض الآن معركة شرسة مع العقيد عدنان المالكي, انه رجل مجنون فهو يعمل كتلة لقلب نظام الحكم وإقامة حكم شيوعي ماركسي وهو أخطر على الوضع في البلاد من العقيد محمد صفا وغسان جديد” ثم أردف قائلا ” هل تتصور انه أراد تعيين الأرمني العميد “كرامانوكيان ” قائد المدفعية رئيسا للأركان عوضا عني بعد رحيل الشيشكلي.”
• بعد انتخابات 1954 ، كلف أكرم الحوراني مؤسس حزب البعث النقيب بشير صادق إبلاغ البعثيين مدنيين وعسكريين وجوب مهاجمة عدنان المالكي في المحافل والمناسبات كافة وإفشال مخططاته ومساعيه والتبرؤ منه ونفي أية علاقة له بحزب البعث العربي الاشتراكي
• ( معلومة أكدها لسامي جمعة العميد أحمد المير وانه تبلغها شخصيا من النقيب بشير صادق )
• شهادة اللواء كيلاني:
• يقول اللواء الطيار المتقاعد راشد كيلاني في مذكراته
• ( أقيمت مباراة لكرة القدم في الملعب البلدي القديم، في المرج الأخضر، بتاريخ 22 / 4 / 1955 بين فريق الجيش السوري وفريق الجيش المصري، تحت رعاية شوكت شقير رئيس الأركان العامة، الذي جلس في السدّة، وإلى جانبه محمود رياض سفير مصر وجلس في الصف الأول وراءهما عدنان المالكي، وعلى يمينه أمين عام وزارة التربية “أحمد الفتي” وجلست أنا على يساره
• وبعد بدء المباراة ببضع دقائق، سمعت صوت طلقة نارية، وكأنها تخترق رأسي، وعندما التفتُ إلى الخلف، رأيت رجلاً يرتدي لباس رقيب، في الشرطة العسكرية، يصوب مسدّسه إلى الأمام وعيناه غائرتان كأنه وحش مفترس، فرميت نفسي إلى الأرض، خوفًا من أن تصيبني الرصاصة التالية، فقد كان هذا المجرم يقف وراءنا تماماً، وهكذا فعل معظم من كان بجوارنا، وعندما نهضت بعد توقُّف صوت الرصاص، وجدت القاتل مرمياً على الأرض، فقد قُتل هو بدوره، من قِبَل أحد المشتركين في هذه المؤامرة، بقصد إخفاء الجريمة، كما وجدت أن عدنان المالكي قد لفظ أنفاسه الأخيرة وبقي جالساً على كرسيّه دون حراك ورأسه يتدلّى على مسنده). من خلال مذكرات كيلاني نلاحظ أنه لم يذكر أنه رأى يونس عبد الرحيم يطلق النار على نفسه منتحراً، بل أكد اللواء راشد كيلاني أن يونس قد قُتل من قبل أحد المشاركين في المؤامرة.

• شهادة هاني الشمعة:
ويشير الشمعة في معرض حديثه عن هذه القضية إلى أمر آخر شديد الأهمية ولم يسبق أن تطرق له أي شاهد أو كاتب أو سياسي! ألا وهو أن ما اصطلح على تسميته القاتل يونس عبد الرحيم والذي قيل إنه انتحر بعد إطلاقه النار على المالكي، فيقول الشمعة إن عبد الرحيم لم ينتحر ولم يُقتل في ساحة الجريمة!! وأن هنالك من كان يُرهب الناس للقول إن يونس عبد الرحيم انتحر!!، فيقول الشمعة (عميل من يقول إن القاتل لم ينتحر، لأنه أُحيط بعد الجريمة بمجموعة من رجال الأمن وهو لا يزال على قيد الحياة؟).
• وعن المحكمة والمحاكمة في قضية المالكي والرقابة المشددة التي كانت تمارس على الصحافة ورجالها في معرض الحديث عن هذه الجريمة فيقول: (باعتباري كنت شاهداً بالملعب البلدي لحظة الحادث، ثم في قاعة المحكمة التي وضعت أبرياء في قفص الاتهام، والمجرمين الحقيقيين في قاعة النظارة.. سيلمّ القارئ الكريم بالحقيقة الناصعة.. وتابعوا معي هذه الشهادة.. الحقيقة كما رأيتها.. الحقيقة مثلما لمستها.. الحقيقة كما عشتها في الملعب الأخضر ثم في قاعة المحكمة السوداء.. في رحاب وطني الذي بدأ يتمزّق بعد الفاجعة الأليمة.. كان المقصود هو الفتنة.. خائن من يعترض على مهاجمة مقرّات الحزب السوري القومي الاجتماعي في الدقائق الأولى لاغتيال المالكي، أي قبل الاتهام والإدانة؟
• عميل من يقول إن القاتل لم ينتحر، لأنه أُحيط بعد الجريمة بمجموعة من رجال الأمن وهو لا يزال على قيد الحياة؟ وهكذا ألقيت الاتهامات جزافاً، على كلِّ من يخرج عمّا قرّره أطراف “المؤامرة” أو أصحاب الفتنة.. وحتى من هم في موقع المسؤولية من السياسيين عليهم أن يلتزموا الصمت أو إدانة الحزب السوري القومي دون أي اعتراض أو تفسير أو استفهام.. أما نحن رجال الصحافة فكنا أكثر تعرضاً للضغط والإرهاب.. يجب أن نعرض على الرقابة المشددة كل ما نكتبه حرفاً بحرف.. علينا كصحفيين أن نصبّ جام غضبنا على الحزب السوري القومي.. ولا سؤال لأي استفسار ولا سؤال غير ذلك؟)
وهنالك وثيقة أمريكية أثارت قضية اغتيال المالكي في مذكرة تحمل تاريخ 29/4/1955 وتنص هذه المذكرة على: (…. ثم كشفت التحقيقات بأن القاتل هو عضو بالحزب السوري القومي الاجتماعي وينتمي إلى الطائفة العلوية في سوريا. وقد قامت الحكومة السورية مباشرة بتوجيه التهم إلى أصابع أجنبية تسعى إلى قلب السياسة السورية وكانت الإشارات متوجهة بشكل خاص إلى الولايات المتحدة ولو أن الحكومة السورية لم تقدم أي براهين على هذا الادعاء.)
وتتابع الوثيقة بالحديث عن اجتماع لرئيس الوزراء السوري آنذاك صبري العسلي بالسفير الأميركي بدمشق “بروور” وإعلامه بأن سبب الاتهامات السورية للتورط الأميركي بعملية الاغتيال تكمن في حصول الحكومة السورية على رسالة موجهة من عضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي في نيويورك يذكر فيها إنه تم الاتصال بجهات رسمية أميركية لطلب العون في قلب الحكومة السورية.
ثم تختتم الوثيقة بأنه بالرغم من عدم ثبوت هذه الادعاءات، قام الحزب الشيوعي في سوريا عبر صحف الحزب بتوجيه الاتهامات وتأكيد الدور الأميركي وإدانة الدول الاستعمارية والتحالف التركي العراقي.

3 ـ العودة للوطن وحتى أزمة عبد المسيح (2)
تستحق هذه المرحلة من تاريخ الحزب التوقف عندها مليّاً، والتدقيق في مجرياتها وأحداثها وأشخاصها وظروفها وملابساتها المحلية والإقليمية والدولية، فهي بحق، بداية الانهيار، للحزب كشكل تتحقق فيه وحدة الفكر والنهج، ذلك أنها تمثل ذروة الصراع على السلطة فيه، كما وتتضح فيها كيف ضربت مختلف القيادات فيه، بعرض الحائط، بوحدته وعقيدته واستقلاليته، ذلك أنها، أيضا، تمثل كيف أُخِذَ الصف الحزبي، بعامل النظام، على غفلة منه، الى حلبة صراع القيادات وانحرافاتها العقدية والفكرية وكيف شرعنت ذلك، عبر التعديلات الدستورية التي لم تكن في حقيقتها سوى / لعب في الدستور من الدستور على الدستور / على قاعدة غياب العقيدة وتجهيل القاعدة الحزبية بإلهائها بما لا يفيد بانتصار القضية التي “..تساوي وجودها ” .
ما يثير الاستغراب في هذه المرحلة، إصرار القيادات ـ حتى تاريخه ـ على اتهام عبد المسيح بالتخطيط والتنفيذ لاغتيال المالكي!!؟ والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الحقيقة: لماذا يقرر عبد المسيح اغتيال المالكي؟ وما الفائدة المرجوة له وللحزب من ذلك؟ هل صحيح ما تدعيه يسرى بدوي من أن ” ﺍﺘﻔﻕ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻨﺎﺼﺭ ﻤﻊ ﺠﻨﺎﺡ ﻤﻥ ﺍﻟﻘﻭﻤﻴﻴﻥ ﺍﻟﺴﻭﺭﻴﻴﻥ ﻴﻤﺜﻠﻪ ﺠﻭﺭﺝ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ ؟؟؟!!!!!! ﺍﻟﻤﺴﺅﻭل ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻲ ﻋﻥ ﺘﻨﻔﻴﺫ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺠﺭﻴﻤﺔ ﻫﻭ ﻋﺼﺎﻡ ﺠﺩﻴﺩ، ﻭﻫﺫﺍ ﺍﻟﺠﻨﺎﺡ ﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻥ ﻴﺤﺒﺫ ﺍﻻﺭﺘﺒﺎﻁ ﺒﺄﻤﻴﺭﻜﺎ ﻫﻭ ﺍﻟﺫﻱ ﻗﺎﻡ ﺒﺎﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ..”والحزب في أوج قوته! وأعضاءه منتشرون في كل ناحية وصوب وفي مختلف قطاعات الدولة العسكرية منها والمدنية، ولماذا يُعتمد الاغتيال كوسيلة لبلوغ الهدف، أيّاً كان، طالما أن الحزب يمتلك القوة الكافية لاستلام السلطة بالانقلاب عليها كوسيلة مباشرة؟ والتي جاءت متأخرة بإلقاء القبض على مخططي انقلاب 1956، بعدما أُودع القوميون السجون وشردوا وتمت تصفيتهم واحداً إثر الآخر؟!! فزادت في الطين بلة ولم يبقَ للسوريين القوميين الاجتماعيين أي أثرٍ في الجمهورية الشامية؟!!
أولا، كان الاغتيال، كأسلوب، قد طبع الحزب بطابعه على أثر اغتيال رياض الصلح في الأردن، ومحاولة اغتيال رئيس المحكمة التي أصدرت حكمها بإعدام سعادة “يوسف قسيس” ولم يكن اعدام حسني الزعيم ومحسن برازي في المزة ” المعروفة اليوم بالمزة86″ قد غاب عن الأذهان ـ على قاعدة “الشعوب تنسى بسرعة” ـ حزبٌ دمويُّ النزعة، أعضاؤه لا يهابون الموت، ينفذون أوامر قيادته دون نقاش في المرجوِ منها، ..
ثانيا، كانت الأجواء مهيأةً لقبول الشارع بمخطط الاغتيال، خاصة وأن المتهمون به “علويو” المذهب، غسان جديد الطامح لقيادة الأركان و(الخصم) للعقيد المالكي!!!!!! يونس عبد الرحيم ( المجرم) والذي لا تدلُّ سماته على ذلك بما تحمله من رهافة ودقة، إن دلت على شيء إنما تدل على انسانيته ومحبته ولطافته، رجلٌ ليس به ما يشير الى (إجرامه) بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي، اللذين أعدما، من منطلقٍ مذهبيٍ بحت، ككبشي فداء ..
ثالثا، جورج عبد المسيح الذي يدلُّ اسمه على هويته المذهبية، علويون ومسيحيون مقابل الأكثرية السنيّة المأخوذة بطروحات عبد الناصر المذهبية والعروبية المقترنة بشخصه بعقد قران أرثوذكسي لا انفصام فيه ولا رجعة عنه، مملكة بني سعود، المضمرة العداء لعبد الناصر، والكاظمة لكرهها على مبدأ صديق صديقي، صديقي الأمريكي، بروز التيار العروبي بقوة عبر حزب البعث العربي الاشتراكي العاقد قرانه أيضاً على الإسلام والعروبة كما عبد الناصر المنادي بالاشتراكية والوحدة والحرية، مقابل الوحدة والحرية والاشتراكية في حزب البعث..
كان لا بدَّ من تصفية الحزب السوري القومي الاجتماعي القائل بوحدة سورية الطبيعية مقابل الوحدة العربية من المحيط الى الخليج، مقتل المالكي، مؤامرة أمريكية مصرية سعودية لها من يؤازرها في دمشق ” السراج والبزري وشقير والديري”، وغيرهم كثُر، ضباط مبهورون بشخص عبد الناصر تملي عليهم تصفية العقيد المالكي المتهم بالشيوعية نتيجة صفقة السلاح من تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية الشيوعية،..
1 ـ ” العميد شوكت شقير رئيس الأركان السوري في 1955 يقول لسامي جمعة ((من؟ أشهر ضباط المخابرات السورية في أربعينات وخمسينات القرن الماضي)) ” إنني أخوض الآن معركة شرسة مع العقيد عدنان المالكي, انه رجل مجنون فهو يعمل كتلة لقلب نظام الحكم وإقامة حكم شيوعي ماركسي وهو أخطر على الوضع في البلاد من العقيد محمد صفا وغسان جديد” ثم أردف قائلا ” هل تتصور انه أراد تعيين الأرمني العميد “كرامانوكيان ” قائد المدفعية رئيسا للأركان عوضا عني بعد رحيل الشيشكلي.”
2 ـ بعد انتخابات 1954، كلف أكرم الحوراني مؤسس حزب البعث النقيب بشير صادق إبلاغ البعثيين مدنيين وعسكريين وجوب مهاجمة عدنان المالكي في المحافل والمناسبات كافة وإفشال مخططاته ومساعيه والتبرؤ منه ونفي أية علاقة له بحزب البعث العربي الاشتراكي.
(ملومة أكدها لسامي جمعة العميد أحمد المير وانه تبلغها شخصيا من النقيب بشير صادق)
3 ـ يسرى الأيوبي، زوجة عفيف البزري تقول: “..ﻜﺎﻥ ﻴﺸﺎﻉ ﺒﺄﻥ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻨﺎﺼﺭ ﺤﺭّﺽ ﻓﻴﺼل ﻋﺴﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻗﺘل ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻓﺭﻓﺽ..” ….. ﻟﻤﺤﻤﻭﺩ ﺭﻴﺎﺽ ﻤﻭﺍﻗﻑ ﻤﺸﺒﻭﻫﺔ ﺘﻀﻊ ﻋﻠﻰ ﺘﺼﺭﻓﺎﺘﻪ ﻋﻼﻤﺔ ﺍﺴﺘﻔﻬﺎﻡ ﻜﺒﻴﺭﺓ. ﻭﻜﺎﻥ وراء ﻗﺘل “ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ” ﻜﻤﺎ ﻋﺭﻓﺕ ﻫﺫﺍ ﻤﺘﺄﺨﺭﺍً..”
4 ـ وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس يقول: ” رياض المالكي شقيق الفقيد، وأحد القياديين في حزب البعث. وبعد أن جلس المعزون، التفت “رياض المالكي” إلى العميد شوكت شقير، وقال له: أنت قتلت أخي عدنان! وسكت الجميع وكأنّ على رؤوسهم الطير!)..”
5 ـ نبيل شويري أحد مؤسسي البعث يقول: ” ( اغتيال عدنان المالكي أزاح عقبة كبرى أمام محمود رياض السفير المصري وأمام عبد المحسن أبو النور الملحق العسكري المصري في دمشق. وصارت القوة الرئيسية في الأركان السورية تابعة لهما. إن اغتيال المالكي لم يتم بأوامر موحدة أميركية – مصرية، ولكن ربما جرى ذلك على قاعدة تقاطع المصالح، فقد كان للمصريين مصالح أكيدة بإزالة عدنان المالكي، وللأميركيين مصالح أيضاً..”
6 ـ هاني الشمعة (صحفي ) يقول: ” أن السفير المصري في دمشق محمود رياض، قد ألحّ بشدة على حضور العقيد المالكي إلى الملعب البلدي لمشاهدة المباراة، وازداد إلحاحاً حينما قالت له شقيقة العقيد المالكي إنه على موعد مع خطيبته سميرة حجار في صيدا..)
لم أورد هذه الأقوال، إلاَّ للتدليل على أن المؤامرة كانت تستهدف المالكي تحديدا، أما الوسيلة فكانت اتهام جورج عبد المسيح ممثِلاً للحزب، لقد صدَّق القوميون أن الحزب، هو المنفذ الرئيس لمقتل المالكي، بما أملته عليهم قياداتهم:
ـ تقول يسرى بدوي : ” ﻓﻲ ﺒﻴﺭﻭﺕ ﻗﺎﺒﻠﺕ ﺃﻴﻀﺎً “ﺠﺒﺭﺍﻥ ﺠﺭﻴﺞ” ﻭﺃﻫﺩﺍﻨﻲ ﻤﺠﻠﺩﺍﺘﻪ ﺍﻟﺜﻼﺜﺔ ﻋﻥ ﺍﻟﺤﺯﺏ ﺍﻟﻘﻭﻤﻲ ﺍﻟﺴﻭﺭﻱ. ﻗﺎل ﻟﻲ “ﻜﺎﻥ ﺠﻭﺭﺝ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ ﺭﺌﻴﺱ ﻤﺠﻠﺱ ﺍﻟﻌﻤﺩ في قيادة الحزب القومي السوري ، ﻓﺠﻤﻌﻨﺎ ﻴﻭﻡ ﻤﻘﺘل ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ، ﻭﺠﺌﻨﺎ ﻤﻥ ﻟﺒﻨﺎﻥ إلى ﺩﻤﺸﻕ، ﻭﺃﺜﻨـاء ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻉ ﺩﺨل ﻋﻠﻴﻨﺎ المقدم “ﻓﺅﺍﺩ ﺠﺩﻴﺩ” ﺃﺨﻭ ﻏﺴﺎﻥ، ﻭﻀﺭﺏ ﺴﻼﻤﺎً ﻋﺴﻜﺭﻴﺎً ﻭﻗﺎل “ﻨﻔﺫﺕ ﺍﻟﻤﻬﻤﺔ ﻭﺍﻏﺘﻴل ﻋﺩﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ!” ﻭﺴﺎﺩ ﺍﻻﻀﻁﺭﺍﺏ ﺍﻟﻤﺠﻠﺱ، ﻭﺴﺄﻟﻨﺎ ﺠﻭﺭﺝ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ ﻜﻴﻑ ﺘﻡ ﻫﺫﺍ ﺍﻷﻤﺭ ﺩﻭﻥ ﻋﻠﻤﻨﺎ؟ ﻭﻗﻤﻨﺎ ﻋﻠﻴﻪ. ﻗﺎل ﻟﻴﺱ ﻫﻨﺎﻙ ﻭﻗﺕ ﻟﻠﺘﻔﺴﻴﺭ، إنهم ﺴﻴﻼﺤﻘﻭﻥ ﺍﻟﻘﻭﻤﻴﻴﻥ، ﻓﻠﻴﺘﺩﺒﺭ ﻜل ﻭﺍﺤﺩ ﺃﻤﺭﻩ ﺤﺘﻰ ﻻ ﺘﻌﺘﻘﻠﻭﺍ…”
عصام المحايري يقول : ” جرت العادة أن يكون عندنا في الساعة الحادية عشرة من صباح كل يوم جمعة، اجتماع مجلس العمد، وقد تأخرت يومها عن الموعد المقرر في بيتي. فتلفن لي كامل حسان وكيل عميد الداخلية… وقال (إذا كنت خالص بجي بآخذك بالسيارة) فأجبته بالإيجاب. ويتابع المحايري سرد المواضيع التي ناقشها مجلس العمد في تلك الجلسة إلى أن يصل إلى القول(… وأثناء ذلك رن الهاتف وأخذ الأمين عبد المسيح السماعة، وسمعنا منه هذا القول (قُتل العقيد مالكي !!! هذا دس لا تسمع له) جواباً لمن يخاطبه على الهاتف. وأطبق الهاتف وعند سؤالنا له عن الخبر قال: (بالمكتب عما يدقوا وقال واحد أجا قلهم إنو العقيد مالكي قُتل) وكان، بل وأردف، وطرق الباب ودخل الرفيق فؤاد جديد، الذي هو عضو في الحزب… وقد حضر فؤاد جديد بعد تلقي الخبر بالهاتف بدقيقة أو دقيقتين..)
بين المحايري وجبران جريج ( اذا ما صدقت يسرى بدوي ) بون شاسع في سرد كيفية تلقي الخبر ، يُقدم المحايري لشهادنه هذه حديث له مع غسان جديد يقول نقلا عن غسان جديد : ” “ولما كان العم عبدالمسيح يعرف فيه هذه الصفات( أي بفؤاد جديد أخ غسان)، طلب منه أن يقتل العقيد عدنان المالكي، أو الزعيم شوكت شقير”. وما أن أنهى غسان عبارته هذه حتى انتابني رد فعل مستنكر ومستغرب فقلت له: “شو القصة؟ غسان “العم” مجنون، هذا يريد أن يورط الحزب، ولا ندري بماذا يورطه؟” ما ورد أعلاه يؤكد تورط عبد المسيح في الحادثة، لكنه من جهة أخرى، ولتناقض الأقوال، يدفع للشك في القولين معا، لكن، وطالما أن عبد المسيح قد تلقى الخبر على الهاتف وفؤاد جديد كذلك، فيسرى البدوي تكون قد نقلت عن لسان جبران جريج ما لم يقله، وشهادة المحايري تؤكد أنه لم يكن على علم بذلك، نحن هنا نتحدث عن موتى، وفي حديثنا عنهم يمكننا أن ندعي الكثير، رفض أكرم الديري لاقتراح المحاري تسليم عبد المسيح، هل هو تسترٌ عليه أم محاولة استغلال ملاحقته لتأكيد أن الحزب متورط في هذه الحادثة؟ تساؤلات تبقى دون إجابة، لكن المنطق في سياق العرض يؤكد أن المؤامرة كانت بتخطيط خارجي (مصري ـ امريكي ـ سعودي ـ سوري) وهذا ما تجمع عليه كافة الشهادات أمام المحكمة، لتناقضاتها من جهة ولتأكيد الشهود أن الحزب برئ، لكن فيما يتعلق بالحزب يبقى اتهام عبد المسيح هو المهم، وهذا ما نهجته القيادات الحزبية لطرده من الحزب، أكدت بطرده من الحزب التهمة التي أنكرها جميع الذين عاصروا هذه الحادثة..
لو أدركت هذه القيادات أنها بطرد عبد المسيح تؤكد تهمة الاغتيال الملصقة بالحزب، ما كانت لتفدم على هكذا قرار، هذا على افتراض، أنها تعمل لما فيه مصلحة الحزب، لكنها وهي تدرك جيداً ما تقدم، أقدمت على اتخاذ القرار مُقدمةً مصلحتها على المصلحة العليا للحزب، وأطاحت بوحدته الى غير رجعة

4 ـ من الانقلاب الستيني وحتى مؤتمري ملكار ـ دوفيل
( نلفت عناية المتابعين الى أنه تم تعديل هذه الفقرة من تاريخ الحزب نتيجة جملة من التساؤلات التي طرحها البعض مستوضحين بعض النقاط )
حدثان في تاريخ الحزب، يثبتان، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن الفكر السوري القومي الاجتماعي، من حيث المبدأ، كان وما يزال فكراً نظريّاً لدى جميع المتشدقين به، لم ينغرس في نفوس معتنقيه عادات وتقاليد، نسق حياة، أسلوب عيش، نظرة فعلية فاعلة في معترك الحياة اليومية، للأكثرية المطلقة من المنتمين إليه، بقي، وكما تدلُّ عليه نتائج الأحداث العاصفة في الحزب، مجرد شعارٍ لا معنى له، إن في المؤامرات التي حيكت ضد الحزب، أو فيما حاول الحزب أن يكون فيه فاعلاً، على الساحة القومية، في الحد الأدنى، “.. إن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ”!!! النُذُرَ اليسير من القوميين الاجتماعيين، الشهداء طوعا، أو الذين أودى انتماءهم للحزب بحياتهم، يمكن القول إن الفكر السوري القومي الاجتماعي قد صهرهم صهرا لا يترك مجالاً للشك، أيضا، بأنهم، هم من كانت لهم اليد الطُولى في ابراز صورة الحزب التي هو عليها في ذاكرة مجموع الشعب السوري، حيث القضية ” تساوي الوجود “..
“الثورة القومية الاجتماعية الأولى” والتي أجهضت في مهدها، والانقلاب الستيني، الذي أجهض في مهده أيضاً، أبرز دليلٍ على ما ندعيه في هذه العجالة التاريخية، فإذا كانت الأسئلة المقتضبة جدا، والتي سبق وطرحناها حول ما ابتدأت به “الثورة القومية الاجتماعية الأولى” وما انتهت إليه، تضع بعض النقاط على بعض حروف الحزب ـ قيادة وقاعدة ـ فإن مجريات الانقلاب الستيني تطرح من التساؤلات ما هو أكثر بكثير مما طُرح حتى تاريخه منها ، حول التخطيط والتنفيذ والأدوات التي استخدمت، بل ومدى فاعلية الفكر السوري القومي الاجتماعي في ذوات معتنقيه، مما يؤكد أن الحزب ـ الشكل، لم يكن في مستوى الفكر ولم يكن طريقا للنهج المرجو منه، أو أن الأخير، لم يكن هو الفاعل في الحدثين معا، وأن ما سبق ودللنا عليه، يبقى الدليل على أن انتشار الحزب، وحتى تاريخه، انتشارا سطحيّاً، عدديّاً، ظاهريّاً، نظريّاً لا معنى له، في أية معركة قد يخوضها الحزب مستقبلاً، وأن على القيادات المستقبلية أن تتعظ من تاريخ الحزب فلا تُقدم على ارتجال معارك مراهنة بذلك على سعة انتشار الحزب بأية حال من الأحوال، إن لم تكن على يقين تام من أنها استطاعت هي بذاتها، تحويل مؤسساته لبوتقة صهر وبلورة وصقل، تذوب فيها مختلف عاهات هذا المجتمع من عادات وتقاليد وأعراف، فالقيم “الأخلاقية” التي نتمسك بها تبقى مجرد محرمات دينية، تتعارض في المطلق مع قيم النهضة القومية الاجتماعية، وعلى هذه القيادات أن تدرك ما تتطلبه هذه من مدى زمني وعبر برامج وفعاليات تتلمس بها مستوى ونسبة التحقق الفعلي لهذه العمليات ..
في الانقلاب الستيني، يتبين لنا ما تقدم باجلا مظاهره، حيث افتقر التخطيط لدراسة ردود الفعل الشعبية والاقليمية والدولية والغاية من العمل المعني، في المدى المنظور في الحد الأدنى وما الفائدة المرجوَّة.. يضاف لما تقدم، وفي سياق التنفيذ، انتفاء التنسيق بين القيادات السياسية والعسكرية، في الزمان والمكان، المتاح، للنجاح.. أيضا في الأدوات والوسائل المتاحة أيضا، ـ وقدراتها على تحقيق وحدة النهج بين التخطيط والتنفيذ..
لقد شكل الانقلاب الستيني، انقلابا داخليا في المصطلحات ومفاهيمها، بحيث سمح ذلك لارتدادات فكرية، لم تستوعب التجربة الحزبية، فانحرفت كليّاً عن متجهات الفكر القومي الاجتماعي كما سنرى لاحقا في مؤتمري ملكارت ودوفيل، فعلى
1ـالمستوى الفكري ً: لابدَّ من طرح التساؤلات التالية، هل الفكر السوري القومي الاجتماعي، يجيز فكرة الانقلابية؟ هل الديموقراطية ـ على وجه العموم، تقبل بالانقلابية؟ هل الديموقراطية ” التعبيرية” تقر الانقلابية؟ وكيف يمكن التوفيق بين الفكر والنهج القومي الاجتماعي والانقلابية التي لا تعني سوى استلام السلطة، من حيث هي الأداة الوحيدة للقمع؟ وتاليا، فرض الفكر السوري القومي الاجتماعي بالقوة، وقمع المعارضين له، إن لم تكن تصفيتهم هي المخرج من مأزق فعاليتهم ، حيث مورس هذا النهج على المستوى الداخلي للحزب في ما بعد.. وهل يمكن الوصول للديموقراطية بطرقٍ غير ديموقراطية؟ وهل الديموقراطية هي شكل من أشكال الحكم؟ أم هي نسق حياة، أسلوب تفكير، طريقة تدبر شؤن الحياة اليومية؟ هل الديموقراطية تنتج ديموقراطيين أم العكس؟ وهل الشكل الديموقراطي يفضي لممارسة ديموقراطية؟ وهل..
2 ـ المستوى السياسي: هل كان الانقلاب مجرد ردة فعل على خروج الحزب خالي الوفاض من مؤازرته لكميل شمعون في عدائه للتيار العروبي المتمثل بعبد الناصر، وتاليا انخراطه في مشروع حلف بغداد والانضواء تحت الراية الغربية – الأمريكية بما تعنيه هذه من كونها القاعدة الرئيسية الني قامت عليها ” إسرائيل”؟ أم أنه محاولة للحيلولة دون وقوع الكيان اللبناني في براثن الشيوعية؟ مما استدعى لاحقا اللجوء لمصطلحات ومفاهيم “اشتراكية” للتملص من تهمة التبعية للغرب..
3 ـ المستوى المعلومات، افتقر التخطيط للمعلومة، علما أنه في علم السياسة، يقال: ” بقدر ما تملك من معلومات، بقدر ما يكون القرار، صائب ” في واقع الحال، بقيت المعلومات المتوفرة لدى المخططين مجرد توقعات، واجتهادات، واحتمالات، في قبول هذه الشخصية للانقلاب وتلك رافضة، والحقيقة التي أقرها المخططون كانت أن المزاج الشعبي رافض بالمطلق، للفكرة من حيث المبدأ، دون أن تعني لهم هذه الحقيقة شيئا، سوى ان المدى الزمني للقبض على السلطة، ستة اشهر، تعود الأوضاع لنصابها، والاكتفاء بعشرة نواب في المجلس النيابي، وبقيت الفكرة الانقلابية إقليميا ودوليا بين رافض ومتردد وقابل بشروط..
4 ـ المستوى التنفيذي، الافتقار لأدنى درجات التنسيق بين الوحدات المكلفة بالتنفيذ، بين القوة المكلفة باحتلال وزارة الدفاع والقصر الجمهوري والإذاعة والبريد، وعلى مبدأ ” كلٌ يغني على ليلاه” سارت الأمور وانتهت لفشل ذريع، من يطالع ما خلُص اليه قائد الانقلاب النقيب فؤاد عوض يدرك متلمسا خيبة الأمل التي انتابته نتيجة تعاونه في حركته مع الحزب …
لن نعيد للأذهان، تفاصيل التنفيذ، فهي محبطة للغاية، اذ أن الحزب، بعناصره القيادية والتنفيذية، كان وراء فشل الانقلاب، ذلك أن المهمة الرئيس كانت من اختصاص قائد الانقلاب النقيب فؤاد عوض الذي احتلَّ وزارة الدفاع بلحظات وكان الآمر الناهي في الوزارة، بينما عجز الحزب عن اعتقال بعض العسكريين والمدنيين وعلى رأسهم فؤاد شهاب رئيس الجمهورية، المضحك المبكي في هذه العملية كان، ـ كما يرويه قائد الانقلاب ” … إنَّ تشكيل المجموعة المكلّفة باعتقال الرئيس قد نالت كل اهتمامنا. وكان يُشرف على هذه المجموعة، المكوّنة من خمسة وثلاثين رجلاً من أشدّاء الحزب، السيد صبحي أبو عبيد وهو من المسؤولين الكبار في الحزب… انطلقت هذه المجموعة، رغم التأخير الذي حصل، لتنفيذ مهمّتها واندفع أمامها صبحي أبو عبيد ليكشف لها الطريق مرّة ثانية. وقد وصل إلى منزل الرئيس وعاد وكانت الطريق خالية وحرس الرئيس في وضعه الطبيعي كأي يوم عادي، وأبلغ ذلك إلى المجموعة فتابعت سيرها باتّجاه جونية. وعند وصولها أمام ثكنة صربا كانت المصفّحات تخرج من الثكنة وتقـفل الطريق ويترجّل جنود المساندة من سيّارات الجيب لتفتيش السيارات المدنية. وقد أغاظ هذا الحادث الملازم علي الحاج حسن وعبد الله الجبيلي وأمرَا السائق بأن يقتحم الحاجز عن اليمين وألا يتوقّف عند إعطاء إشارة التوقّف. تابع السائق سيره، أشار الجنود له ببنادقهم للوقوف فلم يذعن واجتازهم ولم يطلقوا النار على السيارة. أما ما تبقّى من القافلة فلم يتبع عند مشاهدته المصفّحات فمنهم من قفل راجعًا ومنهم مَن وقع في أيدي الجنود فأُسِروا واقتِيدوا إلى ثكنة صربا…”
خمسٌ وثلاثون رجلاً من أشداء الحزب لم يتمكنوا من اجتياز حاجز كان قائدهم قد اجتازه!!!!!!!!!! تركوه وحيدا وتفرقوا دون أي اهتمام بالمهمة المحورية المكلفون بها، اذ لو اعتقل الرئيس كان قد انتهى الانقلاب الى النجاح..
الأمر الآخر الملفت في هذه الحركة الانقلابية ما أورده سامي الخطيب “… كان الخطيب قد عمل على تسوية إقامة فضل الله أبو منصور في لبنان ورتب له مساعدة مالية شهرية وأصبح بمنزلة متعاون فاعل مع الشعبة الثانية. وتولى سامي الخطيب رفع تقرير بهذه المعلومات الى رئيس الشعبة الثانية العقيد أنطوان سعد في 16/10/1961.
… انه منذ ذلك التاريخ، انطلقت عجلة الشعبة الثانية لرصد تحركات القوميين السوريين على الصعد كافة وفي كل المناطق واعتبر نشاط الحزب القومي أولوية في عمل الشعبة الثانية وبدأت ترد الى رئاسة الشعبة التقارير اليومية عن تحركات القوميين السوريين من المناطق وكان أهمها منطقة الشمال حيث تمكن الملازم أول الشيخة من تجنيد سائق الدكتور عبد الله سعادة رياض درويش، وتمكن النقيب إميل كلاس في أبلح من تجنيد أحد مسؤولي الحزب في منطقة شتورا، ومثلهما النقيب كمال عبد الملك في الجنوب، والرائد أنيس أبو ذكي في جبل لبنان، وطبعاً أنا في بيروت..” أن يتعاون فضل الله أبو منصور مع دائرة الأمن مسألة لا تعني في جوهرها سوى أنه عندما تتخلى القيادة عن مسؤولياتها تجاه أعضائها، تدفع بهؤلاء الى خيانتها خاصة إذا كانت ظروفهم تدفع بهم نحو الهاوية ـ الخيانة، كما أبو منصور كذلك رياض درويش على أثر تهديده بالسجن نتيجة مشاجرة.. وغيره ممن جندتهم دوائر الأمن لا شك أنهم كانوا يعانون من أزمات بنسب متفاوتة لم تكن القيادة بقادرة على حلها لأسباب قد تجدها مقنعة، لكن مبدأ ” روح دبر راسك ” كان من جملة الأسباب التي دفعت بهؤلاء الى الخيانة، خيانة ذواتهم قبل خيانتهم للحزب، دون تبرير لهذه الخيانة، تبقى القيادة هي المسؤول الأول والأخير عنها..
في الميدان، سقط التعاقد النظري، السطحي، الظاهري، الشكلي، مع سعادة تركوا القائد وهربواـ بكل ما يعنيه هذا المصطلح من الجبن والخيانة ـ
فكانت النتيجة أن حصد الحزب من الانقلاب سنوات من السجن وسقوط العديد من الضحايا شهداء على هذا الارتجال الذي كلما أعادته الذاكرة للأذهان، اصطدم التعاقد مع سعادة، بالقنوط وخيبة الأمل والصدمة القاسية بأن المراهنة على الحزب كانت مراهنة خاسرة بكل ما تعنيه هذه من ضياع فرصة العمر النادرة التكرار في قضية عبثية لم ندرك نتائجها إلا بعد فوات الأوان.. وأعادت تلك الخلاصة التي انتهى إليها شاعرنا كمال خير بك عندما قال:
كان مثلي شاعرا يصطاد ظله
ثم أدركنا معا
أن السراب
كان في أشعارنا الحيرى مظلة
لسؤال ساذج دون جواب:
إننا كنا ضحايا في صحاري الاغتراب.
كان الانقلاب ذروة الفشل، والذي انتهى بالحزب الى غير رجعة، وغدت المراحل التالية مجرد اجترار لسعادة وتخبط في الأداء على مختلف الأصعدة
لن ننصب من أنفسنا قضاة على ما انتهى اليه ذاك الانقلاب، انما من حقنا ـ إن لم يكن من واجبنا ـ السؤال :
هل كان الهدف من الانقلاب الوصول الى المجلس النيابي بعشرة نواب؟ وما فعالية هؤلاء العشرة في تقرير أي متجه سياسي، على أي صعيد كان، لهذا المجلس؟ وما الذي يعنيه ما تقدم سوى أن لا قاعدة شعبية للحزب تمكنه من الوصول للمجلس، بعشرة نواب، وما الذي يعنيه ذلك سوى أن الحزب ليس بالحزب الذي يؤمل منه أدنى تغير في الحياة، اذ بعد ثلاثين عاماً من النضال والكفاح … وسيلٌ من الضحايا ـ ومجازا: شهداء ـ يعتمد الانقلابية سبيلا للوصول للسلطة، لينتهي به المطاف بعد ذلك للارتهان لأنظمة سياسية لا تُكِنُّ له سوى العداء وتسخيره لما هو في مصلحتها..
عشر سنوات مرت على خروج عبد المسيح 1957وحتى حركة وسيم زين الدين في 1974، تلك الحركة التي سميت ” بحركة المنفذين العامين” والتي انتهت بمقتله، والتي لم تكن في حقيقتها سوى محاولة لتصويب ما كانت تراه انحرافا عقدياً في النهج الذي اتبع بعد خروج القيادات الحزبية من السجن، بكل ما تعنيه هذه الحركة من انعدام أي مدخل لحل النزاعات الحزبية بالطرق الديموقراطية، وتالياً انتفاء الأخيرة من أي منهج قيادي، يصح فيه الأخذ بتطلعات القاعدة الحزبية ـ مخطئةً كانت أم صائبةً ـ ومحاولة القيادات الحزبية استيعاب مثل هذه التطلعات المشروعة للقاعدة أو الصف الحزبي، وهذا ما يعيد للأذهان ما سبق ودللنا عليه، من أن النظام الفردي المركزي التسلسلي كان وراء مختلف المواقف الحزبية الداخلية التي كانت تؤدي بأصحابها للطرد والإقصاء والفصل والإهمال والنسيان إن لم يكن القتل ـ الاغتيال ، وسيم زين الدين ومحمد سليم ورفاقه مصطفى الصفدي نبيل كيروز و… ، مما يعيد للأذهان أيضا السؤال الذي ما يزال عالقا دون الإجابة عليه ألا وهو: كيف يمكن التوفيق بين ” إن الدماء التي تجري في عروقنا ليست ملكاً لنا، إنها وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها..” وبين ” ابدأ الرأي في الجلسات الرسمية وحين يباح له الكلام..” بين عضوٍ في الحزب من واجبه التضحية بحياته وليس من حقه سوى “ابدأ الرأي” فيما يخص حياته تلك؟!!!
لقد أطلق النظام الفردي المركزي التسلسلي يد السلطة الحزبية في الاقتصاص من معارضيها بشتى ومختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، ـ وللتذكير بأننا هاهنا لا ننصب أنفسنا قضاة في الحدث بذاته بقدر ما نشير الى ما يعنيه هذا الحدث أو ذاك في التاريخ الحزبي وما يمكن أن يُستنتج منه على صعيد الحدث الحزبي المعني بالذات، ـ إضافة لكون التاريخ السردي في الحزب لم يثمر سوى “التشرنق” في مفهوم الفكر القومي الاجتماعي في مختلف القضايا التي تناولها سعادة، والعودة اليه كمصدر، على الطريقة ” السنية ” أو الأرثوذكسية” في الاسلام المحمدي والمسيحي على حدٍ سواء والموقف لكليهما من الشيعية والكاثوليكية في التاريخ الديني .. حيث أن سعادة لم يدعُ للجمود والحرفية في عقيدته، معتبرا أن ” المبادئ قواعد انطلاق الفكر..” وأن ” الحرف يقتل أما الروح فيحي” خاصة وان الفكر الذي لا ينتج مفكريه، هو فكر عقيم، كما القيادات التي لا تقبل إلا أن تكون تاريخية، هي قيادات تجتر ذاتها مراوحة في المكان، هي قيادات أفرغت مؤسساتها من محتواها في إنجاب قيادات لها نظرتها الجديدة للحياة والكون والفن، على المقلب الآخر فإن حركة وسيم زين الدين أو حركة أسعد حردان ـ مع الأخذ بالتباين بين الحركتين من حيث استقلالية قرار منفذيها ـ لا تدع مجالا للشك بان منفذي كلا الحركتين قد استغلا ظاهرة السطحية في فهم العقيدة القومية الاجتماعية، مما يؤكد أن الفهم الحقيقي والصحيح للفكر السوري القومي الاجتماعي، يضع حدا، بل وجداراً ناريا للحيلولة دون تكرار هذه الحركات، والتي تبقى، مهما قيل في أسبابها ووسائلها ونتائجها، مجرد حركات غوغائية استغلت، في ظرف ما ومكان ما، مفهوم أن الحركة القومية الاجتماعية هي حركة منعزلة عن الواقع الاجتماعي ـ السياسي ـ الاقتصادي ـ الفكري أو هي مستغرقة به بلا حدود ومنساقة في تياره ومستسلمة لقضائه وقدره، مستغلة في سياقه النزعة الفردية( طموحا أو مصلحة مادية نفعية ) والتي حذر منها سعادة مرارا وتكرارا وأنها وراء كل منعطف يضرب بعرض الحائط بمصلحة الحزب .
4 ـ من الانقلاب الستيني وحتى مؤتمري ملكار ـ دوفيل ( 2 )
كان الانقلاب الستيني مقدمة للتطورات الجذرية في المنطقة قوميا وإقليميا ودوليا، لو نجح الانقلاب، يقول قائده النقيب فؤاد عوض، ” … إنَّ مصير الشعب والمنطقة بل مصير الشرق الأوسط بأسره تعثّر من أجل هذه الثواني. لو تأخّرت المصفّحات دقيقة واحدة بل ثلاثين ثانية لمرّت القافلة ولا اعتُقل فؤاد شهاب واقتِيدْ حسب الخطة عن طريق بكركي.
إنَّ التخبّط الذي تتخبّط به البلاد العربية اليوم، ووضع لبنان الداخلي المهترئ، وحرب 5 حزيران الفاشلة، كل هذه المآسي كانت قد أخذت شكلاً آخر ولِما حدثت حرب حزيران. لو تمكّنا من إعادة الحكم إلى محوره الطبيعي في لبنان لتغيّرت أمور عديدة في المشرق العربي…”
لست أدري ما الذي حمل قائد الانقلاب للاعتقاد بما تقدم ذكره، لكنني متأكد من تلك الآمال التي كان يعولها على حركته لو نجحت، ومع ذلك، فقد كانت الستينيات مرحلة الانعطافات الكبرى في تاريخ المنطقة، فقد استولى حزب البعث على مقاليد السلطة في أكبر كيانين العراق وسورية، ونجح انقلاب عبدالله السلال في اليمن وأزاح عبد الناصر الإمامة فيه مهددا عرش آل سعود… وبزغت شمس المقاومة الفلسطينية مما استدعى تدخل ” إسرائيل” فكانت نسكة حزيران وتصدع البعث، لكن معركة “الكرامة” التي خاضتها المقاومة الفلسطينية، كانت العلامة الفارقة في هذه المرحلة.. لذا لم يكن العفو الذي أصدره شارل الحلو عن قيادات الحزب بدون هدف، كان الهدف تجنيد الحزب في المعارك الدائرة بين الغرب والشرق السوفيتي في المنطقة، باعتباره يميني الميول كما كانت تشير اليه تاريخيَّته اعتبارا من خمسينيات القرن العشرين وحتى خروج قادته بالعفو المنوه عنه، لكن السحر ينقلب على الساحر، فالحزب ـ بوجود قياديّه في السجن ـ كان قد ضمَّ الكثير من القوميين التواقين للعمل الميداني البعيد عن الانجرار في السياسات المفروضة على المنطقة، فالقيادة ” الظليلة ” للحزب لم تكن بالفاعلية المرجوة منها، بعض الذين تيسر لهم الاطلاع على مبادئ الحزب وآمنوا بها، عملوا تلقائيا لإيجاد قاعدة حزبية تتمتع بمصداقية الانتماء البعيد عن الاختلاطات السياسية ، وكنتُ شخصيا واحدا من أولئك والى جانب آخرين، أذكر منهم إيليا المعري طلال خوري معزة الأشهب سهيل رستم خليل الخضري وغيرهم .. لم نكن نولي السياسة جلَّ اهتمامنا كان العمل الدؤوب هو توسيع القاعدة الحزبية في الشام وليس لنا من طريق سوى العمل السري وكان أن انتهى ذاك الجهد الى ما هو عليه حال الحزب في الشام اليوم..
بخروج القيادات الحزبية من السجن، وجدت نفسها أمام جيلٍ لم تعرفه من قبل، كان عليها الخضوع لرؤاه العقدية والسياسية، فكانت جملة المؤتمرات التي بدأت بملكارت مرورا ببرنتانيا وانتهاء بدوفيل ـ هذه المؤتمرات بغض النظر عما رافقها من أحداث ـ كانت عنوانا واضحا على التغيرات الجذرية في البنية الحزبية غير التقليدية التي واجهتها القيادات، وكان لا بدَّ لها من أن تتكيف ومتطلبات هذه البنية التواقة للتحرر من تبعية الحزب للغرب والتملص من التهم اليمينية الرجعية..
معظم التخبطات التي شهدتها السنين الست الأخيرة من هذه المرحلة، كانت انعكاسا مباشرا لما تمر به المنطقة من أحداث حيث كان لا بدَّ للحزب من إيجاد موطئ قدم على ساحتها، ولم يكن له من منفذ لذلك سوى المقاومة الفلسطينية، باعتبارها قضيته المحورية، والتي، لأسباب تجد ذرائعها، فيما تعرض له، داخليا وخارجيا، وقادت لتخلفه عن تأمين متطلباتها سياسيا، دفعته للانخراط في تيار حركة التحرير الوطني الفلسطيني، مستغلاً أحداث “أيلول الأسود” في الأردن ـ فؤاد الشمالي، كمال خير بيك.. والتي بدورها كانت قد استقطبت معظم المناضلين والثوريين في العالم بما فيهم أولئك الشرق أوسطيين قوميين سوريين وبعثيين وناصريين وقوميين عرب وحتى الإخوان المسلمين، الذين كانوا النواة التي انبثقت عنها حركة التحرر الوطني الفلسطيني، حيث البوصلة الوطنية والقومية كانت فلسطين بلا منازع، إذ على أرضها سقطت كل الشعارات التي أطلقتها الأنظمة، بمختلف مسمياتها، كتأطير لمشروعية القمع الممارس تجاه شعوبها…
لم يكن التصدع الذي انتاب مختلف الأحزاب السياسية إلا نتيجة لتوق هذه الأحزاب الى السلطة باعتبارها الأداة الوحيدة لفرض رؤاها الاجتماعية والسياسية على مجتمعاتها، هذا التوق بدوره انعكس على بنيتها الداخلية، التي تشرزمت معلنة بذلك عدم قدرتها على التوفيق بين أهدافها ومصالحها الحزبية والشخصانية على حدٍ سواء، كما أدى من جهة أخرى لتصارعها بعضها مع بعض لبلوغ السلطة، هذا الصراع أتاح للدولة، تحت أي مسمى كانت به للانقضاض عليها وإنهائها واحدة تلو الأخرى، إذ وبعد انهاء الوجود الحزبي للسوريين القوميين الاجتماعيين كان الدور على الشيوعيين ومن بعدهم كان البعثيون هم الهدف حيث أعلن ميشيل عفلق، من سجن المزة، حلَّ حزب البعث، وكان الإخوان المسلمون قد نالوا القسط الأوفر في مصر، بعد محاولتهم اغتيال عبد الناصر..
لابد لنا من التوقف عند هذه النقطة، والتأمل بها، حتى لا نبخس الحزب السوري القومي الاجتماعي حقه فيما ناله من قمع وتشرد، وحتى نضعه في السياق العام لتطورات المنطقة، كغيره من الأحزاب وحتى لا نستفرده استفرادا وكأنه الحزب الوحيد الذي مسه وبال السلطة..
يمكننا القول، وبدون أي تحفّظٍ، أن الشعارات التي أطلقتها الأحزاب السياسية لم تكن إلا ستارا لشخصانية قياديِّها، وأن هذه القيادات، وهي خريجة العهد العثماني، لم تكن في مستوى العمل السياسي الذي تنكبته، إذ خالطته شوائب انعكست على قواعدها، وتاليا على أهدافها ومن ثَمَّ على إسلوب بلوغها هذه الأهداف، لم تعِ هذه الأحزاب أنها ذات اتجاه اجتماعي بالدرجة الأولى، يستهدف تحسين الوضعية الاجتماعية لمجتمعاتها، مهما تكن الأهداف ـ البعيدة المدى ـ الساعية اليها،/ أمة سورية ، أمة عربية ، أمة لبنانية، أممية مشاعية ، أممية دينية.. / تدفع بها الى الخصومة والاقتتال فيما بينها وحتى التآمر مع الدولة على غيرها من الأحزاب، لم تعِ هذه الأحزاب بقياديِّها، أنها أحزاب وليدة لم تتمتع بعد ببنية قابلة للتطور، وأن الانكباب على تحسين ظروف هذه البنية هو الهدف الأول الذي عليها أن تضعه نصب عينيها، تحسين ظروفها المعيشية والثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها..، كان الخلاف على أهداف بعيدة المدى قد تناسى الواقع المعاش، الذي كان يجب أن يكون الهدف الجامع لها في مواجهة الدولة صنيعة الاستعمار ووليدته بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، كان على هذه الأحزاب تشكيل جبهة متراصة وأحدة لتحقيق أهدافها الاجتماعية قبل السياسية كقاعدة لا بد منها للانطلاق نحوى الهدف البعيد .. فجميع هذه الأحزاب كانت، على سبيل المثال لا الحصر، تطالب بانصاف العمل والعمال، كلٌ وفق رؤاه الخاصة، هذا المطلب لم يوحدها، كان على هذه الأحزاب أن تجد القاسم المشترك فيما بينها وتعمل عليه لانتصارها فيما تستهدفه ديموقراطيّاً.. ( وللحديث صلة في هذا المجال )
في خضمِّ هذا الصراع الحزبي كان التحرك الدولي المستهدف خيرات هذه الأرض قبل شعوبها، و عليه كان لا بدَّ من تحركٍ غربي لإنقاذ الكيان السرطاني في الجنوب، وتجنيد مختلف مسميات المتعاونين معه بما فيهم الحزب السوري القومي الاجتماعي والمدرج على لائحة اليمين، وفق ما كانت تؤول اليه سياسات قادته الذين اعتبروا أن الخطر المداهم هو الخطر الشيوعي الرابض في عقر دارهم، فانحازوا بلا وعي للخطر الأكبر المتمثل في الغرب المناهض للقومية السورية والمنخرط في تأمين متطلبات القومية العربية، هكذا يمكننا قراءة ما آلت اليه الأحداث الداخلية في الحزب في نهايات الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، والتي ابتدأت بحادثة عين الرمانة – الشبيه تماما بحادثة الجميزة المفتعلة – لكبح جماح الحزب الآخذ في النمو، كانت عين الرمانة لكبح جماح حركة المقاومة الفلسطينية بإلهائها بمعارك جانبية تهدد وجودها كحركة على أرضٍ تعتبرها منطلقا لعملياتها ضد العدو المشترك.. عين الرمانة، تبقى المنعطف الذي أخرج المقاومة الفلسطينية عن مسارها في محاربة العدو الرابض في الجنوب وجرفتها لمعارك جانبية ألهتها عن معركتها المحورية ودفعت بها الى مسار آخر سياسي الطابع والنهج، في عين الرمانة سيّست القضية الفلسطينية وتجاذبتها المحاور السياسية السائدة في المنطقة عبر الدول السائرة منها في الركب الغربي أو تلك السائرة في ركاب المحور الشرقي، دون هذه القراءة لا يمكننا فهم التحولات التي قادت لها مؤتمرات ملكارت – برنتانيا – دوفيل،
بين تيارات ثلاث، كانت مقررات المؤتمرات الثلاث، تراوح في مكانها، وتحول التحديات دون تطبيق أيٍ منها، لكنها في جوهرها عكست أزمة الحزب التاريخية، المتمثلة بتيارٍ محافظٍ يأبى إلا أن يكون سعادة هو ” صاحب الدعوة والشارع ” وتيارٍ وسط يحاول أن يوفق بين هذا وذاك المتمثل في أن مقتضيات الساحة تفترض ولوج الحزب اليها بعدما ثبت ـ عبر التجربة التاريخية ـ أن الحزب قد خرج من كافة ارتباطاته السابقة خالي الوفاض، بما يعني، وبما لا يقبل جدلاً، أن الثقافة الحزبية لم تكن بمستوى الهدف الذي وضعه سعادة في مبادئه…
بين وحدة الفكر والنهج والشكل سقطت وحدة المفاهيم، لم تعد المصطلحات القومية الاجتماعية تقود الى وحدة في المفاهيم، الى أي معنى تقود ـ مثلا ـ مقولة” المبادئ هي قواعد انطلاق الفكر”، الدين لتشريف الحياة وليس العكس، السبت للإنسان وليس العكس، أو “كلما صعدنا قمة بدت لنا آفاق قمم أخرى” ولم تعد المؤسسات هي الضامن لوحدة مفاهيم المصطلحات، فمجمل الذين انخرطوا في صفوف الحزب، كانوا قد شبوا على طوقها، وتتلمذوا على ما قُدّْر لهم من استيعاب ديناميكية الفكر السوري القومي الاجتماعي، وتراوحت طروحاتهم بين ” الحرف يقتل… أما الروح فيحي” بين الحرفية والسياق، بين قضايا الثلاثينيات وقضايا السبعينيات، السياسية ومدى ما تؤمنه المبادئ من ديناميكية تجسيدها فعلا على الأرض، خارج المؤسسات ـ والتي غابت كليا عن تأسيس جيل يتمتع بوحدة المفاهيم ـ ، المؤسسات بأشخاصها، غدت أشخاصها بكل ما يعنيه ذلك من ارتباطات تضر أو تفيد مصلحة الحزب، وثبت بما لا يقبل نقاشاً فشل المؤسسات المنضوية تحت لواء مصالح شخصياتها، في خلق جيلٍ جديد، يكتنز ديناميكية الفكر السوري القومي الاجتماعي، حيويته، نشاطه.. بدى الفكر جامدا مشلولا عاجزا عن استيعاب متطلبات المرحلة ومقتضياتها، منعزلا عن الواقع، اجتهدت في تأويله السياسات السائدة، وتحديداً سياسات الأنظمة، وتجاذباتها، والفوضى الفكرية الضاربة طولاً وعرضاً في القاعدة الحزبية، أدت بما أدت اليه الى ممارسة الانقلابية في تقرير ما يجب أن يكون عليه الحزب، عبر التخوين تارة والانحراف العقدي، تارة أخرى، شعارات، ليست سوى محاولة لتأطير الأهداف الخفية الكائنة وراء أكمة الأحداث الجارية ، وراء مختلف طروحات تلك المرحلة، حيث استعاضت الشخصيات التاريخية المعروفة، بشخصيات شابة لم يمسسها تاريخاها بأية شائبة، لكنها غفلت ـ القيادات الشابة ـ في قيادتها، عن تلك التي سخرتها لمصالحها الشخصانية، فكانت الضحية التي تباكت عليها شخصيات كانت وراء فشل مختلف المحاولات الشبابية، في تصحيح المسار الحزبي داخليا وخارجيا، فكانت حركة ” المنفذين العامين ” بقيادة وسيم زين الدين، انعكاسا مباشرا لهذا الصراع على السلطة في الحزب، وبمقتله، كانت النتيجة أن ركب موجة الطامحين للسلطة بعض من رأوا، الفرصة قد سنحت للتخلص من منافسيهم، دون تبرئة أحد من عمالته لتيار سياسي يحاول التموضع على الساحة السياسية في زمن التحولات الكبرى، هكذا وتحت شعارات عدة جاء الانشقاق الثاني في الحزب والذي دفعت ضريبته القاعدة الحزبية بما تحملته من تضحيات لم تكن في مصلحتها، قطعاً.
لقد فاجأت الأحداث السياسية مختلف الأحزاب السياسية في سورية الطبيعية، وكان لها ذات الأثر الذي نال منه الحزب السوري القومي الاجتماعي القسط الأقل من النتائج على أهميتها في مسيرته الفكرية والسياسية، إذ تصدع البعث العربي الاشتراكي وتحولت ” الوحدة العربية ” من المحيط الى الخليج الى ” التضامن العربي” حيث الوحدة هي “الحلم” الذي يسعى الحزب لتحقيقه، وبات العداء بين قيادة قومية وأخرى قطرية واستحكم العداء التآمري بين كياني الأمة الأكبر الشام والعراق وبلغ ذروته في الحرب التي شنها العراق على الثورة الإيرانية الوليدة، خدمة لمصالح خليجية وهابية تناغمت مصالحها والمصالح الأمريكية في المنطقة كما ” إسرائيل”… كذلك كان مصير الحزب الشيوعي من ماركسي لينيني الى ماركسي ماوي وجماعة العمل الشيوعي وغيرها من التسميات ، الأخوان المسلمون لم يسلموا من الانشقاق فنشأت جماعات وأحزاب، أبرزها كان حزب التحرير الإسلامي وجماعة التكفير والهجرة، القوميون العرب تشرزموا الى جماعات كلٌ منها يتَّبع قيادة تختلف وفق الأجندات المطروحة للعمل العربي، أبرزهم كان الاتحاد اشتراكي العربي، ولم تسلم المقاومة الفلسطينية من الانقسام، وبوجود السلاح، أخذت الانشقاقات تأخذ طابع الاقتتال بين فصائلها وسقط في هذه المعارك ما يزيد على عدد شهدائها في الأرض المحتلة، كل ذلك كان تمهيدا لقيام أنظمة قمعية في مختلف كيانات الأمة وعلى امتداد الساحة العربية، والقضاء على الروح الثورية الرافضة للهيمنة الغربية على المنطقة والتبعية للكتلة الشرقية والتي تحصنت بتبنيها لمختلف الطموحات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأنها ـ بدولها ـ لم تزل في مرحلة الجنينية في مفهوم علم السياسة حيث هذه الدول نشأت بعامل الاستعمار الذي ولَّدها لتكون مطيته في الاستعمار الجديد المتحكم بثروات الدول دون احتلالها على النسق الأوروبي القديم، وبدون أدنى شك، لخدمة ربيبته “إسرائيل ” ، دولٌ في التعريف السياسي، هي “دول حديثة” العهد بمفهوم الدولة، النظام، الواجبات والحقوق، حيث هذه الأخيرة لا تنفصل في مفاهيمها عن الأعراف والتقاليد والعادات، فالدولة دينية في الجوهر حيث ” الشرع المحمدي” هو مصدر التشريع …

5 ـ من عين الرمانة وحتى اغتيال محمد سليم ورفاقه (1)
في مجمل ما تطرحه هذه الدراسة، يخلص لنتيجة مفادها، أنه لا يمكن قوننة تاريخ الحزب، بدراسته بمعزلٍ عن مجمل ما يجري في ساحته القومية وتاليا الإقليمية والى حدٍ ما الدولية بما يختص بمداه الحيوي وساحته الإقليمية..
إن أية دراسة تقتصر على أحداثه الداخلية، إنما تفتقر للموضوعية وتجرد تاريخه من محتواه الحقيقي، من مضمونه، من جوهره، منكفأةً الى ذاتية تبتغي التأكيد على استقلاليته الموهومة، أو المزعومة، إذ لا يمكن دراسة أية أحداث داخلية بمعزلٍ عن كونها ردود فعل لما يجري خارجها أو في محيطها أو فيما جاورها، فالحزب، وإن لم يكن ” حزبا سياسيا بالمعنى الاعتيادي..” فهو حزب سياسي بامتياز من حيث كونه حزبا فاعلاً في تقرير مصير الأمة التي يسعى لقيامها، الى الحد الذي تمكنه منه فاعليته في هذه الأحداث من بلوغه، من هنا كان لا بدَّ من تناول هذا التاريخ في خضم الأحداث من حيث هي صراع قوى وأضاد كلٌ يعمل لتحقيق طموحاته عبر فن إدارة الحدث..
من هنا كانت حادثة “عين الرمانة” مفصلاً مهما في تاريخ الحزب ـ وهو الخارج للتو من اعتقال لحركته على مدى تسع سنوات ـ، لما تركته في دوافعها ووسائلها ونتائجها، من آثار كارثية في صيرورته الحالية.
فالحادثة لم تكن آنية، لحظية، مجرد ردة فعلٍ فردية، انفعالية، بل كان مخططاً لها منذ اللحظة التي بدأت فيها العلاقات ” الكتائبية ـ الإسرائيلية” في التخطيط لكبح جماح المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بهدف الحفاظ على الكيانية الانعزالية لحزب الكتائب ولإلهاء المقاومة عن مداها الحيوي ـ فلسطين ـ بعدما اهتزَّ كيان بني صهيون تحت ضرباتها وباتت الشغل الشاغل لديه..
كان التخوُّفُ الكتائبي قد بلغ ذروته من تمدد الحراك الفلسطيني على “أرضه” مما كان يهدد طائفيته وعمالته وخيانته للبنان أولا بعزله عن محيطه ومداه الحيوي، إذ لا حياة لكيانه دون ذلك، وهذا ما دفعه لإيجاد المدى الحيوي البديل في متلازمة الكيانات الدينية، حيث ” المسيحية” الكتائبية تتوافق كل التوافق مع اليهودية الصهيونية بمعاداتها للكيانية “المحمدية” الوهابية..
الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت به المقاومة الفلسطينية كان في اغترارها بالقوة التي اكتسبتها اعتبارا من معركة الكرامة والتأييد العربي لها والتخوف الخليجي من أن تمتد اليه وتنطلق من أراضيه، فاغدق عليها من أمواله ما جنبه “شرورها”، فحققت ـ اضافة لما أغدقته عليها الدول المؤيدة لها من أموال ـ، استقلاليتها المادية وتاليا عدم تبعيتها لأي نظام عربي ، لكنها أغفلت ساحتها الرئيسية ـ لبنان ـ قاعدة انطلاقها، وتحديدا ضرورة طمأنة المتلبننين على لبنانيتهم من جهة، مفتقدة للمعلومة أو متجاهلة انحياز الكتائبيين الى التعاون مع أعدائها، درئا لخطرها عليهم، مما استدعى مبادرة الشام للولوج لمعترك الأحداث من منطلق اعلامي بحت وتحت يافطة ” حماية المسيحيين ” ، لكن المنطلق الرئيس للمبادرة الشامية كان الحيلولة دون انخراط المتلبنينين أكثر بتحالفهم مع العدو اليهودي في الجنوب، وهذا ما لم تعيه المقاومة والحركة الوطنية بممانعتها دخول القوات الشامية للبنان، والاصطدام معها.. والتي انحازت اليها فيما بعد، بعد اتضاح أن المبادرة الشامية لم توفق فيما سعت اليه إذ كان التحالف الكتائبي ـ الصهيوني قد بلح حدَّ اللا رجعة..
من جهة أخرى كانت المعادلات القومية والاقليمية والدولية قد أخذت بجدية الموقف الشامي وتعاطت معه بإيجابية، وتحملت الشام ـ في نهاية الأمر ـ العبء الأكبر من هذا الموقف مادياً ومعنويّاً..
هي ذي الأجواء التي سادت سماء الحزب السوري القومي الاجتماعي ـ كما غيره من الأحزاب ـ والتي انتهت لمعادلات لم تكن على الاطلاق في مصلحة الحزب عبر السنوات العشر الأخيرة اعتبارا من 1975 وحتى 1985..
هنا تلعب “المعلومة” بغيابها عن القيادات السياسية، دورها في تحديد المواقف، الخطأ والصواب، وتاليا، ما يمكن تسميته ب ” المواقف الكارثية”، إذ وبعد اتضاح أمر اتصالات منظمة التحرير ـ عبر وسائط دولية معروفة ـ بالكيان الصهيوني، تغير الموقف الشامي من المقاومة، متمثلا بطرد ياسر عرفات من دمشق وحظر حركة التحرير الوطني الفلسطيني، هذه المعلومة لم تكن لدى القيادات الحزبية لتعني شيئا، فهي إن لم تكن على علمٍ بها، فقد تجاهلتها، وفي كلا الحالين، كانت النتيجة كارثية..
في مجمل الأحداث التي عصفت بالمنطقة بين عامي 1975 و1985، كان الحزب ـ كغيره ـ الأرض الخصبة لزرع مئات المتعاملين مع مختلف التنظيمات والأحزاب والدول، كلٌ من هؤلاء، يعمل ـ تحت يافطة العقيدة القومية الاجتماعية ـ لخدمة عمالته، مؤيدين لهذا ومعارضون لذاك على حدٍ سواء، فكان الانعكاس المباشر لما يجري على مستوى الخارجي، داخليّا، أن انقسم الحزب بين ” مركز” و”طوارئ” كلٌ في خدمة ما كان يراه “يصب في مصلحة الحزب”، لكنه كان بطبيعة الحال تعبيرا عما كان يمثل ارتباطات قادته، كذلك وحدة الحزب في 1981، لم تكن بقرار حزبي يرى في مصلحة الحزب مقياسا، بل كانت الوحدة بقرار شامي ـ يرى أن وحدة الحزب ـ وقد استتب له الوضع في لبنان محليا وقوميا وإقليميا ودوليا ـ تصبُّ في مصلحته..
لم تكن الوحدة الحزبية، اذن، بقرار مستقل يرى فيها مصلحة للحزب، كانت الوحدة الحزبية تعكس مصلحة أخرى، على الرغم من أن القيادات كانت تأبى الإقرار بذلك، فهي لم تكن لتعكس رغبة المستفيدين من انقسام الحزب فحسب، بل وتتعارض ومنفعتهم الذاتية، الوحدة كانت رغبة قومية اجتماعية لدى مختلف المنضوين في الحزب ـ مركزيين وخوارج أو طوارئ ـ مما يعني أن القيادات كانت ترفض الأخذ بهذه الرغبة معلنة بطريقة أو بأخرى ارتهانها للخارج وفقدانها لقرارها المستقل وتعارضها مع رغبة المجموع القومي الاجتماعي الملتزم بمبدأ ” أن الخروج على النظام خيانة قومية عظمى” والذي كانت ترفع رايته قيادات جناحي الحزب، وتسلطه على رقاب القوميين الاجتماعيين كافة تبريرا لخيانتها واستقلالية قضية حزبها، الوحدة كما الانشقاق الذي دفع لها، لم يكن رغبة لدى مجموع القوميين الاجتماعيين، كان رغبة للمتعاملين مع الأنظمة والمنظمات والأحزاب التي عملت لمصلحتها فيه وفي الوحدة، ولا يمكننا التعميم في هذا السياق، فليس جميع الذين انخرطوا في الانشقاق والوحدة معا هم من المتعاملين ـ العملاء، فالكثير، والكثير منهم أخذته تلك الشائعات التي اطلقتها القيادات الحزبية بعضها ضد بعض في محاولة منها لتأطير عمالتها بشعارات براقة تحت راية الخوارج على النظام والدستور والمركز تحت مظلة الشرعية، كان النظام والشرعية هما اليافطة التي رفعها المتعاملون ـ العملاء للتغرير بالقوميين الاجتماعيين ودفعهم للتضحية بأرواحهم في سبيلهما، مما يعني بالمقابل سذاجة القسم الأكبر منهم في الانتماء للحزب وضحالة الفكر السوري القومي الاجتماعي في الثقافة الحزبية، والتي كانت النهج الذي سارت عليه مختلف القيادات التاريخية لتحقيق طموحاتها السياسية وعمالتها، دون التعميم أيضا، فبعض هذه القيادات والتي وعت حقيقة ما يجري، انزوت في عملها الحزبي، بعضها تصدى له، فكان الفصل والطرد والتهميش السبيل الوحيد للقيادات للتخلص منه، هذا اذا لم يكن الاغتيال هو السبيل ..
لا يمكن فهم مختلف التجاذبات (الصراعات) الداخلية في الحزب دون ما تقدم، وفي نهاية المطاف كانت النتائج لكلا الموقفين هي التي تقرر أيهما الصواب، لكن تبقى المبادئ وغاياتها هي التي تقرر صوابية هذا الموقف من خطئه، بإسقاطها مرحليا على مجريات الأحداث السياسية بغض النظر عن من تخدم آنيّاً من أنظمة أو تنظيمات أو أحزاب أو دول، طالما أنها تصب في مصلحة الأمة ،من منطلق أنها “مصلحة مركبة” تجمع الى جانب المصلحة العامة ـ القومية ـ منفعة شخصية، وعندما تسقط المصلحة العامةـ القومية، تفقد تلك المواقف السياسية ” سلميّتها أو بالأحرى ” ديموقراطيتها ” وتتخذ منحى ديكتاتورياً عبر الاقصاء والتهميش ـ الطرد والفصل ـ وتسلك مسلكاً دمويّاً عبر الاغتيال مهما تكن المبررات ((العقدية)) التي تؤطره .
في دراستنا هذه نعتمد جملة من المبادئ أبرزها ” ليس الاتهام تبرئة للذات ” و ” إن أردت أن تقتل إنساناً، فلا تطلق عليه رصاصة، بل اطلق إشاعة” و ليس “المعارضون لهذا أفضل من المؤيدين لذاك ” فكلٌ من هؤلاء، يخدم مشروعا يراه ـ عميلا كان أم عضواً ـ يصب في مصلحة الشعار العقدي الذي يطرحه تبريراً لما ينتهجه، لكن وبالنتيجة من يحكم هذه، هي النتائج التي يجنيها الحزب من حيث كونه شكلا من أشكال وحدة الفكر والنهج.
في هذه الدراسة الموجزة لتاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، نحن لا نمتلك المعلومة القضائية للإتهام، لكننا نعتمد السياق في منهج معياري، لتقييم ما حدث، فعبر السنوات العشر كانت الضحايا ومجازاً ” الشهداء” من القوميين الاجتماعيين السذج منهم والمفكرين والقادة، لكنها في مجملها كانت نتائج قرارات قيادية لم تمتلك فن إدارة الحدث، ونقصد ” المعلومة” بدئا من اغتيال وسيم زين الدين وانتهاءً باغتيال محمد سليم مرورا باغتيال كلٍ من بشير عبيد وكمال خير بيك، والأخيران كانا ضحية جبن القيادة في اتخاذ القرار الحاسم والسريع لحماية مفكريها وقادتها، ودليلٌ واضحٌ على ارتهان القرار الحزبي لغير مصلحة الحزب، اذ أن الحادث كان على بعد مئات من الأمتار من مركز الحزب، حيث من المفترض أن تكون قوة الحزب هي القول الفصل في الحدث، وحيث لا مجال للتفاوض، وحيث المبادرة، للجم همجية المهاجمين هي الخط المستقيم الذي يختصر كل الطرق المتعرجة والمنكسرة في بلوغ الهدف، فلنتصور المأساة، نقيب تجار الخضار مقابل دكتور من خريجي السوربون وقائدٌ من قادة أيلول الأسود، وقائد عسكري وسياسي، لم يتوان يوما عن مهمة من مهامه الحزبية، يجبن الحزب، وفي عقر داره عن حمايتهم وهم المحاصرون من قبل رعاع من المرابطون ذي الميول المذهبية، .. لم يكن الرعاع من المرابطون بحاجة لقرار قيادتهم، بمبادرة ذاتية كان الرد، في المقابل كان النظام وقرار القيادة السياسية والعسكرية هما الغطاء الجبان لجبن المنضوين تحت جناح القيادة العسكرية، هذه القيادة كانت هي الأخرى ضحية مقولة النظام الفردي المركزي التسلسلي الذي يحول دون أية مبادرة فردية ويقمع حتى التفكير بها، فالخروج على النظام والدستور هو الخيانة والتي يوصم بها كل من تجرأ على قرارات قيادته، وتاليا التنصل القيادي من تبعات المبادرة الذاتية وترك المبادر لقدره ومصيره وحيدا، كما كانت الحال مع رياض درويش وفضل الله أبو منصور وغيرهم، والستار الذي يخفي وراءه الكثير من العاهات التي كانت على الدوام العصي في دواليب النهضة التي راح ضحيتها آلاف القوميين الاجتماعيين، إذ وعلى الرغم من النداءات المتكررة من الضحيتين كانت القيادة قد صُمت آذانها تاركة ضحاياها لقدرها، ومستشرسة في نداءاتها لمموليها ومالكي زمام قرارها،.. هكذا كان الحال مع محمد سليم وتوفيق الصفدي ونبيل كيروز وغيرهم كثيرون حيث الثقافة الحزبية في أدنى درجاتها وحيث الاستزلام هو البديل للعضوية الحزبية..
فعلى مبدأ ” كلب يعوي على غيرك أحسن ما يعوي عليك ” تعاطت دمشق مع مختلف الأحزاب، بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي، ولم تكن بمخطئة عندما أدركت أن الأحزاب ما هي إلا شعارات فارغة المضمون من مبادئها ولا تمثل سوى منافع قادتها، فأمنت لهم منافعهم وسخرتهم لخدمة أغراضها القومية، وهو الأمر الذي تشكر عليه دمشق..

5 – من عين الرمانة الى اغتيال محمد سليم ورفاقه (2)
ما بين الوحدة والإنشقاق سنوات أربع حفلت بتغيرات مصيرية وضعت الحزب بمواجهة مع ذاته وحقيقته ، الحزب من حيث هو شكل من أشكال تحقيق وحدة الفكر والنهج ، ما بين طموحاته الفكرية وامكانيات واقعه الذي طالما تنكر له تحت شعار “النظام والشرعية” ، مقولتا الحزب السلطوية واللتان كانتا السبب المباشر لتخلفه في تحقيق ما يطمح اليه ، أو بالأحرى دماره من حيث هو شكل لا يليق بعقيدة أكدت صحتها الأحداث الجارية ، بل ووضعت مختلف التيارات الفكرية الأخرى في مأزق التنكر لما دعت اليه و الاعتراف بصوابية الفكر السوري القومي الاجتماعي في قراءة مستقبل المنطقة منذ النصف الأول من القرن الماضي ، إن على الصعيد القومي أو على الصعيد الاجتماعي ..
الوحدة التي لم تكن لترضي القائمين عليها ، عبث بها عدم الرضى هذا ، فراحت قياداتها تعلل منافعها بما تخطط له ، كلٌ يحاول أن يثبت للآخر ثقته المبطنة بشكه به ،لقد فاجأت الأحداث تلك القيادات، فالاجتياح الاسرائلي وضع حداً لكل الصراعات الداخلية بوضعه الحزب أمام تحديات لم تكن لتخطر في بال تلك القيادات، وتصدت لها جموع القوميين الاجتماعيين ، من حبيب الشرتوني وحتى خالد علوان وسناء محديلي و… شهداءٌ ضاقت بهم قياداتهم ،العاملون بالخفاء من القوميين ،نبيل العلم ، محمد سليم ، الشدراوي.. على سبيل المثال وغيرهم، ممن كانوا ينفذون وحدة الفكر والنهج خارج المؤسسات الحزبية هم ووحدهم كانوا الحزب بما هو حزب عقيدة ” لا تخاف الحرب بل تخشى الفشل” بانتصارها الذي أبهر العالم ووضع مخاوفه موضع التنفيذ ..
مابين 1981 و1984 كانت حقيقة القوميين هي الفاعلة، بينما قياداتهم كانت غارقة في مخططاتها الكيدية بعضها ضد بعض ، لن ننكر في هذا المجال أن ما جرى من عمليات بطولية كان لدمشق به اليد الطولى ، لكننا يجب أن لا ننسى أن ما عُرف عن القوميين الاجتماعيين كان الدافع لها، ولاعتماد الحزب أداة تنفيذ لمواجهة العدوان الاسرائيلي، لم تعتمد دمشق على أيٍ من الأحزاب الأخرى ، وتحديدا على حزب البعث العربي الاشتراكي ،في محاولة صائبة لإبعاد أية تهمة لها في اغتيال بشير الجميل أو تلك العمليات الاستشهادية ، الحزب السوري القومي الاجتماعي المعروف بضلوعه بجملة من الاغتيالات السياسية يكفي لتبرئة دمشق من مخططاتها ، هنا تبدو المصلحة مركبة فكما لدمشق مصلحة في التخلص من بشير الجميل مثلا ، كان أيضا للحزب ذات المصلحة في الانتقام لسعادة من أدوات حادثة الجميزة والاقتصاص من جميع المتعاونين مع العدو اليهودي،الدعم الشامي للحزب في حربه ضد العملاء والمتصهينين ويهود الداخل ، كان يصب في مصلحة الطرفين معا ، القيادات لم تكن في مستوى المهام الجسام التي أُلقيت على كاهل القوميين الاجتماعيين ، الاجتياح الاسرائيلي أفرغ الساحة من قياداتها التي سارعت للهروب بشتى الطرق ، القوميون الاجتماعيون تصدوا له في ساحات القتال وسقط منهم الشهداء وأسر من أسر ، الهروب الكبير من مخيمات الاعتقال كان بقيادة قوميين اجتماعيين” سمير خفاجة “ أفرز الاجتياح قيادات ميدانية ، لم تكن معروفة في مجملها أسقطتها قياداتها بالتهميش والنسيان ، كانت عبئا على مخططاتها ، اغتيال بشير الجميل كان نصرا مزدوجا للحزب والشام ، المؤتمر القومي الاجتماعي العام الذي عقد في 1984 في ضهور الشوير كان علامة فارقة ، كان تحديا ، وحضور نبيل العلم كان التحدي الأكبر ..
هنا لا بدَّ لي من سرد بعضا من تاريخي الشخصي ،كنتُ مقاطعاً لمختلف النشاطات الحزبية في ذلك التاريخ احتجاجا على مجريات جملة من الأمور السياسية والفكرية والتنظيمية التي تجاهلت كثيرا من الحقائق التي ظهرت بين أعوام 1979و1984 ، المفاجأة كانت عندما طالبني الأمين نبيل العلم بوضع دراسة لتقديمها لذاك المؤتمر تحت عنوان “ الحزب دستورا وتاريخا “ وتلبية لطلبه عكفت على كتابة ما طلبه ، استغرقت كتابة تلك الدراسة الموثقة أشهرا قبل انعقاد المؤتمر ، وعندما انتهيت منها أرسلتها اليه وتقدم بها للجنة دراسية خاصة بذاك المؤتمر ، في قرائتي لما خلصت اليه تلك اللجنة ، وجدت أنها ـ الخلاصة ـ لم تكن تمت لما كتبته بصلة ، كانت من عالم آخر ، فقررتُ مقاطعت المؤتمر ، قبل الجلسة الافتتاحية ب 12 ساعة ، كانت سيارة الأمين نبيل العلم تقف أمام منزلي في دمشق لتقلني الى ضهور الشوير ،وكان بداخلها الرفيق سايد نكت الأمين لاحقا ،ناقلا لي تشديد الأمين نبيل العلم على ضرورة حضوري المؤتمر، لست أدري ما كان الدافع ، لكنني لبيتُ طلبه ، وفور وصولي نقل لي ما قاله الأمين عبدالله قبرصي بعد قراءته لما كتبته قوله” لم أقرأ تاريخا لهذا الحزب بهذا العمق ، إنها أفضل ما قرأت ..” في نهاية المؤتمر ، طالبت الأمين مروان فارس بأن يتولى رئاسة المجلس الأعلى ، فلبى طلبي مشكورا ، وحذرته من مخاوفي من انتخاب عصام المحايري رئيسا للحزب، فطمأنني لذلك ، بأن كل الأمور تحت السيطرة ، في واقع الحال لم تكن الأمور على ما تعهده فارس ، ليستقيل بعد فترة من رئاسة المجلس الأعلى ، ..
المهزلة الكبرى في ذاك المؤتمر هو سرقة مختلف وثائقه ، كانت تلك الوثائق بحوزة عميد الاذاعة على ما أذكر حافظ صايغ ،تركها في سيارته ، ليصحو صباحا ويُعلم قيادته بسرقتها من السيارة ، لم تجرِ محاكمته، استمر في منصبه وتمَّ تجاهل القضية وسارت الأمور على بركة الله …ما مصير تلك الوثائق ، ومن كانت له مصلحة في ذلك ومن كان على علم بمكانها ، كل تلك الأسئلة وغيرها الكثير ، لم يطرحها أحد أو انها بقيت دون اجابات لأنها لم تُطرح بالأساس ، تحت شعار “ لتفعل اداراتكم العليا ما تراه مناسبا في أمور السياسة والدبلوماسية .. “ المسحوبة على نظام الأشكال التي تحقق الفكر والنهج .. ، ما بني على سرقة تلك الوثائق حمل أثاره على مستقبل الحزب ، وعليها ـ على ما أعتقد ـ تمَّ فرز القوميين الاجتماعيين بين مؤيدٍ لهذا الاتجاه ومعارض لذاك،لا أملك المعلومة التي تمكنني من اتهام جهة من الجهات في ما جرى ، لكنها مكنت الجهة المستفيدة من الحزب ، وسخرته لخدمتها، وخططت لمستقبله ، شذرات من تلك السنوات الأربع تكفي لبيان مدى اهمال القيادات لمهامها ، تحت عناوين كثيرة…
كانت مسيرة “النظام والشرعية”، وفي ظلهما غابت المعلومة عن قيادات الحزب ، كانت منظمة التحرير قد بدأت التمهيد لمفاوضات مباشرة مع الكيان اليهودي ، أسلو كانت قد بدأت بالسر ، كانت ردة الفعل الشامي مباشرة وسياستها واضحة ، اذا كان لا بدَّ من التفاوض ، فدعونا نفاوض ككتلة واحدة ، وإلاّ، فنحن مقبلون على ما قاله المثل “ أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض “وهذا ما تمَّ بالفعل ، حتى تاريخه لم تتمكن منظمة التحرير من تحقيق أي تقدم ، الأردن في وادي عربة بات دولة فلسطين المقبلة، عندما سُئل السادات عن اتفاقية كامب ديفيد قال “ كانت مُذلَّة “ ، في ما تلا خروج منظمة التحرير من بيروت وتصدي دمشق لبقاياها في الشمال اللبناني ، كانت قيادات الحزب تفتقر لكل ما تقدم ، في ما بعد ـ في ظل غياب المعلومة ـ كان الانشقاق والإقتتال القومي الاجتماعي بين مؤيد لمنظمة التحرير وآخرمؤيد لدمشق ، ليس من منطلق مصلحة الحزب والعقيدة والأهداف المرجوة منهما بقدر ما كانت منافع شخصية بحتة في التخلص من كل المعارضين لهذا الاتجاه أوذاك،اغتيال محمد سليم وضع حداً لمختلف الصراعات الداخلية ، ما تبعه كان محصلة له، بعيد انتهاء مؤتمر ضهور الشوير، انتخب المحايري رئسا للحزب، دون الأخذ بعين الاعتبار أنه كان وراء مختلف الأحداث الداخلية في الحزب بدئا من انتخابات 1954 مرورا بأحداث 1974 وانتهاءً بأحداث 1985، كان انتخابه تمهيدا لما جرى بعده ، كان القيادة الظليلة لأسعد حردان ،افلاس منظمة التحرير في الساحة اللبنانية دفع الكثيرين من مؤيدي انعام رعد للّجوء لقيادة أسعد حردان ، قضية اغتيال محمد سليم ورفاقه من كلا المتنازعين ، انتهت دون أية قرارات حزبية ، بقيت دماؤهم في جيوب الباحثين عن منصبٍ ومال ، .. دماء القوميين واقتتالهم لم يكن ذا معنى في مفهوم مَنْ واكب تلك الدماء وقد يكون قد دفع بها لما انتهت اليه ..
الشرعية قتلت محمد سيلم ورفاقه، استظلَّ بغازي كنعان وتستر بعصام المحايري و” أمر “ باعتقال محمد سليم ، بروتس كان حاضر ليشدَّ من أزر يهوذا ، في لقاء ضمَّ عميد الدفاع محمد سليم وغازي كنعان طالب الأخيربضرورة وضعه بمجريات / التوقيت والمكان والمنفذ .. / للعمليات الاستشهادية التي يقودها العميد ضد العدو الاسرائيلي،رفض العميد الطلب ، فالعاملون على تنظيمها مستهدفون قبل غيرهم ، والاستشهاديون مكتومي القيد، والمتعاملون مع العدو بين ظهرانينا وهم كُثر ، اهتز عرش كنعان في لبنان ، بروتس حردان، كان الأداة لقبلة يهوذا حردان ، الجريمة التي ارتكبت واضحة المعالم ، لا أحد ينكر أن اسعد حردان قتل محمد سليم ، كافة الأدلة موثقة ( راجع مجلة الشراع تاريخ 28 شياط 1986 )، المحكمة الحزبية أقرَّت بها، والسلطة التنفيذية ممثلة بعصام المحايري تمنعت عن التنفيذ تحت ذرائع شتى، تستر منافعها وشخصانيتها وأنانيتها وماديتها وإجرامها ، المناقبية الفومية الاجتماعية لم تَحُلْ دون هرولة المستفيدين والخائفين على منافعهم الى القاتل ضمانا لأمنهم وسلامتهم، فقد تطالهم يد الإجرام ، تمسحوا بالشرعية واستظلوا المحايري القابع في دمشق ،سقط الشكل وأعلن حهارا نهارا، أنه ليس في مستوى العقيدة التي أوجدته أداة لها ، لم يعد للنظام والمتشدقون به أي معنى ، والشرعية ، باتت العاهرة التي تحاضر بالعفاف ، وبات جليّاً ، “ أن مصيبتنا في الذين نضجوا منا ، أنهم نضجوا حتى اهتروا “ فتساقطوا تساقط أوراق الخريف ،…
في آخر لقاء ضمني وقيادات حزبية ، وفي زيارة عادية لمركز الحزب ، وكنت بانتظار الأمين نبيل العلم للتشاور بأمور عدة ، فاجأني محمود عبد الخالق بطلبه حضور لقاء ضمّ كل من محمد سليم نبيل العلم مروان فارس محمود عبد الخالق في غرفة الرئاسة ، فوجئت بوجود عصام المحايري رئيسا للحزب ، قال محمود عبد الخالق “جاء الأمين جورج لتهنئتكم بثقة القوميين “ قلتُ مباشرة” لم أكن على علم بوجود الرئيس “ أجاب الرئيس “ منيح يلي شفناك في المركز “أجبت “ لكننا سويا في دمشق ,لو كان هناك رغبة لدى رئاسة الحزب بلقائي لكان اللقاء قد تم في دمشق منذ أشهر ، على كل حال وكما قال الأمين محمود أهنئكم بثقة اعضاء المجلس الأعلى بكم رئيسا “ضحك كل من نبيل العلم ومحمد سليم وامتعض المحايري وخرجت ..

6 ـ ما بعد الاغتيال وصعود أئمة الحزب بعمائمهم
تميزت هذه المرحلة من تاريخ الحزب بـــ :
1 ـ هجرة الكوادر الحزبية
2 ـ تفشي الأمية العقائدية
3 ـ طغيان السياسي على العقائدي ( القرار السياسي المستقل ـ الشكل على حساب الفكر والنهج )
4 ــ تشرزم الحزب الى مراكز ومعارضات لايتفق بعضها مع بعض .
1 ـ هجرة الكوادر الحزبية
بمقتل محمد سليم أعلن الشكل انفصام العُرى بينه وبين الفكر والنهج ،وأعلن جهارا نهرا أنه لم يعد حزباعقائديا له أهدافه ومنطلقاته الفكرية في الاجتماع والسياسة ووسائلهما المتميزة بوحدة مفاهيم قومية اجتماعية ومناقبية كانت وما تزال مثالاً يحتذى لدى مختلف فئات وطبقات الشعب السوري ،مما أدى بطبيعة الحال لهجرة الكوادر الحزبية المعوَّلِ عليها انقاذ الحزب مما آل اليه ، الأسماء كثيرة وقد يفوق عددها بكثير مجموع الأعضاء المسجلين رسميّاً في مختلف التسميات “ مركز ـ أمانة عامة ـ انتفاضة ..“ هذه الكوادر فقدت قدرتها على تحقيق ما آمنت به ، بسبب أن الحزب عبر تاريخه لم يسعَ لتحصينها والاعتراف بها ، بحيث بقيت منفردة في مختلف طروحاتها الفكرية والتنظيمية ، أكثر من ذلك، أنها حُوربت من مختلف القيادات الحزبية تحت شعار “ النظام “ والمقولة التي قسمت ظهر الحزب ودقت المسمارالأخير في نعشه “ ابداء الراي في الاجتماعات الرسمية وحين يُباح له الكلام.. “ مما ساهم مساهمة فعلية في إقصائها وتهميشها وصبِّ جام غضب النظام عليها إن هي خرجت بطروحاتٍ تتعارض أو تخالف تفرد القيادات الحزبية في قراراتها الحزبية داخليا وخارجيا ،عقائديا وسياسيا ، لتخلو الساحة الحزبية منها ولتبقى رهن قيادات لا تملك من قيادتها سوى “ الشرعية المؤيدة بالنظام الفردي المركزي التسلسلي “ المقولتان الأكثر انتشارا في الأوساط الحزبية والمبرر الوحيد للإلتزام الشكلي الفارغ المضمون والإقصاء والإنزواء تحت ذرائع شتى تجد مبرراتها في حال الحزب المتردي من سئ لأسوأ..
“ خرِّجون أم خوارج “ عنوان مقال نشرته إحدى المجلات اللبنانية أبان المحاكمات التي خضع لها أعضاء الحزب إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة عام ـ 1960 ـ1961 ، وفيه تحدثت عمن هجروا الحزب خلال الفترة الممتدة بين 1932 ـ 1961 ، مفاده أن كل من خرج على الحزب كان يحظى بشهرة واسعة وقبول لدى مختلف فئات الشعب حتى رضى الدولة التي كانت تسعى لاستعابه في مختلف مؤسساتها لما كان يكتنهه من إمكانيات فكرية جوهرها دينامكية الفكر السوري القومي الاجتماعي ومناقبيته المميزة ، بعضٌ من تلك الشخصيات التي تناولها ذاك المقال ـ ولم أعد اذكرها جميعها ـ جورج حكيم عُيّن وزرا للمالية اللبنانية فور خروجه من الحزب ،غسان تويني مات وهو لا يعرف أنه مازال عضواً في الحزب أم هو مفصول أو مطرود ،نقيب الصحافة اللبنانية محمد البعلبكي ، لتسع دورات متتالية يُنتخب نقيبا للصحافة اللبنانية مصطفى سعد ، والذي شغل منصب منفذ عام صيدا ، بمجرد خروجه من الحزب ، تمَّ استيعابه ناصريا عروبياً ،هشام الشرابي ،خليل حاوي ،، سنية صالح، ، وأورخان ميسّر، في ما بعد ، أدونيس ، محمد الماغوط ، دريد لحام ، رفيق سبيعي .. وغيرهم كُثر لم يعد لهم من الذاكرة مكان .. اليوم ، نصري الصايغ ، سركيس أبوزيد ، هنري حاماتي ، غسان مطر ، كمال ذبيان ، طه غدار ، وغيرهم كثيرون ..
خريجون أم خوارج ، في تقيمي الشخصي ، هؤلاء جميعا خريجون على الخوارج ، مهما قيل غير ذلك ، الحزب في حاله الراهنة ، تخلى عن شهدائه ورجالاته الكبار ، أن تصمت قياداته عن استمرارية محاكمة حبيب الشرتوني ، عار يلفها جميعا ، أن لا تنعي قياداته بطلاً غيَّر وجه المنطقة ، نبيل العلم ، عار يميز تاريخ هذه القيادات ،أن تبجِّلَ موتاها بحضورٍ إعلامي وتتخذ منهم موضوعاً إعلاميا ، هذا منتهى السخافة التي انتهى اليها الحزب …
2 ـ تفشي الأمية العقائدية
ما تقدم ساهم مساهمة فعلية في انتشار الأمية في الحزب وبات الانتماء أكثر شخصانية ، فانحاز البعض للمبررات التي أطلقها مثقفوا الحزب في ما يتعلق بالشرعية والنظام بينما انحاز الآخرون للشرعية المتمثلة بالمركزية والنظام المبرر الوحيد للنفعية والانتهازية والوصولية فتسلق الكثيرون سلم المسؤوليات الحزبية دون أن تؤلهم إمكاناتهم الفكرية والشخصية لتبوئها ، ف”الآمانة” كرتبة باتت صوتاً انتخابياً يرضي مَنْ غرَّهُ المنصب وما يجنيه على الصعيد المادي تحديدا ، والظهور الاعلامي للحزب ـ على نسق “للإتجاه المعاكس “ ـ بات حاجة لكل من اعتقد أن ظهوره اعتراف بإمكانات هو يجهلها بذاته ، وأضحى الظهور على شاشات التلفزة غاية لكل من راوده حب الظهور ، المتحازبون في الحزب الواحد باتوا يتشدقون بما لا يفقهون ، أذكر وفي مقابلة لإذاعة شام أف أم ، مع أحد مسؤولي الحزب حار في الاجابة على سؤال المذيعة : كيف ستوَفِقون بين مركزية الحزب وقانون الأحزاب في سورية ؟ تهرب من السؤال رغم إصرار المذيعة على الاجابة فكررت السؤال لمرات عدة دون أن تحظى بإجابة على سؤالها ، كدتُ أشعر بالغثيان وأنا أستمع لهذا اللقاء وشعرت بالخجل من المذيعة والمستمعين من الدرك الذي وصل إليه الجزب بمسؤليه و للضحالة الثقافية التي بلغها مسؤولوا الحزب ، يعتقد الكثيرون أن رفع الحظرالاعلامي عن الحزب دليل انتشاره الواسع لدى العامة من الشعب السوري في مختلف كياناته ، والحقيقة التي أستشفها، شخصيا، من ذلك هي أن الأحداث الجارية في المنطقة والتي كانت الفرصة النادرة للحزب للتجذر في الشعب ، ضاعت في هذا الاعتقاد والضجيج الذي لم يعد بقادر على كبح جماحه كل منضاق صدره بمثل هذه اللقاءات ، هنا أعتقد ان الحزب غدى مجرد أداة إعلامية ارتهنت لما تفرضه مجريات الأحداث وأضحى حزبا سياسيا بكل معنى الكلمة ، فعندما يتحدث أحد رؤساء الحزب عن “ الأمة العربية “ لم يعد هناك مجالاً للحديث عن الأمة السورية ، في المقابلات العديدة التي تختار محطات التلفزة موضوعها ومحاوريها ، لا يتم تناول الحزب من حيث هو حزب نهضوي ، عقائدي ، مناقبي ، بقدر تناوله كأداة ترويج لهذا الاتجاه دون ذاك ، في حوارية لقناة الجزيرة حول اعدام سعادة كان المتحاورون كُثُر ، لم يكن المسؤول الحزبي بمستوى التساؤلات المطروحة ، كانت إجاباته مقتضبة لا تمت للحدث المحوري بتاريخ الحزب يصلة ، بينما الآخرون على وعي تام بما هم واغلون به من إظهار الحزب كمنفذ لجريمة سياسية ..
3 ـ طغيان السياسي على العقائدي
والنتيجة الحتمية لكل ما تقدم تبقى في تحول الحزب من العقدي الى السياسي فبدلا من إسقاط العقدي على السياسي بات الأخير هو المُسْقَطُ على الأول ، وتناساه الجميع ، بات الحديث في السياسة هو المحور الرئيس ، في معادلة السياسي والعقدي ، يبقى السؤال كيف ترى العقيدة القومية الاجتماعية ما يجري من أحداث وليس في منعكسات السياسي على العقدي ،كلاهما مهم لكن فن بلوغ الأغراض القومية يبقى في تعين هذه الأغراض أولاً والتي في ضوئها تُحَدَدُ الوسائل والسبل والكيفيات لبلوغ الأهداف ، للسياسي امكاناته وللعقدي توجهاته والفرق بيّن بين هذا وذاك لمن يتقن فن إدارة الحدث ، والمعلومة هنا هي المحور النووي الذي يصب في مجرى العقدي لينهل منه السياسي .. أي خلل في هذه المعادلة يصب في مجرى تحول الحزب لمجرد مليشيا مرتهنة لقرار دمشق السياسي ،مما يعني أن المواقف ـ كائنة ما كانت ـ هي لإرضاء دمشق على حساب العقيدة، .
ما تقدم يعني أنه إذا كانت الأحداث ومجرياتها تُرى عقائدياً على خلاف ما تراه دمشق ، فإن مسايرة دمشق في رؤيتها تآمر عليها من وجهة نظر العقدي ، وإذا كانت دمشق تملك المعلومة التي تبرر بها موقفها ، فعليها تقع مسؤلية وضع الحزب في مجريات معلوماتها ، ضماناً لوحدة الموقف في مواجهة التحدي ، أمّا أن يتحول الحزب لبوق لها فهذا في منتهى الابتذال للحزب من جهة ودليل منعكسات تشظي الحزب على موقف دمشق منه ، فمما لاشك فيه أن دمشق تحترم العقدي في الحزب ولا تثق بالسياسي فيه ، لكنها ووفق ما تراه لا بدَّ من احتوائه لما تفرضه مجريات التآمر عليها ، فدمشق ، ما تزال تمسك بالقرار السياسي ومن منطلق وطني وقومي بتيني مبدأ “ المقاومة والممانعة “ الذي يحظى بتأيدٍ واسع النطاق لدى مختلف التيارات المناهضة لسياسة الغرب الأمريكي الممالئ ل(إسرائيل) وتلك السياسية الرافضة منطق الكيانات الدينية التي تبرر وجود كيان تيوقراطي بامتياز في الجنوب السوري وعلى مستوى العالم العربي، وما تزال دمشق قبلة كافة المناضلين في العالم الرافضين للهيمنة الأمريكية والغربية ومصالحهما التي لا ترى سوى مصلحة شعوبها القائمة على سرقة خيرات الشعوب الأخرى وهدردمائها تحت شعارات زائفة من الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان والشرعية الدولية و.. ،وعلى الرغم مما يشوب هذا الموقف ، لدى البعض ، من عيوب ، فإنه من وجهة نظري ، يبقى خشبة الخلاص مما يشوب مجتمعاتنا من شوائب مصلحية ،نفعية ، انتهازية ، وصولية ، .. تنال منه ـ النظام ـ قبل غيره ،بغية إفارغه من مضمونه الوطني والقومي وحتى العربي ، وهو بطبيعة الحال بعض مفرزات الحالة الراهنة الاجتماعية ـ الإقتصادية ـ السياسية التي تحكم المنطقة ، والتي من الصعوبة بمكان الخروج منها في ظل ما نعانيه من محاولات الهيمنة وإغراق المنطقة بما تعانيه، بل وتعمل على ترسيخه وتأكيدٍ على مفرازاته ..
وبناءً عليه ، فإن النهج الذي ينتهجه الشكل ، سياسيا ، يبقى غطاءً مكشوفا لدى القوميين الاجتماعيين جميعا، غطاءً للنفعية والانتهازية والوصولية و..،التي تحكم زمام الأمور الداخلية ، والتي تؤكد تحوله لمجرد مجموعة فطرية تنمو على تاريخ حزبٍ سطرته دماء وآلام الكثيرين منهم، فقراً وتشردا وخيبة أمل ،بالطبع ، ليس ما تقدم بخافٍ على دمشق، كما أسلفنا ، من هنا نرى أنها تتعامل معه بحذرٍ شديد ، دون انتفاء رغبتها في أن يكون كما تعهدته عقيدته ونهجه المناقبي ..
وعليه أيضاً ، يبقى الشكل الراهن ، مجرد مجموعة من شبيحة الحرب ـ دون تعميم ـ التي تشنها الامبرالية العالمية على سورية ، والمشكلة أن البعض يغتني على حساب ضحايا ( شهداء) هذه الحرب القذرة ، مما يعني بطبيعة الحال ، أن الشكل الذي يدعي تمثيله لـ “ شرعية “ تاريخيه ، ما هو إلاَّ مجموعة مرتزقة ، تعبث في مستقبل هذا الجيل وأجيالٍ لم تولد بعد ، بل وتعمل على تشويه المناقبية القومية الاجتماعية ، مما يصب بطبيعة الحال أيضا ، في استهدافات الامبرالية المتآمرة على هذه الأمة ، فهو بطريقة أو بأخرى جزءٌ من هذه الحرب القذرة ..بينما يأتي العقدي هنا متبنيا للصراحة والوضوح والجراءة في التعامل مع دمشق من منطلق وحدة الموقف المواجه للتآمر الامبريالي على كلا الطرفين وعلى مبدأ “ إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية “ وأن الموقف المتلازم مصيريا مع دمشق يقتضي من كلا الطرفين وضوحا في المنطلق والإسلوب والغاية ، ..
في منهج وصفي ـ معياري ،يطرح قضايا حزبية داخلية أهمها استقلالية القرار الحزبي ، وفي البحث عن إجابة موضوعية للسؤال المتقدم ، يمكننا السؤال عن كيفية تبوء قاتل سدة الرئاسة في “حزب” يدعي المناقبية !!؟ بل وكيف يحظى هذا القاتل بتأيد قيادات تاريخية ( عصام المحايري ـ محمود عبد الخالق، مروان فارس ، نذير العظمة ، مسعد حجل ، …. ) وغيرهم ممن يدَّعون أنهم على سوية فكرية تؤهلهم قيادة الحزب !!؟وكذلك تأيد دمشق ، فعلى دمشق أن تدرك جيداً أن تبني مثل هذا النهج ينتفي فيه ما تتوق إليه في رؤية الحزب واحدا موحدا ينشط بفعالية على ساحة الوطن السوري ، بما يتوافق مع سياستها الرافضة للهيمنة على قرارها السياسي وتميع موقفها المبدئي في المقاومة والممانعة .. هكذا يبدو العقدي مُسْقَطاً على السياسي .
إن السؤال الذي يبرر ما تقدم والأكثر إثارة لما ندعيه هو: من أين لك هذا ؟
فالفساد يبقى فساداً مهما صاغت مبرراته الظروف أو الضرورات ، ومحاربة الفساد تبقى عبئاً على كل من تنكب مهام المواجهة مع الإمبرالية المتمثلة بالصهيونية العالمية ،اذ لا يمكن مواجهة الفساد هنا وتركه هناك يترعرع هناك وبين ظهرانينا ، التناقض في هكذا نهج يؤدي الى نتيجة مفادها : أنه مهما ادعينا الإصرار على الانتصار في معرتنا المصيرية التي تقودها دمشق ، فإن النتيجة تبقى قبض من الريح ، هذا ما على دمشق أن تعيه جيدا في معركتها المصيرية التي تخوض.. ،
هنا تسقط ورقة التين أو التوت التي تستر عوارات كل من تعاون مع هذا القاتل ، دون تبريرٍ لمن استسلموا تحت ذرائع فقدان الحيلة في المواجهة ، هذا الواقع الذي أنهى حزبا كانت عقيدته تساوي وجودهم ؟وإن كنتُ لا أبرئ نفسي مما أتهم به الآخرين ، فإن السجن الذي نال مني بعد مقتل محمد سليم بشهرواحد وبوساطة من المحايري نفسه ، و” قرار “ تجريدي من رتبة الامانة وطردي من الحزب وسيل الشائعات التي بررت سجني لسنوات عشر في أقسى ظروف الاعتقال التعسفي ، تكفي لبيان كيفية تعامل قيادات الحزب مع معارضيها ،على الرغم من تأكيدها على الديموقراطية التعبيرية التي ينتهجها الحزب في معالجة ومواجهة مشاكله الداخلية والخارجية معا ً .
ـ المهزلة التي صدمتني بعد خروجي من السجن وفي مقابلة مع لبيب ناصيف ، وكان يشغل منصب عميد الداخلية ، حيث طالبته بضرورة اطّلاعي على قرار التجريد والطرد والمبررات التي طرحت لمثل هكذا قرار ، أجابني أنه لا يوجد قرار . وأن ما أتخذ من قرارات جميعها ضاعت في زحمة التطورات التي عصفت بالحزب يعد 1985 ، وكان قد تناهى لمسامعي أن ما أتُخذ، كان قرارا شكلياً مؤرخا قبل اعتقالي بعام واحد ، تبرئة للحزب مما قد يسوقه الأمن الشامي من اتهامات للحزب تبنى على واقعة اعتقالي ، بعد خروجي من السجن ، قاد محمود عبد الخالق حملة تهديد لكل من يتعاون معي باتهامه بالتعاون معي في ما لا يصب بمصلحة الكيان الشامي ، هذه الحقائق أسردها لبيان مدى انتهازية القيادات الحزبية وضعفها واستهتارها بمصالح وحياة القوميين الاجتماعيين ..
ليست الحال الآنفة الذكر ، هي حال القوميين الاجتماعيين ، على وجه العموم ، لكنها أيضاً حال سوريين وغير سوريين وجدوا في الحزب خشبة خلاص وراعهم حاله الراهن ، سوف أكتفي بنشرها على // هامش السيرة// ، دون ذكر أسماء كتابها ، ليدرك من يتابع هذه الدراسة الموجزة لتاريخ الحزب كيف أضاعت انتهازية قيادات الحزب السابقة واللاحقة ، وعلى مدى ربع قرن ، الفرصة النادرة ، والتي قد تكون الأخيرة ، للحزب لأخذ دوره الحقيقي في تقرير مصير الأمة التي نذر نفسه لقيامها ..
4 ـ تشرزم الحزب الى مراكز ومعارضات لايتفق بعضها مع بعض .
في رؤية موضوعية لما انتهى اليه الحزب ، يمكننا أن نقول أن شطريه في “ الانتفاضة “ والأمانة العامة “ لا يعانيان ما يعانيه الشطر الثالث المسمى بــ “ المركز” حيث نجد أن أعضاءه ينضوون تحت مسميات عدة كلها على خلاف مع “ المركز” حول جملة من القضايا الداخلية المتعلقة بالوضع الداخلي المحكوم بما سبق ذكره إضافة لإمكاناته المادية التي يتلقاها من دمشق وبحيازته على مصادر الحزب المادية الأخرى ، المسميات كثيرة في الوطن وعبر الحدود والجميع يعرفها وقد اطلع على ما تستهدفه من انخراطها تحت مسمياتها ، الحزب بمسمياته الثلاث ، مضافا اليه المسميات الأخرى ، لا تختلف بعضها عن بعض في العقيدة ـ فكرا ونهجا ـ أو الموقف السياسي ، وإن كان الأخير يتذبذب بين نسب مختلفة تتراوح بين الانقياد الأعمى لدمشق والتعاون معها دون التخلي عن قرار الحزب المستقل خاصة في ما يتعلق بتبنيها لأسعد حردان كداعية ضامن لاستمرارية الحزب في موقفه من الأحداث الجارية على الساحة الشامية وضرورة تضامن مختلف القوى في حربها ضد ما تتعرض له دمشق من هجوم عالمي يكاد الارهاب يطغى على حقيقة ما أدى اليه..
أبرز ما يمكن له أن يمثل الوضع الراهن للحزب ، هو موقف القوميين الاجتماعيين جميعا من واقعه المتشظي وضرورة وحدته والعودة لسعادة أو وفق تعبير أحد القوميين الاجتماعيين “اللحاق به “ لأننا تخلفنا عنه كثيراً ، وضرورة ايجاد مؤسسات تحمي العقيدة من تعديات الجهلة عليها وإعادة النظر بالدستور المسحوب على قيادات الحزب منذ فترة التأسيس وحتى تاريخه وضرورة إسقاط الفكر السوري القومي الاجتماعي على واقع الأمة بما يحقق رؤية جديدة لصيرورة الحزب والأمة على حدٍ سواءوضرورة ايجاد السبل الكفيلة بعودة الحزب لممارسة نشاطاته المجتمعية وضمان عودة مؤسساته لمهامها الجوهرية من حيث هي بوتقة صهر وبلورة وصقل بما يحول دونها ودون الانتهازية والوصولية والنفعية من تسلق سدتها .. كثيرة هي الرؤى التي أوجبها واقع الحزب المتردي بتشظياته والتي تدور بمختلف رؤاها حول كيفية نهوض الحزب وخلاصه من محنته التي أودت به ، والمشكلة التي يواجهها مجموع القوميين الاجتماعيين بمختلف طروحاتهم هي تعنت قياداتهم في مواقفها ، كلٌ منها يدعي الشرعية التاريخية لمؤسساته ويقرُّ بضرورة الوحدة لكن بشروطه الخاصة التي تضمن استمراريته بالتحكم بمقدرات من تبقى من القوميين الاجتماعيين القادرين على النهوض بالحزب وحفاظه على الغوغائية التي يستمدُّ منها شرعيته ، متناقضتان لا تجتمعان بالمطلق ، المشكلة الراهنة للحزب تكمن إذن في قياداته والتي تصمُّ آذانها عن سماع صوت القوميين الاجتماعيين بما يسمح لها الاستمرارية في ما هي ماضية اليه ، كما وأن المشكلة الأخرى التي لا تقلُّ خطورة عن الأولى هي أن هذا المجموع القومي الاجتماعي محكومٌ بنظامه الفردي المركزي التسلسلي الذي لا يتيح له التحرك إلا في نطاق “ إبداء الرأي في الاجتماعات الرسمية وحين يباح له الكلام ..” بمعنى أن الغوغائية التي تحكم المؤسسات تسمح لنفسها أن تستمع لهذا الصوت أو لا ، وهي إن استمعت اليه فهو غير مُلزم لها بأي معنى أُخِذَ به هذا الصوت، أيضا هنا نجد المتناقضتان اللتان لن تجتمعا في المطلق أيضا ،وهنا ، فقط ، تكمن محنة الحزب السوري القومي الاجتماعي، إذْ كيف يمكن التوفيق بين قيادات متعنتة في مواقفها من صلاحياتها وصوت غير مسموعٍ بالنسبة لها ؟!!!
انتهى

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/857491207735522/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/857466064404703/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/852534498231193/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/856927247791918/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/416841815133799/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/849307508553892/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/862475173903792/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/860254170792559/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/862377667246876/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/860265717458071/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/863295193821790/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/905950606222915/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/863472643804045/?type=3&theater

https://www.facebook.com/186235948194388/photos/a.297234813761167/912385452246097/?type=3&theater