هل الإيمان ب ” الغيب ” ضرورة

الإيمان ب “الغيب ” هل هو ضرورة ؟
(1)
مما لاشك فيه أن وعي الانسان لذاته وتاليا لمحيطه الطبيعي ،قد ابتدأ ب” الحلم ” الذي يبقى في المحصلة عملية فيزيولوجية ـ سيكولوجية تعمل على تنظيف العقل من مختلف الترسبات الكيميائية التي تبقى فيه نتيجة التفكير المتواصل للعقل الواعي والذي يتكفل بإزالتها على الدوام العقل الباطن..
و”الحلم” بحد ذاته يقود تلقائياً للتساؤل وهذا ما يدفع الانسان لمحاولة الإجابة على مختلف الأسئلة التي يمكن أن تُطرح تبعا لمستوى المعرفة التي يتمتع بها ، وعليه ، سوف تختلف الاجابة من مرحلة الى أخرى ، من زمن لآخر ، وهذا بدوره يقودنا للقول بأن الانسان ما فتئ يبحث عن اجابات لم تعد تتوافق والمستوى المعرفي الذي يمكن أن يكون قد وصل اليه ، وهذا أيضا ما يمكنه أن يفسر لنا السببية في الانتقال من الطوطمية مثلا الى الصنميّة ( الوثنيّة ) ثم الى الغيبية التي تم اشتقاق مصطلح (الله )مصطلحا للغيب مشتقاً من اٌلإه ( إيل )وهو إله وثني لدى السوريين القدماء، تبنته في بعد اليهودية (*) بداية محوِّرةً إياه الى ( الله ) ومن ثم المسيحية والمحمدية أخيرا ، وهذا ما يمكنه أن يفسر لنا أيضا خلو الديانات الأخرى من هذا المصطلح كالبوذية والهندوسية وسواهما من الديانات غير ( السماوية ) ..
كان لا بدَّ من هذه المقدمة المقتضبة لبيان سببية توق الانسان المستمر في البحث في” الغيب ” وتوقه للإيمان بوجود قوة خفية يمكن اللجوء اليها في حالة الشعور بالضعف إزاء أية وضعية يمكن لها أن تعترض مسيرة الانسان على المستويات كافة ..
وعلى ما يبدو أن الغالبية من البشر يتوقون لهذا الغيب في محاولة منهم للخروج من دائرة الفناء المادي( الحياتي ) الى الوجود ( الروحي ) بحيث يبدو “الغيب” لهم هو مصدر الاطمئنان والاستقرار النفسي تحديدا لنتائج ما يقومون به في مرحلة الوجود المادي( الحياتي ) على الرغم من تباين هذا التوق بين مجتمع وآخر لأسباب شتى ، لكنها في المحصلة ترتبط ارتباطاً مباشرا بالمستوى المعرفي والمعيشي ومدى تعقّد العلاقات الاجتماعية السائدة وتحديدا مستوى تسلط المؤسسات المرتبطة في هذا التوق ومحاولتها تقييد أية محاولة للخروج عن سلطتها بالحيلولة دون طرح تساؤلات قد تعجز عن الاجابة عليها نظراً للتقدم المعرفي الذي لم يعد مقتصرا على فئة دون أخرى من الفئات الاجتماعية ..
هكذا يبدو أن الايمان ب “الغيب” ضرورياً ،ولا مجال للإ نفلات من تبعاته مهما بلغ الانسان من المراتب المعرفية ، حتى من ينعتون أنفسهم ب( الملحدين ) تراهم في سرهم يميلون لوجود هذا “الغيب” حتى وإن لم يصرحوا بذلك وينكرونه علناً ..
فما هو مصدر هذا التوق ؟ وتالياً : هل الايمان ب “الغيب” ضرورياً ؟ على أية شاكلة وجد بها هذا ال ” غيب ” !!
في البدء ، علينا أن نُقرَّ بأننا أمام بحثٍ سيكولوجي بحت ، وأننا حيال ذلك ، غير مهتمين بأية ظاهرة مادية تنفي أو تؤكد ما نحن ذاهبون اليه !! وأن ما نقدمه ليس بأكثر من محاولة لفهم هذا التوق الانساني ـ المحير ـ من جهة وكونه شرطا لازما وكافيا للإستقرار والطمأنينة لدى شرائح واسعة من المجتمعات الانسانية ..
بدايةً ، نحن أمام حالة سيكولوجية ـ نفسية بحتة ، وهذا ما يدفعنا للبقاء في دائرتها لمعرفة أسرارها ، دوافعاً ووسائل وغايات , بعد أن نكون قد أحطنا بها مقومات وتحديدا ( مسلمات وبديهيات ) ، نحن ماضون اذن للبحث في ما يمكن الاتفاق عليه كمصلح ب ( الدائرة النفسية للإنسان ) والتي هي دون أدنى شك الأبعاد التي لا يمكن لأي كائن حي الخروج عن إطارها ونقصد ها هنا ، المكان والزمان ، بمختلف تجليّاتهما النفسية الانسانية …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ـ لاحظ التسميات التالية /إسماعيل ( اسماإيل ) ،مخائيل ( مخاإيل) ، عزرائيل (عزراإيل) ، … الخ
(2)

سوف نبدأ ، بمصطلحي ( البداية والنهاية ) باعتبارهما أولى ملاحظات الانسان عما كان يجري حوله ، فالبذرة تتحول لشجرة مع مرور الزمن والشجرة تتيبس مع الزمن وتنتهي من حيث هي كذلك ، الحيوان أيضا يولد ويكبر وينتهي ، كذلك مَنْ حوله من البشر يرى والدته ووالده صغيرا يمضي في الزمن حيث يكبر ومن ثمَّ ينتهي من حوله متحولا لتراب نتيجة للتفكك العضوي الذي كان يشكله في حياته ، كذلك الليل والنهار ، صيف وشتاء ..الخ ، هكذا وجد أن كل ما حوله هو متحول ، متبدل ، متغير ، متنقل ،في الزمان ـ غير المدرك منه في حينه ـ ، هناك بداية وهناك نهاية لكل ما هو حوله بكل ما يتركه هذا وذاك من أثرٍ في نفسيته التي كانت تتشكل رويدا رويدا عبر مشاهدات لا تخلو من استغراب وتاليا ما يتراكم من هذا الأخير في ذهنيته .. مما كان يؤدي بالضرورة لتساؤلٍ ، أيضا ـ غير مدركٍ منه ـ ويشكل بمقدار الضغط النفسي هاجسا ، لا يتمكن العقل الواعي من الاجابة عليه ، لكنَّ العقل الباطن قادرٌ على تفريغ هذا الضغط النفسي عبر “الحلم” الذي كان يعيد الموتى أحياءً يحدثونه ويحدثهم ، ليصحو بعد ذلك متسائلا أين هم ؟ وأين اختفوا ؟ وكيف كان يسمع أصواتهم ويرى حركاتهم !! وهم قد تحولوا لتراب أمامه وعلى مرأى منه .. تساؤلات لم تكن لتمرَّ عابرة دون إجابة على قدر ما هي مُلِحَّة وتتطلب ردَّ السؤال بالجواب ..
كانت البداية واضحة المعالم في صيرورتها لكنها لم تكن كذلك في ما بعد تلك الصيرورة ، فليس ” الموت ” نهاية بدليلِ حضور الموتى في “حلمه ” لكن بطبيعة الحال هو نهاية كائن، كائنة ما كانت صيرورته ، وعلى بساطة المستوى المعرفي كان الانسان يحاول أن يجد الاجابة على تساؤلاته كافة ، فإذا كان لكل بداية نهاية فما معنى تلك النهاية ولما لا تكون واضحة كما بدايتها ؟ تساؤل كان من الضروري الاجابة عليه عبر اجتهاد يتناسب والمعطيات المعرفية ،هكذا بدى (الغيب) للوهلة الأؤلى، والتي تبدو اليوم على خلاف مع ماضيٍ سحيق في القدم ، اذ ليست البداية والنهاية سوى مصطلحان يعودان( لميكانيكية) العقل في فهم المحسوس من معارفه ،هكذا تمَّ إسقاط هذان المصطلحان على الزمان والمكان ، لكننا في الواقع الأمر ، لا يُمكّننا هذا الإسقاط من فهم بداية ونهاية المكان والزمان ، فليس للزمن مثلا بداية كما ليس له نهاية ، كذلك المكان اذا ما حاولنا فهمه على حقيقته بعيدا عن تلك الأبعاد التي ـ تقتضي ميكانيكية العقل البشري ـ فهمه بها ،
فالمكان ذو الأبعاد الثلاث مضافا لها البعد الرابع ـ الزمن ـ لم تعد كذلك فهناك على الأقل أبعادا أخرى للمكان بحيث لا يمكن فهمها سوى رياضيا والتي كما هو متوقع أن تصل لستة عشر بعداً ، وهذه بدورها لا يمكن فهمها من حيث هي كذلك ، حيث يبدو فيها وفي ـ آنٍ واحد ـ الصاعد هابطاً والمتقدم متراجعا والمتجه يمنة هو متجه يسارا والملتف حول نفسه منبسطا و..(*)
يمكننا القول بناءً على ما تقدم أن البداية والنهاية مصطلحان لا وجود لهما في واقع الحال إلاَّ من حيث كونهما يفسران لنا ـ ميكانيكيا ـ ما يجري حولنا عبر حواسنا الخمس والتي تبقى مصدراً مهماً للمعرفة حتى يومنا هذا والتي سنعتمدها في رسم الدائرة النفسية للإنسان …
لكنهما في الوقت ذاته يقدمان لنا مفهوما جديدا قد يكون من الصعب فهمه على أية حال ، إذا ما كانا مفهومين لمقولتي الزمان والمكان ، حيث أن الزمان اللامتناهي ينتهي للمكان اللامتناهي أيضا ، وليس العكس ، وهكذا لم يعد مفهوما كيف تمَّ ( الخلق ) في ستة أيام ليستريح (الله ) في اليوم السابع فالكون الذي ندركه اليوم بالحواس لم يعد ـ حتى في حال القبول بنظرية الانفجار الكبير وتمدد الكون وتقلصه ـ بداية للكون بحدِّ ذاته ، حيث تتقلص المادة للمستوى الذي تكون فيه قابلة للإنفجار فهذا الكون إنما تولد من كونٍ آخر .. كذلك يكون هذا الكون ليس هو الكون الوحيد في هذا الفضاء اللامتناهي بل ـ ولا شك في ذلك ـ أن له أخوةً من أكوان لا يشكل فيها كوننا هذا على امتداده سوى مكانا أو حيِّزا مهملا من مجراتٍ لأكوان هي بدورها تشكل عناقيداً لمجراتِ أكوانٍ أخرى ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ـ هذا تبسيط لعلاقاتٍ رياضية شديدة التعقيد ، تشغل “المصفوفة” حيِّزا مهماً فيها .
( 3 )

في المحصلة يمكننا القول أنه اذا لم تكن هناك بداية حتى ولا نهاية ـ باعتبارهما مفهومان مستمدان من محيط بدائي للمعرفة ـ , مستندين لمفهومي المكان والزمان اللامتناهي ، فإن كل ما تمخضت عنه المعرفة الانسانية مرتبط ارتباطا مباشرا بمسألتي حواسه كمصدرٍ مهمٍ من مصادر معرفته وتاليا تكوينه النفسي ومن ثمَّ ميكانيكية ( آلية ) ترجمة العقل لما تمده به هذه المصادرُ من معلومات ما يحيط به، ومن ثَمَّ تجلياتها وفق / ميكانيكية / ترجمة العقل لهما ، أي البعد النفسي أو / الايمان / أو الاعتقاد وما شابه ذلك من مصطلحات ..
نحن إذن أمام اشكالية معنى ومفهومات معرفتنا اذا لم تكن حقيقية !!أو هي في الحدِّ الأدنى افتراضية !! أم هي في واقعها حقيقة لا مراء فيها!! ومن ثمَّ لا مجال لنقضها أو العودة عنها أو تطويرها أو استبدالها بأخرى، باتت هي وفق ما انتهى اليه العقل من كيفية ـ ، أو أساليب أو طرق أو امكانيات أو وسائلَ تطوير معرفته من حيث الدقة والرهافة والشفافية في المعلومة ـ أقرب الى واقع بات شبه معروف نسبيّا ، حيث لا مطلق ـ من أي نوع كان ـ في هذا الكون اللامتناهي الذي يحيط بنا ولا نعرف عنه سوى النذر اليسير …
ونحن أيضا أمام تكوينٍ نفسي جاء نتيجة لما تقدم ـ في الحدِّ الأدنى معرفيَّاً ـ وعليه فإن ما نحن عليه قابل ، دون أدنى شك ، للتغيُّرِ والتبدل والتحول بين الحين والآخر علـى نسبة معرفتنا لذواتنا بمعرفة ما يحيط بنا على مختلف تجليّاته التي تبدو أمامنا وكأنها ثابتة غير متحركة وعلى خلاف ما هي عليه في واقع الحال ..
إن بناء معرفتنا حتى اللحظة لا يُستمد مما تقدم ،وكمثال على ذلك ، ما زالت الشمس هي التي تقوم بفعل الشروق والغروب على الرغم من معرفتنا الأكيدة بأنها ثابتة لا تتحرك وأن الذي يقوم بالفعل هي الأرض ، هي ملاحظة بسيطة لما نحن عليه من خلاف مع معارفنا من أي نوع كانت ، كذلك فإن معرفتنا لذاتنا أو لما يحيط بنا ، تبقى مستندة مما مضى من معارف ، فالمكان ليس بأكثر من طول وعرض وارتفاع وما الزمن سوى بعد رابع لهذا المكان ، وفي هذه الدائرة الضيقة جدا من المعرفة الانسانية بنى الانسان تكوينه النفسي على أية حال ، والذي جاء تلبية لما تقدمه ـ المعرفة ـ من مفردات معلومية صيغت على أشكالٍ شتى من عادات وتقاليد وأديان وحتى أفكارا سياسية ومنظومات طبقية وغيرها من المفاهيم والمصطلحات التي يتم تداولها في المجتمع الواحد أو في المجتمع الانساني على العموم فدول الشمال تبقى ، مثلا هي الأغنى بينما يتآكل الجنوب فقرا مدقعا …
ما نحن بصدده ، قام على الأبعاد الثلاث للمكان ، فالطول والعرض والارتفاع جاء على نحو أخر في الزمان الماضي والحاضر والمستقبل بينما جاء البعد النفسي على شاكلة الهو والأنا والأنا العليا ، كذلك بيولوجيا ( حيويا ) وفزيولوجيا ( وظيفيا ) وسيكولوجيا ( نفسيا ) أيضا الأنا والأنت والنحن هكذا أيضا الآب والإبن والروح القدس وأيضا الديانات ( السماوية) اليهودية والمسيحية والإسلام و(أيضا وأيضا من الرب نطلب ) .. والأنبياء ثلاث موسى وعيسى ومحمد … والأعراق ثلاث الأبيض والأحمر والأسود ( لم يفطنوا في ذلك الحين للعرق الأصفر ) وأولاد آدم ثلاث سام وحام ويافث ، وهكذا دواليك …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الخلق من تراب لم يكن لدى الديانات الشرق أوسطية ، بل تعداها للخلق على الطريقة الهنود الحمر حيث الله هو النار الذي جبل جبلة من تراب ووضعها في قلبه ومن حبه لما يود خلقه نسيها في قلب ، لكنه تذكرها بعد فوات الأوان فأخرجها ، فاذا بها متفحمة فكانت العرق الأسود ، ولم نعجبه ، فأعاد الكرة مرة ثانية لكنه فيهذه المرة تذكرها مخافت أن تحترق فأخرجها فكانت العرق الأبيض ، ولم تعجبه أيضا ، فجبل ثالثة وراح يقلبها على مهل متأملا بها حتى راعه جمالها فأخرجها فإذا بها العرق الأحمر ، تذكرنا هذه الأسطورة بمقولة / أنتم شعب الله المختار / وبأخرى في المسيحية / أنتم ملح الأرض / وفي الإسلام / انتم خير أمة أخرجت للناس/ ..
( 4 )
هكذا يتجلى المكان في أبعاده الثلاث في ذهنية الانسان وفق الآلية التي لا يمكن للعقل ادراك ما حوله إلا من خلالها ، فهي في هذا المنحى افتراضية ، حيث أن المكان نفسه لا يتجلى للحيوان مثلا ً كما هو للإنسان ،فذاك يدرك المكان وفق آلية أخرى لا يمكن أن تتطابق وفق الآلية العقلية للإنسان ، وهذه مسألة مثبتة علميا ، نحن اذن أمام مكان افتراضي على الأقل لكنه مدرك لنا وفق ذلك ،بحيث لا يمكن اعتباره كذلك (افتراضياً ) طالما أننا ندركه بواسطة الحواس الخمس ، فهو مكان لا التباس فيه بالنسبة لنا ، إلا اذا اكتسبنا حواسا أكثر بحيث يمكننا فهم المكان هذا بطريقة أخرى ، فلو أنه كان لدينا حواسا تصل للعشرة مثلا فلا شك أننا سنرى المكان على غير الصورة التي نراه بها الآن ، وهذه بحدِّ ذاتها اشكالية معرفية ، لا يمكن فهمها إلا بمقاربة المكان مع الأفكار التي يمكن أن تتشكل لدى أيٍ منا حيال حادثة ما أو طرح ما أو عقيدة ما ..الخ ،نستطيع في هذا المجال تقديم بعض تجليات المكان من حيث هو ” افتراضياً ” فالفيزياء رؤية للمكان كذلك الكيمياء وأيضا الرياضة ـ على اختلافها وبقية العلوم الأخرى كلٌ منها يرى المكان من وجهة مختلفة عن الأخرى لكنها بالرغم من ذلك تقدم بمجملها تصورا محتملا له ، يمكننا في هذا السياق أيضا فهم التعدد والتنوع والخلاف الأشد ـ على عكس العلوم السابقة ـ في رؤية هذا المكان الافتراضي عبر تعددية المناحي الفلسفية من الفلاسفة القدماء ، زينون الرواقي مثلا وأيضا أفلاطون وأرسطو .. حتى هيغل وماركس وفي عصرنا القريب لدى سارتر وغيره من فلاسفة العصر، أكثر من ذلك يمكننا فهم الاختلاف في المنطق الذي يمكن أن يكون الأوفر حظا في رسم مدى التناقض في الرؤية للمكان فمن المنطق الصوري الى الرياضي الى اللغوي الى الحيوي الى .. كلها مناطق يرى كل منها منهجية للعقل في معرفة المكان على تجلياته .. فالاختلاف في الرأي ـ مثلاً ـ هو رؤية لمسألة واحدة محددة مفهومة ، ولكن كلٌ على طريقته الخاصة ، وبناءً على ما ترسب في ذهنيَّـته من معتقدات يمكن فهم تجليّـاتها عمليّاً في العادات والتقاليد والأعراف وما يترب عليها من سلوكيات وما شابه ..
المكان بتجليّـاته على اختلافها وـ المطروحة أعلاه ـ غاية في الأهمية لمعرفة الذهنية التي قامت عليه وتمددت حتى بلغت ما بلغته من تعقيد يصعب على الكثيرين فهمها وتاليا احتواء ما قد تتضمنه من متناقضات مع ما نشأ عليه وما يدركه ويحسه ويتلمسه في محيطه المادي تحديدا ، فما بال قارئي العزيز عندما تصل الأمور للامحسوس ، غير المدرك ؟!!!
في كتابه الضخم / نقد العقل المجرد / ، يقدم لنا عمنوئيل كانت مقاربة في كيفية فهم الذهن لما يحيط به وذلك في / متناقضات العقل السبع / والتي يقدم فيها عرضا مميزا لميكانيكية الفكر أو آليته في كيفية اثباته للوجود ونفيه بآن واحد ، يمكن تقريب ما تقدم بوقوف أيٍ منا أمام مرآةٍ مستوية وأخرى مقعرة وثالثة محدَّبة فالشخص واحد لكنه في أيٍ منها يختلف الى هذا الحد أو ذاك عن الشخص بذاته … هكذا يمكننا فهم تلك الآلية التي تدفع بنا للقول بأن المكان بتجلياته يبقى مجرد افتراض لمعرفة هي في ” المطلق ” واضحة ثابتة بالنسبة لنا بل وأكيدة لا شكَّ فيها ولا التباس …

(5)
في الخلاصة ، يمكننا القول أنه ، وطالما أن لا بداية ولا نهاية لمكان وزمان لا متناهٍ ، كان المكان لنا متجلٍّ في أبعاده الثلاث التي تمخض عنها رؤية للكون وللإنسان ذاته تفترض بعدا رابعا هو الزمن ..
بداية دعونا نتقدم لمعرفة أبعاد المكان وكيف شكلت مع التطور (الزمان) الدائرة المعرفية ( النفسية ) للإنسان ، مع الاشارة لمفهوم الدائرة ، من حيث هي مكان مغلق ، مغلق بمعنى مستقر ، مقتنع بما يحيط به دون وعي منه لكونه هو بالذات ،انعكاس لمحيطه ، مما يعني أنه متطابق والمحيط الذي يتحرك به حيث ، وكما أسلفنا ، أن الطول والعرض والارتفاع (المكان ) شكل القاعدة الموضوعية لبناء الذات أو الذهنية التي يرى من خلالها الانسان ذاته في محيطه ، أي كيف فسر الانسان الأبعاد أعلاه في سياق بحثه عن كيفية تطوره (التطور هنا بعد رابع ـ الزمان ) من كائنٍ بيولوجي اشتُقَّ منه كونٌ فيزيولوجي ليشكلا معا البعد النفسي والذي بدوره وعبر الزمان ـ تطوره بيولوجيا وفيزيولوجيا ـ شكل تقسيما للزمان على شاكلة المكان ، فكان الماضي والحاضر والمستقبل ، حيث البيولوجي ـ غرائزي ، وكذا الفيزيولوجي ـ عاطفي ، أما النفسي فكان على مستوى ـ العقلي ، مما استدعى بالضرورة بروز ظاهرة الهو ـ الماضي النفسي ، والأنا ـ الحاضر ، وكذلك الأنت ، والتي مع التطور ـ الزمان شكلت ال نحن , أو السلم القيمي الذي ذهب أيضا مذهب المكان فكان الهو مشتقا منه الأنا ومن ثم الأنا العليا … وهكذا بقية ما يمكن أن يدخل في نطاق الثلاثية المكانية ـ الزمانية للإنسان ، يمكننا رسم الدائرة النفسية للإتسان اذن على هذا النحو التالي الشكل رقم (1) :الشكل رقم 1

ولسوف نلاحظ أن هذه الدائرة بدت غير مغلقة ، الربع الأخير بقي مفتوحا على مختلف الاحتمالات مما لا يؤدي بطبيعة الحال للطمأنينة أو الاستقرار النفسي للإنسان فكان البعد الرابع ـ الزمان ـ مشتقا من أن لكل بداية نهاية مما استدعى بالضرورة الاجابة على السؤال الذي ما يزال مطروحا بأشكال شتى :
اذا كان لكل نهاية بداية ، أو العكس ، اذا كان لكل بداية نهاية ، فما بداية هذا العالم ـ الكون الذي ننتمي اليه ؟ وكيف يمكن أن تكون نهايته ؟ وهل الموت نهاية هذا الكائن المُتسائل عن مصيره المجهول بعد الموت ، وهو يرى في حلمه أن من سبقه لهذه الصيرورة ما زال يحدثه وينصحه ويوجهه نحو ما يرى فيه الصلاح ، من الحلم الى التساؤل الى الاجابة على أن هذا المجهول ، أن هذا الغيب ، أن ما بعد الحياة هذه هناك الحياة الأخرى التي هي الحياة الأبدية التي من خلالها يمكن للإنسان أن يتقبل فكرة الموت وتاليا تغلق الدائرة النفسية بهذا البعد الرابع وعلى النحو الذي يقدمه المستوى المعرفي للإنسان .
هكذا يبدو الغيب في فلك الدائرة النفسية للإنسان افتراضيا يحتمل كما المكان مختلف الاحتمالات فهو اللا محسوس المدرك فقط بالنظر العقلي ، والذي لا بد من التسليم بكل محتوياته الفكرية القيمية وغيرها والتي غالبا ما تأتي على شاكلة نواهٍ تحمل في طيّاتها الكثير من نماذج السلطة التي أوجدتها ، ونقصد السلطة الغيبية (الدينية) والتي كانت السلطة الأولى في التاريخ البشري والتي اشتُقَّتْ منها سلطة الدولة والمجتمع والمتضمنة ما كانت قد اشتقت منه ـ السلطة الدينية أو الغيبية ـ اذا ما أردنا أن نكون متسقين مع مفردات البحث ،
هكذا كان الغيب شرطا ضروريا لاكتمال الدائرة النفسية للإنسان ، اذ بدونه يفتقر هذا الكائن للإستقرار الذي طالما تاق اليه عبر مسيرته الحياتية ، وتحديدا لتقبل فكرة الموت التي برى فيها نهايته المحتومة والتي لا يمكن الانفلات منها بحال من الأحوال .. وبناءً عليه ، يمكننا أن نجيب ولو باقتضاب عن ما عنْوَنّا به مقالتنا / هل الايمان بالغيب ضرورة ؟ لنجيب على أن الايمان بالغيب شرط لازم لكنه غير كافٍ !!!
شرط لازم لكنه غير كافٍ !!!
شرط لازم لكنه غير كافٍ !!!
شرط لازم لكنه غير كافٍ !!!
فهو افتراضي بمختلف الأحوال مهما قيل غير ذلك ومهما أفردت لتأكيده الأبحاث الفلسفية اللاهوتية في المسيحية أو الفقهية في الاسلام ، اذ نتبين أن في كليهما مسلمات تقوم بمجملها على مفهومي البداية والنهاية ، أي أن لكل حدثٍ حياتي بدايته التي تبتدء في الله وتنتهي به ، ويمكننا أن نلاحظ أيضا أن اليهودية التي استُمدت بمجملها أيضا من التراث السوري القديم تنطلق من ذات المفاهيم للبداية والنهاية التي كانت تباشيرها في الديانات السائدة في عصور ما قبل اليهودية التي ربطت وجودية تلك الديانات بالغيب المبهم المجهول اللامحسوس والذي لا بد للإيمان به من مسلمات البداية والنهاية ..
كيف يتجلى المكان في الدائرة النفسية للإنسان ، وتاليا كيف تكون اختلافاتنا بعضنا عن بعض في مقولة الغيب الافتراضي هذا ؟ سؤال لا بدَّ من الاجابة عليه باقتضاب أيضا ، أملاً في بحثه بحثا وافيا في مُقبل الأيام !
فأي منا ، لا يمكنه الانفلات من هذا الثالوث لكنه ـ في الدائرة النفسية ـ يبدو أنه مختلفٌ بعضه عن بعض في العلاقة القائمة بين عناصر المكان ، بحيث يمكننا رسم تلك العلاقة بأحد المثلثات المتساوية الأضلاع أو المختلفة الأضلاع أو المتساوية الساقين ، وفي أيٍ منها سوف نجد أن اختلافاتنا تبقى افتراضية ، تبقى ذات وجوه قابلة للتحول والتغير والتبدل … التطور .
ففي الشكل التالي :الشكل (2)
2
سيطالعنا انسان لا علاقة له بالماضي ( الهو ) او يحكمه مثلاً أيُّ نمط غرائزي أو تتجسد فيه أنانية ما .. فالأنت والنحن هي التي تهمه كما أنه مهتم بالماضي برؤية استشرافية لما ينبغي عليه القيام به الآن ، فهو بالمفهوم السيكولوجي / غيري / محب تواق للآخر … وفي المثال التالي :الشكل (3) 3
سوف نجد انسانا آخر مختلف عن الأول فهو مهتمٌ بالماضي وله الحاضر ويتوق للمستقبل ، لكنه بما يتعلق بالغيب يمر به مرور الكرام فلا يعبأ بطروحاته التي قد تعيقه مثلا عن بلوع مستقبله … وفي مثال آخر يمكننا أن نلحظ انسانا مغرقا في الايمان فلا يهمه من الحاضر سوى أنه يعي ما يكفل له الخلاص في الغيب ( الأبدية ) الشكل (4) 4
( 6 )
إذا كان الإيمان بالغيب شرطٌ لازم غير كافٍ ، لتغلق الدائرة النفسية للإنسان ، فإن تجليات المكان في الزمان / في هذه الدائرة النفسية تحديدا / تُبين لنا جملة لا نهائية من بعض ما نتوهم أنه من تجليات الغيب باعتباره ـ الغيب ـ مصدرا لا نهائيا لمجمل ما نؤمن به ، أكان محسوسا أو غير محسوس ، مُتَوَهّْما أو واقعيا أو له ما يبرره في الواقع المعاش ، فكيف يمكن لتجليات المكان أن تضع حداً لهذا التشويش الذهني الذي يصل في كثير من الأحيان حدا من التناقض في ذاتنا الانسانية/ الجنس والطهارة / مثلا أو / العقاب والثواب / والتي لا تجد في كل ما تقدمه من مبررات ـ لإيمانها ذاك ، ما يمكن له أن يقنعها في ما تذهب اليه من إيمانها بالغيب كمصدر لكل ما تحياه كملصق في الغيب باعتبار الأخير مصدرا له ؟ ومتناقَضاً مع جملة من الاحتياجات الانسانية والتي لا تجد منها انفكاكاً في مختلف الأحوال ، كيف يمكننا حل هذا التناقض بين أشتراطات “الغيب ” ومتطلبات الحيات التي نحياها ؟..
ولا بدَّ لنا حيال ما تقدم من تساؤلات من تحديد نقاط انطلاق موضوعية تكفل لنا بلوغ غايتنا :
1 ـ إن ما نجده من وحدة في مختلف العلوم ـ رياضة ، كيماياء ، فيزياء .. الخ ـ لا نجده في الفلسفات الأخرى ـ باعتبار الغيب واحدة من تلك الفلسفات التي تتناول الماورائيات ـ اذ أن التكامل وعدم التناقض يدل دلالة ـ لا مجال للشك فيها ـ من أنها تدرس واقعا معطى وبكل تجلياته وإن اختلفت رؤاه من زاوية لأخرى على عكس الفلسفة التي لا نجد فيها ما يدل على أن لها ذات الواقع الموضوعي إذ يبقى تناقضها دليل واضح على الافتراضي ، مهما كانت الذرائع ..
2 ـ كذلك في ما اصطلح على تسميته ب/ الدائرة النفسية / فهي ، وإن كانت تمثل لنا شكلا منغلقا على ذاته ، لكنها في توضع رؤوس المثلث على محيطها ، تبين لنا مدى الاختلاف أو التغاير أو حتى التناقض في الذات الواحدة أو مع الذوات الأخرى ، فإذا كانت الدائرة تتكون من 360 درجة وهذه من 60 دقيقة وهذه أيضا من 60 ثانية فلنتصور مدى دقة توضع رأس المثلث على ذلك المحيط الذي يبدو لنا في منتهى البساطة، خاصةً وأنه يمثل لنا درجة اختلاف بعضنا عن بعض ونحن عن الآخرين .. في مصفوفة لا نجد لها استقرارا أو تشابها ..
3 ـ لذلك ، اذ نحن نعتمد الرياضة مثلا في توضيح ما نحن ذاهبون في اتجاهه ، فما ذلك سوى تأكيد على أننا نتدارس واقعا موضوعيا يتجلى بكل أبعاده ـ حتى النفسية منها ـ دون أي تناقض مع أي متجه آخر ينحى ذات الاتجاه ، فنحن هنا نعتمد علاقة ثلاثية الاتجاهات تتمثل في شكل مثلثي له رؤوسه وأضلاعه التي يتحدد طول كل منها بمدى تلاصقه مع منطلقه أو ما اشتقَّ منه، فالفيزيولوجي مثلا وإن يكن قد اشتق من البيلوجي فهو يشكل بالمسافة التي تفصله عن منطلقه مدى استقلاليته عنه أو تلازمه معه .. كما وتشكل الزاوية فيه مدى الانفراج الذي يفصل أياً منهما عن الآخر ، أو هي تمثل المساحة التي يشغلها في الربع الذي يمثله ذاك الانفراج ، أي مدى الاستغراق في هذا الربع .
4 ـ إن توضع رأس المثلث على محيط الدائرة ، ما هو ، في حقيقته سوى تراكم كمي ونوعي لما قد يمثله البيلوجي والغرائزي والأتا و…الخ ، ولربما كان ا
لشكل رقم(5)
5
التالي يوضح ما تقدم

وهذا التراكم هو أيضا تراكم متغير في الزمان والمكان ، فإن كنا نكتفي برسم المثلث متوضعا على ثانية(*) من محيط الدائرة فما ذلك سوى تمثيل لما قد تشكله صورة ثابتة من فيلم طويل متحرك بمعنى أخر ، أن طول ضلع المثلث كما زاويته هما في تغير مستمر لا يتوقف إلا بالموت ..
5 ـ إن ما يمثله هذا التراكم ، لا يبدو في مفرداته ، كما في الشكل السابق وإنما في وحدته والتي يمكن تمثيلها أيضا في علاقة مثلثية نتبيّْن من خلالها مدى فاعلية أيٍ من عناصرها ومدى سيطرته على العناصر الأخرى فقد يكون (الهو ) أكثر فاعلية من الغرائزي كما يمكن أن يكون( انا ) أكثر فاعلية من الاثنين معا كل ذلك بمقدار المساحة التي يمكن أن يشغلها العنصر الواحد في الربع الذي يمثله ، كما في الشكل رقم (6)
6

وهكذا في كل ما يمتُّ الى الانسان بصلة ..
6 ـ كما أن هذه الأشكال قد تبين لنا مدى تناقضنا ذاتيا في حال تطابقها بعضها فوق بعض ، والتي هي ـ في حال انطباقها تشكل الوضعية الحقيقية لكل منا في لحظة ما ومكان ما أيضا ، فكما سبق وذكرنا أن هذه الرسومات ما هي إلا محاولة للتوضيح لا أكثر ولا أقل ، وعليه سيكون الوضع النفسي لأي منا على النحو التالي :الشكل رقم (7)
7

ما تبقى منها على افتراض أنها ستة كما في مثالنا الراهن …أي انسان يتمتع بتطابق كامل

ولذا فمن النادر أن نجد انسانا مستقراً تتطابق في دائرته النفسية ثلاث أو أربع مثلثات دون ما تبقى منها على افتراض أنها ستة كما في مثالنا الراهن … الانسان الذي يتمتع بتطابق كامل هو الانسان المطلق ، بمعنى آخر هو ما يسعى اليه أيٌ منا لحيازة قدر ما من الاستقرار النفسي ،
كما في الشكل التالي (8)
8

فالإنسان في كل ما ينتجه على الصعيد المادي والنفسي إنما يسعى لتجسيد ذاته كما سنرى في نهاية البحث
7 ـ علينا فهم مقولتي المكان والزمان فهما متكاملا ، حتى نتمكن من فهم ما تنحى اليه الدراسة هذه ، فالمكان هو الحقيقة المطلقة القابلة للدرس ، وكل ما عداه يبقى استكمالا له ، حتى الزمان بحد ذاته هو مشتقٌ من المكان ، فلا زمان في العدم ، والذي هو افتراضٌ أيضا بمقابلة الوجود ، الزمان كمشتق من المكان يساير المكان ينحى منحاه ويرسم خارطة تبدله وتغيره و.. تطوره فالمكان متحول أما الزمان فتابع والعلاقة بين التابع والمتحول تعكس علاقة المحتوى من الشكل أو الجوهري من الظاهري ..

وعليه يبدو المكان من حيث هو الحقيقة الوحيدة التي يتحرك في دائرتها كل ما هو انساني على الاطلاق وعلى قاعدة أنه المصدر الوحيد للعقل عبر المتاح له من الحواس ، يبقى دون أدنى شك ـ في تجلياته ـ ما يفسر لنا ما نحن عليه من أفكار على أي صعيد كان ..
فهو الذي يدفعنا مثلا للإيمان بالانتماء لأرضٍ ما أو بقعة جغرافية محددة المعالم ، ، قد نطلق عليها اسم وطن أو أمة أو عالما أمميّا أرضيّا ، فما من فردٍ إلا وله وطن ، بلاد ، أمة ، تستحوذ ـ الى هذا الحد أو ذاك ـ على مجمل أفكاره ، وقد يذهب البعض للقول بأن مختلف الأفكار إنما هي مشتقة من هذا المكان الذي يولد به الانسان ـ رغما عنه ـ والذي لا يختاره اختياراً ـ “إلا بقدر ما يختار أمه وأبيه ” *ـ لذلك نجد أن أولى تجليات المكان تتجسد فعليّاً في مقولة الانتماء ، لأرضٍ ما ، لبيئة ما ، لأمة ما ، هنا ، يمكن للبعض القول في أن هذا الانتماء ليس سوى شرط لازم ، لكنه غير كافٍ نتيجة الترحال والانتقال حيث مصادر الحياة أوفر، وبما يتوافق وطموحات الفرد أياً كان في مرحلة من مراحل حياته ، ومع صحة ما يمكن أن يُستخلص من هذه المقولة الأخيرة لكن الواقع يدل على أن الفرد يبقى ملتصقا بالأرض التي ولد بها أو يبقى مُكَنّْاً بهذه الأرض ، التي قد تضيق أو تتوسع وفق تجليات أخرى للمكان ،المكان هو تلك التصورات التي تبقى في ال (هُوْ ) أكان منزلا أما حارة أم قرية أم مدينة أو هي التي تبقى المخزون الأولي والقاعدة المنتجة لجملة الآراء والأفكار التي يكن أن تشكل المعتقد أو العقيدة التي قد يُسَخَرُ العمر كله في سبيل تحقيقها أو إثباتها ، كما سنرى في سياق البحث ..
أيضا ، يمكن للمكان أن يتجلّى في مقولة الزمان ، اذ ليس الأخير مجرد مسار فارع المضمون أو المحتوى أو الجوهر ، إنه في حقيقته ممتلئ بتراكم الخبرة البشرية والتي هي في المحصلة المقياس الوحيد له ، هذا التراكم هو الزمن الذي ندعوه بالتاريخ البشري عموما أو تاريخ كل ما هو واقع في مدارك الانسان ، وكمثال على ما نذهب اليه ما نسميه بالتاريخ الطبيعي الذي يرسم لنا منحنيات التطور الطبيعي ، ففي المصطلحات المتداولة مثلا عندما نقول ـ على سبيل المثال لا الحصر ، وللتوضيح فقط ـ فيزيولوجي ، فهذا يعني المنطق الذي يسلكه المكان في مساره الوظيفي المادي ، الملموس ، والذي هو في نهاية المطاف التاريخ الوظائفي لموضوع البحث ، الزمان ، كماضي وحاضر ومستقبل ، يعكس تجليات المكان في صيرورة الأخير تاريخيا حيث يتجلى في ما قد ينشأ عنه من حالات متوقعة أو حتى محتومة / جدول مندليف / مثلا أو ما يمكن الاصطلاح عليه في معنى / التطور/ والذي هو في نهاية المطاف صيرورة المكان في مسار الزمان ، التاريخ ، حيث لا يمكن الاستغناء عن هذا المسار كائنة ما كانت المبررات التي تحول دون الأخذ به ، هكذا مثلا يرتبط المكان في التاريخ ـ والذي هو كما قدمنا تراكم خبرة ، فالزمان في هذا السياق مرتبط كتاريخ في المكان ، هكذا أيضا يكون الانتماء الذي نحن عليه بحاجة ماسة للزمان ـ التاريخ ، الأرض ( المكان ) مضافا لها التاريخ (الزمان ) تشكل في معتقداتنا ـ أياً كانت ـ وطناً نحيا به ، أرضا يشكل لنا تاريخها مصدرا من مصادر تكوُّن تجليات أخرى للمكان ..
ما نقدمه من أمثلة لتجليات المكان ، لا يعدو كونه كشفا لما قد يشكل جملة من متناقضات تقضُّ مضاجعنا في محاولاتنا الدائبة لإيجاد اتساق في ما بينها ،أو ما يمكن له تبريرها ويجعلها مقبولة لنا عقليّاً ، حيث يعجز الغيب عن تفسيرها أو الكشف عنها إلا بمسلمات أو بديهيّات مبتذلة في كثير من الأحيان …
وفي ذات الاتساق يمكن لنا أن نقدم البيلوجي ،كدليل آخر على تجليات المكان ، ففكرة / العرق / مثلا ، تجد مقدماتها في هذا البيلوجي وتدلُّ عليه، وما تحري الانسان / لأصله / سوى واحدة من تجليات المكان في الزمان ، العائلة القبيلة العشيرة ..هي تسميات لهذا التجلي وعلى الرغم من انتشار نظرية / جغرافيا الدم / والتي هي كشف علمي حقيقي لكنها تبقى تأكيدا على التأثير المباشر للمكان على الانسان ، مع أن التقدم العلمي يثبت بما لا يقبل جدلا بهتان نظرية/ العرق / ، فما من عرق صافي على وجه الأرض ، وما هو موجود ليس أكثر من تمازج في /جغرافيا الدم / موروث في الأجيال اللاحقة لنا /Hereditary / أو / genetic / Original /أو/Fetal /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ـ إن مصطلح ثانية ، يحمل الكثير من المعاني في طياته ، فهو مصطلح مجازي لوحدة المكان والزمان في آن واحد، فالثانية هي تقسيم للدرجة ، حيث أن الدرجة الواحدة تقسّم إلى 60 جزءاً تسمى الدقائق القوسية ، وكل واحدة من هذه تنقسم بدورها إلى 60 جزء تسمى الثواني القوسية. أي أن الثانية القوسية الواحدة تشكل جزءاً من 3600 من الدرجة. ومع ظهور الساعات الذرية، أصبح من الممكن تعريف الثانية على أساس الخصائص الأساسية للطبيعة. و في النظام الدولي للوحدات الثانية هي 9.192.631.770 قدرا من زمن الدورة لتردد الشعاع الصادر عند انتقال الإلكترون بين مستويي البناء الدقيق الفائق للحالة القاعية لذرة السيزيوم-133 “. [4]
* أنطون سعادة

(7)
ما زلنا في اطار توضيح تجليات المكان في دائرتنا النفسية ، حيث يبرز / الدين/ كواحد من أهم تلك التجليات والذي يشكل الرابط الوحيد بين الحياة والغيب ، والذي هو بحد ذاته شرط لازم لاستقرارنا النفسي لكنه غير كاف، ذلك أنه في المحصلة السبب المباشر في ما نعيشه أو نحياه من تناقض بين موجبات الحياة وضروراتها من جهة وبين الغيب واشتراطاته من جهة أخرى ، فال (دين ) من حيث هو فلسفة اجتماعية تعني عناية فائقة في ربط الحياة بالغيب عبر جملة من الاشتراطات ، لتكون الحياة في مستوى يليق بها ، أو بما يرضي ( الخالق ) باعتباره المقياس الذي تقاس به الأعمال وحتى النيات المعلنة منها والمكبوتة في صدورنا حيث / الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ../ الخالق والذي هو بالمحصلة المصدر الوحيد لكل ما نحن فيه من رخاء أو شقاء، من سعادة أو بؤس، من حزن وفرح من .. الخ ، وذلك عبر مقولة/ الثواب والعقاب / أو بين الحقيقة والوهم ، بين الخير والشر ، بين الحق والباطل، بين الرزيلة والفضيلة ، بين النجاسة والطهارة ..الخ ،وبين هذه بمجملها ، في وحدتها ، في تكاملها العضوي ـ والذي لا انفكاك لنا منه ـ وبين الغيب الذي هو مآلنا الأخير ..
الدين ، من حيث هو فلسفة اجتماعية يبقى أبرز الفلسفات التي تربط / الدنيا بالآخرة / يبقى ـ دون أية فلسفة أخرى ـ قابل للتوريث ومتغلغل في أدق تفصيلات السلوك البشري بل والموجه لها والمحدد لها كما ونوعا ، كائنة ما كانت المبررات التي تحول دون ذلك ، هو المقدس والمحرَّم ، حتى على الفهم، أو محاولة فهمه ،أو حتى التفكير فيه / التفكير بذات الله كفر / لكن، وأمام متطلبات الحياة والتساؤلات الملحة منها ، والعجز عن الاجابة عليها ، كان الدين بالتسليم والقبول به دون تفكير، والقبول طواعية بكل بديهياته ومسلماته ،فقط ،في هذه الفلسفة الاجتماغية الفريدة من نوعها، يبقى العقل عاجزا عن الفعل ، فكأن الذي أوجد العقل أوجد شرعا لبطلانه* ، وهذا ذروة في التناقض والذي بدوره يجعل من حياتنا جملة من متناقضات لا حول لنا فيها ولا قوة في فكِّ أيٍ من طلاسمها ..
لنلاحظ كيف يرسم الدين دائرتنا النفسية /الشكل رقم (9) /
3333
حيث تشير الأسهم لاتجاه تكوين الدائرة النفسية بدئا من الهو ـ انا ـ الغريزة ـ الماضي ـ .. الخ ومن ثم الى أنا (الآن ) ـ أنت ـ العاطفة ..الخ ومن ثم أيضا الى الأنا العليا ( القيم ) وال نحن النفس ، العقل ..وأخيرا حيث الاشتراطات الغيبية ـ على اختلافها ـ ، سوف نلاحظ أن ما ما يشغله الغيب في اشتراطاته ، من مساحة في حياتنا النفسية مقابل المساحة التي يشغلها كل من الحاضر والماضي ، في الشكل التوضيحي (9) تبدو المساحة ضئيلة جداً اذا ما قورنت بمساحتي الماضي والحاضر ، ومع ذلك يبقى هو المسيطر والقائد لكل من مفهومي الماضي والحاضر في الشكل رقم (9) يبدو الحاضر هو المسيطر على كل من الماضي والمستقبل الغيبي ، فإن حاولنا جعل الماضي هو المسيطر الشكل رقم (10) فلا يتغير في الدائرة شيء وتبقى متجهات الأسهم ثابتة أما في محاولتنا أن نجعل الغيب هو المسيطر كما في الشكل (11) فسوف نرى أن متجهات الأسهم تتغير وتسير عكس عقارب الساعة فكأننا والحال نعاكس حتى متجه الزمان التراكمي ونميل به الى التناقص ، بمعنى الزهد في الحياة مقابل الرفاه الذي نتوق اليه في الغيب حيث/ لا وجع ولا خوف .. /

هذا لا يعني بأية حال أن المؤمن على وجه العموم يمضي حياته معاكسا للزمن ، هذا ينطبق فقط على ما أصطلح على تسميته بمصطلح ( سلفي ) ، أما ما عداه فيمكن وصف حياته بأنها تتحرك وفق بوصلتنا الأنفة فهي في واقع الحال ستتحرك وفق متجهات حياتنا اللحظية ، من حيث زاية تحرك متجهنا إزاء أي حدث أو موقف ،نقفه كرد فعلٍ طبيعي إزاء ما يجري أو يحدث أمامنا ، حيث نبدو متناقضين مع حدثٍ آخر سبق الحالي ، لكنَّ العقرب المتجه للشمال دوماً وأبداً ، يعني أننا في الاتجاه الصحيح مهما اعتقدنا أننا نخطئ في الاتجاه ، هذا في حالتنا العقلية الفاهمة لمسببات ما يجرينا موضوعيا وأشكاله ونتائجه على العكس تماما عندما تنشد بوصلتنا لقطعة مغناطيسية ملحقة بها ( الدين ، أو عرق أو عقيدة أو أي معتقد نعتقده أنه الموجه والمقياس لصحة أو صوابية ما نحن فاعلون حيال ما يجري ، فالعقرب المتجه نحو الشمال لن يكون كذلك لأنه سيبقى منشدا لتأثير قطعة المعناطيس ، على الرغم من أنه يتحرك عمليا وبذات الزاوية ـ عندما يكون محررا ـ لكنه في واقع الحال يبدو لنا أنه متجه نحو الشمال ( حيث الشمال هنا هو صوابية مانحن عليه من مواقف ) يبقى نظريا كذلك ، ليبرر لنا مختلف ما نحن ذاهبون اليه ، نحن اذن في حالة استقرار فعليّة مبررة نظريا بأننا متوافقون مع ما نحن نعتقد ، نقول نظريا لأننا في واقع الحال نحن متناقضون بين ما نعتقد وبين ما نؤمن ، فضرورات الحياة تجد متسعا من الاعتقاد لتبريرها من حيث هي متطلبات لا غنى لنا عنها لتستمر بنا الحياة التي نرعب ، فعلى الرغم من اختلاف المواقف ، نبقى على يقين بأننا على صواب بما يحقق لنا استقرارتا وطمأنينتنا ، حالنا حال مثالنا التالي
ما تقدم يمكن توضيحه بمثال بسيط للغاية ، يجيب على السببية في هذا التناقض :
لنفرض أنك / رجلاً كنتَ أم امرأة / تجلس ويدك اليسرى مُلتفة على على كتف ابنتك أو / ابنكِ / ، بينما اليمنى على كتف زوجتك أو/ زوجك / بينما تطوق والدتك أو / والدكِ / عنقك ، فكيف سيكون شعورك أو وضعك النفسي حيال هذا الوضع ، فاليسرى ستنقل لك عاطفة الأبوة أو/ الأمومة / بينما تنقل لك اليسرى حسَّاً بالأنثى بينما تنقل أحاسيس العنق الانتماء العاطفي أو الهو ، لكنك على تباين ما تنقله حواسك تبدو مرتاحا وفي حال من الطمأنينة والاستقرار النفسي .. هكذا يمكننا فهم تراكم المتغيرات ـ على اختلافها ـ وانسجامها بعضها مع بعض في حياتنا اليومية ..
الشكل رقم ( 12) يبن لنا متجهات تأثير الاعتقاد على استقرارنا النفسي ، والمؤثر فيها حيال أي حدثٍ نتعرض له ،
4444

سوف نعود للتذكير بأن الدوائر أعلاه ما هي إلا الحدث ـ أياً كان ـ في لحظة محددة ومكان محدد وأن دائرتنا النفسية تكون في هذه الحالة كمتجه البوصلة الى الشمال دائماً وأبداً، وأننا حيال أي حدث كبر أو صغُرْ، سوف نتجه كما عقرب البوصلة المتجه شمالا والمتغير في زاويته على الدوام وفق حركتنا نحن في مواجهة أي حدث كائن ما كان موضوعه ..
هكذا تختلف المواقف والآراء الذاتية كما تختلف إزاء الذوات الأخرى مما يدفعنا دائما للتساؤل عن سببية ذلك ، لأننا نميل بطبيعة الحال لعدم التناقض الذاتي وتناقضنا مع الذوات الأخرى !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• ـ أنطون سعادة
8 ـ
عندما نقول أن الايمان بالغيب شرط لازمٌ غيرُ كافٍ ، فهذا يعني أننا قد أسقطنا عنه كل ما هو ” ماورائي ” وتاليا نكون قد أخضعناه لمقولة العقل وبات بالإمكان مناقشة مختلف الاشكاليات التي تنتجها اشتراطاته ولم يعد ذلك الطلسم الذي لا يمكن فهمه والذي تَحُول اشتراطاته دوننا و التساؤلات التي يمكنها أن تُطرح وبقوة حول ماهيته أياً كانت ..
وعندما نقول أن الايمان بالغيب شرطٌ لازم غيرُ كافٍ ، فهذا يعني أيضا أننا نحيله لفلسفة اجتماعية خاضعة كغيرها للدرس والمناقشة والبحث والتمحيص ، ولم يعد هناك ما يمكن الاصطلاح عليه ب “الايمان” ـ بما يعنيه من التسليم بكل اشتراطاته ومن ضمنها مفهوم البداية والنهاية إن في الزمان أو المكان على حدٍ سواء ـ وبات من المنطقي الاصطلاح على مفهوم” الاعتقاد” ـ باعتباره مفهوما يتضمن التعددية ـ بديلا عن مفهوم “الايمان” ـ باعتباره مفهوما يتضمن الوحدانية ـ ، فهو والحال ، اعتقاد في الكيفية التي يمكن للإنسان من خلالها بلوغ درجة الكمال ، وتاليا لم يعد ارضاء “الغيب” والعمل وفق اشتراطاته هو الوسيلة ـ والوسيلة الوحيدة ـ لإرضائه لبلوغ ذلك الكمال ، بمعنى آخر ، أننا لن نبلغ كمالنا الانساني إلا عبر الايمان ، فقط ،بما يعنيه هذا الأخير من خضوع اعمى (بالتسليم ) لاشتراطات” الغيب “، وأنه بالإمكان ايجاد مختلف الكيفيات أو الوسائل الأخرى الممكنة والمتوافقة ومتطلبات الحياة لبلوغ الدرجة التي نتوخاها من الكمال وبحيث لا تتعارض ومجريات حياتنا ومتطلباتها ..
هنا ، تبدو تجليات المكان في أوضح معانيها والتي من خلالها يتضح لنا أن البداية لم تكن خلقا مستقلاً عن المكان فالإنسان الأول “آدم” لم يخلق في بيئة أخرى ( الجنة ) ليهبط بعد “خطيئته” الى الأرض ، اذ تبين الحقائق العلمية التي يمكن تلمسها في كل جانب من جوانب الحياة على أنه وليد بيئة أرضية (مكان ) تتطلب منه على الدوام التكيف وفق تطوراتها المناخية والجيولوجية و.. وأن هذه الخاصة / التكيف / هي وليدة هذه البيئة التي تسعى هي أيضا وباستمرار للتوازن والاستقرار تماما كما هي حال انسانها الذي نشأ من رحمها ووالاها في كل شؤونه مولاة لا مجال للخروج عنها في مطلق الأحوال فهو على صورتها ومثالها وأن أول ما يطالعنا في هذا المجال هو أنهما ـ الأرض والإنسان ـ توءمان متلاصقان لا انفصام بينهما ، فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار النسبة العامة لتكونهما فسنجد أن ما تختزنه الأرض من الماء بالنسبة لليابسة هو ذاته الذي يختزنه الإنسان الشكلين 1و2
الماء
نسبة
وأنه في تطوره الجنيني لا يختلف عن الكائنات الأخرى التي نشأتفي رحم البيئة أيضا التي نشأ فيها وفي ذات الظروف حتى وإن اختلفت مسارات (التخصص الفيزيولوجي ) أو التطور في ما بعد باختلاف الظروف التي رافقت نشأة أي منها ، من البيلوجي الى الفيزيولوجي الى السيكولوجي ..
في المثال التالي سوف نجد ذلك التشابه الغريب بين أجنة الإنسان وبعض أجنة الحيوان في مساراته الخاصة عموديّاً أو في المسارات العامة الأفقية والتي تدلُّ دلالة واضحة على أن التكوين الأولي يعود ، بما لا يقبل الشك ، الى منشأ واحد هو الأرض الشكل رقم (3) :

بدون-عنوان
فما الذي يعنيه هذا التشابه في سياق بحثنا في تجليات المكان ؟ وتأثيراته البيولوجية على الكائنات التي تتجول في مختلف أصقاعه
لنلاحظ كيفية تطور الانسان عموديا وبقية الحيوانات الأخرى وعلى ذات العمر أفقيا بحيث يبدو من الصعب التمييز بين جنين وأخر
من الأهمية بمكان الاشارة على أن المكان هنا يتعدى حتى الكرة الأرضية الى الكون ، هذه مجرد ملاحظة يمكن أن تكون لها مستقبلا أبعاد أخرى ، لا تقف في حدود التشابه بل تتخطاه لما هو أكثر من ذلك بكثير الشكل 4 و5 و6 و7 :
2

كما سبق ونوهنا أن تجليات المكان في الزمان لا تقتصر على هذه الناحية أو تلك في مساراتها بل هي تستوعب كل ما فيها البيلوجي الى جانب الفيزيولوجي وانتهاء بالسيكولوجي ..
وعندما نقول أن الايمان بالغيب شرط لازم غير كاف ، فلهذا مدلولاته في/ الهو ،والأنا ،والنحن / حيث لا يعود ” الهو ” غيبا لا قرار لنا به ، اذ عندما تقرر ( خلق )الانسان الأول ” آدم ” كان الخالق على علم بمصيره حيث شجرة الحياة والضلع الذي انتزع من صدره لخلق” حواء ” ـ وهنا تساؤلٌ منطقي على الأقل ، اذا طالما أن الأول قد خلق من طين فلما تكون ” حواء ” قد خلقت على ذات الوتيرة ؟؟!! ـ والأفعى .. ولم يكن أيضاً مصير ” ابليس ” المقرر سلفا بمصير أفضل من شقيقه ” آدم ” كان كل شيء مُعًدٌّ بحكمة فائقة الدقة بحيث يتحمل كلٌ منهم ” آدم وحواء وابليس ” نتائج أعماله .. فهم بمجملهم قد خرجوا عما كان مقرراً لهم ، الخروج على إرادة الواحد الأحد .. هذا “الهو” نتلمسه في ما تلا ذلك ، الخروج لمجموعٍ بشري على السلطة ـ الشريعة التي توارثها رُسُلُ الرسالات السماوية وغير السماوية وبحيث يبدو لنا واضحا أنه في سياق تجليات المكان في سياق الزمان هناك مدلولات أخرى لا تقتصر على البيلوجي ـ كما هو وارد أعلاه ـ وإنما تتعداه للسيكولوجي أيضا حيث نجد ذلك في ” الهو ” ، فإذا كان الغيب ( الدين ) قد نشأ في بيئة ما وحمل مختلف مخزونها الثقافي ( الهو ) ، فهو لا شك خاضع كما البيلوجي لمؤثرات البيئات الأخرى التي انتقل أو انتشر فيها ـ الهو الآخر ـ حتى وإن كانت متلاصقة معه تلاصقا لا تنفصم عراه ، هذا مثلا ما خضعت له المسيحية عندما انتقلت الى روما ـ وهي الناشئة في كنفها ومن فلسفتها وإن جاءت ردا على اليهودية المتزمتة ـ (الهو)المسيحي ـ حيث تمت ( رومنتها ) وتحولت الى فلسفة للسلطة فيها ـ دين الدولة ـ (الأنا ) ومن ثم باتت سلطة وكان لا بدَّ من التحرر( الأنا العليا ) من طغيانها وقمعها وحيلولتها دون الشعوب الأخرى ومخزونها الثقافي الذاتي( الهو الآخر ) ، هي تجليات المكان في السياسي / بعدما انقسم هذا الى ثلاثية مكانية أيضا ـ تشريعي( الهو ) ـ تنفيذي (الأنا ) ـ قضائي ( الأنا العليا ) / بعدما كانت حكراً على سلطة (البطريرك البابا ) ـ الواحد الأحد على الأرض أو الممثل الوحيد للإله ـ فظهرت الكاثوليكية ومن ثم البروتستانتية .. الخ ك (أنا عليا )، ولم تنجُ المحمدية من ذلك فظهرت فيها الحنبلية والشافعية والمالكية .. الخ بينما كانت السنة (الهو) ردا على الشيعة (الأنا ) وما تبقى من اسماعيلية وعلوية ودرزية..الخ ، وكما أطَّرت الأرثوذكسية سلطتها بمقولات ـ (الهو ) ـ والتي قد لا تختلف في جوهرها عن الكاثوليكية ، لكنها في الطقوس ( الأنا ) المؤكِدة على السلطة الكنسية ( الأنا العليا ) ، باتت على خلاف الى هذا الحد أو ذاك مع ما تبقى من اتجاهات سلطوية لمختلف المذاهب الأخرى ، كذلك المحمدية التي أطرت سلطة” معاوية ” في السنة النبوية الشريفة ، كانت الشعية هي الأخرى تؤطر سلطتها بمقولات ” علي ” وقس على ذلك في اليهودية وفي غيرها من الديانات غير الشرق أوسطية (غير السماوية ) كالبوذية والهندوسية .. الخ
واستطرادا ، نكون قد وصلنا لإمكانية فهم الانشقاقات الدينية ( الهو ـ حيث شجرة الحياة ، الخروج على إرادة الإله ـ التي رافقت مختلف الديانات ” السماوية “منها وغير السماوية وكيف أن تلك الانشقاقات لم تكن خروجا ـ بالمعنى الحقيقي ـ على الغيب (الدين) أو الشريعة ، بقدر ما كانت تكييف ( الأنا ) الدين وفق معطيات الثقافة التي انتشر في بيئاتها والتي كانت اشتراطاته الغيبية تتعارض معها بما أدى لحصول نوع من ” التمازج ـ الأنا العليا ـ ” بينهما بهدف استقرار المجتمع أخلاقيا على مجموعة من القيم المشتركة بين الثقافة والدين كانت في الأصل موجودة في كليهما ..
بناءً على ما تقدم يمكننا فهم الاختلاف مثلاً بين المسلم في بنغلادش الذي لا يجد غضاضة في حكم المرأة وبين المسلم السعودي الذي يَحْرُمُ المرأة مثلا من أبسط الحقوق مدعيا أن / الاسلام قد كرَّمَ المرأة/ بأن تكون أما وزوجة وأختا وما عدى ذلك ،” كان الله يحب المحسنين ” هكذا أيضا يمكننا فهم ، كيف أن الشيعة خرجت على السنة ، خروجا سياسيا بامتياز أُطر في ما بعد بمقولات علي بن أبي طالب…
وعليه ، يمكن القول ، أيضا ، أن الغيب لم يكن في حقيقته ، سوى توقٌ للإنسان للتحرر من أبعاد المكان ومخلفاته ليبلغ درجة الكمال التي يتوق لها ، وهي درجة بلوغ تحقيق ذاته في الإله ،/ كن فيكون/ ، حيث لا مكان ولا زمان ، في الغيب نجد كيف يرى الانسان ذاته ممثلة ب ( الروح ) مقابل النفس وب ( الملاك ) مقابل الجسد ، وب ( الجنة ) مقابل المكان والزمان معا ..
(9)
لم تنقطع قط محاولات الإنسان للإنعتاق ، التحرر أو الانفلات من قيود المكان والزمان ، وهو ما يزال ـ في مختلف مكتشفاته العلمية والفكرية ـ ماضٍ في محاولاته هذه ـ وإن يكن قد نجح في حدودٍ دنيا في التحرر منها نفسيا بافتراض “غيبٍ” تتجلى فيه كل مقومات ذلك ـ لكنه، وكما قلنا نجاح محدود ، هو بالأحرى أشبه بالمسكن للألم ، للخوف من الموت أي من ( توقف الزمان عن الفعل التراكمي ) هذا النجاح الذي اصطلحنا على تسميته ب / الغيب الديني / ..
بناءً على ما تقدم ، يمكننا أن نخطو ، خطوة واحدة ، في اتجاه فهم ” الغيب” والغيب الديني تحديدا والذي لم يعد ـ بطبيعة الحال ـ عصيّاً على الفهم ، من حيث هو ، شرط لازم غير كافٍ وتاليا من حيث هو فلسفة اجتماعية يتوق من خلالها الانسان للانفلات من قيود المكان والزمان اللا متناهي ، الى مكان وزمان لا متناهٍ أيضا ، (الجنة ) حيث /الروح ـ الملاك/ بديلا عن /النفس ـ الجسد/ ، وحيث /الروح ـ الملاك / لا هو بالذكر أو الأنثى وله كل مواصفات وخصائص الطبيعة البشرية من حيث المأكل والمشرب والملذات الدنيوية وحيث اللا فناء الجسدي وحيث الروح السرمدية ، الأبدية ، الطهورة من كل دنس ونجاسة إنسانية ، فما اشبهنا في ( جنة الله) بغمامة من نور تأكل وتشرب مما لذَّ وطاب كما وتصلي شاكرة الربَّ على حسن المآل .. بعدما تطهرت من تلك الخطيئة التي ارتكباها ـ آدم وحواء ـ ومع ذلك، فنحن بحُسْنِ / صراطنا المستقيم / ،الذي اهتدينا به الى الله على الأرض ، لا شك أننا قادرون على ممارسة ما كان سببا في طرد آدم وحواء ، من الجنة (*1) حيث يمكننا أن نأكل من شجرة الحياة ونمارس ـ الجنس أيضاً ..
ليس ما تقدم تهكما على الغيب الديني، إنما هو بيان لما تاق اليه الانسان منذ وجد على هذه الأرض، عبر ذلك التفسير البدئي لبلوغ توقه في/ التجسد الإلهي/ عبر مسيرة شاقة وطويلة ، شائكة وعرة صعبة المنال ،في حياةٍ أبرز ما فيها تناقضها مع ما هو عازم عليه وتائق لبلوغه ، متطلبات حياةٍ لا انفكاك له منها على الرغم من اعترافه، بأنه أخطأ المسار في حياته فكانت صلاته استغفارا لما كان يُخالف به ما خَطَّهُ هو لنفسه عبر الله ..
في محاولتنا فهم ” الغيب الديني ” لا نلغي ما قدمه ـ الانسان ـ لنا في مسار تحققه الإلهي عبر مختلف التفسيرات الدينية التي حاولت بشتى الطرق محاولة طمأنته لما بعد الموت ،والخلاص من الفناء.. وتوقه الدائم للخلود ، في حياة أبدبة .. نحن فقط نصحح المسار، اذا صح التعبير ، في إحالة الغيب ،من فلسفة ما ورائية أو ـ ما بعد الطبيعة ـ تتعدى حدود المكان والزمان ، الى فلسفة هي أقرب ما أمكن الى ما نحياه ، لتضحى مفهومة لنا ، لتضحى مقبولة لنا ومتلمسة في كل مسارات ومجاري حياتنا ، وبحيث تبقى دائرتنا النفسية مغلقة على ذاتها مستقرة لما هي طامعة به ، وذلك عبر فهم الغيب ،لا ك / ما وراء طبيعي / بل ك “غيب” متلمس ، معاش ، حقيقي ، حيث الغيب هنا مثالٌ في الكمال ـ ماديا ، في الانفلات من حدود المكان والزمان، ونفسيا في المطلق القيَّمي المتمثل في ال / ما بعد الأنا العليا / بحيث تصبح دائرتنا النفسية كما في الشكل التالي :
1

في الربع الأخير من دائرتنا النفسية هذه يضحى / ما بعد الأنا العليا /هو غايتنا لبلوغ درجة الكمال التي نتوخاها من حياتنا على الصعيدين المادي ( المكان والزمان ) والروحي ( النفسي ) ..وبشكل يعكس وعلى الدوام ما نحن تائقون لتحقيقه أو تجسيده أو بمعنى آخر ، تجسدنا الإلهي (كُنْ فيكون ) والتحرر من قيود الزمان والمكان عبر سعينا المتواصل للكشف عن ماهية كليهما ..
فعلى صعيد المكان ، كان وما يزال الانسان مستمرا بكدٍّ ودأبٍ في سعيه هذا للتحرر من قيود المكان والزمان ، ، بدئا من محاولته الأولى ــ الإيمانية ـ كشف المعنى أو المفهوم الحقيقي لهذا ( المكان) الذي ابتدأ عنده في الطول والعرض والارتفاع وانتهى الى/ ملكوت السماوات/ في المسيحية ، بينما نجده أكثر وضوحا في المحمدية /مثل الجنة التي وُعِدَ المتقون تجري من تحتها الانهار أُكُلُها دائم وظلها … / كذلك في مختلف الديانات الأخرى في البوذية والهندوسية وسواهما (*2)
المكان كمعطى أولي وحيد ، واجه الإنسان منذ اللحظة الأولى التي بدأ وعيه بها بالتساؤل، بدئاً من الطوطمية(*3) مروراً بالزواج الفردي ـ وهي مرحلة متقدمة جدا،حيث تبتدئ بها قصة آدم وحواء من حيث هي حادثة أولى لزواجٍ فردي وردت في الغيب الديني ـ ومن ثم العائلة فالقبيلة فالعشيرة فالمدينة فالدولة حيث المكان يستمر بالتوسع في حدوده .. وانتهاءً بما قدمه ماركس في تصوره للمشاعية التي تلي الاقطاعية ـ البرجوازية ، الرأسمالية ..حيث العالم ( الكرة الأرضية ) مشاع ، تضمحل فيه الدولة ـ السلطة ـ لتضحى مجرد “ساعي بريد ” لا علاقة له بمضمون ما يحمله من رسائل .. هي جنة من نوع آخر، لكنها جنة الله على الأرض !!
هذا على الصعيد الفكري ـ الاجتماعي ـ السياسي ، والمقترن حكما بالغيب الديني ، لكننا على صعيد آخر ، نجد أن العقل ـ العلم ، في بحثه في هذا المعطى ، كان ،وعلى الدوام على نقيض مع سابقه ـ الديني ـ وإن كان كلٌ منهما يسعى لذات الهدف ، لكن كلٌ بطريقته الخاصة ..
لم يعد المكان في العلم محصورا في بقعة محددة، ولم يعد كذلك مقتصرا على الكرة الأرضية بل تجاوزها الى الكون ، في العلم لم تعد الأرض هي مركز الكون ـ كما صورها الغيب الديني ـ اذ ليست هذه سوى ذرة إن لم تكن أقل في هذا الكون اللا متناهي الشكل رقم (1) وهي صورة لمجرة درب التبان حيث لا تبدو الأرض ولا حتى المجموعة الشمسية ، ما يظهر هو الشمس وكنقطة لا أكثر ، هذا في مجرتنا وهي واحدة من مليارات المجرات التي تشكل بدورها عناقيد أخرى من مجرات ترتصف الى جانب غيرها من العناقيد لتشكل بمجموعها الكون الذي نعيش فيه
في هذا الكون الشاسع لم يعد الانسان ك ـ مخلوق على صورة الله ومثاله ـ سوى بكتريا أو حتى فيروس أو كما عبر أنشتاين في نظريته النسيبة من أنه مجرد/ ظلٍّ / لا حجم له في هذا الكون .. ولم تعد الشمس سوى نقطة متناهية في الصغر في مجرتها ولم تعد هي الوحيدة في الكون التي / تجري لمستقرٍ لها / ، اذ أن هناك من شموسٍ أخرى أكبر منها بكثير أصطلح على تسميتها ب ـ النجم المستعر ـ كذلك هو شأن الأرض ، اذ لم تعد هي الأخرى المكان الوحيد لإمكانية العيش بل أضحى هناك ملايين أو حتى مليارات من “الكرات الأرضية” التي تصلح لأن تكون ملجأ للإنسان في حال انطفاء الشمس بعد أربعة مليارات أو تزيد ، من السنين ..كما في الأشكال التالية :
2
4
5
6
7
8
7
وكما سبق وأشرنا الى أن المكان لم يعد مقتصرا على أبعاده الثلاث بل تخطاه لأبعاد سبع على الأقل أو ستة عشر بعدا على الأكثر ، وفي هذا المسار ، عاد الإنسان ليصطدم من جديد بما أشتقَّ عن المكان ، ألا وهو الزمان ، حيث البعد الكوني لم يعد مقاسا بالسنتمترات ولا بتراكماتها ، بل أصبح مقاسا بسنين ضوئية (4) تعدُّ بمئات السنين وتتجاوزها لآلاف مثيلاتها في حال فكر الإنسان الانتقال الى كوكب آخر غير هذه الكرة الأرضية المهملة في هذا الكون والمهددة بالفناء بحيث لم يعد تفكير هذا الكائن مقتصراً على مصيره الفردي بقدر ما راح يمتد الى مصير البشرية جمعاء وبات السؤال الملحُّ هو: كيف يمكن لهذا الانسان ، الفيروس ، أن ينتشر في الكون كله فهو ظاهرة لا يجب بأية حال أن تنتهي لمجرد ( غبار) تتشكل منه النجوم في ما بعد …هذا ما يمكن الاصطلاح عليه بمصطلح / ما بعد الأنا العليا /

لم يعد الإنسان ـ المخلوق على صورة الله ومثاله ـ بأكثر من غبار كوني ـ أعجز من أن يساير ، حتى في أحسن حالاته ،امكانية الانعتاق من حدود الزمان عبر المكان ، وليس خارجه باعتباره معطى “موضوعي” بمعنى أنه موجود شاء ذلك الانسان أم أبى ، اعترف بوجوده أم لم يعترف ، أدركه الاتسان أو لم يدركه .. والذي بدى مهولا ،بعدما تمكن العقل ـ العلم من فهمه في ضوء الأبعاد الكونية ، حيث الكون ينتفخ ليعود للتقلص والتشكل من جديد في كون آخر وفق نظرية الانفجار الكبير ، لم يعد الانعتاق من قيود المكان والزمان مجرد توق انساني ، بل بات شأناً ملحاً في يومياته وبات السؤال الأكثر جديةً وأكثر وضوحا هو : كيف يمكن للإنسان المحافظة على نفسه في هذا الكون الرحب غير المستقر والذي لا يمكن الركون اليه في مدى التمني ( الحياة الآخرة ) فلا شك في أن الشمس ستنطفئ في يوم ما وما ـ الأربعة مليارات من السنين سوى عمرٌ قصير في عمر هذا الكون حيث تُبْتَلع كرتنا الأرضية لنضحى برميمنا …مجرد غبار كوني !!؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
)*1 (من دون أن نفهم سببا لذلك طالما أن الله عزَّ وجُل أكد على أنهما زوجان بقوله تعالى /و َقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) / بما يعني حقهما بممارسة الجنس كزوجين حيث يقول عز وجل في كتابه العزيز / وأسكِن آدم الجنة. فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدةٌ خلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ. … فقال الله له: ” يا آدمُ اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما / (175) . في سؤال آدم ” ولما خلقت ؟ قالت : لتسكن اليَّ ../ أي لأكون اليك زوجة ولتساكنه كزوج لها ، هذا هو المعنى المباشر ولا ندري كيف كانا يمارسان الجنس كونهما لم يريا عورتهما ” سوأتهما ” كما في الآية /.. فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ( 22 )

*2 في الهندوسية هناك لوحتان تعبران عن مفهوم الجنة والنار / العقاب والثواب / وهما متشابهتان تشابها تاما ، وفي كل منهما طاولة عليها من المأكل ما لذّ َوطاب ويجلس حولهما أشخاص في الأولى يبدون في كامل الصحة والعافية بينما في الثانية يشوبهمُ الضعف والهزال وتبدو عليم الحيرة الممزوجة بالجشع في العيون وبيد كل منهمـ وعلى الطاولتين معا ـ ملعقة طويلة بطول يساوي عرض الطاولة التي يجلسون عليها في الأولى يمسك كل شخص ملعقته من طرفها ليغمسها في صحن الشخص المقابل له ليطعمه مما أمامه ، في الثانية يحاول كل شخص أن يأكل من صحن الآخر الذي أمامه دون أن يفلح في ذلك .. صورتان تظهران بوضح تام كيف يمكن للغيرية / محبة الآخر والتعاطف معه / أن تكون مرضاة للنفس لتأتي عليها بالنفع ، بينما نجد العكس في اللوحة الثانية …
*3 ـ الطوطمية مصطلح يفيد بعبادة الأشياء ، الشمس ، القمر ، النار ، الشجرة ، الحيوان ـ وهي مرحلة كان فيها التمايز بين التجمعات البشرية ، ما قبل المدينة ـ يتم عبر تمايز المعبود ،ومن أبرز قوانين تلك المرحلة أنه لا يجوز الزواج بين أبناء الطوطم الواحد ، فالزواج جماعي ، تكون به نساء طوطم ما من نصيب رجال الطوطم الآخر والعكس صحيح أيضا ، وبحيث يكون الأبناء من حصة طوطم الأم ، في هذه المرحلة لم يكن الزواج الفردي قد ظهر ..
من الجدير الإشارة هنا الى أن الطوطمية ما تزال سارية المفعول حتى يومنا هذا في ما أصطلح على تسميته بالأسطورة السياسية حيث تمثل الدولة بعلمها الذي يحمل شارة طوطمها المعبود ، ونجد ذلك في ألوان العلم من جهة وفي الشارات المرافقة لها كالنسر أو الأرز أو الشمس أو الصليب والهلال وما غير ذلك ..
(4) السنه الضوئيه هى وحدة قياس المسافات فى الفضاء الخارجى . وهى المسافه التى يمكن أن يقطعها الضوء فى السنة الأرضية الواحدة ولما كان الضوء يتحرك بسرعة 300,000 كم فى الثانيه فإن السنه الضوئيه تساوى (9,500,000,000,000) كيلومتر.

هل الإيمان ب” الغيب” ضرورة
الخلاصة
(10)
الحقيقة التي لا شكَّ فيها ، أننا نعيش في كونٍ مضطربٍ لا استقرار فيه ، وأننا حيال ما نحن مهددون به ، مطالبون في إيجاد الوسائل التي تمكننا من الاستمرار في الحياة ، أو بالأحرى ، نحن ملزمون بإيجاد أفضل تلك الوسائل للإبقاء على هذا ـ الفيروس ـ الانسان ـ وانتشاره في هذا الكون ليمدّهُ بضجيج الحياة الرائع ، وأننا ، وإن نكن منشغلين بمصيرنا كأفراد فنحن معنيّون أيضا بمصير البشرية جمعاء في هذه الحياة دون سواها والتي كان ” الغيب الديني ” قد اعتبرها طريقا للدنيا الآخرة ،وأن كل ما عليها انجازه هو أن تطبق شرائعه لبلوغ ما هي طامعة به …
في / الأنا ما بعد العليا / تغدو الحياة الآخرة غير تلك التي أنبأنا بها ” الغيب الديني ” ،والمقتصرة على حياة الفرد في مسعاه لحياة أبدية ، هنا تضحى الحياة حياة الآخرين ،بما فيها حياة الفرد ، لكنها وبدلا من أن تكون بعد الموت تبقى استمراراً لهذه الحياة التي نحياها،هي حياة معاشة متلمسة ، مدركة في كل ما تعنيه وتستهدفه .. ،ومن هنا ، أيضاً يغدو مفهوم مصطلح / ما بعد الأنا العليا / مصطلحا قابلاً للحياة ، لأنه المصطلح الوحيد الذي يضمن ـ عقلياً ـ استمرار البشرية في التقدم والارتقاء والانفلات من حدود المكان والزمان …
في / ما بعد الأنا العليا / نقرُّ بأن انفلاتنا من حدود المكان يكون بالسيطرة على تلك الحدود وليس بالاستسلام لها والحيلولة دونها ودون فنائنا المتوقع في كل لحظة ، وذلك عبر البحث المتواصل والدؤوب في معطى الزمان ـ كمشتق من المكان المتمدد باستمرار عبر انتفاخ الكون ،الزمن كمشتق من حركة الكون الكلية الباحثة عن استقرار لها ،يبدو أنه يحمل ذات الخصائص التي للمكان من حيث التمدد ومن حيث أنه تابع للمكان ، أي أن الزمن متغيرٌ بتغير المكان وتاليا فهو لا يتمتع بأنه واحدٌ في الكون نظرا لكونه تابع للسرعة التي يتحرك بها الجسم / الشكل الآخر للمكان / أيضاً
هذا الانفلات من حدود المكان ، على ما يبدو أنه مستحيل عبر هذه الحركة الموضوعية للكون ، والتي تبدو أيضا لانهائية من حيث حركته التقلصيّة التي تلي تمدده ، وحيث لا يكون من مهرب من هذه الحركة ، للحفاظ على الفيروس الانساني ، سوى الانتقال لكونٍ آخر يمدنا بالزمن الكافي للخروج من دائرة الفناء البشري ..
إن الزمان كمعطى ،مشتق من المكان ، هو الآخر موضوعي النزعة ، وهو كما المكان يتميز بخاصية التمدد والتي تمكننا ، عبر عمرنا اللحظي / والذي تحدد وفق معطيات المكان ـ الأرض ـ / ، من السيطرة على بعض خصائصه الموضوعية ، والتي قد يجد فيها مصطلح الحياة الأبدية كما هو في ” الغيب الديني ” بعضاً من تجلياته،لكن على نحوٍ ملموس .. كيف ؟!!
إن تمدد المكان ، عبر انتفاخ الكون قد تم قياسه بدقة متناهية عبر جملة من الأدوات التي توسع مداركنا ( الحواس الخمس ) وتمدها بأبعاد عملية رائعة ينحسر فيها مجال الخطأ لدرجة منعدمة التأثير في نتائجها المتوقعة ، هكذا مثلا يمكننا القول أنه” اذا كان لكل علةٍ معلول ” فإن تمدد الكون تبقى علته في ما اتفق على تسميته ب ” الطاقة المظلمة ” والتي تعمل على مقاومة الجاذبية ، كما وأن ” النجوم النابضة ” هي التي تمدُّ الكون بالطاقة التي تعمل على توسعه والذي تمَّ حسابه بدقة تبقى مقبولة في حدود أدواتنا المعروفة والتي يمكن لتطورها في المستقبل أن تمدنا بدقة أكثر تتكشف من خلالها امكانات أخرى للسيطرة على ما هو موضوعي وتمكننا من تحقيق ما استهدفه ” الغيب الديني ” من مقولة / كن فيكون / ..
الكون ينتفخ اذن ، هو يتوسع ، بمعنى آخر ، وتوسعه يبقى حتى اللحظة بمقدار 74.3 زائد أو ناقص 2.1 كيلومتر (46.2 زائد أو ناقص 1.3 ميل ) في كل ثانية لكل ميجابارسيك ( ميجا وحدة قياس فلكية ) حيث أن الواحد ميجابارسيك يساوي تقريباً 3 مليون سنة ضوئية ، وهي على هذا النحو سرعة هائلة لا يمكننا مجاراتها في حال من الأحوال ، ومع ذلك نحن ملزمون بالإنفلات منها عبر ما يمدنا به الزمان من مقومات تمكننا من اختراق المكان عبرالزمان نفسه ، فكما الكون يتمدد كذلك هو الزمن ،يتمدد أيضا ، هذه الخاصة هي التي تبدو حتى اللحظة سفينتنا لاختراق المكان ،او الانفلات من حدوده الصارمة ، وعندما نقول أن الزمن يتمدد ، فلهذا المصطلح مفهوم آخر ، هو يتمدد بمعنى أنه يتباطئ ، هنا تباطئ الزمن يأتي كمصطلح قادر أن يمدَّ الانسان بالعودة للماضي أو السفر للمستقبل أو البقاء في الحاضر ، كما هو المكان في حركتنا يمنة ويسارا خلفا والى الأمام للأعلى وللأسفل ، كذلك نحن في الزمن ، قادرون على المضي فيه وفق ما نشاء ، وعلى ما يبدو أن السفر للمستقبل هو ضالتنا في هذا الوقت بالذات…،
ليس ما تقدم افتراضا ، إنما هو واقع ملموس ، نحن بحاجة لوسائله فقط والتي لن نعجز عن ابتكارها في المدى المتاح لنا ..
لكن علينا توضيح فكرة سفرنا الى المستقبل بشئ من التبسيط حتى يتاح لنا فهم المقصود من هذا المصطلح ، يمكننا ذلك من خلال فهم أن الزمان الكوني ليس واحدا في كل مكان من هذا الكون اللامتناهي ، كما أشرنا أعلاه ـ ، إن الزمن في واقع الحال ، نسبي ، مرتبط بالمكان والحركة التي هو عليها ، فعمرنا مثلا مرتبط بهذه الكرة التي نشأنا عليها ، وتاليا فإن مغادرتنا لها وفق سرعات مختلفة تجعل من عمرنا متباطئ لدرجة تبدو مذهلة ، فوفق السرعة التي تقترب من سرعة الضوء مثلا ـ والتي هي السرعة الوحيدة المعروفة لنا حتى اللحظة ـ ًيمكننا أن نسافر بعيدا عن كرتنا الأرضية بحيث أن ابتعادنا عن الأرض مثلا مدة سنوات عشر هي رحلة ذهابنا وإيابنا إليها ، نكون ، وفق السرعة التي سافرنا بها وعدنا بها ،أيضا ، يكون قد مضى من عمر الأرض ما يقارب الألف عام ، الا يعتبر هذا انجازاً أشبه ما يكون بحياة أبدية ، فنحن المسافرون بعيدا عن الأرض يكون قد مضى من عمرنا فقط عشر سنين بينما تكون هذه السنوات العشر مساوية لألف سنة على كوكب الأرض , وإذا عدنا وسافرنا مرة أخرى وعدنا ـ ووفق سرعة تقترب من سرعة الضوءـ فسيكون قد مضى من عمرنا عشرون عاما بينما يكون قد مضي من عمر القاطنين على الأرض ألفي عام ؟ !!
يبدو أننا في هذا أقرب ما نكون لحياة أبدية ، تبدو مملة في ترحالها عبر الزمن على الصعيد الفردي ، لكنها تبدو على العكس من ذلك إذ ما انتجت من المعرفة ما يُمكِّن الانسان من الانتشار في هذا الكون أو في الانتقال الى كون آخر .. هو مجرد تمني نأمل أن يتحقق ، وقد بتنا على وشك دخول تطبيقات هذا التمني حيث أفادت تقارير علمية من تمكن عالم الروسي من ايجاد وسيلة نتمكن من خلالها السفر الى المريخ بمسافة زمنية تقدر بأربع وعشرين ساعة بينما كان يلزمنا قبل ذلك ثمانية أشهر على أقل تعديل .. إنه انجاز رائع ويبشر بإمكانية بلوغ سرعاتنا المستقبلية حدود سرعة الضوء .. وإذا ما دخلنا علم الفيزياء عبر النظرية “الكوانتية” فإننا لا شك عابرون حدود المادة حيث ينتهي الجزيء الى حركة موجية والعكس صحيح أيضا ، فما تحت البنية الذرية ما يزال يدهشنا بهذه الثنائبة التي إن استطعنا حلَّ رموزها وأسرارها فلا شك أننا عابرون بها الى قلب المادة حيث تتكشف لنا أبعاداً جديدة من هذا الكون أو الأكوان التي نأمل الانتشار بها لتستعمرها الحياة كحادثة فريدة من نوعها في هذا الوجود !!!؟
في خلاصة ما نقدمه ، رغم استطرادنا في ما نرتكز عليه من حقائق العلمية وما تقدمه لنا من فهم لمجريات حياتنا ، يبدو لنا الغيب ، و”الغيب الديني” تحديدا ـ من حيث هو شرط لازم غير كاف ،ٍ قد استحال وفق ذلك لفلسفة اجتماعية ترسم آفاق وحدود العلاقات الانسانية ـ قد ساهم مساهمة فعَّالة في كل ما تقدم فهو الباعث على التساؤل وهو في الوقت ذاته اجابة الانسان على تساؤله حيال كل ما تطالعه به الحياة في اشكالياتها وما تمنحه إياه من حلول لهذه الاشكاليات على أي مستوى من مستوياتها ، انطلاقا من درجة الانسان المعرفية والمستويات التي وصلت لها .. هكذا نجد أن الغيب الديني كان المحرض الأول والأخير لما تقدم بكليته فهو الباحث عن المعرفة والباعث الى البحث في هذه المعرفة وتشذيب أخطائها وشطحاتها التي تخلط التصور والتخيل والتمني بالحقيقة ، وهو الباعث أيضا على مدنا بأبرز خطواتنا نحو اكتمالنا الذاتي وتجسدنا الإلهي وتوقنا المفعم بالتمني للتحقق من امكانية ذلك …
نحن هنا ،في واقع الحال ، حيال “غيبين ” ، أحدهما ديني والآخر عقلاني ، وكلاهما يدفعانا للتساؤل ، وكلاهما يدفعانا للإجابة ، الأول يدفعنا للإجابة بالتسليم ، بالإيمان ، بالقلب لا بالعقل ، ويشترط علينا عدم التساؤل ، بل يحول دون ذلك بالنهي عنه ف ـ التفكير في ذات الله كُفر ـ وهو بذلك يدفعنا الى تناقض ذاتي تضطرب من خلاله حياتنا ، ولا نجد لهذا الاضطراب من مخرج سوى التناقض مع ذواتنا المضطربة أساساً في بحثها عن الاستمرارية في حياة تراها ممتعة لدرجة أن الجنة بحد ذاتها إنما تمثلت بها بل واستُنسخت عنها ومنها ..
الغيب الآخر هو الغيب العلمي ، والذي أفضنا في الحديث عن منجزاته وإمكانياته ومداه اللا محدود ، وهو على عكس الغيب الديني يفسح لنا المجال رحبا للتساؤل دون أية قيود أو شروط أو حدود .. يدفعنا وباستمرار لنقض ما تثبت التجربة خطأه ويسمح لنا بالبحث فيه مجددا دون أية اعتراضات على ما نقوم به ، هو رحب للغاية ، لدرجة أنه يسمح لنا بتفسير رؤانا بمعادلات رياضية أو بتجارب مخبرية تفتقر للشمولية أو حتى لإمكانية التطبيق الفعلي ، يسمح لنا بالتعاطي معها كحقائق ، كموضوعات قابلة في كل زمان ومكان للتجريب والتحليل والتركيب .. ويقبلها كافتراضات ويتعامل معها كإمكانية تحقق ،
نحن حيال” غيبين ” يتمثل الأول في دائرتنا النفسية على النحو التالي : الشكل رقم (1)
10731115_436124303205550_6824107059512963597_n
هو على هذه النحو لأنه في الأساس وراثي ، وهذه مسألة ذات أهمية بالغة إذ أنها تشكل القاعدة والمنطلق والوسيلة والهدف ، ذلك أنها تربوية بالمطلق ، فما من أحد منا أختار أن يكون في هذا الدين أو ذاك ، كلنا ورثنا أدياننا كما أسماء عائلاتنا ونشأنا في دائرتهما النفسية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ الثقافية ، وعليه يكون الماضي أو الهو أو الغريزة أو البيولوجي أو.. هو الركن الأساسي والمرتكز الذي تسير وفقه حياتنا في عقابها وثوابها ، بينما قد لا تشكل المعرفة بالدين ، كدراسة أو بحث أو أي شكل من أشكال المعرفة، مستوى معرفي ذو أهمية في حياتنا ، فنحن مُسَلّْمون أمرنا لله ولممثليه على الأرض ومسلمون بكل النواهي والشرائط التي يشترطونها ، طالما أنهم هم من أوكل الله لهم عبر أنبيائه لهم سلطة قائمة على فقه ما ارتأؤه من الدين بما يتناسب وتكيُّفهُ والبيئة الاجتماعية والمفاهيم السائدة فيها…
فالآخرة ، أو الحياة ما بعد الموت ، تبقى مجرد افتراض ، ذلك أنها لا تشكل في حياتنا سوى حيزٍ بسيط ـ كما هو واضح في الشكل ـ وتبقى ذا تأثير محدود ومطمح لا يحول دون الخوف من الموت ، وهذه نقطة جوهرية ومهمة أيضا ، فلو كنا فعلا مؤمنين بهذه الحياة لما كان للموت هذه الرهبة التي نقف حيالها عاجزين عن استيعابها وضمنيَّاً غير مرغوب بها بأية حال ،
كذلك هي الحال بالنسبة لما نحياه ، فنحن نرى حياتنا من منظور الإرث الديني في نواهيه ، في ثوابه وعقابه ، لكننا مع ذلك نزاوج بين هذا الإرث وبين متطلبات الحياة ونزوع الأخيرة للانقضاض المستمر على كل عقاب يحول دوننا وإياها ، عبر جملة لامتناهية من التبريرات ( الافتاءآت ) التي تجد لها مسندا ومستندا في الإرث الديني ومبرراته في ضرورة توافقه مع ما نحياه على مختلف جوانبه ،
هكذا يغدو الإرث الديني هو حجر الأساس في الغيب الديني ولا يشكل كلاً من الحياة والغيب بحد ذاته مساحة ـ كما في الشكل ـ يمكن من خلالها الوثوق بعكس ما ذهبنا اليه منذ بداية البحث من أن الغيب الديني يستحيل لفلسفة اجتماعية تعنى بشؤون الحياة أكثر من الآخرة وإن كانت تُسَخِرُ الأولى للثانية عبر الموروث ، وأن الغيب الديني يبقى والحال هي هذه ، شرط لازم لكنه غير كاف لاستقرار حياتنا مهما كانت وكيفما كانت والى أينما سارت واتجهت ..
العيب الآخر ، وهو الغيب العلمي ويتمثل بالشكل التالي : الشكل رقم (2)
10277409_436124233205557_8158762481040684734_n
في هذا الشكل يتضح جليا أننا نحيا في مختلف مناحي حياتنا ذلك أننا نستطيع تحليل جملة التصرفات والمسلكيات وإعادتها لمختزننا من تربيتنا والأحداث التي مرت بنا و..و… فما من مسلك نسلكه إلا وله من تراثنا التربوي والحدثي نصيب ، كذلك الحاضر نحن على يقين بأن ما نقوم به مدرك في جملة حيثياته بل ولأكثر من ذلك مدرك بدوافعه ووسائله وغاياته ، فلا شيء يهبط علينا من السماء ، لا شيء غير مدرك بدوافعه ووسائله وغاياته ، لا شيء غيبي ، كل ما أقوم به مدرك بالعقل أو بالعاطفة أو بالغريزة ومترادفات هذه وتلك وفق ما ذهبنا اليه مقدما ،أما المستقبل، فنحن نعمل له ونتمنى الوصول لمختلف جوانبه لأننا نسير بالاتجاه الصحيح حيث التجربة لنا خبر برهان ، أما ما يتعلق بالغيب ـ ما بعد الأنا العليا ـ فإنه مدرك رياضيا أو فيزيائيا أو تنحى منحاه التجرب فهو غيب معاش ، مدرك ، محسوس ، وإن يكن بالفكر والمنطق والتجربة ، فالغيب العلمي يبقى رغم من كل ما قدمناه من مستندات علمية ـ حفل بها هذا البحث ـ جملة افتراضات، تبقى كذلك طالما أنها غير متحققة إلا رياضيا أو فيزيائيا ، وتبقى على هذه السوية طالما أنها غير متاحة عملياً ، أو معاشة واقعياً ، فنحن لا نستطيع مثلاً السفر بسرعة الضوء ، لأننا في هكذا حال ، سوف نتحول الى فوتون ونتبخر في الفضاء كضوء ، وحتى لو افترضنا أننا تمكنا من السفر بسرعة تقارب سرعة الضوء ، فنحن والحال غير قادرون على بلوغ ما نراه عبر هذه التلسكوبات التي تمدنا بحقائق نحن أعجز من تلمسها أو الوصول اليها سوى بالنظر أو الفكر أو بالمنطق العلمي والعقلي معاً ـ على الرغم من ترابطهما ترابطا عضوياً ـ نحن إذن أمام غيب مدرك غير معاش ، يدفعنا للتفاؤل بمستقبل تتضح بها صورته أكثر فأكثر كلما تقدم الانسان في منجزاته التي على تقدمها ما تزال تحبو في رحابة هذا الكون أو مجموعة الأكوان التي ننتمي إليها ، فانتاج خلية حية يُبشر بالكثير من الأمل في انتاج الحياة خارج الأطر المعروفة كما وات ظاهرة الاستنساخ تبشر أيضا بإعادة ـ ولو شكليا ـ انتاج أشخاص لا نود رحيله عنا ، والأكثر من ذلك إثارة هو ما تمكن منه بعض العلماء الروس بإعادة الحياة لبيضة مسلوقة ، مما يُبشر بإمكانية إعادة الحياة لكائنات حية كائنة ما كانت ومن جملتها الانسان …
نحن حيال غيبين كلٌ منهما يقدم مغرياته لنا بشكل مغاير للآخر ، فأيهما نختار ؟